Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 206

11

وَلَقَدْ خَلَقْنَٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ

And We have certainly created you, [O Mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees. He was not of those who prostrated.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى آدَمَ الَّتِي سَرَتْ إلى بَنِيهِ، وبَيَّنَ لَهم عَداوَةَ إبْلِيسَ وما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحَسَدِ لِأبِيهِمْ، لِيَحْذَرُوهُ ولا يَتَّبِعُوا طَرائِقَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾

" ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ هَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨] ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] وفي تَصْدِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ، كالَّتِي قَبْلَها، إعْلامٌ بِكَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِها.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما نَسَبَ الخَلْقَ والتَّصْوِيرَ إلى المُخاطَبِينَ، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرُهُ حَتْمًا، تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِمْ، بِالرَّمْزِ إلى أنَّ لَهم حَظًّا مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرِهِ، لِما أنَّهُما لَيْسا مِنَ الخَصائِصِ المَقْصُورَةِ عَلَيْهِ، بَلْ مِنَ الأُمُورِ السّارِيَةِ إلى ذُرِّيَّتِهِ جَمِيعًا، إذِ الكُلُّ مَخْلُوقٌ في ضِمْنِ خَلْقِهِ عَلى نَمَطِهِ، ومَصْنُوعٌ عَلى شاكِلَتِهِ، فَكَأنَّهُمُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ خَلْقُهُ وتَصْوِيرُهُ. أيْ: خَلَقْنا أباكم آدَمَ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ، ثُمَّ صَوَّرْناهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ، وأحْسَنَ تَقْوِيمٍ، سارَ إلَيْكم جَمِيعًا – انْتَهى-.

Al-A'raaf 7:11Listen in Qur'an →
12

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍۢ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍۢ

[Allah] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾

﴿قالَ﴾ " سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ " أيْ أنْ تَسْجُدَ كَما وقَعَ في سُورَةِ (ص). و" لا " مَزِيدَةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ، ولِتَوْكِيدٍ لِمَعْنى الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ وتَحْقِيقِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] كَأنَّهُ قِيلَ: لِيَتَحَقَّقَ عِلْمُ أهْلِ الكِتابِ، وما مَنَعَكَ أنْ تُحَقِّقَ السُّجُودَ وتُلْزِمَهُ نَفْسَكَ.

وتَوَقَّفَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في وجْهِ إفادَةِ " لا " النّافِيَةِ تَأْكِيدَ ثُبُوتِ الفِعْلِ مَعَ إيهامِ نَفْيِهِ، واسْتَظْهَرَ الشِّهابُ أنَّها لا تُؤَكِّدُهُ مُطْلَقًا، بَلْ إذا صَحِبَتْ نَفْيًا مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا صَرِيحًا أوْ غَيْرَ صَرِيحٍ، كَما فِي: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] وكَما هُنا، فَإنَّها تُؤَكِّدُ تَعَلُّقَ المَنعِ بِهِ –انْتَهى-.

وقِيلَ: (ما مَنَعَكَ)، مَحْمُولٌ عَلى (ما حَمَلَكَ وما دَعاكَ)، مَجازًا أوْ تَضْمِينًا.

وقالَ الرّاغِبُ: المَنعُ ضِدُّ العَطِيَّةِ، وقَدْ يُقالُ في الحِمايَةِ. والمَعْنى ما حَماكَ عَنْ عَدَمِ السُّجُودِ. ولا يَخْفى أنَّ السُّؤالَ عَنِ المانِعِ مِنَ السُّجُودِ، مَعَ عِلْمِهِ بِهِ، لِلتَّوْبِيخِ ولِإظْهارِ مُعانَدَتِهِ وكُفْرِهِ وكِبَرِهِ، وافْتِخارِهِ بِأصْلِهِ وتَحْقِيرِهِ أصْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. كَما أوْضَحَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مِنَ العُذْرِ الَّذِي هو أكْبَرُ مِنَ الذَّنْبِ -انْتَهى.

