Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 51–60 of 206

51

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِي أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوِ الَّذِي يَلْزَمُهُمُ التَّدَيُّنُ بِهِ ﴿لَهْوًا ولَعِبًا﴾ فَلَمْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ أوْ فَحَرَّمُوا ما شاءُوا واسْتَحَلُّوا

صفحة 127

ما شاءُوا واللَّهْوُ كَما قِيلَ صَرْفُ الهَمِّ إلى ما لا يَحْسُنُ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ واللَّعِبُ طَلَبُ الفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الكَلامِ فِيهِما فَتَذَكَّرْ ﴿وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ شَغَلَتْهم بِزَخارِفِها العاجِلَةِ ومَواعِيدِها الباطِلَةِ وهَذا شَأْنُها مَعَ أهْلِها قاتَلَها اللَّهُ تَعالى تَغُرُّ وتَضُرُّ وتَمُرُّ ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ النّاسِي بِالمَنسِيِّ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ وتَرْكِهِمْ في النّارِ تَرْكًا كُلِّيًّا فالكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّمْثِيلِ وقَدْ جاءَ النِّسْيانُ بِمَعْنى التَّرْكِ كَثِيرًا ويَصِحُّ أنْ يُفَسَّرَ بِهِ هُنا فَيَكُونُ اسْتِعارَةً أوْ مَجازًا مُرْسَلًا وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى نُؤَخِّرُهم في النّارِ وعَلَيْهِ فالظّاهِرُ أنْ نَنْساهم مِنَ النَّسْءِ لا مِنَ النِّسْيانِ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ﴾ فَصِيحَةٌ وقَوْلُهُ عَزَّ وعَلا ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ قِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ نَنْساهم نِسْيانًا مِثْلَ نِسْيانِهِمْ لِقاءَ هَذا اليَوْمِ العَظِيمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسى ولَيْسَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْضًا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذاكِرِي ذَلِكَ حَتّى يَنْسَوْهُ بَلْ شَبَّهَ عَدَمَ إخْطارِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ بِبالِهِمْ وعَدَمَ اسْتِعْدادِهِمْ لَهُ بِحالِ مَن عَرَفَ شَيْئًا ثُمَّ نَسِيَهُ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ أنَّ المَعْنى كَما نَسُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا ولَيْسَ هَذا التَّقْدِيرُ ضَرُورِيًّا كَما لا يَخْفى وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الكافَ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ لا لِلتَّشْبِيهِ إذْ يَمْنَعُ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (51) لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى ( ما نَسُوا ) وهو يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ النِّسْيانُ مِثْلُهُ.

وتَشْبِيهُ النِّسْيانِ بِالجُحُودِ غَيْرُ ظاهِرٍ ومَنِ ادَّعاهُ قالَ: المُرادُ نَتْرُكُهم في النّارِ تَرْكًا مُسْتَمِرًّا كَما كانُوا مُنْكِرِينَ أنَّ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إنْكارًا مُسْتَمِرًّا قالَ القُطْبُ: الجُحُودُ في مَعْنى النِّسْيانِ وظاهِرُ كَلامِ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ إلى وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا لا أنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ فَقَطْ وقالَ بَعْضُهم إنَّهُ ذَلِكَ لا غَيْرَ وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( الَّذِينَ ) مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ( اليَوْمَ نَنْساهم ) خَبَرَهُ والفاءُ فِيهِ مِثْلُها في قَوْلِكَ: الَّذِي يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ كَما قِيلَ.

Al-A'raaf 7:51Listen in Qur'an →
52

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍۢ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

﴿ولَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾ بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ والأحْكامِ والمَواعِظِ مُفَصَّلَةً والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ قاطِبَةً وقِيلَ: لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ وقِيلَ: لِلْمُعاصِرِينَ مِنَ الكَفَرَةِ أوْ مِنهم ومِنَ المُؤْمِنِينَ والكِتابُ هو القُرْآنُ وتَنْوِينُهُ لِلتَّفْخِيمِ وقَدْ نَظَمَ بَعْضُهم ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأنْواعِ بِقَوْلِهِ.

