Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 81–90 of 206

81

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ

Indeed, you approach men with desire, instead of women. Rather, you are a transgressing people."

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ يَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ البَيانِيَّ والنَّحْوِيَّ وهو مُبَيِّنٌ لِتِلْكَ الفاحِشَةِ والإتْيانُ هُنا بِمَعْنى الجِماعِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وجَماعَةٌ ( أئِنَّكم ) بِمِهْمَزَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ ومِنهم مَن قَرَأ بِتَلْيِينِ الثّانِيَةِ بِغَيْرِ مَدٍّ ومِنهم مَن مَدَّ وهو حِينَئِذٍ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ وتَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ وفي الإتْيانِ بِأنَّ واللّامِ مَزِيدَةُ تَقْبِيحٍ وتَقْرِيعٍ كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَتَحَقَّقُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ فَيُؤَكَّدُ تَأْكِيدًا قَوِيًّا وفي إيرادِ لَفْظِ ( الرِّجالَ ) دُونَ الغِلْمانِ والمُرْدانِ ونَحْوِهِما كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُبالَغَةٌ في التَّوْبِيخِ كَأنَّهُ قالَ: لَتَأْتُونَ أمْثالَكم ﴿شَهْوَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ لِأجْلِ الِاشْتِهاءِ لا غَيْرَ أوْ عَلى الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ مُشْتَهِينَ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ وناصِبُهُ ( تَأْتُونَ ) لِأنَّهُ بِمَعْنى تَشْتَهُونَ وفي تَقْيِيدِ الجِماعِ الَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنِ الشَّهْوَةِ بِها إيذانٌ بِوَصْفِهِمْ بِالبَهِيمِيَّةِ الصِّرْفَةِ وأنْ لَيْسَ غَرَضُهم إلّا قَضاءَ الشَّهْوَةِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعَهم عَلى اشْتِهائِهِمْ تِلْكَ الفِعْلَةَ القَذِرَةَ الخَبِيثَةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾ أيْ مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلُّ الِاشْتِهاءِ عِنْدَ ذَوِي الطِّباعِ السَّلِيمَةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (81) فالجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ( تَأْتُونَ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرِّجالِ عَلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ أيْ تَأْتُونَهم مُنْفَرِدِينَ عَنِ النِّساءِ وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَهْوَةٍ عَلى ما قِيلَ واسْتُبْعِدَ تَعَلُّقُهُ بِهِ و( بَلْ ) لِلْإضْرابِ وهو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى الإخْبارِ بِما أدّى إلى ذَلِكَ وهو اعْتِيادُ الإسْرافِ في كُلِّ شَيْءٍ أوْ إلى بَيانِ اسْتِجْماعِهِمْ لِلْعُيُوبِ كُلِّها.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إضْرابًا عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ وهو ما تَوَهَّمُوهُ مِنَ العُذْرِ في ذَلِكَ أيْ لا عُذْرَ لَكم فِيهِ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ والخُرُوجُ عَنِ الحُدُودِ وهَذا في مَعْنى ذَمِّهِمْ بِالجَهْلِ كَما في سُورَةِ النَّمْلِ إلّا أنَّهُ عَبَّرَ بِالِاسْمِ هُنا وبِالفِعْلِ هُناكَ لِمُوافَقَةِ رُؤُوسِ الآيِ المُتَقَدِّمَةِ في كُلٍّ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِأسْرارِ كَلامِهِ.

Al-A'raaf 7:81Listen in Qur'an →
82

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ

But the answer of his people was only that they said, "Evict them from your city! Indeed, they are men who keep themselves pure."

﴿وما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ أيِ المُسْتَكْبِرِينَ مِنهُمُ المُتَصَدِّينَ لِلْعَقْدِ والحِلِّ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ أيْ ما كانَ

صفحة 171

جَوابَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا قَوْلُهم أيْ لِبَعْضِهِمُ الآخَرِينَ المُباشِرِينَ لِلْأُمُورِ أوْ ما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ الَّذِينَ خاطَبَهم بِما خاطَبَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا قَوْلَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مُعْرِضِينَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ لُوطًا ومَن مَعَهُ ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ أيْ بَلْدَتِكُمُ الَّتِي أُجْمِعْتُمْ فِيها وسَكَنْتُمْ بِها والنَّظْمُ الكَرِيمُ مِن قَبِيلِ.

تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ

والقَصْدُ مِنهُ نَفْيُ الجَوابِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الِاسْتِثْناءِ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إنْكارِ الفاحِشَةِ وتَعْظِيمِ أمْرِها ووَسْمِهِمْ بِما هو أصْلُ الشَّرِّ كُلِّهِ ولَوْ قِيلَ: وقالُوا أخْرِجُوهم لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِنَ الإفادَةِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (82) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ ومَقْصُودُ الأشْقِياءِ بِهَذا الوَصْفِ السُّخْرِيَةُ بِلُوطٍ ومَن مَعَهُ وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ وتَباعُدِهِمْ عَنْها وتَنَزُّهِهِمْ عَمّا في المَحاشِّ والِافْتِخارُ بِما كانُوا فِيهِ مِنَ القَذارَةِ كَما يَقُولُ الشُّطّارُ مِنَ الفَسَقَةِ لِبَعْضِ الصُّلَحاءِ إذا وعَظَهم: أخْرِجُوا عَنّا هَذا المُتَقَشِّفَ وأرِيحُونا مِن هَذا المُتَزَهِّدِ وقُرِئَ بِرَفْعِ ( جَوابُ ) عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ و﴿إلا أنْ قالُوا﴾ .. إلَخْ. خَبَرٌ قِيلَ: وهو أظْهَرُ وإنْ كانَ الأوَّلُ أقْوى في الصِّناعَةِ لِأنَّ الأعْرافَ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ما يَنْفَعُكَ هُنا فَتَذَكَّرْ.

وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في مُقابَلَةِ كَلامِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَواعِظِهِ إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الباطِلَةُ كَما يَنْساقُ إلى الذِّهْنِ بَلْ إنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَرّاتِ المُحاوَراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهم إلّا هَذِهِ الكَلِمَةُ الشَّنِيعَةُ وإلّا فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التُّرَّهاتِ كَما حُكِيَ عَنْهم في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الكِتابِ الكَرِيمِ وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ قِيلَ: وإنَّما جِيءَ بِالواوِ في ﴿وما كانَ﴾ .. إلَخْ. دُونَ الفاءِ كَما في النَّمْلِ والعَنْكَبُوتِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ قَبْلُ هُنا والفِعْلِ هُناكَ والتَّعْقِيبُ بِالفِعْلِ بَعْدَ الفِعْلِ حَسَنٌ دُونَ التَّعْقِيبِ بِهِ بَعْدَ الِاسْمِ وفِيهِ تَأمُّلٌ.

ولَعَلَّ ذِكْرَ ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾ هُنا و﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ في النَّمْلِ إشارَةٌ إلى أنَّهم قالُوا مَرَّةً هَذا وأُخْرى ذاكَ أوْ أنَّ بَعْضًا قالَ كَذا وآخَرَ قالَ كَذا وقالَ النَّيْسابُورِيُّ: إنَّما جاءَ في النَّمْلِ ﴿أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾ لِيَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الكِنايَةِ وقِيلَ: إنَّ تِلْكَ السُّورَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الأعْرافِ وقَدْ صُرِّحَ في الأُولى وكُنِّيَ في الثّانِيَةِ. اهـ. ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوْلى فَتَأمَّلْ.

Al-A'raaf 7:82Listen in Qur'an →
83

فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ

So We saved him and his family, except for his wife; she was of those who remained [with the evildoers].

﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ أيْ مَنِ اخْتَصَّ بِهِ واتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ سَواءً مِن ذَوِي قَرابَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أمْ لا وقِيلَ: ابْنَتاهُ رَيْثا ويَغُوثا ولِلْأهْلِ مَعانٍ ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ وهو عِنْدَ الإمامِ الأعْظَمِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في بابِ الوَصِيَّةِ الزَّوْجَةُ لِلْعُرْفِ ولِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ ﴿وسارَ بِأهْلِهِ﴾ فَتُدْفَعُ الوَصِيَّةُ لَها إنْ كانَتْ كِتابِيَّةً أوْ مُسْلِمَةً وأجازَتِ الوَرَثَةُ وعِنْدَ الإمامَيْنِ أهْلِ الزَّجَلِ كُلُّ مَن في عِيالِهِ ونَفَقَتِهِ غَيْرَ مَمالِكِيهِ ووَرَثَتِهِ وقَوْلُهُما كَما في شَرْحِ التَّكْمِلَةِ اسْتِحْسانٌ وأيَّدَهُ ابْنُ الكَمالِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ لا يَصِحُّ فِيها أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الزَّوْجَةِ أصْلًا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن أهْلِهِ وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الكَلامَ في المُطْلَقِ عَلى القَرِينَةِ لا في الأهْلِ مُطْلَقًا واسْمُ امْرَأتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واهِلَةُ وقِيلَ: والِهَةُ ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾ (83) أيْ بَعْضًا مِنهم فالتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ وكانَتْ تُسِرُّ الكُفْرَ وتُوالِي أهْلَهُ فَهَلَكَتْ كَما هَلَكُوا.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى كانَتْ مَعَ القَوْمِ الغابِرِينَ فَلا تَغْلِيبَ والغابِرُ بِمَعْنى الباقِي ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:

