Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 61–70 of 206

61

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَٰلَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Noah] said, "O my people, there is not error in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١] ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ " .

Al-A'raaf 7:61Listen in Qur'an →
62

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

I convey to you the messages of my Lord and advise you; and I know from Allah what you do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٢] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنْصَحُ لَكم وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ " أيْ: ما أُوحِيَ إلَيَّ في الأوْقاتِ المُتَطاوِلَةِ، أوْ في المَعانِي المُخْتَلِفَةِ، مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والمَواعِظِ والزَّواجِرِ، والبَشائِرِ والنَّذائِرِ. ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ رِسالاتِهِ إلَيْهِ وإلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُ مِن صُحُفِ جَدِّهِ، إدْرِيسَ، فَهَذا نُكْتَةٌ جَمْعُ (الرِّسالاتِ)، وإلّا فَرِسالَةُ كُلِّ نَبِيٍّ واحِدَةٍ، وهي مَصْدَرُ، والأصْلُ فِيهِ أنْ لا يَجْمَعَ، فَجَمْعٌ لِما ذُكِرَ.

﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ " وأقْصِدُ صَلاحَكم بِإخْلاصٍ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ الَّتِي لا تُعْلَمُ إلّا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ، أشْياءَ لا عِلْمَ لَكم بِها، أوْ أعْلَمُ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وشِدَّةِ بَطْشِهِ عَلى أعْدائِهِ، وأنَّ بَأْسَهُ لا يُرَدُّ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ما لا تَعْلَمُونَهُ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا شَأْنُ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ مُبَلِّغًا فَصِيحًا ناصِحًا عالِمًا بِاللَّهِ، لا يُدْرِكُهُ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، كَما جاءَ في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وهم أوْفَرُ ما كانُوا وأكْثَرُ جَمِيعًا: «أيُّها النّاسُ ! إنَّكم مَسْؤُولُونَ عَنِّي، فَما أنْتُمْ قائِلُونَ؟ قالُوا نَشْهَدُ أنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأدَّيْتَ ونَصَحْتَ. فَجَعَلَ يَرْفَعُ إصْبَعَهُ إلى السَّماءِ، ويُنَكِّسُها عَلَيْهِمْ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ اشْهَدِ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ»» .

Al-A'raaf 7:62Listen in Qur'an →
63

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you and that you may fear Allah so you might receive mercy."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣] ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم ولِتَتَّقُوا ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾

﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ﴾ " أيْ: مَوْعِظَةٌ ﴿مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ " أيْ: مِنَ العَذابِ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا ﴿ولِتَتَّقُوا﴾ " أيْ: ولِيُوجَدَ مِنكُمُ التَّقْوى، وهي الخَشْيَةُ بِسَبَبِ الإنْذارِ، ﴿ولَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ " أيْ: ولِتُرْحَمُوا بِالتَّقْوى إنْ وُجِدَتْ مِنكم.

Al-A'raaf 7:63Listen in Qur'an →
64

فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ

But they denied him, so We saved him and those who were with him in the ship. And We drowned those who denied Our signs. Indeed, they were a blind people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ " أيْ أصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ مَعَ طُولِ مُدَّةِ إقامَتِهِ فِيهِمْ ولَمْ يُؤْمِن مَعَهُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ في الفُلْكِ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ، فَلَمْ يَسْتَبْصِرُوا الحَقَّ ولَمْ يَسْتَنِيرُوا بِنُورِ الوَحْيِ الَّذِي هو كالشَّمْسِ، ولا بِظُهُورِ الآياتِ، ولا بِآيَةِ الطُّوفانِ المُغْرِقِ لَهُمْ، بَعْدَ إنْذارِهِ بِهِ، عَلى تَكْذِيبِهِمْ، والعَمى ذَهابُ بَصَرِ العَيْنَيْنِ، وبَصَرِ القَلْبِ. يُقالُ: عَمِيَ فَهو أعْمى وعَمٍ، كَما في القامُوسِ.

