Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 81–90 of 206

81

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ

Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨١] ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِن دُونِ النِّساءِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾

﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ " أيِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِيَأْتُوا النِّساءَ، لا لِيَأْتِيَهُمُ الرِّجالُ. وقُرِئَ بِهَمْزَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ، وبِتَلْيِينِ الثّانِيَةِ، بِغَيْرِ مَدٍّ وبِمَدٍّ أيْضًا. وفي زِيادَةِ (إنَّ) و(اللّامِ) مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَتَحَقَّقُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ. وفي إيرادِ لَفْظِ (الرِّجالِ) دُونَ الغِلْمانِ والمُرْدانِ ونَحْوِهِما، مُبالَغَةً في التَّوْبِيخِ وتَأْتُونَ، مِن (أتى المَرْأةَ) إذا غَشِيَها. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.

وفِي (تاجِ العَرُوسِ): أتى الفاحِشَةَ: تَلَبُّسَ بِها، ويُكَنّى بِالإتْيانِ عَنِ الوَطْءِ، وهو مِن أحْسَنِ الكِناياتِ، ورَجُلٌ مَأْتِيٌّ أُتِيَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُوَلَّدِينَ:

؎يَأْتِي ويُؤْتى لَيْسَ يُنْكِرُ ذا ولا هَذا كَذَلِكَ إبْرَةُ الخَيّاطِ

انْتَهى.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شَهْوَةً﴾ " مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ لِلِاشْتِهاءِ، أيْ لا حامِلَ لَكم عَلَيْهِ إلّا مُجَرَّدُ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ داعٍ آخَرَ، ولا ذَمَّ أعْظَمُ مِنهُ، لِأنَّهُ وصْفٌ لَهم بِالبَهِيمِيَّةِ، وأنَّهُ لا داعِيَ لَهم مِن جِهَةِ العَقْلِ البَتَّةَ، كَطَلَبِ النَّسْلِ ونَحْوِهِ، أوْ حالٌ، بِمَعْنى مُشْتَهِينَ تابِعِينَ لِلشَّهْوَةِ، غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى السَّماحَةِ. كَذا في (الكَشّافِ). ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ " أيْ: مُجاوِزِينَ عَنْ مَواتاةِ النِّساءِ اللّاتِي خُلِقْنَ لِذَلِكَ. قالَ أبُو السُّعُودِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ﴿شَهْوَةً﴾ " الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، وتَقْرِيعَهم عَلى اشْتِهائِهِمْ تِلْكَ الفِعْلَةَ الخَبِيثَةَ المَكْرُوهَةَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ " أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحالُّ الِاشْتِهاءِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِالحالِ الَّتِي تُوجِبُ ارْتِكابَ القَبائِحِ، وتَدْعُو إلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ. وهو أنَّهم قَوْمٌ عادَتُهُمُ الإسْرافُ، وتَجاوَزَ الحُدُودَ في كُلِّ شَيْءٍ، فَمِن ثَمَّ أسْرَفُوا في بابِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، حَتّى تَجاوَزُوا المُعْتادَ إلى غَيْرِ المُعْتادِ. ونَحْوِهِ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦] كَذا في (الكَشّافِ).

Al-A'raaf 7:81Listen in Qur'an →
82

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ

But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٢] ﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾

﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ " أيِ: المُسْتَكْبِرِينَ في مُقابَلَةِ نُصْحِهِ، ﴿إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾ " أيْ: لُوطًا والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ " أيْ: بَلَدِكم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي ما أجابُوهُ بِما يَكُونُ جَوابًا عَمّا كَلَّمَهم بِهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إنْكارِ الفاحِشَةِ، وتَعْظِيمِ أمْرِها، ووَسَمَهم بِسِمَةِ الإسْرافِ الَّذِي هو أصْلُ الشَّرِّ كُلِّهِ، ولَكِنَّهم جاءُوا بِشَيْءٍ آخَرَ لا يَتَعَلَّقُ بِكَلامِهِ ونَصِيحَتِهِ، مِنَ الأمْرِ بِإخْراجِهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن قَرْيَتِهِمْ، ضَجَرًا بِهِمْ، وبِما يَسْمَعُونَهُ مِن وعْظِهِمْ ونُصْحِهِمْ. وقَوْلُهُمْ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ " سُخْرِيَةٌ بِهِمْ، وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ، وافْتِخارٌ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ، كَما يَقُولُ الشُّطّارُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم (أبْعِدُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ).