فَغَبَرَتْ بَعْدَهم بِعَيْشٍ ناصِبِ

ويَجِيءُ بِمَعْنى الماضِي والذّاهِبِ ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: في الزَّمَنِ الغابِرِ فَهو مِنَ الأضْدادِ كَما في الصِّحاحِ وغَيْرِهِ ويَكُونُ بِمَعْنى الهالِكِ أيْضًا وفي بَقاءِ امْرَأتِهِ مَعَ أُولَئِكَ القَوْمِ رِوايَتانِ ثانِيَتُهُما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَها مَعَ أهْلِهِ ونَهاهم عَنِ الِالتِفاتِ فالتَفَتَتْ هي فَأصابَها حَجَرٌ فَهَلَكَتْ والآيَةُ هُنا مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ

صفحة 172

والحَسَنُ وقَتادَةُ أنَّ الغُبُورَ هُنا بِالبَقاءِ في عَذابِ اللَّهِ تَعالى وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَتِمَّةٌ لِهَذا الكَلامِ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا نَشَأ عَنِ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ حالُها فَقِيلَ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ.

Al-A'raaf 7:83Listen in Qur'an →
84

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًۭا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And We rained upon them a rain [of stones]. Then see how was the end of the criminals.

﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ أيْ نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ وفي الخازِنِ أنَّ تِلْكَ الحِجارَةَ كانَتْ مَعْجُونَةً بِالكِبْرِيتِ والنّارِ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ وجاءَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ خُسِفَ بِالمُقِيمِينَ مِنهم وأُمْطِرَتِ الحِجارَةُ عَلى مُسافِرِيهِمْ وُشُذّادِهِمْ حَتّى أنَّ تاجِرًا مِنهم كانَ في الحَرَمِ فَوَقَفَتْ لَهُ حَجَرٌ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَوَقَعَ عَلَيْهِ وفُرِّقَ بَيْنَ مُطِرَ وأُمْطِرَ فَعَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّ الثُّلاثِيَّ في الرَّحْمَةِ والرُّباعِيَّ في العَذابِ ومِثْلُهُ عَنِ الرّاغِبِ وفي الصِّحاحِ عَنْ أُناسٍ أنَّ أُمْطِرَتِ السَّماءُ وأمْطَرَتْ بِمَعْنًى وفي القامُوسِ لا يُقالُ أمْطَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا في العَذابِ وظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ في الأنْفالِ التَّرادُفُ كَما في الصِّحاحِ لَكِنَّهُ قالَ: وقَدْ كَثُرَ الإمْطارُ في مَعْنى العَذابِ وذُكِرَ هُنا أنَّهُ يُقالُ: مَطَرَتْهُمُ السَّماءُ ووادٍ مَمْطُورٌ ويُقالُ: أمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ كَذا أيِ أرْسَلَتْهُ إرْسالَ المَطَرِ وحاصِلُ الفَرْقِ كَما في الكَشْفِ مُلاحَظَةُ مَعْنى الإصابَةِ في الأوَّلِ والإرْسالِ في الثّانِي ولِهَذا عُدِّيَ بِعَلى وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّ مَقْصُودَ الزَّمَخْشَرِيِّ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ: إنَّ مُطِرَتْ في الخَيْرِ وأُمْطِرَتْ في الشَّرِّ ويُتَوَهَّمُ أنَّها تَفْرِقَةٌ وضْعِيَّةٌ فَبَيَّنَ أنَّ أُمْطِرَتْ مَعْناهُ أرْسَلَتْ شَيْئًا عَلى نَحْوِ المَطَرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ إيّاهُ حَتّى لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ أنْواعًا مِنَ الخَيْرِ لَجازَ أنْ يُقالَ فِيهِ أمْطَرَتِ السَّماءُ خَيْرًا أيْ أرْسَلَتْهُ إرْسالَ المَطَرِ فَلَيْسَ لِلشَّرِّ خُصُوصِيَّةٌ في هَذِهِ الصِّيغَةِ الرُّباعِيَّةِ ولَكِنِ اتُّفِقَ أنَّ السَّماءَ لَمْ تُرْسِلْ شَيْئًا سِوى المَطَرِ إلّا وكانَ عَذابًا فَظُنَّ أنَّ الواقِعَ اتِّفاقًا مَقْصُودٌ في الوَضْعِ ولَيْسَ بِهِ. انْتَهى. ويُعْلَمُ مِنهُ كَما في الشِّهابِ أنَّ كَلامَ أبِي عُبَيْدَةَ وأضْرابِهِ مُؤَوَّلٌ وإنْ رُدَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ فَإنَّهُ عَنى بِهِ الرَّحْمَةَ ولا يَخْفى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إنَّ التَّفْرِقَةَ الِاسْتِعْمالِيَّةَ إنَّما هي بَيْنَ الفِعْلَيْنِ دُونَ مُتَصَرِّفاتِهِما لَمْ يَتَأتَّ هَذا الرَّدُّ إلّا أنَّ كَلامَهم غَيْرُ صَرِيحٍ في ذَلِكَ ولَعَلَّ البَعْضَ صَرَّحَ بِما يُخالِفُهُ ثُمَّ إنَّ ﴿مَطَرًا﴾ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ مَآلُ أُولَئِكَ الكافِرِينَ المُقْتَرِفِينَ لِتِلْكَ الفِعْلَةِ الشَّنْعاءِ وهَذا خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّأمُّلُ والنَّظَرُ تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِن أفْعالِهِمْ وقَدْ مَكَثَ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِمْ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ ثَلاثِينَ سَنَةً يَدْعُوهم إلى ما فِيهِ صَلاحُهم فَلَمْ يُجِيبُوهُ وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَرْكَبُ عَلى حِمارِهِ فَيَأْتِيهِمْ ويَنْصَحُهم فَيَأْبَوْنَ أنْ يَقْبَلُوا فَكانَ يَأْتِي بَعْدَ أنْ أيِسَ مِنهم فَيَنْظُرُ إلى سَدُومَ ويَقُولُ سَدُومُ أيُّ يَوْمٍ لَكِ مِنَ اللَّهِ تَعالى سَدُومُ حَتّى بَلَغَ الكِتابُ أجَلَهُ فَكانَ ما قَصَّ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ ﷺ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَفْصِيلُ ذَلِكَ.