حَلالٌ حَرامٌ مُحْكَمٌ مُتَشابِهٌ بَشِيرٌ نَذِيرٌ قِصَّةٌ عِظَةٌ مَثَلُ

والمُرادُ مَنعُ الخُلُوِّ كَما لا يَخْفى ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ مِنّاِ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( فَصَّلْناهُ ) وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ أيْ عالِمِينَ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ بِذَلِكَ حَتّى جاءَ حَكِيمًا مُتْقَنًا وفي هَذا كَما قِيلَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُ بِصِفَةٍ زائِدَةٍ عَلى الذّاتِ وهي صِفَةُ العِلْمِ ولَيْسَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ عَيْنَ ذاتِهِ كَما يَقُولُهُ الفَلاسِفَةُ ومَن ضاهاهم ولِلْمُناقَشَةِ فِيهِ مَجالٌ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ أيْ مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ كَثِيرٍ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ( فَضَّلْناهُ ) بِالضّادِ المَعْجَمَةِ وظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ ولا يُجْعَلُ حالًا مِنَ المَفْعُولِ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالَمِينَ بِأنَّهُ حَقِيقٌ بِذَلِكَ وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يُجْعَلَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِفَضَّلْناهُ أيْ فَضَّلْناهُ عَلى سائِرِ الكُتُبِ لِأجْلِ عِلْمٍ فِيهِ أيْ لِاشْتِمالِهِ عَلى عِلْمٍ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنها وقِيلَ: إنَّ ( عَلى ) في القِراءَتَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ ﴿جِئْناهُمْ﴾ أيْ جِئْناهم بِذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ مِن ذَوِي العِلْمِ

صفحة 128

القابِلِينَ لِفَهْمِ ما جِئْناهم بِهِ فَتَأمَّلْ.

﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ ( فَصَّلْناهُ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ وأنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ والكَلامُ في وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ حالًا مَشْهُورٌ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى البَدَلِيَّةِ مِن ( عِلْمٍ ) وبِالرَّفْعِ عَلى إضْمارِ المُبْتَدَأِ أيْ هو هُدًى عَظِيمٌ ورَحْمَةٌ كَذَلِكَ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (52) لِأنَّهُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ المُنْتَفِعُونَ بِنَوارِهِ.

Al-A'raaf 7:52Listen in Qur'an →
53

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Do they await except its result? The Day its result comes those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ شَيْئًا ﴿إلا تَأْوِيلَهُ﴾ أيْ عاقِبَتَهُ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ بِظُهُورِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والمُرادُ أنَّهم بِمَنزِلَةِ المُنْتَظَرِينَ وفي حُكْمِهِمْ مِن حَيْثُ أنَّ ما ذُكِرَ يَأْتِيهِمْ لا مَحالَةَ وحِينَئِذٍ فَلا يُقالُ: كَيْفَ يَنْتَظِرُونَهُ وهم جاحِدُونَ غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ.

