Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 61–70 of 206

61

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

﴿يا قَوْمِ﴾ ناداهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ اسْتِمالَةً لَهم نَحْوَ الحَقِّ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ نَفْيٌ لِلضَّلالِ عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَإنَّ التّاءَ لِلْمَرَّةِ لِأنَّ مَقامَ المُبالَغَةِ في الجَوابِ لِقَوْلِهِمُ الأحْمَقِ يَقْتَضِي ذَلِكَ والوَحْدَةُ المُسْتَفادَةُ مِنهُ بِاعْتِبارِ أقَلِّ ما يَنْطَلِقُ فَيَرْجِعُ حاصِلُ المَعْنى لَيْسَ بِي أقَلُّ قَلِيلٍ مِنَ الضَّلالِ فَضْلًا عَنِ الضَّلالِ المُبِينِ وما يَتَخايَلُ مِن أنَّ نَفْيَ الماهِيَّةِ أبْلَغُ فَإنَّ نَفْيَ الشَّيْءِ مَعَ قَيْدِ الوَحْدَةِ قَدْ يَكُونُ بِانْتِفاءِ الوَحْدَةِ إلى الكَثْرَةِ مُضْمَحِلٌّ بِما حَقَّقَ أنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ صِفَةً مُقَيَّدَةً بَلِ اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلْجُزْءِ الأقَلِّ وهو الواحِدُ المُتَحَقِّقُ مَعَ الكَثْرَةِ ودُونَها عَلى أنَّ مُلاحَظَةَ قَيْدِ الوَحْدَةِ في العامِّ في سِياقِ النَّفْيِ مَدْفُوعٌ وكَفاكَ لا رَجُلَ شاهِدًا فَإنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْواحِدِ مِنَ الجِنْسِ وبِذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُسامَةَ فَإذا وقَعَ عامًّا لا يُلْحَظُ ذَلِكَ ولَوْ سُلِّمَ جَوازُ أنْ يُقالَ لَيْسَ بِهِ ضَلالَةٌ واحِدَةٌ بَلْ ضَلالاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ ابْتِداءً لَكِنْ لا يَجُوزُ في مَقامِ المُقابَلَةِ كَما نَحْنُ فِيهِ قالَهُ في الكَشْفِ وبِهِ يَنْدَفِعُ ما أوْرَدَ عَلى الكَشّافِ في هَذا المَقامِ.

وفِي المَثَلِ السّائِرِ الأسْماءُ المُفْرَدَةُ الواقِعَةُ عَلى الجِنْسِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَها وبَيْنَ إحْداها تاءُ التَّأْنِيثِ مَتى أُرِيدَ النَّفْيُ كانَ اسْتِعْمالُ واحِدِها أبْلَغَ ومَتى أُرِيدَ الإثْباتُ كانَ اسْتِعْمالُها أبْلَغَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ ولا يُظَنُّ أنَّهُ لَمّا كانَ الضَّلالُ والضَّلالَةُ مَصْدَرَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ضَلَّ يَضِلُّ ضَلالًا وضَلالَةً كانَ القَوْلانِ سَواءً لِأنَّ الضَّلالَةَ هُنا لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ

صفحة 151

المَصْدَرِ بَلْ عَنِ المَرَّةِ والنَّفْيِ كَما عَلِمْتَ وإنَّما بالَغَ عَلَيْهِ السَّلامُ في النَّفْيِ لِمُبالَغَتِهِمْ في الإثْباتِ حَيْثُ جَعَلُوهُ وحاشاهُ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالِ الواضِحِ كَوْنُهُ ضَلالًا وقَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ (61) اسْتِدْراكٌ عَلى ما قَبْلَهُ رافِعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِنهُ وذَلِكَ عَلى ما قِيلَ إنَّ القَوْمَ لَمّا أثْبَتُوا لَهُ الضَّلالَ أرادُوا بِهِ تَرْكَ دِينِ الآباءِ ودَعْوى الرِّسالَةِ فَحِينَ نَفى الضَّلالَةَ تُوُهِّمَ مِنهُ أنَّهُ عَلى دِينِ آبائِهِ وتَرَكَ دَعْوى الرِّسالَةِ فَوَقَعَ الإخْبارُ بِأنَّهُ رَسُولٌ وثابِتٌ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ اسْتِدْراكًا لِذَلِكَ وقِيلَ: هو اسْتِدْراكٌ مِمّا قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن كَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ الهِدايَةِ فَإنَّ رِسالَتَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهُ لا مَحالَةَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِنَ الضَّلالَةِ لَكِنِّي في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهِدايَةِ وحاصِلُ ذَلِكَ عَلى ما قَرَّرَهُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ لَكِنَّ حَقُّها أنْ تَتَوَسَّطَ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ نَفْيًا وإثْباتًا والتَّغايُرُ هُنا حاصِلٌ مِن حَيْثُ المَعْنى كَما في قَوْلِكَ جاءَنِي زَيْدٌ لَكِنَّ عَمْرًا غابَ وفائِدَةُ العُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ إرادَةُ المُبالَغَةِ في إثْباتِ الهِدايَةِ عَلى أقْصى ما يُمْكِنُ كَما نَفى الضَّلالَةَ كَذَلِكَ وسَلَكَ طَرِيقَ الإطْنابِ لِأنَّ هَذا الِاسْتِدْراكَ زِيادَةٌ عَلى الجَوابِ إذْ قَوْلُهُ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ كانَ كافِيًا فِيهِ فَيَكُونُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ الوارِدِ عَلى التَّخَلُّصِ إلى الدَّعْوَةِ عَلى وجْهِ …