وكانَ مِن أمْرِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّ قَوْمَهُ، لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ، وتَمادَوْا عَلى العِصْيانِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ، وطالَ عَلَيْهِ أمْرُهُمْ، شَكاهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنَّهُ: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] وهم ناسٌ قَلِيلٌ، فَحِينَئِذٍ دَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَ السَّفِينَةَ، وصارَ قَوْمُهُ يَسْخَرُونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: يا نُوحُ ! قَدْ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَ النُّبُوَّةِ ! فَقالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩] فَلَمّا فَرَغَ مِن صُنْعِ السَّفِينَةِ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَحْمِلَ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ مِن أنْواعِ الحَيَواناتِ، حَتّى لا يَنْقَطِعَ نَسْلُها. وحَشَرَها إلَيْهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ. ولَمّا رَأى فَوَرانَ التَّنُّورِ، وكانَ هو العَلامَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى في ابْتِداءِ الطُّوفانِ، رَكِبَ الفُلْكَ هو ومَن آمَنَ مَعَهُ، وحَمَلَ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، وأمَرَ اللَّهُ تَعالى السَّماءَ أنْ تُمْطِرَ. والأرْضَ أنْ تَتَفَجَّرَ عُيُونًا، وارْتَفَعَ الماءُ في هَذا الطُّوفانِ فَوْقَ رُؤُوسِ الجِبالِ، فَهَلَكَ جَمِيعُ ما عَلى الأرْضِ مِن جِنْسِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَبْقَ حَيًّا غَيْرُ أهْلِ السَّفِينَةِ.

وفِي التَّوْراةِ: أنَّ الأمْطارَ هَطَلَتْ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً دُونَ انْقِطاعٍ، حَتّى غَمَرَتِ المِياهُ وجْهَ الأرْضِ، وعَلَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا فَوْقَ الجِبالِ الشّامِخَةِ، وهَلَكَ بِالطُّوفانِ كُلُّ جِسْمٍ حَيٍّ. ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ رِيحًا عاصِفَةً، فانْقَطَعَتِ الأمْطارُ ونَقَصَتِ المِياهُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وقَضى نُوحٌ سَنَةً كامِلَةً داخِلَ الفُلْكِ، وحِينَ خُرُوجِهِ مِنهُ بَنى مَذْبَحًا لِلْقَرابِينِ، شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، وتَناسَلَتِ النّاسُ مِن أوْلادِ نُوحٍ الثَّلاثَةِ: سامٍ وحامٍ ويافِثَ. وتَوَطَّنَ سامٌ بِلادَ آسِيَةَ، وأقامَ حامٌ بِنَواحِي إفْرِيقِيَّةَ، وسَكَنَ يافِثُ الدِّيارَ الأُورُوبِّيَّةِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: في الآياتِ فَوائِدُ مِنها: أنَّ نُوحًا دَعاهم أوَّلًا إلى التَّوْحِيدِ، والرَّسُولُ وإنْ حَمَلَ الشَّرائِعَ، فَلا طَرِيقَ لَهُ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ. ولِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ إلّا بَعْدَ اعْتِقادِ التَّوْحِيدِ، فَلِذَلِكَ بَدَأ بِهِ. وجَمِيعُ الرُّسُلِ بَدَؤُوا بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالشَّرائِعِ، ولِذَلِكَ كانَ أكْثَرُ حِجاجِ نَبِيِّنا …

Al-A'raaf 7:64Listen in Qur'an →
65

۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًۭا ۗ قَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ

And to the 'Aad [We sent] their brother Hud. He said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Then will you not fear Him?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٥] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ أفَلا تَتَّقُونَ﴾

﴿وإلى عادٍ﴾ " مُتَعَلِّقٍ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أرْسَلْنا﴾ [الأعراف: ٥٩] " في قِصَّةِ نُوحٍ. أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ، وهي قَبِيلَةٌ كانَتْ تَعْبُدُ الأصْنامَ، وكانَتْ ذاتَ بَسْطَةٍ وقُوَّةٍ، قَهَرُوا النّاسَ بِفَضْلِ القُوَّةِ.