ثُمَّ إنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَمّا عُذِّبَ …

Al-A'raaf 7:84Listen in Qur'an →
85

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

And to [the people of] Madyan [We sent] their brother Shu'ayb. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. There has come to you clear evidence from your Lord. So fulfill the measure and weight and do not deprive people of their due and cause not corruption upon the earth after its reformation. That is better for you, if you should be believers.

﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ عُطِفَ عَلى ما مَرَّ. والمُرادُ أرْسَلْنا إلى مَدْيَنَ .. إلَخْ. ومَدْيَنُ وسُمِعَ مَدْيانَ في الأصْلِ عَلَمٌ لِابْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعِلْمِيَّةِ والعُجْمَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ اسْمٌ لِماءٍ كانُوا عَلَيْهِ وقِيلَ: اسْمُ بَلَدٍ ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعِلْمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ حِينَئِذٍ أيْ أهْلِ مَدْيَنَ مَثَلًا أوِ المَجازِ والياءُ عَلى هَذا عِنْدَ بَعْضٍ زائِدَةٌ وعَنِ ابْنِ بِرِّيٍّ المِيمُ زائِدَةٌ إذْ لَيْسَ في كَلامِهِمْ فَعِيلٌ وفِيهِ مَفْعَلٌ.

وقالَ آخَرُونَ إنَّهُ شاذٌّ كَمَرْيَمَ إذِ القِياسُ إعْلالُهُ كَمَقامٍ وعِنْدَ المُبَرِّدِ لَيْسَ بِشاذٍّ قِيلَ وهو الحَقُّ لِجَرَيانِهِ عَلى الفِعْلِ وشُعَيْبٌ قِيلَ تَصْغِيرُ شِعْبٍ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ اسْمُ جَبَلٍ أوْ شِعْبٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ الطَّرِيقُ في الجَبَلِ واخْتِيرَ أنَّهُ وُضِعُ مُرْتَجَلًا هَكَذا والقَوْلُ بِأنَّ القَوْلَ بِالتَّصْغِيرِ باطِلٌ لِأنَّ أسْماءَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَجُوزُ تَصْغِيرُها فِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ المَمْنُوعَ التَّصْغِيرُ بَعْدَ الوَضْعِ لا المُقارَنُ لَهُ ومُدَّعِي ذَلِكَ قَدْ يَدَّعِي هَذا وهو عَلى ما وجَدَ بِخَطِّ النَّوَوِيِّ في تَهْذِيبِهِ ابْنَ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: ابْنُ مِيكِيلَ بْنِ يَشْجُرَ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ وبَعْضُهم يَقُولُ: مِيكائِيلُ بَدَلَ مِيكِيلَ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ خَطِّ الذَّهَبِيِّ في اخْتِصارِ المُسْتَدْرَكِ وآخَرُ يَقُولُ مَلْكانِيُّ بَدَلَهُ.