Al-A'raaf 7:61Listen in Qur'an →
62

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allah what you do not know.

﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ وتَفْصِيلِ أحْكامِها وأحْوالِها وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً أُخْرى لِرَسُولٍ عَلى المَعْنى لِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الضَّمِيرِ في ( إنِّي ) وهَذا كَقَوْلِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ حِينَ بارَزَ مَرْحَبًا اليَهُودِيَّ يَوْمَ خَيْبَرَ.

أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غاباتٍ كَرِيهٍ مَنظَرَهْ

أُوَفِّيهِمْ بِالصّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَهْ

حَيْثُ لَمْ يَقُلْ سَمَّتْهُ حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْنى لِأمْنِ اللَّبْسِ وأوْجَبَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِئْنافِ زَعْمًا مِنهُ أنَّ ما ذُكِرَ قَبِيحٌ حَتّى قالَ المازِنِيُّ: لَوْلا شُهْرَتُهُ لَرَدَدْتُهُ وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشِّهابُ بِأنَّ ما ذَكَرَهُ المازِنِيُّ في صِلَةِ المَوْصُولِ لا في وصْفِ النَّكِرَةِ فَإنَّهُ وارِدٌ في القُرْآنِ مِثْلَ ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وقَدْ صُرِّحَ بِحُسْنِهِ في كُتُبِ النَّحْوِ والمَعانِي عَلى ما ذَكَرَهُ في الصِّلَةِ أيْضًا مَرْدُودٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وإنْ تَبِعَهُ فِيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ حَتّى اسْتَرْذَلَ قَوْلَ المُتَنَبِّي.

أنا الَّذِي نَظَرَ الأعْمى إلى أدَبِي

وفِي الِانْتِصافِ أنَّهُ حَسَنٌ في الِاسْتِعْمالِ وكَرَمُ أبِي الحَسَنِ أصْدَقُ شاهِدٍ عَلى ما قالَ وعَلى حُسْنِ كَلامِ ابْنِ الحُسَيْنِ وهَذا كَما قالَ الشِّهابُ إذا لَمْ يَكُنِ الضَّمِيرُ مُؤَخَّرًا نَحْوَ الَّذِي قَرى الضُّيُوفَ أنا أوْ كانَ لِلتَّشْبِيهِ نَحْوَ أنا في الشَّجاعَةِ الَّذِي قَتَلَ مَرْحَبا.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( أبْلِغُكم ) بِتَسْكِينِ الباءِ وتَخْفِيفِ اللّامِ مِنَ الإبِلاغِ وجَمْعُ الرِّسالاتِ مَعَ أنَّ رِسالَةَ كُلِّ نَبِيٍّ واحِدَةٌ وهو مَصْدَرٌ والأصْلُ فِيهِ أنْ لا يُجْمَعَ رِعايَةً لِاخْتِلافِ أوْقاتِها أوْ تَنَوُّعِ مَعانِي ما أُرْسِلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ أوْ أنَّهُ أرادَ رِسالَتَهُ ورِسالَةَ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ كَإدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ ثَلاثُونَ صَحِيفَةً وشِيثٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ بَيانِ عُمُومِها لِلْعالِمِينَ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ الَّذِي هو تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ تَعالى إلَيْهِمْ فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لَهُ مِن مُوجِباتِ امْتِثالِهِ بِأمْرِهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ أيْ أتَحَرّى ما فِيهِ صَلاحُكم بِناءً عَلى أنَّ النُّصْحَ تَحَرِّي ذَلِكَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا وقِيلَ: هو تَعْرِيفُ وجْهِ المَصْلَحَةِ مَعَ خُلُوصِ النِّيَّةِ مِن شَوائِبِ المَكْرُوهِ والمَعْنى هُنا أُبَلِّغُكم أوامِرَ اللَّهِ تَعالى ونَواهِيَهُ وأُرَغِّبُكم في قَبُولِها وأُحَذِّرُكم عِقابَهُ إنْ عَصَيْتُمُوهُ وأصْلُ النُّصْحِ في اللُّغَةِ الخُلُوصُ يُقالُ: نَصَحْتُ العَسَلَ إذا خَلَّصْتُهُ مِنَ الشَّمْعِ ويُقالُ: هو مَأْخُوذٌ مِن نُصْحِ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ إذا خاطَهُ شَبَّهُوا فِعْلَ النّاصِحِ فِيما يَتَحَرّاهُ مِن صَلاحِ المَنصُوحِ لَهُ بِفِعْلِ الخَيّاطِ فِيما يَسُدُّ مِن خَلَلِ الثَّوْبِ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ لِخُلُوصِ المَحَبَّةِ لِلْمَنصُوحِ لَهُ والتَّحَرِّي فِيما يَسْتَدْعِيهِ حَقُّهُ وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ قُلْنا: لِمَن يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: لِلَّهِ تَعالى ولِكِتابِهِ ولِرَسُولِهِ ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» ويُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ كَما يُقالُ شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ قِيلَ: وجِيءَ بِاللّامِ هُنا لِيَدُلَّ الكَلامُ عَلى أنَّ …

