Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 1–10 of 206

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓصٓ

Alif, Lam, Meem, Sad.

قوله تعالى: {المص} : قد تقدم الكلام على الأحرف المقطعة في أول هذا الموضوع.

2

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

[This is] a Book revealed to you, [O Muhammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

قوله تعالى: {كتابٌ} : يجوز أن يكون خبراً عن الأحرف قبله، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر أي: هو كتاب، كذا قدَّره الزمخشري. ويجوز أن يكون «كتاب» مبتدأ، و «أُنْزِل» صفته، و «فلا تكن» خبره، والفاء زائدة على رأي الأخفش أي: كتاب موصوف بالإِنزال إليك، لا يكن في صدرك حرج منه. وهو بعيد جداً. والقائمُ مقامَ الفاعل في «أُنْزِل» ضميرٌ عائدٌ على الكتاب. ولا يجوز أن يكون الجارَّ لئلا تخلوَ الصفةُ من عائد.

قوله: «منه» متعلقٌ ب «حَرَجٌ» . و «مِنْ» سببيَّة أي: حَرَجٌ بسببه تقول: حَرِجْتُ منه أي: ضِقْتُ بسببه، ويجوز أن يتعلق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ له أي: حرج كائن وصادر منه. والضمير في «منه» يجوز أن يعود على الكتاب وهو الظاهر، ويجوز أن يعود على الإِنزال المدلول عليه ب «أُنْزِل» ، أو على الإِنذار أو على التبليغ المدلولِ عليهما بسياقِ الكلام، أو على التكذيب الذي تضمَّنه المعنى. والنهيُ في الصورة للحرج، والمرادُ الصادرُ منه، مبالغة في النهي عن ذلك، كأنه قيل: لا تتعاطَ أسباباً ينشأُ عنها حَرَجٌ، وهو من باب «لا أُرَيَنَّك ههنا» : النهي متوجه على المتكلم والمرادُ به المخاطبُ، كأنه قال: لا تكنْ بحضرتي فأراك. ومثله: {فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ} [طه: 16] .

قوله: لتنذرَ به «في متعلَّق هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه أحدها: أنها متعلقة ب» أُنْزِل «أي: أُنْزِلَ إليك للإِنذار، وهذا قول الفراء قال:» اللام في «لتنذرَ» منظوم بقوله «أُنْزِل» على التقديم والتأخير، على تقدير: كتابٌ أُنزل إليك لتنذرَ به فلا يكن «. وتبعه الزمخشري والحوفي وأبو البقاء. وعلى هذا تكونُ جملةُ النهي معترضةً بين العلة ومعلولها، وهو الذي عناه الفراء بقوله» على التقديم والتأخير «. والثاني: أن اللامَ متعلقةٌ بما تعلَّق [به] خبر الكون، إذ التقديرُ: فلا يكنْ حرجٌ مستقراً في صدرك لأجل الإِنذار. كذا قاله الشيخ عن ابن الأنباري، فإنه قال:» وقال ابن الأنباري: التقدير: «فلا يكنْ في صدرك حرجٌ منه كي تنذرَ به فَجَعَلَه متعلقاً بما تعلَّق به» في صدرك «، وكذا علَّقه به صاحب» النظم «، فعلى هذا لا تكونُ الجملةُ معترضةً» . قلت: الذي نقله الواحدي عن نص ابن الأنباري في ذلك أن اللامَ متعلقةٌ بالكون، وعن صاحب «النظم» أن اللام بمعنى «أن» وسيأتي بنصَّيْهما إن شاء الله، فيجوز أن يكون لهما كلامان.

الثالث: أنها متعلقةٌ بنفس الكون، وهو مذهب ابن الأنباري والزمخشري، وصاحب/ «النظم» على ما نقله الشيخ.