وإنَّما قالَ هَذا، ولَمْ يَقُلْ (مَنَعَنِي كَذا) مُطابَقَةً لِلسُّؤالِ. لِأنَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي جاءَ بِها مُسْتَأْنَفَةً، ما يَدُلُّ عَلى المانِعِ، وهو اعْتِقادُهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، والفاضِلُ لا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْمَفْضُولِ، مَعَ ما في طَيِّها مِن إنْكارِ أنْ يُؤْمَرَ مِثْلُهُ بِالسُّجُودِ لِمِثْلِهِ. فالجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْجَوابِ بِقِياسٍ اسْتِدْلالِيٍّ، وهي مِنَ الأُسْلُوبِ الأحْمَقِ كَما في قِصَّةِ نَمْرُوذَ.

وقَدْ عَلَّلَ ما ادَّعاهُ مِنَ الخَيْرِيَّةِ والفَضْلِ بِزَعْمِهِ أنَّ عُنْصُرَ النّارِ أفْضَلُ مِن عُنْصُرِ الطِّينِ، لِأنَّها جَوْهَرٌ نُورانِيٌّ، وهو ظَلْمانِيٌّ، ولَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ حَيْثُ خَصَّ الفَضْلَ بِما مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ، وغَفَلَ عَمّا يَكُونُ بِاعْتِبارِ الفاعِلِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] أيْ: بِغَيْرِ واسِطَةٍ، وبِاعْتِبارِ الصُّورَةِ، كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [ص: ٧٢] وبِاعْتِبارِ الغايَةِ وهو مَلاكُ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ لِما بَيَّنَ لَهم أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الخِلافَةِ في الأرْضِ، وأنَّ لَهُ خَواصَّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ.

وبِالجُمْلَةِ فالشَّيْءُ كَما يَشْرُفُ بِمادَّتِهِ، يَشْرُفُ بِفاعِلِهِ وغايَتِهِ وصُورَتِهِ، والثَّلاثَةُ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهُ، فاسْتَبانَ غَلَطُهُ.

وفِي (اللُّبابِ) أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إبْلِيسَ جَهِلَ وجْهَ الحَقِّ، وأخْطَأ طَرِيقَ الصَّوابِ، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِن جَوْهَرِ النّارِ الخِفَّةُ والطَّيْشُ والِارْتِفاعُ والِاضْطِرابُ، وهَذا الَّذِي حَمَلَهُ، مَعَ سابِقَةِ شَقائِهِ، عَلى …

Al-A'raaf 7:12Listen in Qur'an →
13

قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ

[Allah] said, "Descend from Paradise, for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾

﴿قالَ﴾ " تَعالى لِإبْلِيسَ ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ " أيْ: بِسَبَبِ عِصْيانِكَ لِأمْرِي وخُرُوجِكَ عَنْ طاعَتِي، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الجَنَّةِ، والإضْمارُ قَبْلَ ذِكْرِها لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مِن سُكّانِها.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المَنزِلَةِ الَّتِي هو فِيها مِنَ المَلَكُوتِ الأعْلى –انْتَهى- .

وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ المَهايِمِيُّ حَيْثُ قالَ: فاهْبِطْ مِنها أيْ: مِن رُتْبَةِ المَلَكِيَّةِ إلى رُتْبَةِ العَناصِرِ: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ أيْ: فَما يَصِحُّ ولا يَسْتَقِيمُ، فَإنَّها مَكانُ المُطِيعِينَ الخاشِعِينَ ﴿فاخْرُجْ﴾ " تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ، مُتَفَرِّعٌ عَلى عِلَّتِهِ ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ " أيْ: مِنَ الأذِلّاءِ وأهْلِ الهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى وعَلى أوْلِيائِهِ.

Al-A'raaf 7:13Listen in Qur'an →
14

قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ

[Satan] said, "Reprieve me until the Day they are resurrected."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

﴿قالَ أنْظِرْنِي﴾ " أيْ: أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ " أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ مِنَ القُبُورِ.