Al-A'raaf 7:62Listen in Qur'an →
63

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allah so you might receive mercy."

﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ رَدٌّ لِما هو مَنشَأٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ أيْ لِمَ كانَ ذَلِكَ ولا داعِيَ لَهُ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ ويُقَدَّرُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ وأتْباعِهِ بَيْنَ الهَمْزَةِ وواوِ العَطْفِ كَأنَّهُ قِيلَ: اسْتَبْعَدْتُمْ وعَجِبْتُمْ ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والجُمْهُورِ أنَّ الهَمْزَةَ مِن جُمْلَةِ أجْزاءِ المَعْطُوفِ إلّا أنَّها قُدِّمَتْ عَلى العاطِفِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِها في التَّصْدِيرِ وضُعِّفَ قَوْلُ الأوَّلِينَ بِما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لِدَعْوى حَذْفِ الجُمْلَةِ فَإنْ قُوبِلَ بِتَقْدِيمِ بَعْضِ المَعْطُوفِ فَقَدْ يُقالُ: إنَّهُ أسْهَلُ مِنهُ لِأنَّ المُتَجَوَّزَ فِيهِ أقَلُّ لَفْظًا وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أصالَةِ شَيْءٍ في شَيْءٍ وبِأنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ في نَحْوِ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وتَحْقِيقُهُ في مَحَلِّهِ و﴿أنْ جاءَكُمْ﴾ بِتَقْدِيرِ بِأنْ لِأنَّ الفِعْلَ السّابِقَ يَتَعَدّى بِها والمُرادُ بِالذِّكْرِ ما أُرْسِلَ بِهِ كَما قِيلَ لِلْقُرْآنِ ذِكْرٌ ويُفَسَّرُ بِالمَوْعِظَةِ ومِن لِلِابْتِداءِ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِذِكْرٍ أيْ ذِكْرٌ كائِنٌ مِن مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم.

﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جُمْلَتِكم تَعْرِفُونَ مَوْلِدَهُ ومَنشَأهُ أوْ مِن جِنْسِكم فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ أوْ بَيانِيَّةٌ كَما قِيلَ و( عَلى ) مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ عَلى يَدِ أوْ لِسانِ رَجُلٍ مِنكم أيْ بِواسِطَتِهِ وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى مَعَ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ وقِيلَ: تَعَلُّقُهُ بِهِ لِأنَّ مَعْناهُ أُنْزِلَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ أبِي البَقاءِ أوْ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْناهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ذِكْرٍ أيْ نازِلًا عَلى رَجُلٍ مِنكم ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْمَجِيءِ أيْ لِيُحَذِّرَكُمُ العَذابَ والعِقابَ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ولِتَتَّقُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ (63) عَلى ما هو الظّاهِرُ فالمَجِيءُ مُعَلَّلٌ بِثَلاثَةِ أشْياءَ ولَيْسَ مِن تَوارُدِ العِلَلِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ المَمْنُوعِ وبَيْنَها تَرَتُّبٌ في نَفْسِ الأمْرِ فَإنَّ الإنْذارَ سَبَبٌ لِلتَّقْوى والتَّقْوى سَبَبٌ لِتَعَلُّقِ الرَّحْمَةِ بِهِمْ ولَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةً عَلى سَبَبِيَّةِ كُلٍّ مِنَ الثَّلاثَةِ لِما بَعْدَهُ ولَوْ أُرِيدَتِ السَّبَبِيَّةُ لَجِيءَ بِالفاءِ وبَعْضُهُمُ اعْتَبَرَ عَطْفَ ( لِتَتَّقُوا ) عَلى ( لِيُنْذِرَكم ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ عَلى ( لِتَتَّقُوا ) مَعَ مُلاحَظَةِ التَّرَتُّبِ أيْ لِتَتَّقُوا بِسَبَبِ الإنْذارِ ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ بِسَبَبِ التَّقْوى فَلْيُتَأمَّلْ.