قال أبو بكر ابن الأنباري: «ويجوز أن تكونَ اللامُ صلةً للكون على معنى: فلا يكن في صدرك شيءٌ لتنذر، كما يقول الرجل للرجل: لا تكن ظالماً ليقضي صاحبك دَيْنَه، فَتَحْمِل لامَ كي على الكون» . وقال الزمخشري: «فإن قلت: بمَ تَعَلَّق به» لتنذر «؟ قلت ب» أُنْزِل «أي: أُنْزل لإِنذارك به، أو بالنهي، لأنه إذا لم يُخِفْهم أنذرهم، وكذا إذا علم أنه من عند الله شَجَّعه اليقين على الإِنذار» . قال الشيخ: «فقوله بالنهي ظاهره أنه يتعلَّق بفعل النهي، فيكون متعلقاً بقوله» فلا يكن «، وكان [عندهم] في تعليق المجرور والعمل في الظرف فيه خلافٌ، ومبناه على أنَّ» كان «الناقصة هل تدلُّ على حَدَثٍ أم لا؟ فمن قال إنها تدلُّ على الحدث جوَّز ذلك، ومَنْ قال لا تدلُّ عليه مَنَعَه» . قلت: فالزمخشري مسبوقٌ إلى هذا الوجهِ، بل ليس في عبارته ما يدل على أنه تعلُّق ب «يكون» بل قال «بالنهي» فقد يريد بما تضمَّنه من المعنى، وعلى تقدير ذلك فالصحيحُ أن الأفعالَ الناقصة كلَّها لها دلالةٌ على الحدث إلا «ليس» ، وقد أقمت على ذلك أدلةً وأَثْبَتُّ من أقوال الناس بما يشهدُ لصحة ذلك كقول سيبويه وأضرابه، في غير هذا الموضوع.

وقال صاحب «النظم» : «وفيه وجهٌ آخرُ وهو أن تكونَ اللامُ بمعنى أَنْ والمعنى: لا يَضِقْ صدرُك ولا يضعُفْ عن أن تنذرَ به، والعرب تضعُ هذه اللامَ في موضع» أَنْ «كقوله تعالى: …

3

ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

قوله تعالى: {مِّن رَّبِّكُمْ} : يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّق بأُنْزِل، وتكون «مِنْ» لابتداء الغاية المجازية. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ: إمَّا مِن الموصول، وإمَّا مِنْ عائده القائمِ مقامَ الفاعل.

قوله: {مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ} : «من دونه» يجوز أن يتعلق بالفعل قبله، والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان. والثاني: أن يتعلق بمحذوف، لأنه كان في الأصل صفةً لأولياء، فلما تقدَّم نُصِبَ حالاً، وإليه يميل تفسيرُ الزمخشري فإنه قال: «أي لا تتولَّوا مِنْ دونِه مِنْ شياطين الإِنس والجن فيحملوكم على الأهواء والبِدَع» . والضمير في «دونِه» يُحْتمل وهو الظاهر أن يعودَ على «ربكم» ؛ ولذلك قال الزمخشري: «مِنْ دون الله» ، وأن يعودَ على «ما» الموصولة، وأن يعودَ على الكتاب المنزل، والمعنى: لا تعدلوا عنه إلى الكتبِ المنسوخةِ. وقرأ الجحدري: «ابتَغُوا» بالغين المعجمة من الابتغاء. ومالك بن دينار ومجاهد: «ولا تبتغوا» من الاتغاء أيضاً.

قوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} قد تقدَّم نظيرُ هذا في قوله تعالى: {فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] وهو أنَّ «قليلاً» نعتُ مصدرٍ محذوف أي: تذكُّراً قليلاً تَذَكَّرون، أو نعتُ ظرفِ زمانٍ محذوفٍ أيضاً أي: زماناً قليلاً تَذَكَّرون، فالمصدرُ أو الظرفُ منصوبٌ بالفعل بعده، و «ما» مزيدةٌ للتوكيد، وهذا إعراب جليٌّ واضح. وقد أجاز الحوفي أن يكونَ/ نعتَ مصدرٍ محذوف لقوله «ولا تَتَّبعوا» أي: ولا تتبعوا مِنْ دونِه أولياءَ اتِّباعاً قليلاً، وهو ضعيف، لأنه يَصير مفهومُه أنهم غيرُ مَنْهِيِّين عن اتباع الكثير، ولكنه معلومٌ من جهة المعنى فلا مفهوم له.