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ مُجاهِدٌ: يَتَطَهَّرُونَ مِن أدْبارِ الرِّجالِ وأدْبارِ النِّساءِ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَحْرِيمِ أدْبارِ النِّساءِ، أيْ بِناءً عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الصَّحابِيِّ لَهُ حُكْمُ المَرْفُوعِ.

ورَجَّحَ ابْنُ القَيِّمِ أنَّهُ في حُكْمِ المَوْقُوفِ.

والمَسْألَةُ تَقَدَّمَتْ مُسْتَوْفاةً في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] فَتَذَكَّرْ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الإمامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ (إغاثَةُ اللَّهْفانِ): قَدْ وسَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ الشِّرْكَ والزِّنى واللُّواطَةَ بِالنَّجاسَةِ والخُبْثِ في كِتابِهِ، دُونَ سائِرِ الذُّنُوبِ، وإنْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذَلِكَ. لَكِنَّ الَّذِي وقَعَ في القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] وقَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ اللُّوطِيَّةِ: ﴿ولُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا ونَجَّيْناهُ مِنَ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤] وقالَتِ اللُّوطِيَّةُ: ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] فَأقَرُّوا مَعَ شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أنَّهم هُمُ الأخْباثُ الأنْجاسُ، وأنَّ لُوطًا وآلَهُ مُطَهَّرُونَ مِن ذَلِكَ، بِاجْتِنابِهِمْ لَهُ.

وقالَ تَعالى في حَقِّ الزُّناةِ: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ [النور: ٢٦] وأمّا نَجاسَةُ الشِّرْكِ فَهي نَوْعانِ نَجاسَةٌ مُغَلَّظَةٌ، ونَجاسَةٌ مُخَفَّفَةٌ. فالمُغَلَّظَةُ: الشِّرْكُ الأكْبَرُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ، والمُخَفَّفَةُ: الشِّرْكُ الأصْغَرُ، كَيَسِيرِ الرِّياءِ، والتَّصَنُّعِ لِلْمَخْلُوقاتِ والحَلِفِ بِهِ، وخَوْفِهِ ورَجائِهِ.

ثُمَّ قالَ: ونَجاسَةُ الزِّنى واللُّواطَةِ أغْلَظُ مِن غَيْرِها مِنَ النَّجاساتِ، مِن جِهَةِ أنَّها تُفْسِدُ القَلْبَ، وتُضْعِفُ تَوْحِيدَهُ جِدًّا. ولِهَذا أحْظى النّاسِ بِهَذِهِ النَّجاسَةِ أكْثَرُهم شِرْكًا، فَكُلَّما كانَ الشِّرْكُ في العَبْدِ أغْلَبَ، كانَتْ هَذِهِ النَّجاسَةُ والخَبائِثُ فِيهِ

أكْثَرَ، وكُلَّما كانَ أعْظَمَ إخْلاصًا، كانَ مِنها أبْعَدَ، كَما قالَ تَعالى عَنْ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ: …

Al-A'raaf 7:82Listen in Qur'an →
83

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ

So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٣] ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾

﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ " أيْ ومَن يَخْتَصُّ بِهِ مِن ذَوِيِهِ، أوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِطِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَمْ يُؤْمِن بِهِ أحَدٌ مِنهم سِوى أهْلِ بَيْتِهِ فَقَطْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥] ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]

﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ " أيْ: فَإنّا لَمْ نُنْجِها لِخُبْثِها. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّها لَمْ تُؤْمِن بِهِ، بَلْ كانَتْ عَلى دِينِ قَوْمِها، تُمالِئُهم عَلَيْهِ وتُعْلِمُهم بِمَن يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِن ضِيفانِهِ بِإشاراتٍ بَيْنَها وبَيْنَهم. ولِهَذا لَمّا أُمِرَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَسْرِيَ بِأهْلِهِ، أُمِرَ أنْ لا يُعْلِمَها ولا يُخْرِجَها مِنَ البَلَدِ. ومِنهم مَن يَقُولُ بَلِ اتَّبَعَتْهُمْ، فَلَمّا جاءَ العَذابُ التَفَتَتْ هِيَ، فَأصابَها ما أصابَهم.

