Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 151–160 of 206

151

قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ

[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥١] ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

" ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مُتَضَرِّعًا إلى رَبِّهِ اسْتِنْزالًا لِرَحْمَتِهِ، وتَعَوُّذًا بِمَغْفِرَتِهِ مِن سُخْطِهِ، ولا يَخْفى اقْتِضاءُ المَقامِ لِذَلِكَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ، وذَكَرَ لَهُ شَماتَةَ الأعْداءِ قالَ " ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولأخِي﴾ لِيُرْضِيَ أخاهُ، ويُظْهِرَ لِأهْلِ الشَّماتَةِ رِضاهُ عَنْهُ، فَلا تَتِمُّ لَهم شَماتَتُهم. واسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ إلى أخِيهِ، ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ في حُسْنِ الخِلافَةِ، وطَلَبَ أنْ لا يَتَفَرَّقا عَنْ رَحْمَتِهِ، ولا تَزالُ مُنْتَظِمَةً لَهُما في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

Al-A'raaf 7:151Listen in Qur'an →
152

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌۭ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ

Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٢] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾

" ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أيْ مَنِ افْتَرى بِدْعَةً، فَإنَّ ذُلَّ البِدْعَةِ ومُخالَفَةَ الرِّسالَةِ عَلى كَتِفَيْهِ، كَما قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ ذُلَّ البِدْعَةِ عَلى أكْتافِهِمْ، وإنْ هَمْلَجَتْ بِهِمُ البِغالُ، وطَقْطَقَتْ بِهِمُ البَراذِينُ.

وهَكَذا رَوى أيُّوبُ عَنْ أبِي قِلابَةَ الجَرْمِيِّ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ قالَ: هي واللَّهِ لِكُلِّ مُفْتَرٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ. ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عِبادَهُ وأرْشَدَهم إلى أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِن أيِّ ذَنْبٍ كانَ، ولَوْ كُفْرًا بِقَوْلِهِ:

Al-A'raaf 7:152Listen in Qur'an →
153

وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٣] ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

" ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها﴾ إلى اللَّهِ " ﴿وآمَنُوا﴾ أيْ أخْلَصُوا الإيمانَ " ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مَحّاءٌ لِذُنُوبِهِمْ، مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ.

Al-A'raaf 7:153Listen in Qur'an →
154

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٤] ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾

" ﴿ولَمّا سَكَتَ﴾ أيْ سَكَنَ " ﴿عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ أيِ الَّتِي كانَ ألْقاها مِن شِدَّةِ الغَضَبِ فَتَكَسَّرَتْ " ﴿وفِي نُسْخَتِها﴾ أيْ فِيما نُسِخَ مِنها، أيْ كَتَبَ. والنُّسْخَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالخُطْبَةِ " ﴿هُدًى ورَحْمَةٌ﴾ بِالشَّرائِعِ والوَصايا الرَّبّانِيَّةِ، المُرْشِدَةِ لِما فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ " ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أيْ: يَخْشَوْنَ.

لَطِيفَتانِ:

الأُولى: قالَ أبُو السُّعُودِ: في هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ بِتَنْزِيلِ الغَضَبِ، الحامِلِ لَهُ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ، مَنزِلَةَ الآمِرِ بِذَلِكَ، المُغْرى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ والتَّشْدِيدِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ سُكُونِهِ بِالسُّكُوتِ -ما لا يَخْفى- انْتَهى.

وأصْلُهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: هَذا مَثَلٌ، كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُغْرِيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا، وألْقِ الألْواحَ، وجُرَّ بِرَأْسِ أخِيكَ إلَيْكَ فَتَرَكَ النُّطْقَ بِذَلِكَ، وقَطَعَ الإغْراءَ. ولَمْ يَسْتَحْسِنْ هَذِهِ الكَلِمَةَ ولَمْ يَسْتَفْصِحْها كُلُّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ، وذَوْقٍ صَحِيحٍ إلّا لِذَلِكَ؛ ولِأنَّهُ مِن قَبِيلِ شُعَبِ البَلاغَةِ، وإلّا فَما لِقِراءَةِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ((ولَمّا سَكَنَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ)) لا تَجِدُ النَّفْسُ عِنْدَها شَيْئًا مِن تِلْكَ الهِزَّةِ، وطَرَفًا مِن تِلْكَ الرَّوْعَةِ؟ انْتَهى.