وحكى ابن عطية عن أبي عليّ أن «ما» مصدريةٌ موصولةٌ بالفعل بعدها، واقتصر على هذا القَدْر، ولا بد من تتمةٍ له، فقال بعض الناس: «ويكون» قليلاً «نعت زمانٍ محذوف، وذلك الزمانُ المحذوف في محل رفع خبراً مقدماً، و» ما «المصدرية وما بعدها بتأويل مصدر مبتدأ مؤخراً، والتقدير: زمناً قليلاً تذكُّرُكم أي: أنهم لا يقع تذكُّرهم إلا في بعض الأحيان، ونظيرُه: زمناً قليلاً قيامُك» . وقد قيل: إن «ما» هذه نافيةٌ، وهو بعيد؛ لأن «ما» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها عند البصريين، وعلى تقدير تسليم ذلك فيصير المعنى: ما تذكَّرون قليلاً، وليس بطائل، وهذا كما سيأتي في قوله تعالى: {كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] عند مَنْ جَعَلَها نافيةً.

وهناك وجهٌ لا يمكنُ أن يأتيَ ههنا وهو: أن تكون «ما» مصدريةً، وهي وما بعدها في محل رفع بالفاعلية ب «قليلاً» الذي هو خبر «كان» ، والتقدير: كانوا قليلاً هجوعُهم، وأمَّا هنا فلا يمكن ذلك لعدمِ صحة نصب «قليلاً» بقوله: «ولا تتَّبعوا» حتى تجعل «ما تذكَّرون» مرفوعاً به.

ولا يجوز أن يكونَ «قليلاً» حالاً من فاعل «تَتَّبعوا» و «ما تذكَّرون» مرفوعٌ به، إذ يصير المعنى: أنهم نُهوا عن الاتِّباع في حالِ قلةِ تذكُّرهم، وليس ذلك بمراد.

وقرأ الأخَوان وحفص: تَذَكَّرون «بتاء واحدة وتخفيف الذال، وابن عامر بتاءين وتخفيف الذال، والباقون بتاء وتشديد الذال، وهنَّ واضحات، تقدم معناها في الأنعام.

4

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

قوله تعالى: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} : في «كم» وجهان، أحدهما: أنها في موضعِ رفعٍ بالابتداء، والخبرُ الجملةُ بعدها، و «من قرية» تمييز، والضمير في «أهلكناها» عائدٌ على معنى كم. وهي هنا خبرية للتكثير، والتقدير: وكثير من القرى أهلكناها. ونقل أبو البقاء عن بعضهم أنه جعل «أهلكناها» صفةً لقرية، والخبرُ قوله: «فجاءها بأسنا» قال: «وهو سهوٌ لأنَّ الفاء تمنعُ من ذلك» . قلت: ولو ادَّعى مُدَّعٍ زيادتَها على مذهب الأخفش لم تُقْبَلْ دعواه؛ لأن الأخفش إنما يزيدها عند الاحتياج إلى زيادتها.

والثاني: أنها في موضع نصبٍ على الاشتغال بإضمار فعل يفسِّره ما بعده، ويُقَدَّر الفعلُ متأخراً عن «كم» ؛ لأن لها صدر الكلام، والتقدير: وكم من قريةٍ أهلكناها أهلكناها، وإنما كان لها صدرُ الكلام لوجهين أحدهما: مضارعتُها ل «كم» الاستفهامية. والثاني: أنها نقيضةُ «رُبَّ» لأنها للتكثير و «رُبَّ» للتقليل، فحُمِل النقيضُ على نقيضه كما يحملون النظير على نظيره.

ولا بد من حَذْفِ مضافٍ في الكلام لقوله تعالى: «أو هم قائلون» فاضْطُرِرْنَا إلى تقدير محذوف، ثم منهم مَنْ قَدَّره قبل «قرية» أي: كم من أهل قرية، ومنهم مَنْ قدَّره قبل «ها» في «أهلكناها» أي: أهلكنا أهلَها، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأن التقادير إنما تكون لأجل الحاجة، والحاجةُ لا تدعو إلى تقديرِ هذا المضاف في هذين الموضعين المذكورين، لأن إهلاكَ القرية يمكن أن يقع عليها نفسِها، فإن القرى تُهْلَكُ بالخَسْف والهدمِ والحريق والغَرَق ونحوه، وإنما يُحتاج إلى ذلك عند قوله «فجاءها» لأجل عَوْدِ الضمير من قوله: «هم قائلون» عليه، فيُقَدَّر: وكم من قرية أهلكناها فجاء أهلَها بأسُنا. قال الزمخشري: «فإن قلت: هل تُقَدِّرُ المضافَ الذي هو الأهل قبل» قرية «أو قبل الضمير في» أهلكناها «؟ قلت: إنما يُقَدَّر المضافُ للحاجة ولا حاجة، فإن القرية تَهْلَكُ كما يَهْلَك أهلُها، وإنما قدَّرناه قبل الضمير في» فجاءها «لقوله» أو هم قائلون «.