وجِيءَ بِحَرْفِ التَّرَجِّي عَلى عادَةِ العُظَماءِ في وعْدِهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِزَّةِ المَطْلَبِ وأنَّ الرَّحْمَةَ مَنُوطَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى فَلا اعْتِمادَ إلّا عَلَيْهِ

Al-A'raaf 7:63Listen in Qur'an →
64

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ وأصَرُّوا بَعْدَ أنْ قالَ لَهم ما قالَ ودَعاهم إلى اللَّهِ تَعالى لَيْلًا ونَهارًا ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ مِنَ الغَرَقِ والإنْجاءُ في الشُّعَراءِ مِن قَصْدِ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى وشُؤْمِ ما أضْمَرُوهُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وكانُوا عَلى ما قِيلَ: أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً وقِيلَ: كانُوا عَشَرَةً أبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ بِاعْتِبارِ الإغْراقِ لا فَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ

صفحة 154

وتَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ﴾ أيِ السَّفِينَةِ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الظَّرْفُ الواقِعُ صِلَةً أيِ اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو الصِّلَةَ ومَعَهُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِأنْجَيْناهُ وفي ظَرْفِيَّةً أوْ سَبَبِيَّةً وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ ( الَّذِينَ ) نَفْسِهِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ ﴿وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيِ اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِها والمُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ أُولَئِكَ المَلَأ وغَيْرَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ المُصِرِّينَ وتَقْدِيمُ الإنْجاءِ عَلى الإغْراقِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الإخْبارِ بِهِ والإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ عَلى الغَضَبِ ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ (64) أيْ عُمْيَ القُلُوبِ عَنْ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوْ عَنْ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ كَما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ وقُرِئَ ( عامِينَ ) والأوَّلُ أبْلَغُ لِأنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَتَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ وأصْلُهُ عَمِيِّينَ فَخُفِّفَ وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ عَمٍ وعامٍ بِأنَّ الأوَّلَ لِعَمى البَصِيرَةِ والثّانِيَ لِعَمى البَصَرِ وأنْشَدُوا قَوْلَ زُهَيْرٍ.

وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِي

وقِيلَ: هُما سَواءٌ فِيهِما.

Al-A'raaf 7:64Listen in Qur'an →
65

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ

And to the 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"