ومُرادُهُ بِالمَثَلِ كَوْنُهُ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً، حَيْثُ شَبَّهَ الغَضَبَ بِشَخْصٍ آمِرٍ ناهٍ، وأثْبَتَ لَهُ السُّكُوتَ تَخْيِيلًا.

وعَدَّ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ الآيَةَ مِنَ المَقْلُوبِ، أيْ مِن نَمَطِ قَلْبِ الحَقِيقَةِ إلى المَجازِ، وكَأنَّ الأصْلَ: (ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ) كَما في خَرَقَ الثَّوْبَ المِسْمارُ.

قالَ في (الِانْتِصافِ) والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لَيْسَ مِنهُ، وأنَّ هَذا القَلْبَ أشْرَفُ وأفْصَحُ، لِما فِيهِ مِنَ المَعْنى البَلِيغِ، وهو أنَّ الغَضَبَ كانَ مُتَمَكِّنًا مِن مُوسى، حَتّى كَأنَّهُ كانَ يَصْرِفُهُ في أوامِرِهِ. ومِثْلُ هَذِهِ النُّكْتَةِ الحَسْناءِ، لا تُلْفى في (خَرَقَ الثَّوْبَ المِسْمارُ). انْتَهى.

وقُرِئَ سَكَنَ وسَكَّتَ وأسْكَتَ، أيْ: أسْكَتَهُ اللَّهُ، أوْ أخُوهُ بِاعْتِذارِهِ إلَيْهِ.

الثّانِيَةُ -اللّامُ في (لِلَّذِينَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ (لِرَحْمَةٍ)، أيْ كائِنَةٌ لَهم. أوْ هي لامُ الأجَلِ، أيْ: هُدًى ورَحْمَةٌ لِأجْلِهِمْ: واللّامُ في (لِرَبِّهِمْ) لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ الفِعْلِ المُؤَخَّرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] أوْ هي أيْضًا لامُ العِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ يَرْهَبُونَ المَعاصِيَ لِأجْلِ رَبِّهِمْ، لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ -أفادَهُ أبُو السُّعُودِ -.

Al-A'raaf 7:154Listen in Qur'an →
155

وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًۭا لِّمِيقَٰتِنَا ۖ فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّٰىَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَٰفِرِينَ

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment. And when the earthquake seized them, he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٥] ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ أنْتَ ولِيُّنا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾

" ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾

رَوى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا رَجَعَ إلى قَوْمِهِ فَرَأى ما هم فِيهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ لِأخِيهِ ولِلسّامِرِيِّ ما قالَ، وحَرَقَ العِجْلَ، وذَرّاهُ في اليَمِّ، اخْتارَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا، الخَيْرَ فالخَيْرَ، وقالَ: انْطَلَقُوا إلى اللَّهِ، فَتُوبُوا إلَيْهِ مِمّا صَنَعْتُمْ واسْألُوهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن تَرَكْتُمْ وراءَكم مِن قَوْمِكُمْ، صُومُوا وتَطَهَّرُوا، وطَهِّرُوا ثِيابَكم. فَخَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ لِمِيقاتِ وقَّتَهُ لَهُ رَبُّهُ، وكانَ لا يَأْتِيهِ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ وعِلْمٍ، فَقالَ لَهُ السَّبْعُونَ -فِيما ذَكَرَ لِي-حِينَ صَنَعُوا ما أمَرَهم بِهِ، وخَرَجُوا مَعَهُ لِلِقاءِ رَبِّهِ، لِمُوسى: اطْلُبْ لَنا نَسْمَعُ كَلامَ رَبِّنا، فَقالَ: أفْعَلُ. فَلَمّا دَنا مُوسى مِنَ الجَبَلِ، وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الغَمامِ حَتّى تَغَشّى الجَبَلَ كُلَّهُ، ودَنا مُوسى فَدَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا. وكانَ مُوسى إذا كَلَّمَهُ اللَّهُ وقَعَ عَلى جَبْهَةِ مُوسى نُورٌ ساطِعٌ، لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، فَضَرَبَ دُونَهُ بِالحِجابِ، ودَنا القَوْمُ حَتّى إذا دَخَلُوا في الغَمامِ وقَعُوا سُجُودًا، فَسَمِعُوهُ وهو يُكَلِّمُ مُوسى، يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ، افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، فَلَمّا فَرَغَ إلَيْهِ مِن أمْرِهِ، وانْكَشَفَ عَنْ مُوسى الغَمامُ، أقْبَلَ إلَيْهِمْ، فَقالُوا لِمُوسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥] وهي الصّاعِقَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِنها الِاضْطِرابُ الشَّدِيدُ، فَماتُوا جَمِيعًا فَقامَ مُوسى يُناشِدُ رَبَّهُ ويَدْعُوهُ ويَرْغَبُ إلَيْهِ ويَقُولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ قَدْ سَفِهُوا، أتُهْلِكُ مَن ورائِي مِن بَنِي إسْرائِيلَ