وظاهرُ الآيةِ أن مجيء البأس بعد الإِهلاك وعقيبِه؛ لأن الفاء تعطي ذلك، لكن الواقعَ إنما هو مجيءُ البأس، وبعده يقع الإِهلاك. فمن النحاة من قال: الفاء تأتي بمعنى الواو فلا تُرَتِّبُ، وجَعَلَ من ذلك هذه الآيةَ، وهو ضعيفٌ. والجمهور أجابوا عن ذلك بوجهين، أحدهما: أنه على حَذْف الإِرادة أي: أردنا إهلاكها كقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة} [المائدة: 6] ، {فَإِذَا قَرَأْتَ القرآن} [النحل: 98] ،» إذا دخل أحدكم الخَلاءَ فَلْيُسَمِّ الله «

الثاني: أن المعنى أهلكناها أي خذلناهم ولم نوفِّقْهم فنشأ عن ذلك هلاكُهم، فعبَّر بالمُسَبَّب عن سببه وهو باب واسع. وثَمَّ أجوبةٌ ضعيفة منها: أن الفاءَ هنا تفسيرية نحو: «توضأ فغسل وجهَه ثم يديه» فليست للتعقيب، ومنها: أنها للترتيب في القول فقط كأنه أخبر عن قرىً كثيرة أنها أهلكها ثم قال: فكان من أمرها مجيء البأس. / ومنها ما قاله الفراء وهو أن الإِهلاك هو مجيء البأس، ومجيء البأس هو الإِهلاك، فلمَّا كانا متلازمَيْن لم تُبالِ بأيهما قدَّمْتَ في الرتبة كقولك: «شتمني فَأَساء» و «أساء فشتمني» فالإِساءةُ والشتمُ شيء واحد فهذه ستة أقوال.

واعلم أنه إذا حُذِف مضافٌ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه جاز لك اعتباران، أحدهما: الالتفاتُ إلى ذلك المحذوف، والثاني وهو الأكثر عدم الالتفات إليه، وقد جُمِعَ الأمران ههنا فإنه لم يُراعِ المحذوفَ في قوله «أهلكناها فجاءها» وراعاه في قوله «أو هم قائلون» ، هذا إذا قدَّرْنا الحذفَ قبل «قرية» ، أمَّا إذا قدَّرنا الحذفَ قبل ضمير «فجاءها» فإنه لم يُراعِ إلا المحذوفَ فقط، وهو غيرُ الأكثر.

قوله: «بَيَاتاً» فيه ثلاثة أوجه أحدها: أنه منصوبٌ على الحال، وهو في الأصل مصدر، بات يبيتُ بَيْتاً وبَيْتَةً وبَيَاتاً وبَيْتُوتة. قال الليث: «البَيْتوتَةُ دخولُك في الليل» فقوله «بياتاً» أي بائتين. …