الأظْهَرُ أنَّها لَمْ تَخْرُجْ مِنَ البَلَدِ، ولا أعْلَمَها لُوطٌ، بَلْ بَقِيَتْ مَعَهُمْ، ولِهَذا قالَ هَهُنا ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ " . ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ " أيْ مِنَ الَّذِينَ غَبَرُوا في دِيارِهِمْ، أيْ بَقُوا فَهَلَكُوا. وقِيلَ: مِنَ الهالِكِينَ. وهو تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ.

Al-A'raaf 7:83Listen in Qur'an →
84

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٤] ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾

﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ " أيْ وأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا غَيْرِ مُتَعارَفٍ، وهو مُبَيَّنٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤] أيْ طِينٍ مُتَحَجِّرٍ.

قالَ المَهايِمِيُّ: ولِكُفْرِهِمْ بِمَطَرِ الشَّرائِعِ المُحْيِي بِإبْقاءِ النَّسْلِ وغَيْرِهِ، انْقَلَبَ عَلَيْهِمْ في صُورَةِ العِقابِ.

وقَرَأْتُ في التَّوْراةِ المُعَرَّبَةِ، أنَّ المَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ جاءا لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ، يُخْبِرانِهِ ويُبَشِّرانِهِ بِهَلاكِ قَوْمِهِ، قالا لَهُ: أخْرِجْ مِن هَذا المَوْضِعِ، مَن لَكَ هَهُنا مِن أصْهارِكَ وبَنِيكَ وبَناتِكَ وجَمِيعَ مَن لَكَ، فَإنّا بَعَثَنا الرَّبُّ لِنُهْلِكَ هَذِهِ المَدِينَةَ.

ولَمّا كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ألَحَّ المَلَكانِ عَلى لُوطٍ بِأخْذِ امْرَأتِهِ وابْنَتَيْهِ، ثُمَّ أمْسَكا بِأيْدِيهِمْ جَمِيعًا وصَيَّراهم خارِجَ المَدِينَةِ وقالا: لا يَلْتَفِتْ أحَدٌ مِنكم إلى ورائِهِ، وتَخْلُصا إلى الجَبَلِ. ولَمّا أشْرَقَتْ أمْطَرَ الرَّبُّ مِنَ السَّماءِ عَلى سَدُومَ وعَمُّورَةَ كِبْرِيتًا ونارًا، وقَلَبَ تِلْكَ المُدُنَ، وكُلَّ البُقْعَةِ وجَمِيعَ سُكّانِ المُدُنِ ونَبْتَ الأرْضِ، والتَفَتَتِ امْرَأتُهُ إلى ورائِها فَصارَتْ نُصُبَ مِلْحٍ، وقَدَمَ إبْراهِيمُ غَدْوَةً مِن أرْضِهِ، فَتَطَلَّعَ إلى جِهَةِ سَدُومَ وعَمُّورَةَ، فَإذا دُخانُ الأرْضِ صاعِدٌ كَدُخانِ الأتُونِ. انْتَهى.

وقَرَأْتُ في نُبُوَّةِ حَزْقِيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، في الفَصْلِ السّادِسَ عَشَرَ: في بَيانِ إثْمِ سَدُومَ ما نَصُّهُ:

إنَّ الِاسْتِكْبارَ والشِّبَعَ مِنَ الخُبْزِ، وطُمَأْنِينَةِ الفَراغِ، كانَتْ في سَدُومَ وتَوابِعِها، ولَمْ تُعَضِّدْ يَدَ البائِسِ والمِسْكِينِ، وتَشامَخْنَ وصَنَعْنَ الرِّجْسَ أمامِي، فَنَزَعْتُهُنَّ كَما رَأيْتَ انْتَهى.