Al-A'raaf 7:14Listen in Qur'an →
15

قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ

[Allah] said, "Indeed, you are of those reprieved."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿قالَ إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾

﴿قالَ﴾ " أيِ: اللَّهُ لَهُ ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ " أيْ مِنَ المُؤَجَّلِينَ إلى نَفْخَةِ الصُّورِ الثّانِيَةِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أجابَهُ تَعالى إلى ما سَألَ، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ والإرادَةِ والمَشِيئَةِ الَّتِي لا تُخالَفُ ولا تُمانَعُ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

وقالَ الإمامُ أبُو سَعْدٍ المُحْسِنُ بْنُ كَرامَةَ الجَشْمِيُّ اليَمانِيُّ في تَفْسِيرِهِ (التَّهْذِيبِ): ومَتى قِيلَ: ما وجْهُ سُؤالِهِ مَعَ أنَّهُ مَطْرُودٌ ومَلْعُونٌ؟ فَجَوابُنا عِلْمُهُ بِإحْسانِهِ تَعالى إلى خَلْقِهِ مَن أطاعَ ومَن عَصى، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ السُّؤالِ ما ارْتَكَبَ مِنَ المَعْصِيَةِ. ومَتى قِيلَ: هَلْ خاطَبَهُ بِهَذا؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ ذاكَ، ويَحْتَمِلُ أنَّهُ أمَرَ مَلَكًا فَخاطَبَهُ بِهِ. ومَتى قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ إجابَةُ دُعاءِ الكافِرِ؟ قُلْنا: فِيهِ خِلافٌ.

الأوَّلُ: قِيلَ لا، لِأنَّهُ إكْرامٌ وتَعْظِيمٌ -عَنْ أبِي عَلِيٍّ - ولِذَلِكَ يُقالُ: فُلانٌ مُسْتَجابُ الدَّعْوَةِ، وإنْظارُهُ لا عَلى سَبِيلِ إجابَةِ دُعائِهِ، لِأنَّهُ مَلْعُونٌ ولِأنَّهُ لَمْ يَسْألْ عَلى وجْهِ الخُضُوعِ.

الثّانِي: يَجُوزُ إجابَةُ دُعائِهِ اسْتِصْلاحًا لَهُ، لِأنَّهُ تَفَضُّلٌ -عَنْ أبِي بَكْرٍ أحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ - ولَيْسَ بِالوَجْهِ. ومَتى قِيلَ: إذا أُنْظِرَ هَلْ يَكُونُ إغْراءً بِالمَعْصِيَةِ؟ قُلْنا: لا، لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ما الوَقْتُ المَعْلُومُ، فَلا يَكُونُ إغْراءً مَعَ تَجْوِيزِهِ هُجُومَ المَوْتِ عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْلَمَهُ أنَّهُ يُدْخِلُهُ النّارَ، ولَعَنَهُ -عَلِمَ أنَّهُ لا يَخْتارُ الإيمانَ أبَدًا.

ومَتى قِيلَ: ما فائِدَةُ إنْظارِهِ؟ قُلْنا: لُطْفٌ لَهُ، لِأنَّهُ يُمْكِنُهُ مِنِ اسْتِدْراكِ أمْرِهِ.

وهَلْ يَضِلُّ بِهِ أحَدٌ؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢] ﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] ولِأنَّهُ لَوْ ضَلَّ بِهِ أحَدٌ، لَكانَ بَقاؤُهُ مَفْسَدَةً، فَكانَ اللَّهُ تَعالى لا يُنْظِرُهُ. فَأمّا أبُو هاشِمٍ فَيُجَوِّزُ أنْ يَضِلَّ بِهِ أحَدٌ، ويَكُونُ بِمَنزِلَةِ زِيادَةِ الشَّهْوَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لُطْفًا مِن وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّ المُكَلَّفَ مَعَ وسْوَسَتِهِ إذا امْتَنَعَ مِنَ القَبِيحِ، كانَ ثَوابُهُ أكْثَرَ، ولِأنَّهُ تَعالى عَرَّفَنا عَداوَتَهُ، والعاقِلُ يَجْتَهِدُ في أنْ يَغِيظَ عَدُوَّهُ ويَغُمَّهُ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِطاعَةِ رَبِّهِ، ومَن أطاعَهُ فَمِن قِبَلِ نَفْسِهِ أُتِيَ، لا مِن قِبَلِ رَبِّهِ. انْتَهى كَلامُ الجَشْمِيِّ، وهو جارٍ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.