وذُكِرَ أنَّ أُمَّ مِيكِيلَ بِنْتُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ بِشْرٍ عَنِ الشَّرْقِيِّ ابْنِ القَطامِيِّ وكانَ نَسّابَةً أنَّ شُعَيْبًا هو يَثْرُوبُ بِالعِبْرانِيَّةِ وهو ابْنُ عَيْفاءَ بْنِ يَوْبَبُ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ أوَّلُهُ وواوٌ ومُوَحَّدَتَيْنِ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقِيلَ: في نَسَبِهِ غَيْرُ ذاكَ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ كَما أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إذا ذُكِرَ شُعَيْبٌ يَقُولُ: ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ لِقَوْمِهِ أيْ مُحاوَرَتِهِ لَهم وكَأنَّهُ كَما قِيلَ عَنى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ كَما يُعْلَمُ بِالتَّأمُّلِ فِيهِ وبُعِثَ رَسُولًا إلى أُمَّتَيْنِ مَدِينَ وأصْحابِ الأيْكَةِ قالَ السُّدِّيُّ وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما بَعَثَ اللَّهُ تَعالى نَبِيًّا مَرَّتَيْنِ إلّا شُعَيْبًا مَرَّةً إلى مَدْيَنَ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْحَةِ ومَرَّةً إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعَذابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أنَّ قَوْمَ مَدْيَنَ وأصْحابَ الأيْكَةِ أُمَّتانِ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِما شُعَيْبًا وهو كَما قالَ ابْنُ كَثِيرٍ غَرِيبٌ وفي رَفْعِهِ نَظَرٌ واخْتارَ أنَّهُما أُمَّةٌ واحِدَةٌ

صفحة 176

واحْتَجَّ لَهُ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما وُعِظَ بِوَفاءِ المِيزانِ والمِكْيالِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُما واحِدَةٌ وفِيهِ ما لا يَخْفى ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى ثَلاثِ أُمَمٍ والثّالِثَةُ أصْحابُ الرَّسِّ والقَوْلُ بِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْمى لا عُكّازَ لَهُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ بَلْ قَدْ نَصَّ العُلَماءُ ذَوُو البَصِيرَةِ عَلى …

Al-A'raaf 7:85Listen in Qur'an →
86

وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍۢ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًۭا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًۭا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ

And do not sit on every path, threatening and averting from the way of Allah those who believe in Him, seeking to make it [seem] deviant. And remember when you were few and He increased you. And see how was the end of the corrupters.

﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أيْ طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الحِسِّيَّةِ ﴿تُوعِدُونَ﴾ أيْ تُخَوِّفُونَ مَن آمَنُ بِالقَتْلِ كَما نُقِلَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ بِلادَهم كانَتْ يَسِيرَةً وكانَ النّاسُ يَمْتارُونَ مِنهم فَكانُوا يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ ويُخَوِّفُونَ النّاسَ أنْ يَأْتُوا شُعَيْبًا ويَقُولُونَ لَهم إنَّهُ كَذّابٌ فَلا يَفْتِنُكم عَنْ دِينِكم.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القُعُودُ عَلى الصِّراطِ خارِجًا مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ كَما فِيما حُكِيَ عَنْ قَوْلِ الشَّيْطانِ: ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ أيْ ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدِّينِ كالشَّيْطانِ وإلَيْهِ يُشِيرُ ما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا والكُلِّيَّةُ مَعَ أنَّ دِينَ اللَّهِ الحَقَّ واحِدٌ بِاعْتِبارِ تَشَعُّبِهِ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ وكانُوا إذا رَأوْا أحَدًا يَشْرَعُ في شَيْءٍ مِنها مَنَعُوهُ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ مِنَ الحِيَلِ وقِيلَ: كانُوا يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ ما يَرْجِعُ إلى أحَدِ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ وإلّا فَفِيهِ خَفاءٌ وإنْ قِيلَ: إنَّ في الآيَةِ عَلَيْهِ مُبالَغَةً في الوَعِيدِ وتَغْلِيظَ ما كانُوا يَرُومُونَهُ مِن قَطْعِ السَّبِيلِ.