﴿وإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ﴿أرْسَلْنا﴾ فِيما سَبَقَ وهو النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخاهُمْ﴾ أيْ وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم وقِيلَ: لا إضْمارَ والمَجْمُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى المَجْمُوعِ السّابِقِ والعامِلُ الفِعْلُ المُتَقَدِّمُ وغُيِّرَ الأُسْلُوبَ لِأجْلِ ضَمِيرِ ﴿أخاهُمْ﴾ إذْ لَوْ أُتِيَ بِهِ عَلى سَنَنِ الأوَّلِ عادَ الضَّمِيرُ عَلى مُتَأخِّرٍ لَفْظًا ورُتْبَةً وعادٌ في الأصْلِ اسْمٌ لِأبِي القَبِيلَةِ ثُمَّ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ أوِ الحَيُّ فَيَجُوزُ فِيهِ الصَّرْفُ وعَدَمُهُ كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُودًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أخاهُمْ﴾ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ واشْتُهِرَ أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ وأُيِّدَ بِما قِيلَ إنَّ أوَّلَ العَرَبِ يَعْرُبُ وهو هُودُ بْنُ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وعَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وبَعْضُ القائِلِينَ بِهَذا قالُوا إنَّ نُوحًا ابْنُ عَمِّ أبِي عادٍ وقِيلَ: ابْنُ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ وقِيلَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادِ بْنِ عُوصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ومَعْنى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أخاهم أنَّهُ مِنهم نَسَبًا وهو قَوْلُ الكَثِيرِ مِنَ النَّسّابِينَ ومَن لا يَقُولُ بِهِ يَقُولُ: إنَّ المُرادَ صاحِبُهم وواحِدٌ في جُمْلَتِهِمْ وهو كَما يُقالُ يا أخا العَرَبِ وحِكْمَةُ كَوْنِ النَّبِيِّ يُبْعَثُ إلى القَوْمِ مِنهم أنَّهم أفْهَمُ لِقَوْلِهِ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ وأعْرَفُ بِحالِهِ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ وشَرَفِ أصْلِهِ ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ لَهم حِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ فَقِيلَ قالَ .. إلَخْ. ولَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ كَما أُتِيَ بِها في قِصَّةِ نُوحٍ لِأنَّ نُوحًا كانَ مُواظِبًا عَلى دَعْوَةِ قَوْمِهِ غَيْرَ مُؤَخِّرٍ لِجَوابِ شُبْهَتِهِمْ لَحْظَةً واحِدَةً وهُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ مُبالِغًا إلى هَذا الحَدِّ فَلِذا جاءَ التَّعْقِيبُ في كَلامِ نُوحٍ ولَمْ يَجِئْ هُنا وذَكَرَ صاحِبُ الفَرائِدِ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ أنَّ قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتِداءُ كَلامٍ فالسُّؤالُ غَيْرُ مُقْتَضِي الحالِ وأمّا قِصَّةُ هُودٍ فَكانَتْ مَعْطُوفَةً عَلى قِصَّةِ نُوحٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَقَعَ في خاطِرِ السّامِعِ أقالَ هُودٌ ما قالَ نُوحٌ أمْ قالَ غَيْرَهُ فَكانَ مَظِنَّةَ أنْ يُسْألَ ماذا قالَ لِقَوْمِهِ فَقِيلَ: قالَ .. إلَخْ.

وقِيلَ: اخْتِيرَ الفَصْلُ هُنا لِإرادَةِ اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الجُمَلِ في مَعْناهُ حَيْثُ أنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ أعْظَمُ مِن كُفْرِ قَوْمِ نُوحٍ مِن حَيْثُ أنَّهم عَلِمُوا ما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِالكافِرِينَ وأصَرُّوا وقَوْمُ نُوحٍ لَمْ يَعْلَمُوا ويَدُلُّ عَلى عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ ما سَيَأْتِي في ضِمْنِ الآياتِ وفِيهِ نَظَرٌ.

صفحة 155

﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحْدَهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها والتَّعْلِيلِ لَها أوْ لِلْأمْرِ كَأنَّهُ قِيلَ: خُصُّوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إذْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ.

وقُرِئَ ( غَيْرُ ) بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ كالَّذِي قَبْلُ ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ (65) إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِعَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ ما عَلِمُوا ما حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ خاطَبَهم بِكُلٍّ مِنهُما واكْتَفى بِحِكايَةِ كُلٍّ مِنهُما في مَوْطِنٍ عَنْ حِكايَتِهِ …