وقَدْ صارَ مَوْضِعُ تِلْكَ المُدُنِ بَحْرَ ماءٍ أُجاجٍ، لَمْ يَزَلْ إلى يَوْمِنا هَذا، ويُعْرَفُ بِالبَحْرِ المَيِّتِ، أوْ بُحَيْرَةِ لُوطٍ، والأرْضُ الَّتِي تَلِيها قاحِلَةٌ لا تَنْبُتُ شَيْئًا.

قالَ في (مُرْشِدِ الطّالِبِينَ): بَحْرُ لُوطٍ، هو بَحْرُ سَدُومَ، ويُدْعى أيْضًا البَحْرَ المَيِّتَ، وهو بِرْكَةٌ مالِحَةٌ في فِلَسْطِينَ، طُولُها خَمْسُونَ مِيلًا، وعَرْضُها عَشَرَةُ أمْيالٍ، وهي أوْطَأُ مِن بَحْرِ الرُّومِ بِنَحْوِ ١٢٥٠ قَدَمًا، ومَوْقِعُها في المَوْضِعِ الَّذِي كانَتْ عَلَيْهِ سَدُومُ وعَمُّورَةُ وأدْمَةُ وصَبَوِييِمُ. انْتَهى.

وقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ أجْرَمُوا بِالكُفْرِ وعَمَلِ الفَواحِشِ، كَيْفَ أهْلَكْناهم.

والنَّظَرُ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ، وتَحْذِيرًا مِن أعْمالِهِمْ، فَإنَّ مَن تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ رَذِيلَةُ الدَّعارَةِ، تَكْبَحُهُ عَنِ التَّوْفِيقِ نَفْسًا وجَسَدًا، وتُورِدُهُ مَوارِدَ الهَلَكَةِ والبَوارِ، جَزاءَ ما جَنى لَهُمُ اتِّباعَ الأهْواءِ.

تَنْبِيهٌ في حَدِّ اللُّوطِيِّ:

اعْلَمْ أنَّهُ ورَدَتِ السُّنَّةُ بِقَتْلِ مَن لاطَ بِذَكَرٍ، ولَوْ كانَ بِكْرًا، وكَذَلِكَ المَفْعُولُ بِهِ إذا كانَ مُخْتارًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي داوُدَ وابْنِ ماجَهْ والتِّرْمِذِيِّ والحاكِمِ والبَيْهَقِيِّ، قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن وجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فاقْتُلُوا الفاعِلَ والمَفْعُولَ بِهِ»» . قالَ ابْنُ حَجَرٍ: رِجالُهُ مُوَثَّقُونَ، إلّا أنَّ فِيهِ اخْتِلافًا.

وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ أبِي …

Al-A'raaf 7:84Listen in Qur'an →
85

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٥] ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ " أيْ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هم مِن سُلالَةِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، وشُعَيْبٌ هو ابْنُ مِيكَيْلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَدْيَنُ تُطْلَقُ عَلى القَبِيلَةِ وعَلى المَدِينَةِ الَّتِي بِقُرْبِ مَعانٍ مِن طَرِيقِ الحِجازِ وهم أصْحابُ الأيْكَةِ.

﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ " أيِ: الَّذِينَ أحَبَّ كَمالَهم دِينًا ودُنْيا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وهَذِهِ دَعْوَةُ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ كَما قَدَّمْنا ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ ما تَبَيَّنَ بِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ. يَعْنِي دَعْوَتَهُ وإرْشادَهُ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالبَيِّنَةِ مَجِيءُ شُعَيْبٍ، وأنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ آيَةٌ إلّا النُّبُوَّةَ، ومَن فَسَّرَ البَيِّنَةَ بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ والمُعْجِزَةِ المَحْسُوسَةِ ذَهابًا إلى أنَّ النَّبِيَّ لَمّا كانَ يَدْعُو إلى شَرْعٍ يُوجِبُ قَبُولَهُ، فَلا بُدَّ مِن دَلِيلٍ يُعْلَمُ صِدْقُهُ بِهِ، وما ذاكَ إلّا المُعْجِزَةُ. قالَ: إنَّ مُعْجِزَةَ شُعَيْبٍ لَمْ تُذْكَرْ في القُرْآنِ، ولَيْسَتْ كُلُّ آياتِ الأنْبِياءِ مَذْكُورَةً في القُرْآنِ. ولا يَخْفى أنَّ البَيِّنَةَ أعَمُّ مِنَ المُعْجِزَةِ بِعُرْفِهِمْ، فَكُلُّ مَن أبْطَلَتْ شُبْهَةٌ ضَلالَهُ، وأظْهَرَتْ لَهُ حُجَّةَ الحَقِّ الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ فَقَدْ جاءَتْهُ البَيِّنَةُ. لِأنَّ حَقِيقَةَ البَيِّنَةِ كُلُّ ما يُبَيِّنُ الحَقَّ، فاحْفَظْهُ.