﴿وتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ وهي الإيمانُ أوِ السَّبِيلِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِكُلِّ صِراطٍ دَلالَةً عَلى عِظَمِ ما تَصْدُقُ عَلَيْهِ وتَقْبِيحًا لِما كانُوا عَلَيْهِ وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الأقْرَبِ لا ﴿تُوعِدُونَ﴾ خِلافًا لِما يُوهِمُهُ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ إذْ يَجِبُ عِنْدَ الجُمْهُورِ في مِثْلِ ذَلِكَ حِينَئِذٍ إظْهارُ ضَمِيرِ الثّانِي ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَيَلْزَمُ أنْ يُقالَ: تَصُدُّونَهم وإذا جُعِلَ تَصُدُّونَ بِمَعْنى تُعْرِضُونَ يَصِيرُ لازِمًا ولا يَكُونُ مِمّا نَحْنُ فِيهِ وضَمِيرُ ( بِهِ ) لِلَّهِ تَعالى أوْ لِكُلِّ صِراطٍ أوْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ كَما قِيلَ وجُمْلَةُ ﴿تُوعِدُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿تَقْعُدُوا﴾ أيْ مُوعِدِينَ وصادِّينَ وقِيلَ: هي عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ والأظْهَرُ ما ذَكَرْنا ﴿وتَبْغُونَها عِوَجًا﴾ أيْ وتَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ تَعالى عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ أوْ بِوَصْفِها لِلنّاسِ بِما يَنْقُصُها وهي أبْعَدُ مِن شائِبَةِ الِاعْوِجاجِ: وهَذا إخْبارٌ فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ وقَدْ يَكُونُ تَهَكُّمًا بِهِمْ حَيْثُ طَلَبُوا ما هو مُحالٌ إذْ طَرِيقُ الحَقِّ لا يَعْوَجُّ وفي الكَلامِ تَرَقٍّ كَأنَّهُ قِيلَ: ما كَفاكم أنَّكم تُوعِدُونَ النّاسَ عَلى مُتابَعَةِ الحَقِّ وتَصُدُّونَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَصِفُونَهُ بِالِاعْوِجاجِ لِيَكُونَ الصَّدُّ بِالبُرْهانِ والدَّلِيلِ وعَلى ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ زَيْدٍ جازَ أنْ يُرادَ بِتَبْغُونَها عِوَجًا عَيْشُهم في الأرْضِ واعْوِجاجُ الطَّرِيقِ عِبارَةٌ عَنْ فَواتِ أمْنِها.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ مَعْنى هَذا الطَّلَبِ حِينَئِذٍ مَعْنى اللّامِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ وعَلى

صفحة 179

سائِرِ الأوْجُهِ في الكَلامِ الحَذْفُ والإيصالُ.

﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا﴾ عَدَدَكم ﴿فَكَثَّرَكُمْ﴾ فَوَفَّرَ عَدَدَكم بِالبَرَكَةِ في النَّسْلِ …

Al-A'raaf 7:86Listen in Qur'an →
87

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌۭ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌۭ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَٰكِمِينَ

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allah judges between us. And He is the best of judges."

﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ﴿وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بِهِ أوْ لَمْ يَفْعَلُوا الإيمانَ ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ خِطابٌ لِلْكُفّارِ ووَعِيدٌ لَهم أيْ تَرَبَّصُوا لِتَرَوْا حُكْمَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَنا وبَيْنَكم فَإنَّهُ سُبْحانَهُ سَيَنْصُرُ المُحِقَّ عَلى المُبْطِلِ ويَظْهِرُهُ عَلَيْهِ أوْ هو خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ومَوْعِظَةٌ لَهم وحَثٌّ عَلى الصَّبْرِ واحْتِمالِ ما كانَ يَلْحَقُهم مِن أذى المُشْرِكِينَ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهم ويَنْتَقِمَ لَهم مِنهم ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ لِيَصْبِرِ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ ولِيَصْبِرِ الكُفّارُ عَلى ما يَسُوؤُهم مِن إيمانِ مَن آمَنَ مِنهم حَتّى يَحْكُمَ فَيُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ والظّاهِرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ وكَأنَّ المَقْصُودَ أنَّ إيمانَ البَعْضِ يَنْفَعُكم في دَفْعِ بَلاءِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ (87) إذْ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا حَيْفَ فِيهِ فَهو في غايَةِ السَّدادِ.

Al-A'raaf 7:87Listen in Qur'an →
88

۞ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَٰرِهِينَ

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shu'ayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?"