قالَ الشِّهابُ: (عادٌ) اسْمُ أبِيهِمْ سُمِّيَتْ بِهِ القَبِيلَةُ أوِ الحَيُّ فَيَجُوزُ صَرْفُهُ وعَدَمُهُ، كَثَمُودَ - كَما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ -.

قالَ اللَّيْثُ: وعادٌ الأُولى، هم عادُ بْنُ عادِيا بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ.

قالَ زُهَيْرٌ:

؎وأهْلَكَ لُقْمانَ بْنَ عادٍ وعادِيا

وأمّا عادٌ الأخِيرَةُ فَهو بَنُو تَمِيمٍ، يَنْزِلُونَ رِمالَ عالِجَ.

وفِي (كِتابِ الأنْسابِ): عادٌ هو ابْنُ عُوصَ بْنِ إرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، كانَ يَعْبُدُ القَمَرَ، ويُقالُ إنَّهُ رَأى مِن صُلْبِهِ وأوْلادِ أوْلادِهِ أرْبَعَةَ آلافٍ، وأنَّهُ نَكَحَ ألْفَ جارِيَةٍ، وكانَتْ بِلادُهم إرَمَ المَذْكُورَةَ في القُرْآنِ، وهي مِن عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ. ومِن أوْلادِهِ شَدّادُ بْنُ عادٍ صاحِبِ المَدِينَةِ المَذْكُورَةِ، كَذا في تاجِ العَرُوسِ.

وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَوْمُ عادٍ كانَتْ مَنازِلُهم في الرِّمالِ وهي الأحْقافُ.

وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الأحْقافُ رَمْلٌ فِيما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخاهم هُودًا﴾ " أيْ أخاهم في النَّسَبِ، لِأنَّهُ مِنهُمْ، في قَوْلِ النَّسّابِينَ. وقِيلَ: النّاسُ كُلُّهم إخْوَةٌ في النَّسَبِ، لِأنَّهم ولَدُ آدَمَ وحَوّاءَ، فالمُرادُ صاحِبُهُمْ، وواحِدٌ في جُمْلَتِهِمْ، كَما يُقالُ: يا أخا العَرَبِ، لِلْواحِدِ مِنهُمْ، وإنَّما أُرْسِلَ مِنهُمْ، لِأنَّهم أفْهَمُ لِقَوْلِهِ مِن قَوْلِ غَيْرِهِ، وأعْرَفُ بِحالِهِ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ وشَرَفِ أصْلِهِ، وأرْغَبُ في اقْتِفائِهِ.

قالَ الشِّهابُ: اشْتُهِرَ أنَّ هُودًا عَرَبِيٌّ، وظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ أعْجَمِيٌّ، ويَشْهَدُ لَهُ ما قِيلَ: إنَّ أوَّلَ العَرَبِ يَعْرُبُ. انْتَهى.

وهُودٌ هو -عَلى ما قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ابْنُ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ. ويُقالُ غَيْرُ ذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

ورَوى ابْنُ إسْحاقَ بْنِ عامِرِ بْنِ واثِلَةَ، قالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ لِرَجُلٍ مِن حَضْرَمَوْتَ: هَلْ رَأيْتَ كَثِيبًا أحْمَرَ يُخالِطُهُ مَدَرَةٌ حَمْراءُ، ذا أراكٍ وسِدْرٍ كَثِيرٍ، بِناحِيَةِ كَذا وكَذا، مِن أرْضِ حَضْرَمَوْتَ، هَلْ رَأيْتَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، يا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ! واللَّهُ إنَّكَ لَتَنْعَتُهُ نَعْتَ رَجُلٍ قَدْ رَآهُ ! قالَ: لا، ولَكِنِّي قَدْ حُدِّثْتُ عَنْهُ، فَقالَ الحَضْرَمِيُّ: وما شَأْنُهُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: فِيهِ قَبْرُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ -ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ -. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا فِيهِ فائِدَةُ أنَّ مَساكِنَهم كانَتْ بِاليَمَنِ، فَإذا هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ دُفِنَ هُناكَ. وقالَ: إنَّهم كانُوا يَأْوُونَ إلى العُمُدِ في البَرِّ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها في البِلادِ﴾ [الفجر: ٨] وذَلِكَ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] ولِذا دَعاهم هُودٌ عَلَيْهِ …