وفِي رِوايَةِ السُّدِّيِّ: فَقامَ مُوسى يَبْكِي ويَقُولُ: يا رَبِّ! ماذا أقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ إذا لَقِيتُهُمْ، وقَدْ أهْلَكْتَ خِيارَهم ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اخْتَرْتَ مِنهم سَبْعِينَ رَجُلًا، الخَيِّرَ فالخَيِّرَ، أرْجِعُ إلَيْهِمْ، ولَيْسَ مَعِي رَجُلٌ مِنهم واحِدٌ، فَما الَّذِي يُصَدِّقُونَنِي أوْ يَأْمَنُونَنِي عَلَيْهِ بَعْدَ هَذا؟ وعَلى هَذا فالمَعْنى: لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلِ خُرُوجِنا، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ يُعايِنُونَ ذَلِكَ ولا يَتَّهِمُونَنِي.

وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَوْ شِئْتَ أمَتَّهم مِن قَبْلِ أنْ تَبْتَلِيَهُمْ، بِما أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجْفَةَ. انْتَهى.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ) بَعْدَ نَقْلِ كَلامِ مَن ذَكَرْنا: وهَؤُلاءِ كُلُّهم حامُوا حَوْلَ المَقْصُودِ، والَّذِي يَظْهَرُ -واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ ومُرادِ نَبِيِّهِ- أنَّ هَذا اسْتِعْطافٌ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِرَبِّهِ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِعَفْوِهِ عَنْهم مِن قَبْلُ، حَتّى عَبَدَ قَوْمُهُمُ العِجْلَ، ولَمْ …

Al-A'raaf 7:155Listen in Qur'an →
156

۞ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ

And decree for us in this world [that which is] good and [also] in the Hereafter; indeed, we have turned back to You." [Allah] said, "My punishment - I afflict with it whom I will, but My mercy encompasses all things." So I will decree it [especially] for those who fear Me and give zakah and those who believe in Our verses -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٦] ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾

" ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ أيْ أثْبِتْ لَنا فِيها خَصْلَةً حَسَنَةً، كالعافِيَةِ والحَياةِ الطَّيِّبَةِ، والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ " ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ أيْ حَسَنَةً أيْضًا، وهي المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَنَّةُ. " ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ أيْ تُبْنا إلَيْكَ. يُقالُ: هادَ إلَيْهِ يَهُودُ، إذا رَجَعَ وتابَ، فَهو هائِدٌ. ولِبَعْضِهِمْ:

؎يا راكِبَ الذَّنْبِ هُدْ، هُدْ واسْجُدْ كَأنَّكَ هُدْهُدْ

وقالَ آخَرُ:

؎إنِّي امْرُؤٌ مِمّا جَنَيْتُ هائِدُ

قالَ أبُو البَقاءِ: المَشْهُورُ ضَمُّ الهاءِ، وهو مِن (هادَ يَهُودُ) إذا تابَ. وقُرِئَ بِكَسْرِها، مِن (هادَ يَهِيدُ) إذا تَحَرَّكَ أوْ حَرَّكَ، أيْ حَرَّكْنا إلَيْكَ نُفُوسَنا، وعَلى القِراءَتَيْنِ، يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، البِناءَ لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ، بِمَعْنى مِلْنا أوْ أمالَنا غَيْرُنا، أوْ حَرَّكْنا أنْفُسَنا، أوْ حَرَّكَنا غَيْرُنا، وذَلِكَ لِاتِّحادِ الصِّيغَةِ وصِحَّةِ المَعْنى، وإنِ اخْتَلَفَ التَّقْدِيرُ.

" ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ تَعالى في جَوابِ دُعاءِ مُوسى ؟ فَقِيلَ قالَ: ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ أيْ تَعْذِيبُهُ مِنَ العُصاةِ ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تُطْلَقُ الرَّحْمَةُ عَلى التَّعَطُّفِ والمَغْفِرَةِ والإحْسانِ والجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] ولَعَلَّها هي المُرادُ هُنا، بِدَلِيلِ مُقابَلَتِها بِالعَذابِ قَبْلُ، كَما قابَلَ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْناها بِقَوْلِهِ: ﴿والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] واللَّهُ أعْلَمُ.

" ﴿فَسَأكْتُبُها﴾ أيْ هَذِهِ الرَّحْمَةَ " ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيِ الكُفْرَ والشِّرْكَ والفَواحِشَ " ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ أيْ يُعْطُونَ زَكاةَ أمْوالِهِمْ " ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا﴾ أيْ بِكِتابِنا ورَسُولِنا " ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُصَدِّقُونَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى حُسْنِ سُؤالِ نَعِيمِ الدُّنْيا، كَما يَحْسُنُ سُؤالُ نَعِيمِ الآخِرَةِ، وتَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى الدّاعِي أنْ يَقْرِنَ بِدُعائِهِ التَّوْبَةَ والإخْلاصَ، لِذَلِكَ قالُوا " ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْعِمُ عَلى البَرِّ والفاجِرِ، ويَخُصُّ بِالثَّوابِ المُؤْمِنَ، فَلِذَلِكَ فَصَلَ، ومَن تَأمَّلَ هَذا السُّؤالَ والجَوابَ، عَرَفَ عَظِيمَ مَحَلِّ هَذا البَيانِ، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَألَ نَعِيمَ الدُّنْيا والدِّينِ عَقِيبَ الرَّجْفَةِ، فَكانَ مِنَ الجَوابِ أنَّ العَذابَ خاصَّةً يُصابُ بِهِ مَن يَسْتَحِقُّهُ، فَأمّا النِّعَمُ فَما كانَ مِن بابِ الدُّنْيا يَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ يَصِحُّ عَلَيْهِ التَّنَعُّمُ، وما كانَ مِن بابِ الآخِرَةِ يُكْتَبُ لِمَن لَهُ صِفاتُ ذِكْرِها.

وتَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ لا تُنالُ بِمُجَرَّدِ الإيمانِ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ، حَتّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ الطّاعاتُ، فَيُبْطِلُ قَوْلَ المُرْجِئَةِ.

Al-A'raaf 7:156Listen in Qur'an →
157

ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

Those who follow the Messenger, the unlettered prophet, whom they find written in what they have of the Torah and the Gospel, who enjoins upon them what is right and forbids them what is wrong and makes lawful for them the good things and prohibits for them the evil and relieves them of their burden and the shackles which were upon them. So they who have believed in him, honored him, supported him and followed the light which was sent down with him - it is those who will be the successful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٧] ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