صفحة 1

صفحة 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المُقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَماذا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَما سَمِعُوا مِنهُ هَذِهِ المَواعِظَ؟ فَقِيلَ: قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ المُسْتَكْبِرُونَ مُتَطاوِلِينَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْصاءِ، بَلْ بِالِغِينَ مِنَ العُتُوِّ مَبْلَغًا عَظِيمًا: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾ بُغْضًا لَكم ودَفْعًا لِفِتْنَتِكُمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى المُساكَنَةِ والجِوارِ، والتَّأْكِيدُ القَسَمِيُّ لِلْمُبالَغَةِ والِاعْتِناءِ بِالحُكْمِ، و(مَعَكَ) مُتَعَلِّقٌ بِالإخْراجِ لا بِالإيمانِ، ونِسْبَةُ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلًا وإلى المُؤْمِنِينَ ثانِيًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أصالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ، وتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ فِيهِ، وتَوْسِيطُ النِّداءِ بِاسْمِهِ العَلِيِّ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ النّاشِئَةِ عَنْ غايَةِ الوَقاحَةِ والطُّغْيانِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ البَتَّةَ، الإخْراجُ أوِ العَوْدُ، عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأهَمَّ هو العَوْدُ، وإنَّما ذُكِرَ الأوَّلُ لِمُجَرَّدِ القَسْرِ والإلْجاءِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ عَدَمُ تَعَرُّضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَوابِ الإخْراجِ، والمُتَبادَرُ مِنَ العَوْدِ الرُّجُوعُ إلى الحالَةِ الأُولى، وهَذا مِمّا لا يُمْكِنُ في حَقِّ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعْصُومُونَ عَمّا دُونَ الكُفْرِ بِمَراتِبَ. نَعَمْ هو مُمْكِنٌ في حَقِّ مَن آمَنَ بِهِ، فَإسْنادُهُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بابِ التَّغْلِيبِ، قِيلَ: وقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ المُؤْمِنُونَ هُنا كَما غَلَبَ هو عَلَيْهِمْ في الخِطابِ، فَيَكُونُ في الآيَةِ حِينَئِذٍ تَغْلِيبانِ، وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: أنْ تَعُودَ بِمَعْنى تَصِيرُ كَما أثْبَتَهُ بَعْضُ النُّحاةِ واللُّغَوِيِّينَ، فَلا يَسْتَدْعِي العَوْدَ إلى حالَةٍ سابِقَةٍ، وعَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ:

فَإنْ لَمْ تَكُ الأيّامُ تُحْسِنُ مَرَّةً ∗∗∗ إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ

فَكَأنَّهم قالُوا: لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا، أوْ لَتَصِيرُنَّ مِثْلَنا، فَحِينَئِذٍ لا إشْكالَ ولا تَغْلِيبَ، وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ وهو حَسَنٌ ولا يَأْباهُ، ﴿إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ لِاحْتِمالِ أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ فِيهِ، أوْ يُقالَ: إنَّ التَّنْجِيَةَ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْدَ الوُقُوعِ في المَكْرُوهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾ وأمْثالِهِ.

وقالَ ابْنُ المُنِيرِ: عَلى احْتِمالِ تَسْلِيمِ اسْتِعْمالِ العَوْدِ بِمَعْنى الرُّجُوعِ إلى أمْرٍ سابِقٍ يُجابُ بِأنَّهُ عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ﴾ فَإنَّ الإخْراجَ يَسْتَدْعِي دُخُولًا سابِقًا فِيما وقَعَ الإخْراجُ مِنهُ، وهو غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ في المُؤْمِنِ والكافِرِ الأصْلِيَّيْنِ، لَكِنْ لَمّا كانَ الإيمانُ والكُفْرُ مِنَ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ مُيَسَّرًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُتَمَكِّنًا مِنهُ لَوْ أرادَهُ عَبَّرَ عَنْ تَمَكُّنِ المُؤْمِنِ مِنَ …

Al-A'raaf 7:88Listen in Qur'an →
89

قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَٰتِحِينَ

We would have invented against Allah a lie if we returned to your religion after Allah had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allah, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allah we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

صفحة 4

﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ وزَعَمْنا كَما زَعَمْتُمْ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ وعَلِمْنا بُطْلانَها، وأنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم فَقَدِ افْتَرَيْنا، واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ الظّاهِرَ فِيما إذا كانَ الجَوابُ مِثْلَ ما ذُكِرَ أنْ يَتَعَلَّقَ ظُهُورُهُ والعِلْمُ بِهِ بِالشَّرْطِ نَحْوَ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ و﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وإنْ أكْرَمْتَنِي اليَوْمَ فَقَدْ أكْرَمْتُكَ أمْسِ، والمَقْصُودُ هُنا تَقْيِيدُ نَفْسِ الِافْتِراءِ بِالعَوْدِ، ولَفْظُ قَدْ وصِيغَةُ الماضِي يَمْنَعانِهِ، والجَوابُ ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّهُ مِن بابِ الإخْراجِ لا عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ وإيثارِ قَدْ والماضِي الدّالَّيْنِ عَلى التَّأْكِيدِ؛ إمّا لِأنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ، أوْ لِأنَّهُ تَعَجُّبٌ عَلى مَعْنى: ما أكْذَبَنا إنْ عُدْنا إلَخْ. ووَجْهُ التَّعَجُّبِ أنَّ المُرْتَدَّ أبْلَغُ في الِافْتِراءِ مِنَ الكافِرِ؛ لِأنَّ الكافِرَ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ تَعالى الكَذِبَ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ نِدًّا، ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدَّ مِثْلُهُ في ذَلِكَ، وزائِدٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والحَمْلُ عَلى التَّعَجُّبِ عَلى ما في الكَشْفِ أوْلى؛ لِأنَّ حَذْفَ اللّامِ ضَعِيفٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ تَبَعًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ المَذْكُورُ قَسَمًا كَما يُقالُ: بَرِئْتُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْ فَعَلْتُ كَذا، وكَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الأشْتَرِ النَّخَعِيِّ:

أبْقَيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ

إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن ذَهابِ نُفُوسِ

وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَدِيعِ، وقَدْ ذَكَرَهُ غَيْرُ واحِدٍ مِن أصْحابِ البَدِيعِيّاتِ، ومَثَّلَهُ عِزُّ الدِّينِ المَوْصِلِيُّ بِقَوْلِهِ:

بَرِئْتُ مِن سَلَفِي والشَّمُّ مِن هِمَمِي ∗∗∗ إنْ لَمْ أدْنُ بِتُقًى مَبْرُورَةِ القَسَمِ

والباغُونِيَّةُ بِقَوْلِها:

لا مَكَّنَتْنِي المَعالِي مِن سِيادَتِها ∗∗∗ إنْ لَمْ أكُنْ لَهم مِن جُمْلَةِ الخَدَمِ

﴿وما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ: ما يَصِحُّ لَنا وما يَقَعُ، فَيَكُونُ تامَّةٌ، وقَدْ يَأْتِي ذَلِكَ بِمَعْنى ما يَنْبَغِي وما يَلِيقُ.

﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أوْ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.

﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾، أيْ: إلّا حالَ أوْ وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِعَوْدِنا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهُ المالِكُ الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ.

﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَهو سُبْحانُهُ يَعْلَمُ كُلَّ حِكْمَةٍ ومَصْلَحَةٍ ومَشِيئَتُهُ عَلى مُوجِبِ الحِكْمَةِ، فَكُلُّ ما يَقَعُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها، وهَذا إشارَةٌ إلى عَدَمِ الأمْنِ مِن مَكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ، وفِيهِ مِنَ الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى ما لا يَخْفى، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ فَإنَّ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ إظْهارُ العَجْزِ والِاعْتِمادُ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالَغَةِ، …

Al-A'raaf 7:89Listen in Qur'an →
90

وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَٰسِرُونَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shu'ayb, indeed, you would then be losers."

﴿وقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿قالَ المَلأُ﴾ إلَخْ. والمُرادُ مِن هَؤُلاءِ المَلَأِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ المُسْتَكْبِرِينَ، وتَغْيِيرُ الصِّلَةِ لِما أنَّ مَناطَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ هو الِاسْتِكْبارُ، ويَكُونُ هَذا حِكايَةً لِإضْلالِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ ضَلالِهِمْ عَلى ما قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرُهم ودُونَهم في الرُّتْبَةِ شَأْنُهُمُ الوَساطَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ العامَّةِ والقِيامُ بِأُمُورِهِمْ حَسْبَما يَراهُ المُسْتَكْبِرُونَ، أيْ: قالُوا لِأهْلِ مِلَّتِهِمْ تَنْفِيرًا لَهم وتَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ شاهَدُوا صَلابَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ وخافُوا أنْ يُفارِقُوهم ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾

صفحة 6

ودَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِ وفارَقْتُمْ مِلَّةَ آبائِكم ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ أيْ: مَغْبُونُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى ولِفَواتِ ما يَحْصُلُ لَكم بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ، فالخُسْرانُ عَلى الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ وعَلى الثّانِي حَقِيقَةٌ، وإلى تَفْسِيرِ الخاسِرِينَ بِالمَغْبُونِينَ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُهُ بِالجاهِلِينَ، وعَنِ الضَّحّاكِ تَفْسِيرُهُ بِالفَجَرَةِ، وإذا حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ مُعْتَرِضٌ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها.

وقِيلَ: هي إذا الظَّرْفِيَّةُ الِاسْتِقْبالِيَّةُ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ المُضافُ إلَيْها وعَوَّضَ عَنْها التَّنْوِينُ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ النُّحاةِ، والجُمْلَةُ جَوابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ بِدَلِيلِ عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ وسادَّةٌ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ولَيْسَتْ جَوابًا لَهُما مَعًا كَما يُوهِمُهُ كَلامُ بَعْضِهِمْ؛ لِأنَّهُ كَما قِيلَ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِلْقَواعِدِ النَّحْوِيَّةِ يَلْزَمُ فِيهِ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً واحِدَةً لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، ولا مَحَلَّ لَها، وإنْ جازَ بِاعْتِبارَيْنِ.

Al-A'raaf 7:90Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.