قالَ الجَشْمِيُّ: واخْتَلَفُوا، فَقِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يُبْعَثَ إلّا ومَعَهُ شَرْعٌ - عَنْ أبِي هاشِمٍ -. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ إلى ما في العَقْلِ -عَنْ أبِي عَلِيٍّ - انْتَهى.

وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ هَذِهِ عَلى أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ والشَّرائِعِ، عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ الرُّسُلِ، فَمِنها قَوْلُهُ: ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ أيْ: فَأتِمُّوهُما لِلنّاسِ بِإعْطائِهِمْ حُقُوقَهُمْ: ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ أيْ: لا تُنْقِصُوهم حُقُوقَهم فَلا تَخُونُوا النّاسَ في أمْوالِهِمْ، وتَأْخُذُوها عَلى وجْهِ البَخْسِ، وهو نَقْصُ المِكْيالِ والمِيزانِ خُفْيَةً وتَدْلِيسًا كَما قالَ تَعالى: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]

يُقالُ: بَخَسَهُ حَقَّهُ أيْ: نَقَصَهُ إيّاهُ، وظَلَمَهُ فِيهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ كُلَّ شَيْءٍ في مُبايَعاتِهِمْ، أوْ كانُوا مَكّاسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ. قالَ زُهَيْرٌ:

؎أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ

قالَ القاضِي: وإنَّما قالَ ﴿أشْياءَهُمْ﴾ " لِلتَّعْمِيمِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ الجَلِيلَ والحَقِيرَ والقَلِيلَ والكَثِيرَ -انْتَهى.

والنَّهْيُ عَنِ النَّقْصِ يُوجِبُ الأمْرَ بِالإيفاءِ. فَقِيلَ: في فائِدَةِ التَّصْرِيحِ بِالمَنهِيِّ عَنْهُ بَيانٌ لِقُبْحِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ " الآيَةَ، قالَ: أيْ لا تُسَمُّوا لَهم شَيْئًا، وتُعْطُوا لَهم غَيْرَ ذَلِكَ. ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ إيفاءَ الكَيْلِ والمِيزانِ واجِبٌ …

Al-A'raaf 7:85Listen in Qur'an →
86

وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ

And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allah those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٦] ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكم وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾

" ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ نَهْيٌ عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ. أيْ: لا تَجْلِسُوا عَلى كُلِّ طَرِيقٍ فِيهِ مَمَرُّ النّاسِ الغُرَباءِ، تَضْرِبُونَهم وتُخَوِّفُونَهُمْ، وتَأْخُذُونَ ثِيابَهُمْ، وتَتَوَعَّدُونَهم بِالقَتْلِ، إنْ لَمْ يُعْطُوكم أمْوالَهم.

قالَ مُجاهِدٌ: كانُوا عَشّارِينَ -أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ - وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ مِثْلَهُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِ واحِدٍ أيْ تَتَوَعَّدُونَ المُؤْمِنِينَ الآتِينَ إلى شُعَيْبٍ لِيَتْبَعُوهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ قالَ ﴿بِكُلِّ صِراطٍ﴾ " وهو الطَّرِيقُ. وهَذا الثّانِي هو قَوْلُهُ: ﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ بِهِ وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ: تَصْرِفُونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ وطاعَتِهِ مَن آمَنَ بِشُعَيْبٍ، وتَطْلُبُونَ لَها عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، ووَصْفِها بِما يَنْقُصُها لِتَغْيِيرِها: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾ بِالعَدَدِ والعُدَدِ، فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم في ذَلِكَ: ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، والقُرُونِ الماضِيَةِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ بِاجْتِرائِهِمْ عَلى مَعاصِي اللَّهِ وتَكْذِيبِ رُسُلِهِ.