Al-A'raaf 7:15Listen in Qur'an →
16

قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ

[Satan] said, "Because You have put me in error, I will surely sit in wait for them on Your straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾

﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ " أيْ أضْلَلْتَنِي عَنِ الهُدى، أوْ حَكَمْتَ بِغِوايَتِي، والباءُ لِلْقَسَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ [ص: ٨٢] أيْ: فَأُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأجْلِ إغْوائِكَ إيّايَ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾ " أيْ: لِآدَمَ وبَنِيهِ تَرَصُّدًا كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلطَّرِيقِ عَلى السّابِلَةِ ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ " أيْ طَرِيقَكَ السَّوِيَّ، وهو طَرِيقُ الحَقِّ، ومَعْناهُ لا أفْتَرِ عَنْ إفْسادِهِمْ. وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ عَلى نَزْعِ الجارِّ.

Al-A'raaf 7:16Listen in Qur'an →
17

ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾

" ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ الأرْبَعِ. مَثَّلَ قَصْدِهِ إيّاهم بِالتَّسْوِيلِ والإضْلالِ مِن أيِّ وجْهٍ يُمْكِنُهُ، بِإتْيانِ العَدُوِّ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي يَعْتادُ هُجُومَهُ مِنها. ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الفَوْقَ والتَّحْتَ.

﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ أيْ مُسْتَعْمِلِينَ لِقُواهم وجَوارِحَهم وما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ في طَرِيقِ الطّاعَةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ.

وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِما رَآهُ مِنَ الأماراتِ عَلى طَرِيقِ الظَّنِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ فاتَّبَعُوهُ إلا فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [سبإ: ٢٠] رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ سَبْرَةَ بْنِ الفاكِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ الشَّيْطانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الإسْلامِ، فَقالَ: أتُسْلِمُ وتَذَرُ دِينَكَ ودِينَ آبائِكَ وآباءِ أبِيكَ؟ قالَ: فَعَصاهُ فَأسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الهِجْرَةِ فَقالَ: أتُهاجِرُ وتَدَعُ أرْضَكَ وسَماءَكَ، وإنَّما مَثَلُ المُهاجِرِ كالفَرَسِ في الطِّوَلِ، قالَ: فَعَصاهُ فَهاجَرَ. قالَ: ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الجِهادِ فَقالَ لَهُ: هو جِهادُ النَّفْسِ والمالِ، فَتُقاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ المَرْأةُ ويُقَسَّمُ المالُ؟ قالَ: فَعَصاهُ فَجاهَدَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنهم فَماتَ، كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ قُتِلَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وإنْ غَرِقَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ وقَصَتْهُ دابَّتُهُ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ»» .

وقالَ الحافِظُ: ورَدَ في الحَدِيثِ اسْتِعاذَةٌ مِن تَسَلُّطِ الشَّيْطانِ عَلى الإنْسانِ مِن جِهاتِهِ كُلِّها، فَرَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَعُ هَؤُلاءِ الدَّعَواتِ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ العَفْوَ والعافِيَةَ في دِينِي ودُنْيايَ، وأهْلِي ومالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِن بَيْنِ يَدَيَّ ومِن خَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي وعَنْ شِمالِي، ومِن فَوْقِي وأعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتالَ مِن تَحْتِي» . ورَواهُ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

فائِدَةٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ أنَّهُ سَألَ الإنْظارَ، وأنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ، وقَدْ بَيَّنّا ما قِيلَ فِيهِ، وتَدُلُّ عَلى شِدَّةِ عَداوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ وحِرْصِهِ عَلى إضْلالِهِمْ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ أكْثَرَ بَنِي آدَمَ غَيْرُ شاكِرِينَ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الإضْلالَ فِعْلُ إبْلِيسَ، والقَبُولُ عَنْهُ فِعْلُهُمْ، لِذَلِكَ أضافَهُ إلَيْهِمْ، وذَمَّهم عَلَيْهِ، ولَوْ كانَ خَلْقًا لَهُ لَما صَحَّ ذَلِكَ. انْتَهى- والكَلامُ في أمْثالِها مَعْرُوفٌ.