Al-A'raaf 7:65Listen in Qur'an →
66

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ حَيْثُ قُيِّدَ هُنا المَلَأُ المُعانِدُ بِمَن كَفَرَ وأُطْلِقَ هُناكَ وقَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ هَذا الوَصْفَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ بَلْ مِن أشْرافِهِمْ مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ الَّذِي كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ ولا كَذَلِكَ قَوْمُ نُوحٍ ومَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم لَمْ يَكُنْ مِنَ الأشْرافِ كَما هو الغالِبُ في اتِّباعِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقِيلَ إنَّهُ وقْتَ مُخاطَبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ لَمْ يَكُونُوا آمَنُوا بِخِلافِ قَوْمِ هُودٍ ومِثْلُهُ كَما قالَ الشِّهابُ يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ واعْتَرَضَ المَوْلى بَهاءُ الدِّينِ عَلى تِلْكَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ القَوْمَيْنِ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ وصْفُ قَوْمِ نُوحٍ بِما وُصِفَ بِهِ قَوْمُ هُودٍ هُنا فَكَيْفَ لا تَتَأتّى هَذِهِ التَّفْرِقَةُ وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ هُناكَ مَحْمُولٌ عَلى أنَّهُ لِلذَّمِّ لا لِلتَّمْيِيزِ وإنَّما لَمْ يَذُمَّ ها هُنا لِلْإشارَةِ إلى التَّفْرِقَةِ وقالَ الطَّيِّبِيُّ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الوَصْفَ هُنا لِلذَّمِّ أيْضًا ومُقْتَضى المَقامِ يَقْتَضِي ذَمَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُهم بِما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ أيْ مُتَمَكِّنًا في خِفَّةِ عَقْلٍ راسِخًا فِيها حَيْثُ فارَقْتَ دِينَ آبائِكَ ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ (66) حَيْثُ ادَّعَيْتَ الرِّسالَةَ وهو أبْلَغُ مِن كاذِبًا كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ والظَّنُّ إمّا عَلى ظاهِرِهِ كَما قالَ الحَسَنُ والزَّجّاجُ وإمّا بِمَعْنى العِلْمِ كَما قِيلَ وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا ما قالُوا مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعْرُوفًا بَيْنَهم بِضِدِّ ذَلِكَ ولا يَقْتَضِي ذَمَّ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وحَيْثُ اقْتَضى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ذَمَّهم ذَمَّهم لِأنَّهم قالُوا كَما قَصَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هُناكَ ﴿ما هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهَذا في آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتّى حِينٍ﴾ وقالَ بَعْضُهم: إنَّ الظّاهِرَ أنَّ ما نُقِلَ هُنا عَنْ قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقالَتُهم في مَجْلِسٍ أوْ مَقالَةُ بَعْضِهِمْ وما نُقِلَ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ مَقالَتُهم في مَجْلِسٍ آخَرَ أوْ مَقالَةُ آخَرِينَ فَرُوعِيَ في المَقامَيْنِ مُقْتَضى كُلٍّ مِنَ المَقالَتَيْنِ.

Al-A'raaf 7:66Listen in Qur'an →
67

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Hud] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْتَعْطِفًا لَهم أوْ مُسْتَمِيلًا لِقُلُوبِهِمْ ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِنها فَضْلًا عَنْ تَمَكُّنِي فِيها كَما زَعَمْتُمْ

صفحة 156

﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ .

( 67 ) والرِّسالَةُ مِن قِبَلِهِ تَعالى تَقْتَضِي الِاتِّصافَ بِغايَةِ الرُّشْدِ والصِّدْقِ ولَمْ يُصَرِّحْ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْيِ الكَذِبِ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ وقِيلَ: الكَذِبُ نَوْعٌ مِنَ السَّفاهَةِ فَيَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُهُ و( مِن ) لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٍ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ

Al-A'raaf 7:67Listen in Qur'an →
68

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ

I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ عَلى طُرُزِ ما في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ( أُبْلِغُكم ) بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإفْعالِ ﴿وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ (68) مَعْرُوفٌ بِالنُّصْحِ والأمانَةِ مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ بِذَلِكَ فَما حَقِّي أنْ أُتَّهَمَ بِشَيْءٍ مِمّا ذَكَرْتُمُوهُ وعَلى هَذا لا يُقَدَّرُ لِلْوَصْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ ويُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُما أيْ ناصِحٌ لَكم فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ أمِينٌ عَلى ما أقُولُ لَكم لا أكْذِبُ فِيهِ وعَلى الأوَّلِ كَما قالَ الطَّيِّبِيُّ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ وقَعَتْ مُعْتَرِضَةً وعَلى الثّانِي حالِيَّةٌ وفي العُدُولِ عَنِ الفِعْلِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ ما لا يَخْفى ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِها هُنا وبِالفِعْلِيَّةِ فِيما تَقَدَّمَ لِتَجَدُّدِ النُّصْحِ مِن نُوحٍ دُونَ هُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ.

Al-A'raaf 7:68Listen in Qur'an →
69

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةًۭ ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allah that you might succeed.

﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالكَلامِ في سابِقِهِ وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَن يُشافِهُهم مِنَ الكَفَرَةِ بِالكَلِماتِ الحَمْقاءِ بِما حُكِيَ عَنْهم والإعْراضِ عَنْ مُقابَلَتِهِمْ بِمِثْلِ كَلامِهِمْ كَمالُ النُّصْحِ والشَّفَقَةِ وهَضْمُ النَّفْسِ وحُسْنُ المُجادَلَةِ وفي حِكايَةِ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِلْعِبادِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويُسْبِلُونَ أذْيالَهم عَلى ما يَكُونُ مِنهم وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ مَدْحِ الإنْسانِ لِلْحاجَةِ إلَيْهِ.

﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ تَرْتِيبِ أحْكامِ النُّصْحِ والأمانَةِ والإنْذارِ وتَفْصِيلِها و( إذْ ) عَلى ما يُفْهَمُ مِن كَلامِ البَعْضِ وصَرَّحَ بِهِ آخَرُونَ ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِآلاءِ المَحْذُوفِ هُنا بِقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الفِعْلِ واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ مَفْعُولٌ لِاذْكُرُوا أيِ اذْكُرُوا هَذا الوَقْتَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِهِ ولِأنَّهُ إذا اسْتُحْضِرَ الوَقْتُ كانَ هو حاضِرًا بِتَفاصِيلِهِ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ أوْ أنَّهُ غَيْرُ لازِمٍ لِلظَّرْفِيَّةِ عَلى خِلافِ المَشْهُورِ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ قِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْبُدُوا﴾ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: لَعَلَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْجَبُوا مِن ذَلِكَ أوْ تَدَبَّرُوا فَيَأْمُرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ في مَساكِنِهِمْ أوْ في الأرْضِ بِأنْ جَعَلَكم مُلُوكًا فَإنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ مِمَّنْ مَلَكَ مَعْمُورَةَ الأرْضِ فالإسْنادُ عَلى هَذا مَجازٌ وفي ذِكْرِ نُوحٍ عَلى ما قِيلَ إشارَةٌ إلى رَفْعِ التَّعَجُّبِ يَعْنِي هَذا الَّذِي جِئْتُ بِهِ لَيْسَ بِبِدْعٍ فاذْكُرُوا نُوحًا وإرْسالَهُ إلى قَوْمِهِ وإلى الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ أيِ اذْكُرُوا إهْلاكَ قَوْمِهِ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴿وزادَكم في الخَلْقِ﴾ أيِ الإبْداعِ والتَّصْوِيرِ أوْ في المَخْلُوقِينَ أيْ زادَكم في النّاسِ عَلى أمْثالِكم ﴿بَسْطَةً﴾ قُوَّةً وزِيادَةَ جِسْمٍ قالَ الكَلْبِيُّ: كانَتْ قامَةُ الطَّوِيلِ مِنهم مِائَةَ ذِراعٍ وقامَةُ القَصِيرِ سِتِّينَ ذِراعًا.

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: كانَتْ هامَةُ الرَّجُلِ مِنهم مِثْلَ القُبَّةِ العَظِيمَةِ وعَيْنُهُ يُفْرِخُ فِيها السِّباعُ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ذِراعًا وعَنِ الباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانُوا كَأنَّهُمُ النَّخْلُ الطِّوالُ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَأْتِي الجَبَلَ فَيَهْدِمُ مِنهُ بِيَدِهِ القِطْعَةَ العَظِيمَةَ.

صفحة 157

وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ إنْ كانَ الرَّجُلُ مِنهم لَيَتَّخِذُ المِصْراعَ مِنَ الحِجارَةِ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يُقِلُّوهُ وإنْ كانَ أحَدُهم لَيُدْخِلُ قَدَمَهُ في الأرْضِ فَتَدْخُلُ فِيها.

وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ أحَدَهم كانَ أطْوَلَ مِن سائِرِ الخَلْقِ بِمِقْدارِ ما يَمُدُّ الإنْسانُ يَدَهُ في رَأْسِهِ باسِطًا لَها فَطُولُ كُلٍّ مِنهم قامَةً وبَسْطَةً وهَذا أقْرَبُ عِنْدَ ذَوِي العُقُولِ …

Al-A'raaf 7:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "Have you come to us that we should worship Allah alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