" ﴿الَّذِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ بَدَلُ الكُلِّ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلَيْهِ، أيْ: أعْنِي الَّذِينَ أوْ هُمُ الَّذِينَ " ﴿يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ أيِ الَّذِي أُرْسِلَ إلى الخَلائِقِ لِتَكْمِيلِهِمُ " ﴿النَّبِيَّ﴾ أيِ الَّذِي نُبِّئَ بِأكْمَلِ الِاعْتِقاداتِ، والأعْمالِ والأخْلاقِ والأحْوالِ والمَقاماتِ مِن جِهَةِ الوَحْيِ " ﴿الأُمِّيَّ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يُحَصِّلْ عِلْمًا مِن بَشَرٍ " ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ أيْ بِاسْمِهِ (مُحَمَّدٍ وأحْمَدَ) ونُعُوتِهِ " ﴿عِنْدَهُمْ﴾ زِيدَ هَذا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وأنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاضِرٌ عِنْدَهم لا يَغِيبُ عَنْهم أصْلًا " ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ يَعْنِي الإيمانَ بِاللَّهِ، ووَحْدانِيَّتِهِ والشَّرائِعِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ تُعْرَفُ صِحَّتُهُ إمّا بِالعَقْلِ وإمّا بِالشَّرْعِ. " ﴿ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ يَعْنِي الكُفْرَ والشِّرْكَ والمَعاصِيَ ومَساوِئَ الأخْلاقِ، لِأنَّ العَقْلَ والشَّرْعَ يُنْكِرُهُ. " ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ لِمَعاصِيهِمْ. " ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ أيِ الَّتِي كانُوا يَتَناوَلُونَها كالخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ والدَّمِ -هَذا في بابِ المَأْكُولاتِ-. " ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾ أيِ الأمْرُ الَّذِي يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ " ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ جَمْعُ غُلٍّ بِالضَّمِّ، وهو ما يُوضَعُ في العُنُقِ أوِ اليَدِ مِنَ الحَدِيدِ، يُسْتَعارُ لِلشَّرائِطِ الحَرِجَةِ والمَواثِيقِ الشَّدِيدَةِ، أيْ يُخَفِّفُ عَنْهم ما كُلِّفُوهُ مِنها -وهَذا في بابِ العِباداتِ-.

" ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أيْ بِالنَّبِيِّ الأُمِّيِّ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ " ﴿وعَزَّرُوهُ﴾ أيْ عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ " ﴿ونَصَرُوهُ﴾ أيْ عَلى أعْدائِهِ في الدِّينِ فَمَنَعُوهم عَنْهُ " ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ﴾ وهو القُرْآنُ، فَأحَلُّوا حَلالَهُ، وحَرَّمُوا حَرامَهُ.

ولا يُقالُ: القُرْآنُ أُنْزِلَ مَعَ جِبْرِيلَ، فَما مَعْنى " ﴿أُنْـزِلَ مَعَهُ﴾ ؟ لِأنَّ المُرادَ أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّ اسْتِنْباءَهُ كانَ مَصْحُوبًا بِالقُرْآنِ مَشْفُوعًا بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ بِ(اتَّبَعُوا) أيْ واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِ النَّبِيِّ والعَمَلِ بِسُنَّتِهِ، وبِما أمَرَ ونَهى عَنْهُ، فَيَكُونُ أمْرًا بِالعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، أوْ هو حالٌ، أيِ اتَّبَعُوا القُرْآنَ كَما اتَّبَعَهُ، مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ. وفي التَّعْبِيرِ عَنِ القُرْآنِ بِ(النُّورِ)، المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ لِإعْجازِهِ، ومُظْهِرًا لِغَيْرِهِ مِنَ الأحْكامِ، لِمُناسَبَةِ الِاتِّباعِ.

" ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِالرَّحْمَةِ والنّاجُونَ مِنَ النِّقْمَةِ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: يَظْهَرُ مِن سِياقِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿قالَ عَذابِي﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلَخْ، جَوابٌ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ …

Al-A'raaf 7:157Listen in Qur'an →
158

قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

Say, [O Muhammad], "O mankind, indeed I am the Messenger of Allah to you all, [from Him] to whom belongs the dominion of the heavens and the earth. There is no deity except Him; He gives life and causes death." So believe in Allah and His Messenger, the unlettered prophet, who believes in Allah and His words, and follow him that you may be guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٨] ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

" ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ أيْ: كافَّةً " ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ نُعُوتٌ لِلَفْظِ الجَلالَةِ، أيِ الَّذِي أرْسَلَنِي هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ورَبُّهُ ومَلِيكُهُ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ والإحْياءُ والإماتَةُ. والآيَةُ نَصٌّ في عُمُومِ بِعْثَتِهِ لِلْأحْمَرِ والأسْوَدِ، والعَرَبِيِّ والعَجَمِيِّ. وفي الحَدِيثِ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي -ولا أقَوْلُهُنَّ فَخْرًا- بُعِثْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، الأحْمَرِ والأسْوَدِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُعْطِيتُ الشَّفاعَةَ، فَأخَّرْتُها لِأُمَّتِي، فَهي لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»» . رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا، ورَواهُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العاصِ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلَةَ خَمْسًا ما أُعْطِيهِنَّ أحَدٌ قَبْلِي، أمّا أنا فَأُرْسِلْتُ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ عامَّةً، وكانَ مَن قَبْلِي إنَّما يُرْسَلُ إلى قَوْمِهِ، ونُصِرْتُ عَلى العَدُوِّ بِالرُّعْبِ، ولَوْ كانَ بَيْنِي وبَيْنَهم مَسِيرَةُ شَهْرٍ لَمُلِئَ مِنهُ رُعْبًا، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، آكُلُها، وكانَ مَن قَبْلِي يُعَظِّمُونَ أكْلَها، كانُوا يَحْرِقُونَها، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، أيْنَما أدْرَكَتْنِي الصَّلاةُ تَمَسَّحْتُ وصَلَّيْتُ وكانَ مَن قَبْلِي يُعَظِّمُونَ ذَلِكَ، إنَّما كانُوا يُصَلُّونَ في بِيَعِهِمْ وكَنائِسِهِمْ، والخامِسَةُ هي ما هي ! قِيلَ لِي: سَلْ، فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ قَدْ سَألَ، فَأخَّرْتُ مَسْألَتِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهي لَكُمْ، ولِمَن يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»» .

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُما جَيِّدٌ قَوِيٌّ.

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ بِمَعْناهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وأبِي مُوسى، وهو ثابِتٌ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جابِرٍ.

وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! لا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ لا يُؤْمِنُ بِي إلّا دَخَلَ النّارَ»» .

﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ أيِ الَّذِي نُبِّئَ ما يُرْشِدُ الخَلائِقَ كُلَّهُمْ، مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا، وفي نَعْتِهِ بِذَلِكَ زِيادَةُ تَقْرِيرِ أمْرِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المَكْتُوبُ في الكِتابَيْنِ. " ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾ أيْ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ وعَلى مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ " ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾

Al-A'raaf 7:158Listen in Qur'an →
159

وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among the people of Moses is a community which guides by truth and by it establishes justice.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥٩] ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾

" ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: مُوقِنِينَ ثابِتِينَ، يَهْدُونَ النّاسَ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ، ويُرْشِدُونَهم " ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ وبِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَهم في الحُكْمِ، ولا يَجُورُونَ. والآيَةُ سِيقَتْ لِدَفْعِ ما عَسى يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمانِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مِن كُلِّ خَيْرٍ، وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهم. وقِيلَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، ويَأْباهُ أنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْـزِلَ إلَيْكم وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]

Al-A'raaf 7:159Listen in Qur'an →
160

وَقَطَّعْنَٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًۭا ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًۭا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍۢ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

And We divided them into twelve descendant tribes [as distinct] nations. And We inspired to Moses when his people implored him for water, "Strike with your staff the stone," and there gushed forth from it twelve springs. Every people knew its watering place. And We shaded them with clouds and sent down upon them manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not, but they were [only] wronging themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٠] ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾

" ﴿وقَطَّعْناهُمُ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى " ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾ أيْ صَيَّرْناهم قِطَعًا، أيْ فِرَقًا، ومَيَّزْنا بَعْضَهم مِن بَعْضٍ. والأسْباطُ: أوْلادُ الوَلَدِ، وكانُوا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ ولَدًا، مِن ولَدِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ " ﴿أُمَمًا﴾ أيْ عَظِيمَةً وجَماعَةً كَثِيفَةَ العَدَدِ: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ أيْ: في التِّيهِ " ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ فَضَرَبَهُ " ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ أيِ انْفَجَرَتْ " ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بِعَدَدِ الأسْباطِ " ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ أيْ سِبْطٍ مِنهم " ﴿مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾ في التِّيهِ مِن حَرِّ الشَّمْسِ ﴿وأنْـزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ حَيْثُ أوْجَبُوا لَها العَذابَ الدّائِمَ.

Al-A'raaf 7:160Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.