5

فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

قوله تعالى: {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ} جَوَّزوا في «دعواهم» وجهين، أحدهما: أن يكون اسماً ل «كان» و «إلا أَنْ قالوا» خبرها، وفيه خدشٌ من حيث إنَّ غير الأعرف جُعِل اسماً، والأعرفَ جُعِل خبراً، وقد فهمت ذلك في أول الأنعام عند {لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ} [الآية: 23] والثاني: أن يكون «دعواهم» خبراً مقدماً و «إلا أن قالوا» اسماً مؤخراً، ذكر ذلك الزمخشري، ومكي ابن أبي طالب، وسبقهما إلى ذلك الفراء والزجاج، واختاره الزجاج. ولكن ذلك يُشْكل مِنْ قاعدةً أخرى ذكرها النحاة وهو أن الاسمَ والخبر في هذا الباب متى خفي إعرابُهما وَجَبَ تقديمُ الاسم وتأخيرُ الخبر نحو: كان موسى صاحبي، وما كان دعائي إلا أن استغفرتُ، قالوا: لأنهما كالمفعول والفاعل، فمتى خفي الإِعرابُ التَزَمَ كلٌ في مرتبته، وهذه الآيةُ مما نحن فيه فكيف يُدَّعى فيها ذلك، بل كيف يختاره الزجاج؟ وقد رأيتُ كلامَ الزجاج هنا فيمكن أن يؤخذَ منه جوابٌ عن هذا المكان وذلك أنه قال: «إلا أن الاختيارَ إذا كانت» الدعوى «في موضع رفع أن يقول: فما كانت دعواهم، فلمَّا قال:» كان دعواهم «دَلَّ على أن الدعوى في موضعِ نصبٍ، غيرَ أنه يجوز تذكير الدعوى وإن كانَتْ رفعاً» قلت: فمِنْ هنا يقال: تذكيرُ الفعل فيه قرينةٌ مرجِّحة لإِسناد الفعل إلى «أن قالوا» ، ولو كان مسنداً للدعوى لكان الأرجح «كانت» كما قال، وهو قريب من قولك: «ضربت موسى سلمى» فقدَّمْتَ المفعولَ بقرينة تأنيث الفعل، وأيضاً فإن ثَمَّ قرينةً أخرى وهي كونُ الأعرفِ أحقَّ أن يكون اسماً من غير الأعرف.

والدَّعْوى تكون بمعنى الدعاء وبمعنى الادِّعاء، والمقصود بها ههنا يحتمل الأمرين جميعاً، ويحتمل أيضاً أن يكون بمعنى الاعتراف. فمِنْ مجيئها بمعنى الدعاء ما حكاه الخليل: «اللهم أشركنا في صالح دعوى المسلمين» تريد في صالح دعائهم، وأنشدوا:

2139 - وإنْ مَذِلَتْ رِجْلي دعوتُك أشتفي ... بدَعْواكَ مِنْ مَذْلٍ بها فتهونُ

/ ومنه قوله تعالى: {فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ} [الأنبياء: 15] وقال الزمخشري: «ويجوز: فما كان استغاثتُهم إلا قولَهم هذا لأنه لا يُستغاث من الله تعالى بغيره، مِنْ قولهم دعواهم يالكعب» . وقال ابن عطية: «وتحتمل الآية أن يكون المعنى: فما آلت دعاويهم التي كانت في حال كفرهم إلا إلى الاعتراف كقول الشاعر:

2140 - وقد شهدَتْ قيسٌ فما كان نصرُها ... قتيبةَ إلا عضَّها بالأباهم و» إذ «منصوب ب» دعواهم «.

وقوله: {إِنَّا كُنَّا} » كنَّا «وخبرُها في محلِّ رفع خبراً لإِنَّا، وإنَّ وما في حيِّزها في محلِّ نصب محكياً ب» قالوا «، و» قالوا «وما في حيزه لا محلَّ له لوقوعه صلةً لأَنْ. وأَنْ وما في حيِّزها في محل رفع أو نصبٍ على حسب ما تقدَّم مِنْ كونها اسماً أو خبراً.

6

فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

قوله تعالى: {الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} : القائمُ مقامَ الفاعل الجارُّ والمجرور.

7

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

وقوله تعالى: {بِعِلْمٍ} : في موضع الحال من الفاعل، والباء للمصاحبة أي: لنقصَّنَّ على الرسل والمرسلِ إليهم حالَ كوننا ملتبسين بالعلم. ثم أكَّد هذا المعنى بقوله {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} .

8

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

قوله تعالى: {والوزن يَوْمَئِذٍ الحق} : «الوزنُ» مبتدأ، وفي الخبر وجهان، أحدهما: هو الظرفُ أي: الوزن كائنٌ أو مستقر يومئذ أي: يوم إذ نسأل الرسل والمرسل إليهم. فحذف الجملةَ المضافَ إليها «إذ» وعَوَّض منها التنوين. هذا مذهب الجمهور خلافاً للأخفش. وفي «الحق» على هذا الوجهِ ثلاثةُ أوجه أحدها: أنه نعتٌ للوزن أي: الوزن الحق في ذلك اليوم. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوف كأنه جوابُ سؤال مقدر مِنْ قائل يقول: ما ذلك الوزنُ؟ فقيل: هو الحق لا الباطل. والثالث: أنه بدلٌ من الضمير المستكنِّ في الظرف. وهو غريب ذكره مكي.