﴿قالُوا﴾ مُجِيبِينَ عَنْ تِلْكَ النَّصائِحِ العَظِيمَةِ المَتَضَمِّنَةِ لِلْإنْذارِ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ: ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ أيْ لِنَخُصَّهُ بِالعِبادَةِ ﴿ونَذَرَ﴾ أيْ نَتْرُكَ ﴿ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مِنَ الأوْثانِ وهَذا إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِمَجِيئِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ ومَنشَؤُهُ إنْهِماكُهم في التَّقْلِيدِ والحُبُّ لِما ألِفُوهُ وألِفُوا عَلَيْهِ أسْلافَهم ومَعْنى المَجِيءِ إمّا مَجِيئُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَكانٍ كانَ يَتَحَنَّثُ فِيهِ كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ بِحِراءَ قَبْلَ المَبْعَثِ أوْ مَجِيئُهُ مِنَ السَّماءِ أيْ أُنْزِلْتَ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ ومُرادُهُمُ التَّهَكُّمُ والِاسْتِهْزاءُ وجاءَ ذَلِكَ مِن زَعْمِهِمْ أنَّ المُرْسَلَ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا يَكُونُ إلّا مَلَكًا مِنَ السَّماءِ أوْ هو مَجازٌ عَنِ القَصْدِ إلى الشَّيْءِ والشُّرُوعِ فِيهِ فَإنَّ جاءَ وقامَ وقَعَدَ وذَهَبَ كَما قالَ جَماعَةٌ تَسْتَعْمِلُها العَرَبُ لِذَلِكَ تَصْوِيرًا لِلْحالِ فَتَقُولُ قَعَدَ يَفْعَلُ كَذا وقامَ يَشْتُمُنِي وقَعَدَ يَقْرَأُ وذَهَبَ يَسُبُّنِي ونُصِبَ ﴿وحْدَهُ﴾ عَلى الحالِيَّةِ وهو عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ ومِنهُمُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ المَصْدَرِ أعْنِي إيحادَ المَوْضُوعَ مَوْضِعِ الحالِ أعْنِي مُوَحِّدًا واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ فِيما إذا قُلْتَ: رَأيْتُ زَيْدًا وحْدَهُ مَثَلًا فالأكْثَرُونَ يُقَدِّرُونَ في حالِ إيحادٍ لَهُ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجْعَلُونَهُ حالًا مِنَ الفاعِلِ والمُبَرِّدُ يُقَدِّرُهُ في حالِ أنَّهُ مُفْرَدٌ بِالرُّؤْيَةِ فَيَجْعَلُهُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.

ومَنَعَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طَلْحَةَ جَعْلَهُ حالًا مِنَ الفاعِلِ وأوْجَبَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ لا غَيْرَ لِأنَّهم إذا أرادُوا الحالَ مِنَ الفاعِلِ قالُوا رَأيْتُهُ وحْدِي ومَرَرْتُ بِهِ وحْدِي كَما قالَ الشّاعِرُ.

والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا

وهَذا الَّذِي قالَهُ في البَيْتِ صَحِيحٌ ولا يَمْتَنِعُ مِن أجْلِهِ أنْ يَأْتِيَ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ في رَأيْتُ زَيْدًا وحْدَهُ

صفحة 158

فَإنَّ المَعْنى يَصِحُّ مَعَهُما ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ الحالِ ولَمْ يُوضَعْ لَهُ فِعْلٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ.

وحَكى الأصْمَعِيُّ وحْدَيْحِدُ وذَهَبَ يُونُسُ وهِشامٌ في أحَدِ قَوْلَيْهِ إلى أنَّهُ مُنْتَصِبٌ انْتِصابَ الظُّرُوفِ فَجاءَ زَيْدٌ وحْدَهُ في تَقْدِيرِ جاءَ عَلى وحْدِهِ ثُمَّ حُذِفَ الجارُّ وانْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِ وقَدْ صُرِّحَ بِعَلى في كَلامِ بَعْضِ العَرَبِ وإذا قِيلَ زَيْدٌ وحْدَهُ فالتَّقْدِيرُ زَيْدٌ مَوْضِعُ التَّفَرُّدِ ولَعَلَّ القائِلَ بِما ذُكِرَ يَقُولُ: إنَّهُ مَصْدَرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الظَّرْفِ وعَنِ البَعْضِ أنَّهُ في هَذا مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما يُقالُ زَيْدٌ إقْبالًا وإدْبارًا هَذا خُلاصَةُ كَلامِهِمْ في هَذا المَقامِ وإذا أحَطْتَ بِهِ خَبَرًا فاعْلَمْ أنَّ نَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ في تَقْدِيرِ مُوَحِّدِينَ إيّاهُ بِالعِبادَةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ والحاءُ في مُوَحِّدِينَ مَكْسُورَةٌ وعَلى رَأْيِ ابْنِ طَلْحَةَ مُوَحَّدًا هو والحاءُ مَفْتُوحَةٌ وهو مِن أوْحَدَ الرُّباعِيِّ والتَّقْدِيرُ عَلى رَأْيِ هِشامٍ نَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى عَلى انْفِرادٍ وهو مِن وحَدَ الثُّلاثِيِّ والمَعْنى في التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ لا يَخْتَلِفُ إلّا يَسِيرًا والكَلامُ الَّذِي هو فِيهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْإيجابِ والسَّلْبِ ولَهُ احْتِمالاتٌ نَفْيًا وإثْباتًا وتَفْصِيلُ ذَلِكَ في رِسالَةِ …

Al-A'raaf 7:70Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.