Al-A'raaf 7:86Listen in Qur'an →
87

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌۭ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌۭ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allah judges between us. And He is the best of judges."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٧] ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

" ﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ يَعْنِي وإنِ اخْتَلَفْتُمْ في رِسالَتِي فَصِرْتُمْ فِرْقَتَيْنِ مُؤْمِنَةً وكافِرَةً ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.

قالَ الشِّهابُ: وخِطابُ (اصْبِرُوا) لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْفَرِيقَيْنِ، أيْ: لِيَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ، والكُفّارُ عَلى ما يَسُوؤُهم مِن إيمانِهِمْ. أوْ لِلْكافِرِينَ أيْ: تَرَبَّصُوا لِتَرَوْا حُكْمَ اللَّهِ بَيْنَنا وبَيْنَكم ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ " لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ في حُكْمِهِ، فَسَيَجْعَلُ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، والدَّمارَ عَلى الكافِرِينَ.

Al-A'raaf 7:87Listen in Qur'an →
88

۞ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shu'ayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٨] ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٧٥] " أيْ عَنِ الإيمانِ ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ﴾ أيْ إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ، والإقْرارِ بِها داخِلِينَ ﴿فِي مِلَّتِنا﴾ " أيْ مِلَّةِ المُشْرِكِينَ.

قالَ الجَشْمِيُّ: المِلَّةُ الدِّيانَةُ الَّتِي يُجْمِعُ عَلى العَمَلِ بِها فِرْقَةٌ عَظِيمَةٌ. والأصْلُ فِيهِ تَكَرُّرُ الأمْرِ، مِن قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ مُمِلٌّ ومَلِيلٌ، إذا تَكَرَّرَ سُلُوكُهُ حَتّى صارَ مُعَلَّمًا. ومِنهُ المَلَلُ: تَكْرارُ الشَّيْءِ عَلى النَّفْسِ حَتّى تَضْجَرَ مِنهُ. انْتَهى.

﴿قالَ﴾ " أيْ شُعَيْبٌ ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ " أيْ: أتُجْبِرُونَنا عَلى ذَلِكَ، وإنْ كُنّا كارِهِينَ لَهُ؟ مَعَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإكْراهِ، لِأنَّ دِينَكم إنْ كانَ حَقًّا، لَمْ نَكُنْ بِالإكْراهِ مُنْقادِينَ لَهُ، وإنْ كانَ باطِلًا، لَمْ نَكُنْ بِالإكْراهِ مُتَّصِفِينَ بِهِ، لِأنَّهُ بِالحَقِيقَةِ صِفَةُ القَلْبِ، ولا يَسْرِي إكْراهُكم إلَيْهِ. وكَيْفَ لا نَكْرَهُهُ وهو يَسْتَلْزِمُ غايَةَ القُبْحِ والظُّلْمِ.

Al-A'raaf 7:88Listen in Qur'an →
89

قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ

We would have invented against Allah a lie if we returned to your religion after Allah had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allah, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allah we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨٩] ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾

﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ " أيِ اخْتَلَقْنا عَلَيْهِ باطِلًا بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا ﴿إنْ عُدْنا﴾ " إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها، لِنَدْخُلَ ﴿فِي مِلَّتِكُمْ﴾ " القائِلَةِ بِأنَّ لَهُ شَرِيكًا. ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ " فَأرانا أنَّهُ كالإنْجاءِ مِنَ النّارِ.