ثُمَّ أكَّدَ تَعالى عَلى إبْلِيسَ اللَّعْنَةَ والطَّرْدَ والإبْعادَ عَنْ مَحَلِّ المَلَأِ الأعْلى، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-A'raaf 7:17Listen in Qur'an →
18

قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ

[Allah] said, "Get out of Paradise, reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾

﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا﴾ " بِالهَمْزَةِ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، مِن (ذَأمَهُ)، إذا حَقَّرَهُ وذَمَّهُ، وقُرِئَ " مَذُومًا " بِذالٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ، وهي تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ المَهْمُوزِ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ ثُمَّ حَذْفِها، وأنْ تَكُونَ مِنَ المُعْتَلِّ، وكانَ قِياسُهُ (مَذِيمٌ) كَمَبِيعٍ، إلّا أنَّهُ أُبْدِلَتِ الواوُ مِنَ الياءِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ (مَكُولٌ) في مَكِيلٍ، و(مَشُوبٌ) في مَشِيبٍ.

﴿مَدْحُورًا﴾ " مَقْصِيًّا مَطْرُودًا ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ " اللّامُ فِيهِ، لِتَوْطِئَةِ القَسَمِ، وجَوابُهُ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ "، أيْ: لَمَن أطاعَكَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِن كُفّارِكُمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣]

قالَ الجَشْمِيُّ: وإنَّما قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَكُونُ في جَهَنَّمَ إلّا إبْلِيسُ وحِزْبَهُ مِنَ الشَّياطِينِ، وكُفّارُ الإنْسِ وفُسّاقُهُمُ، الَّذِينَ انْقادُوا لَهُ وتَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ لِأمْرِهِ، فَجَمَعَهم في الخِطابِ، ومَتى قِيلَ: لِمَ ضَيَّقَ جَهَنَّمَ ووَسَّعَ الجَنَّةَ؟ قُلْنا: لِأنَّ جَهَنَّمَ حَبْسٌ، والجَنَّةَ دارُ مُلْكٍ. ومَتى قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ﴾ قُلْنا: لُطْفًا لِيَكُونَ المُكَلَّفُ تَبَعًا لِلْأنْبِياءِ دُونَ الشَّياطِينِ، ولُطْفًا لِإبْلِيسَ وحِزْبِهِ، لِأنَّهُ غايَةٌ في الزَّجْرِ والنَّهْيِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى الوَعِيدِ لِمَن تَبِعَ إبْلِيسَ، وأنَّهُ يَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنهم. ولا بُدَّ فِيهِ مِن شَرْطٍ، وهو أنْ لا يَتُوبَ، أوْ لا يَكُونَ مَعَهُ طاعَةٌ أعْظَمُ. وتَدُلُّ عَلى إذْلالِ إبْلِيسَ وطَرْدِهِ ولَعْنِهِ بِسَبَبِ عِصْيانِهِ، تَحْذِيرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ.

Al-A'raaf 7:18Listen in Qur'an →
19

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويا آدَمُ﴾ " أيْ: وقُلْنا يا آدَمُ ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ " أيْ جَنَّةَ الخُلْدِ، أوْ جَنَّةً في الأرْضِ.

قالَ الجَشْمِيُّ: وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ، والفائِدَةُ في إعادَتِها أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ في بِضْعٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، والعَوارِضُ تَعَرِضُ، والوُفُودُ تَقْدَمُ، فَكانَتِ القِصَّةُ تُعادُ، لِيَسْمَعَ مَن لَمْ يَسْمَعِ، اسْتِصْلاحًا ولُطْفًا. لِأنَّ في إعادَةِ قِصَّةٍ واحِدَةٍ، في مَواضِعَ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، كُلُّ واحِدٍ مِنها في نِهايَةِ الحُسْنِ، مِن إعْجازِ القُرْآنِ. ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ﴾ " أيْ: مِن كُلِّ مَكانٍ ﴿شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ " أيْ فَتَصِيرا مِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