Al-A'raaf 7:65Listen in Qur'an →
66

قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍۢ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَٰذِبِينَ

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "Indeed, we see you in foolishness, and indeed, we think you are of the liars."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٦] ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾

" ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾ أيْ: في خِفَّةِ حِلْمٍ، وسَخافَةِ عَقْلٍ، حَيْثُ تَهْجُرُ دِينَ قَوْمِكَ إلى دِينٍ آخَرَ، وجَعَلْتَ السَّفاهَةَ ظُرْفًا عَلى طَرِيقِ المَجازِ، أرادُوا أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ فِيها، غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْها ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ " أيْ: في ادِّعائِكَ الرِّسالَةَ، إذِ اسْتَبْعَدُوا أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ أحَدًا مِن أهْلِ الأرْضِ إلَيْهِمْ.

Al-A'raaf 7:66Listen in Qur'an →
67

قَالَ يَٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌۭ وَلَٰكِنِّى رَسُولٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

[Hud] said, "O my people, there is not foolishness in me, but I am a messenger from the Lord of the worlds."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: إلَيْكُمْ، لِإصْلاحِ أمْرِ نَشْأتَيْكم.

Al-A'raaf 7:67Listen in Qur'an →
68

أُبَلِّغُكُمْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ

I convey to you the messages of my Lord, and I am to you a trustworthy adviser.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٨] ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾

" ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي وأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ أيْ: ناصِحٌ لَكم فِيما آمُرُكم بِهِ مِن عِبادَتِهِ تَعالى وحْدَهُ، وأمِينٌ عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، لا أكْذِبُ فِيهِ.

Al-A'raaf 7:68Listen in Qur'an →
69

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍۢ وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةًۭ ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Then do you wonder that there has come to you a reminder from your Lord through a man from among you, that he may warn you? And remember when He made you successors after the people of Noah and increased you in stature extensively. So remember the favors of Allah that you might succeed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٩] ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكم واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾

" ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكم عَلى رَجُلٍ مِنكم لِيُنْذِرَكُمْ﴾ أيْ: أيّامَ اللَّهِ ولِقاءَهُ، أيْ: لا تَعْجَبُوا واحْمَدُوا اللَّهَ عَلى ذَلِكم ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أيْ: خَلَفْتُمُوهم في مَساكِنِهِمْ، أوْ في الأرْضِ بِأنْ جَعَلَكم مُلُوكًا بَعْدَهُمْ، فَإنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ مِمَّنْ مَلَكَ مَعْمُورَةَ الأرْضِ، مِن رَمْلِ عالِجَ إلى شِحْرِ عُمانَ - كَذا قالُوا -: ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ " أيْ: قامَةً وقُوَّةً. ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ " أيْ: في اسْتِخْلافِكُمْ، وبَسْطَةِ أجْرامِكُمْ، وما سِواهُما مِن عَطاياهُ، لِتُخَصِّصُوهُ بِالعِبادَةِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ " أيْ تَفُوزُونَ بِالفَلاحِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في إجابَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مَن نَسَبَهم إلى الضَّلالِ والسَّفاهَةِ، بِما أجابُوهم بِهِ مِنَ الكَلامِ الصّادِرِ عَنِ الحِلْمِ والإغْضاءِ، وتَرَكَ المُقابَلَةَ بِما قالُوا لَهُمْ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ خُصُومَهم أضَلُّ النّاسِ وأسْفَهُهُمْ- أدَبٌ حَسَنٌ، وخُلُقٌ عَظِيمٌ. وحِكايَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ، تَعْلِيمٌ لِعِبادِهِ كَيْفَ يُخاطِبُونَ السُّفَهاءَ، وكَيْفَ يَغُضُّونَ عَنْهم ويَسْبُلُونَ أذْيالَهُمْ، عَلى ما يَكُونُ مِنهُمُ. انْتَهى.