﴿وما يَكُونُ﴾ " أيْ: يَنْبَغِي ﴿لَنا أنْ نَعُودَ﴾ " أيْ عَنْ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها فَنَصِيرُ ﴿فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ " أيِ الَّذِي يُرَبِّينا بِما عَلِمَ مِنِ اسْتِعْدادِنا، لِأنَّهُ ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ فَعَلِمَ اسْتِعْدادَ كُلِّ واحِدٍ في كُلِّ وقْتٍ، لَكِنْ ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ " أيْ: لِيَحْفَظَنا عَنِ المَصِيرِ إلَيْها ﴿رَبُّنا﴾ " إنْ قَصَدُوا إكْراهَنا عَلَيْها أوْ إخْراجَنا مِن قَرْيَتِهِمْ: ﴿افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ فَغَلَبَنا عَلَيْهِمْ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ " أيْ خَيْرُ الحاكِمِينَ، فَلا تُغَلِّبِ الظّالِمِينَ وإنْ كَثُرُوا، عَلى المَظْلُومِينَ إذا اسْتَفْتَحُوكَ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [الأعراف: ٨٨] وقَوْلِهِ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مِلَّتِهِمْ قَبْلَ بَعْثَتِهِ، ومَعْلُومٌ عِصْمَةُ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ، فَضْلًا عَنِ الشِّرْكِ.

وفِي (المَواقِفِ وشَرْحِها): أنَّ الأُمَّةَ أجْمَعَتْ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الكُفْرِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، غَيْرَ أنَّ الأزارِقَةِ مِنَ الخَوارِجِ جَوَّزُوا عَلَيْهِمُ الذَّنْبَ، وكُلُّ ذَنْبِ عِنْدَهم كُفْرٌ، فَلَزِمَهم تَجْوِيزُ الكُفْرِ، وجَوَّزَ الشِّيعَةُ إظْهارِ الكُفْرِ تَقِيَّةً عِنْدَ خَوْفِ الهَلاكِ، واحْتِرازًا عَنْ إلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ. ومِثْلُهُ في (شَرْحِ التَّجْرِيدِ).

ولَمّا تَقَرَّرَ إجْماعُ الأُمَّةِ عَلى ما ذَكَرَ، كانَ لِلْعُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهٌ:

مِنها: أنَّ العَوْدَ المُقابِلَ لِلْخُرُوجِ، هو العَوْدُ إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها.

والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ، أيْ لِيَكُنْ مِنكُمُ الخُرُوجُ مِن قَرْيَتِنا، أوِ العَوْدُ إلى تَرْكِ دَعْوى الرِّسالَةِ والإقْرارِ بِها، داخِلِينَ في مِلَّتِنا، وهَذا الوَجْهُ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ المَهايِمِيُّ، وسايَرْناهُ فِيهِ مَعَ تَفْسِيرِ تَتِمَّةِ الآيَةِ.

ومِنها: أنَّ العَوْدَ المَذْكُورَ إلى ما خَرَجَ مِنهُ، وهو القَرْيَةُ. والمَجْرُورُ حالٌ كالسّابِقِ، أيْ: لِيَكُنْ مِنكُمُ الخُرُوجُ مِن قَرْيَتِنا أوِ العَوْدُ إلَيْها، كائِنِينَ في مِلَّتِنا. وعُدِّيَ (عادَ) بِ(فِي) كَأنَّ المِلَّةَ لَهم بِمَنزِلَةِ الوِعاءِ المُحِيطِ بِهِمْ.

ومِنها: أنَّ هَذا القَوْلَ جارٍ عَلى ظَنِّهِمْ أنَّهُ كانَ في مِلَّتِهِمْ، لِسُكُوتِهِ قَبْلَ البَعْثَةِ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ.

ومِنها: أنَّهُ صَدَرَ عَنْ رُؤَسائِهِمْ تَلْبِيسًا عَلى النّاسِ، وإيهامًا لِأنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ، وما صَدَرَ عَنْ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ.

ومِنها: أنَّ " لَتَعُودُنَّ " بِمَعْنى لَتَصِيرُنَّ، إذْ كَثِيرًا ما يَرِدُ (عادَ) بِمَعْنى (صارَ)، …

Al-A'raaf 7:89Listen in Qur'an →
90

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shu'ayb, indeed, you would then be losers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩٠] ﴿وقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾

" ﴿وقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ أيْ: فِيما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ " أيْ لَجاهِلُونَ مَغْبُونُونَ، لِاسْتِبْدالِكم ضَلالَتَهُ بِهُداكُمْ، أوْ لِفَواتِ ما يَحْصُلُ لَكم مِن بَخْسِ الكَيْلِ والمِيزانِ.

Al-A'raaf 7:90Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.