Al-A'raaf 7:19Listen in Qur'an →
20

فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَٰلِدِينَ

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ " أيْ: إبْلِيسُ بِأكْلِ الشَّجَرَةِ مُخَيِّلًا لَهُما النَّفْعَ ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾ " أيْ: يُظْهِرُ لَهُما ﴿ما وُورِيَ﴾ " أيْ: سُتِرَ ﴿عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ " أيْ: عَوْراتِهِما واللّامُ في ﴿لِيُبْدِيَ﴾ " إمّا لِلْعاقِبَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ صُدُورَهُ مِنهُما، أيْ: فَكانَ عاقِبَةُ وسْوَسَتِهِ أنْ أظْهَرَ سَوْآتِهِما، أوْ لِلتَّعْلِيلِ والغَرَضِ، وهو الأصْلُ فِيها، بِناءً عَلى حَدْسِهِ أوْ عِلْمِهِ بِطَرِيقٍ ما.

تَنْبِيهٌ:

فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنَّهُ مُسْتَهْجَنٌ في الطِّباعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سَوْأةً، لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَها..

قالَ الحاكِمُ: وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، وأنَّهُ كانَ في شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قالَ القاضِي: لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى الوُجُوبِ، لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها إلّا أنَّهُما فَعَلا ذَلِكَ.

قالَ الأصَمُّ: في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما كَرِها التَّعَرِّيَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُما ثالِثٌ، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّعَرِّي، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ المُتَعَرِّي أحَدٌ، إلّا لِحاجَةٍ.

﴿وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا﴾ أيْ: إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا ﴿مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ويَبْقُونَ في الجَنَّةِ ساكِنِينَ.

وقَدَ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن رَأى تَفْضِيلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ، لِارْتِكابِهِما ذَلِكَ طَمَعًا في نَيْلِ ما ذُكِرَ، وأجابَ، مَن لَمْ يَرَ هَذا، بِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الواقِعَةُ قَبْلَ نُبُوَّةِ آدَمَ. ولَئِنْ كانَتْ بَعْدَها، فَلَعَلَّ آدَمَ رَغِبَ في المِلْكِيَّةِ لِلْقُوَّةِ والشِّدَّةِ والقُدْرَةِ، أوْ لِخِلْقَةِ الذّاتِ، بِأنْ يَصِيرَ جَوْهَرًا نُورانِيًّا -أشارَ لَهُ الرّازِيُّ -.

وقالَ النّاصِرُ: لا يَلْزَمُ مِنِ اعْتِقادِ إبْلِيسَ لِذَلِكَ ووَسْوَسَتِهِ بِأنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ، أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ في عِلْمِهِ تَعالى، ألا تَرى إبْلِيسَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُما مِنَ الشَّجَرَةِ حَتّى لا يَخْلُدا أوْ لا يَكُونا مَلَكَيْنِ، وهو في ذَلِكَ كاذِبٌ مُبْطِلٌ فَلا دَلِيلَ فِيهِ إذًا، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ تَقْرِيرَ اللَّهِ تَعالى لِإبْلِيسَ عَلى ذَلِكَ، ولا تَصْدِيقَهُ فِيهِ، بَلْ خُتِمَتِ الآيَةُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كَذَبَ لَهُما وغَرَّهُما، إذْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢] " فَلَعَلَّ تَفْضِيلَهُ المَلائِكَةَ عَلى النُّبُوَّةِ مِن جُمْلَةِ غُرُورِهِ -انْتَهى.

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): وأنا أقُولُ: لا أزالُ أتَعَجَّبُ مِمَّنْ أخَذَ يَسْتَدِلُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ. والكَلامُ الَّذِي فِيها، حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ قَوْلِ إبْلِيسَ في مَعْرِضِ المُناداةِ عَلَيْهِ بِالكَذِبِ والغُرُورِ والزُّورِ والتَّدْلِيسِ، وإنَّما يُسْتَدَلُّ مِن كَلامِهِ تَعالى، أوْ مِن كَلامٍ حَكاهُ عَنْ بَعْضِ أنْبِيائِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَكَلامٌ حَكاهُ راضِيًا بِهِ مُقِرًّا لَهُ -انْتَهى.

عَلى أنَّهُ قُرِئَ (مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللّامِ، كانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ. قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما أتاهُما إبْلِيسُ مِن جِهَةِ …

Al-A'raaf 7:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.