والثاني من وجهي الخبر: أن يكون الخبرُ «الحق» ، و «يومئذ» على هذا فيه وجهان أحدهما: أنه منصوبٌ على الظرف ناصبُه «الوزن» أي: يقع الوزنُ ذلك اليوم. والثاني: أنه مفعول به على السَّعة. وهذا الثاني ضعيف جداً لا حاجة إليه. ولمَّا ذكر أبو البقاء كونَ «الحق» خبراً، وجَعَل «يومئذ» ظرفاً للوزن قال: «ولا يجوز على هذا أن يكونَ صفةً، لئلا يلزمَ الفصلُ بين الموصول وصلتِه» . قلت: وأين الفصل؟ فإن التركيب القرآني إنما جاء فيه «الحق» بعد تمام الموصول بصلته، وإذا تمَّ الموصول بصلته جاز أن يوصفَ. تقول: «ضَرْبُك زيداً يوم الجمعة الشديدُ حسنٌ» فالشديدُ صفة لضربك. فإن توهَّم كونَ الصفة محلُّها أن تقع بعد الموصوف وتليه، فكأنها مقدمة في التقدير فحصل الفصلُ تقديراً، فإن هذا لا يُلتفت إليه، لأن تلك المعمولاتِ من تتمة الموصول فلم يكُ إلا الموصول. وعلى تقدير اعتقاد ذلك له، فالمانعُ من ذلك أيضاً صيرورةُ المبتدأ بلا خبر، لأنك إذا جعلت «يومئذ» ظرفاً للوزن و «الحق» صفته فأين خبره؟ فهذا لو سَلِمَ من المانع الذي ذكره كان فيه هذا المانع الآخر.

وقد طوَّل مكي بذكر تقدير تقديم «الحق» على «يومئذ» وتأخيره عنه باعتبار الإِعرابات المتقدمة، وهذا لا حاجة إليه لأنَّا مقيَّدون في القرآن بالإِتيان بنظمه. وذكر أيضاً أنه يجوز نصبه، يعني أنه لو قرئ به لكان جائزاً، وهذا أيضاً لا حاجة إليه.

وموازين فيها قولان: أحدهما: أنها جمع ميزان: الآلة التي يُوْزَنُ بها، وإنما جُمِع لأنَّ كلَّ إنسانٍ له ميزانٌ يخصُّه على ما جاء في التفسير، أو جُمع باعتبار الأعمال المُكْثِرة، وعبَّر عن الحالِّ بالمحلِّ. والثاني: أنها جمع موزون وهي الأعمال، والجمع حينئذ ظاهر.

9

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

قوله تعالى: {بِمَا كَانُواْ} : متعلِّقٌ ب «خسروا» و «ما» مصدرية و «بآياتنا» متعلق ب «يظلمون» قُدِّم عليه للفاصلة. وتعدَّى «يظلمون» بالباء: إمَّا لتضمُّنه معنى التكذيب نحو {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [آل عمران: 11] ، وإمَّا لتضمُّنه معنى الجحد نحو {وَجَحَدُواْ بِهَا} [النمل: 14] .

10

وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

قوله تعالى: {وجَعَلْنا لكم} : يجوز أن تكون بمعنى «خلق» فتتعدَّى لواحد فيتعلَّق الجارَّان بالجَعْل، أو بمحذوفٍ على أنهما حالان مِنْ «معايش» لأنهما لو تأخرا لجاز أن يكونا وصفين. ويجوز أن تكونَ التصييرية فتتعدَّى لاثنين أولهما «معايش» ، والثاني أحد الجارَّين، والآخر: إمَّا حال فيتعلق بمحذوف، وإمَّا متعلق بنفس الجعل/ وهو الظاهر.