وزادَ القاضِي: إنَّ في ذَلِكَ كَمالَ النُّصْحِ والشَّفَقَةِ، وهَضْمَ النَّفْسِ وحُسْنَ المُجادَلَةِ قالَ: وهَكَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ ناصِحٍ. انْتَهى.

الثّانِي: لا يَعْتَمِدُ عَلى ما يَذْكُرُهُ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ المُولَعِينَ بِنَقْلِ الغَرائِبِ، بِدُونِ وضْعِها عَلى مِحَكِّ النَّظَرِ والنَّقْدِ، مِنَ المُبالَغَةِ في طُولِ قَوْمِ عادٍ، وضَخامَةِ أجْسامِهِمْ، وأنَّ أطْوَلَهم كانَ مِائَةَ ذِراعٍ، وأقْصَرَهم كانَ سِتِّينَ ذِراعًا، فَإنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ ولا نَقْلِيٌّ، وهو وهْمٌ.

وأمّا قَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ مُخاطِبًا لِقَوْمِ عادٍ: ﴿وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى ما أرادُوا، وإنَّما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ أجْسامِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وشِدَّتِها. وهَذا مِنَ الأُمُورِ المُعْتادَةِ، فَإنَّ الأُمَمَ لَيْسَتْ مُتَساوِيَةً في ضَخامَةِ الجِسْمِ وطُولِهِ وقُوَّتِهِ، بَلْ تَتَفاوَتُ لَكِنَّ تَفاوُتًا قَرِيبًا.

ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ أجْسامَ مَن سَلَفَ كَأجْسامِنا، لا تَتَفاوَتُ عَنْها تَفاوُتًا كَبِيرًا، مَساكِنُ ثَمُودَ قَوْمِ صالِحٍ الباقِيَةُ، وآثارُهُمُ البادِيَةُ، ومِثْلُهُ، بَلْ أعْرَقُ مِنهُ في الوَهْمِ، ما يَنْقُلُونَهُ في وصْفِ عِوَجِ بْنِ عُنُقِ الجَبّارِ مَلِكِ بِيسانَ، مِن أنَّهُ كانَ يَحْتَجِزُ بِالسَّحابِ ويَشْرَبُ مِنهُ مِن طُولِهِ، ويَتَناوَلُ الحُوتَ مِن قَرارِ البَحْرِ، فَيَشْوِيهِ بِعَيْنِ الشَّمْسِ، يَرْفَعُهُ إلَيْها. والحالُ أنَّ الشَّمْسَ كَوْكَبٌ لا مِزاجَ لَهُ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ، وإنَّما حَرارَتُها مِنِ انْعِكاسِ شُعاعِها، بِمُقابَلَةِ سَطْحِ الأرْضِ والهَواءِ، فَشِدَّةُ حَرارَتِها في الأرْضِ، وتَتَناقُصُ الحَرارَةِ فِيما عَلا عَنْها بِمِقْدارِ الِارْتِفاعِ.

وقَدْ أنْكَرَ العَلّامَةُ ابْنُ خَلْدُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ في (مُقَدِّمَةِ تارِيخِهِ)، وأبانَ أنَّ الَّذِي أدْخَلَ الوَهْمَ عَلى النّاسِ في طُولِ الأقْدَمِينَ هو ما يُشاهِدُونَهُ مِن بَعْضِ آثارِهِمُ الجِسْمِيَّةِ، …

Al-A'raaf 7:69Listen in Qur'an →
70

قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ

They said, "Have you come to us that we should worship Allah alone and leave what our fathers have worshipped? Then bring us what you promise us, if you should be of the truthful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧٠] ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾

﴿قالُوا أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾ " أيْ: لِنَخُصَّهُ بِالعِبادَةِ ﴿ونَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ " أيْ مِنَ العَذابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥] " . ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ " أيْ: في الإخْبارِ بِنُزُولِ العَذابِ.

Al-A'raaf 7:70Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.