ومعايش جمع معيشة وفيها ثلاثة مذاهب، مذهب سيبويه والخليل: أن وزنها مَفْعُلة بضم العين أو مَفْعِلة بكسرها، فعلى الأول جُعِلت الضمةُ كسرةً ونُقِلَتْ إلى فاء الكلمة. وقياس قول الأخفش في هذا النحو أن يُغَيَّر الحرفُ لا الحركةُ، فمعيشة عنده شاذة إذ كان ينبغي أن يُقال فيها مَعُوشة. وأما على قولنا إن أصلها مَعْيِشة بكسر العين فلا شذوذَ فيها. ومذهب الفراء أنَّ وزنها مَفْعَلة بفتح العين وليس بشيء. والمعيشة اسمٌ لما يُعاشُ به أي يُحْيا، وهي في الأصل مصدرٌ لعاش يعيش عَيْشاً وعِيْشة قال تعالى: {فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة: 21] ومعاشاً: قال تعالى: {وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً} ومَعِيشاً قال رؤبة:

2141 - إليك أشكو شِدَّةَ المعيشِ ... وجُهْدَ أعوامٍ نَتَفْنَ ريشي

والعامَّةُ على «معايش» بصريح الياء. وقد خرج خارجة فروى عن نافع «معائش» بالهمز. وقال النحويون: هذه غلطٌ؛ لأنه لا يُهمز عندهم إلا ما كان فيه حرفُ المد زائداً نحو: صحائف ومدائن، وأما «معايش» فالياءُ أصلٌ لأنها من العَيْش. قال الفارسي عن أبي عثمان: «أصلُ أَخْذِ هذه القراءةِ عن نافع» . قال: «ولم يكن يدري ما العربية؟» . قلت: قد فَعَلَتْ العربُ مثل هذا، فهمزوا منائر ومصائب جمع منارة ومصيبة، والأصل: مناوِر ومصاوب. وقد غلَّط سيبويه مَنْ قال مصائب، ويعني بذلك أنه غلط بالنسبة إلى مخالفة الجادَّة، وهذا كما تقدَّم عنه أنه قال: «واعلم أنَّ بعضَهم يغلطُ فيقول:» إنهم أجمعون ذاهبون «قال:» ومنهم مَنْ يأتي بها على الأصل فيقول: مصاوب ومناور، وهذا كما قالوا في جمع مقال ومقام: مَقَاوِم ومَقاوِل في رجوعهم بالعين إلى أصلها قال: وأنشد النحويون على ذلك: 2142 - وإنِّي لَقَوَّامٌ مَقَاوِمَ لم يكن ... جريرٌ ولا مَوْلَى جريرٍ يقومُها

ووجهُ همزِها أنهم شبَّهوا الأصليَّ فتوهَّموا أن معيشة بزنة صحيفة فهمزوها كما همزوا تِيْك. قالوا: ونظير ذلك في تشبيههم الأصلي بالزائد قولهم في جمع مَسِيل: مِسْلان توهَّموه على أنه على زنة قضيب وقِضبان وقالوا في جمعه أَمْسِلة كأنهم توهَّموا أنه بزنة رغيف وأرغفة، وإنما مسيل وزنه مَفْعِل لأنه من سَيَلان الماء. وأنشدوا على مَسيل وأَمْسِلة قولَ أبي ذؤيب الهذلي:

2143 - بِوادٍ لا أنيسَ به يَبابٍ ... وأَمْسِلةٍ مَذانِبُها خَلِيفُ

وقال الزجاج: «جميع نحاة البصرة تزعم أن همزها خطأ، ولا أعلم لها وجهاً إلا التشبيهَ بصحيفة وصحائف، ولا ينبغي التعويل على هذه القراءة» .

قلت: وهذه القراءة لم ينفرد بها نافع بل قرأها جماعة جِلَّةٌ معه، فإنها منقولةٌ عن ابن عامر الذي قرأ على جماعة من الصحابة كعثمان وأبي الدرداء ومعاوية، وقد سبق ذلك في الأنعام، وقد قرأ بها قبل ظهور اللحن وهو عربي صريح. وقرأ بها أيضاً زيد بن علي وهو على جانب من الفصاحةِ والعلمِ الذي لا يدانيه إلا القليلُ. وقرأ بها أيضاً الأعمشُ والأعرجُ وكفى بهما في الإِتقان والضبط. وقد نقل الفراء أن قَلْبَ هذه الياء تشبيهاً لها بياء صحيفة قد جاء وإنْ كان قليلاً.

وقوله: {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} كقوله: {قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] .

Al-A'raaf 7:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.