وقِيلَ: إنَّ فِيهِمْ أقْوامًا يَشُكُّونَ ويَتَوَقَّعُونَ فالكَلامُ مِن قَبِيلِ بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا زَيْدًا ( يَوْمَ يَأْتِيهِمْ تَأْوِيلُهُ ) وهو يَوْمُ القِيامَةِ وقِيلَ هو يَوْمُ بَدْرٍ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ أيْ تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ فَأعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ إتْيانِ تَأْوِيلِهِ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ أيْ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ جاءُوا بِالحَقِّ وإنَّما فُسِّرَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ الواقِعُ هُناكَ ولِأنَّهُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ طَلَبُ الشَّفاعَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ اليَوْمَ ويَدْفَعُوا عَنّا ما نَحْنُ فِيهِ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ و( مِن ) مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَأِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَزِيدَةً في الفاعِلِ بِالظَّرْفِ كَأنَّهُ قِيلَ هَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا ورافِعُهُ وُقُوعُهُ مَوْقِعًا يَصْلُحُ لِلِاسْمِ كَما تَقُولُ: ابْتِداءٌ هَلْ يُضْرَبُ زَيْدٌ ولا يُطْلُبُ لَهُ فِعْلٌ آخَرُ يُعْطَفُ عَلَيْهِ فَلا يُقَدَّرُ هَلْ يَشْفَعُ لَنا شافِعٌ أوْ نُرَدُّ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأرادَ كَما في الكَشْفِ لَفْظًا لِأنَّ الظَّرْفَ مُقَدَّرٌ بِجُمْلَةٍ و( هَلْ ) مِمّا لَهُ اخْتِصاصٌ بِالفِعْلِ والعُدُولُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ تَمَنِّيَ الشَّفِيعِ أصْلٌ وتَمَنِّيَ الرَّدِّ فَرْعٌ لِأنَّ تَرْكَ الفِعْلِ إلى الِاسْمِ مَعَ اسْتِدْعاءِ هَلْ لِلْفِعْلِ يُفِيدُ ذَلِكَ فَلَوْ قُدِّرَ لَفاتَتْ نُكْتَةُ العُدُولِ مَعْنًى مَعَ الغِنى عَنْهُ لَفْظًا وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَيَشْفَعُوا لَنا المَنصُوبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ أوْ لِأنَّ ( أوْ ) بِمَعْنى إلى أنْ أوْ حَتّى أنْ عَلى ما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ إظْهارًا لِمَعْنى السَّبَبِيَّةِ قالَ القاضِي: فَعَلى الرَّفْعِ المَسْؤُولُ أحَدُ الأمْرَيْنِ الشَّفاعَةُ والرَّدُّ إلى الدُّنْيا وعَلى النَّصْبِ المَسْؤُولُ أنْ يَكُونَ لَهم شُفَعاءُ إمّا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ مِنَ الشَّفاعَةِ في العَفْوِ عَنْهم والرَّدِّ إنْ كانَتْ ( أوْ ) عاطِفَةً وإمّا لِأمْرٍ واحِدٍ إذا كانَتْ بِمَعْنى إلى أنْ إذْ مَعْناهُ حِينَئِذٍ يَشْفَعُونَ إلى الرَّدِّ وكَذا إذا كانَتْ بِمَعْنى حَتّى أنْ أيْ يَشْفَعُونَ حَتّى يَحْصُلَ الرَّدُّ ﴿فَنَعْمَلَ﴾ بِالنَّصْبِ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِي أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ( نُرَدَّ ) مُسَبَّبٌ عَنْهُ عَلى قِراءَةِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ.

وقَرَأ الحَسَنُ بِنَصْبِ ( نُرَدَّ ) ورَفْعِ ( نَعْمَلُ ) أيْ فَنَحْنُ نَعْمَلُ ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ أيْ في الدُّنْيا مِنَ الشِّرْكِ والمَعْصِيَةِ ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِصَرْفِ أعْمارِهِمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ إلى الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ غابَ وفُقِدَ ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (53) أيِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الأصْنامِ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وشُفَعاءَهم يَوْمَ القِيامَةِ والمُرادُ أنَّهُ ظَهَرَ بُطْلانُهُ ولَمْ يُفِدْهم شَيْئًا.

* * …

Al-A'raaf 7:53Listen in Qur'an →
54

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne. He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allah, Lord of the worlds.

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إثْرَ بَيانِ مَعادِ الكَفَرَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ وأشارَ إلى عِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِمَقْدُوراتِهِ ومَصْنُوعاتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ ودَلَّهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ فَقالَ مُخاطِبًا بِالخِطابِ العامِّ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ أيْ خالَقَكم ومالِكَكُمُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ السَّبْعَ ﴿والأرْضَ﴾ بِما فِيها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما في سُورَةِ السَّجْدَةِ عَلى ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُهُ في سِتَّةِ أوْقاتٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ .

فَإنَّ المُتَعارَفَ أنَّ اليَوْمَ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها ولَمْ تَكُنْ هي حِينَئِذٍ نَعَمِ العَرْشُ وهو المُحَدِّدُ عَلى المَشْهُورِ مَوْجُودٌ إذْ ذاكَ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بَعْضُ الآياتِ ولَيْسَ بِقَدِيمٍ كَما يَقُولُهُ مَن ضَلَّ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لَكِنَّ ذاكَ لَيْسَ نافِعًا في تَحَقُّقِ اليَوْمِ العُرْفِيِّ وإلى حَمْلِ اليَوْمِ عَلى المُتَعارَفِ وتَقْدِيرِ المُضافِ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ العُلَماءِ وادَّعَوْا وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والضَّحّاكِ ومُجاهِدٍ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ كانَ يَوْمَ الأحَدِ ولَمْ يَكُنْ في السَّبْتِ خَلْقٌ آخِذًا لَهُ مِنَ السَّبْتِ بِمَعْنى القَطْعِ لِقَطْعِ الخَلْقِ فِيهِ ولِتَمامِ الخَلْقِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ واجْتِماعُهُ فِيهِ سُمِّيَ بِذَلِكَ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سَمّى

صفحة 133

تِلْكَ الأيّامَ بِأبُو جادٍ وهَوازٍ وحُطِّي وكَلَمُونَ وسَعْفَصْ وقِرِيشاتَ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: إنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ في يَوْمِ السَّبْتِ وسُمِّي سَبْتًا لِقَطْعِ بَعْضِ خَلْقِ الأرْضِ فِيهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أوْ لِما أنَّ الأمْرَ كَأنَّهُ قُطِعَ وشُرِعَ فِيهِ عَلى ما قِيلَ واسْتُدِلَّ لِهَذا القَوْلِ بِما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِي فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وخَلَقَ فِيها الجِبالَ يَوْمَ الأحَدِ وخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وخَلَقَ المَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلاثاءِ وخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبَعاءِ وخَلَقَ فِيها الدَّوابَّ يَوْمَ الخَمِيسِ وخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ العَصْرِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ في آخِرِ الخَلْقِ في آخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمُعَةِ فِيما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ» ولا يَخْفى أنَّ هَذا الخَبَرَ مُخالِفٌ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ فَهو إمّا غَيْرُ صَحِيحٍ وإنْ رَواهُ مُسْلِمٌ وإمّا مُؤَوَّلٌ وأنا أرى أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ وقَعَ فِيهِ الخَلْقُ يُقالُ لَهُ الأحَدُ وثانِيَ يَوْمٍ الِاثْنَيْنِ وهَكَذا ويَوْمَ جُمِعَ فِيهِ الخَلْقُ الجُمُعَةُ فافْهَمْ وإلى حَمْلِهِ عَلى اللُّغَوِيِّ وعَدَمِ التَّقْدِيرِ ذَهَبَ آخَرُونَ وقالُوا: كانَ مِقْدارُ كَلِّ يَوْمٍ ألْفَ سَنَةٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ وفِيهِ خَلْقُهُ سُبْحانَهُ الأشْياءَ مُدَرَّجًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ تَعْلِيمٌ لِلْخَلْقِ التَّثَبُّتَ والتَّأنِّيَ في الأُمُورِ كَما في الحَدِيثِ التَّأنِّي مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطانِ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ في خَلْقِها مُدَرَّجًا مَعَ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ …

Al-A'raaf 7:54Listen in Qur'an →
55

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ بَيَّنَ التَّوْحِيدَ وأخْبَرَ أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالخَلْقِ والأمْرِ أمَرَ عِبادَهُ أنَّهُ يَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ مُتَذَلِّلِينَ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الَّذِي عَرَفْتُمْ شُؤُونَهُ الجَلِيلَةَ والمُرادُ مِنَ الدُّعاءِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ السُّؤالُ والطَّلَبُ وهو مُخُّ العِبادَةِ لِأنَّ الدّاعِيَ لا يُقْدِمُ عَلى الدُّعاءِ إلّا إذا عَرَفَ مِن نَفْسِهِ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ المَطْلُوبِ وأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ تَحْصِيلِهِ وعَرَفَ أنَّ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى يَسْمَعُ الدُّعاءَ ويَعْلَمُ الحاجَةَ وهو قادِرٌ عَلى إيصالِها إلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ مَعْرِفَةَ العَبْدِ نَفْسَهُ بِالعَجْزِ والنَّقْصِ ومَعْرِفَتَهُ رَبَّهُ بِالقُدْرَةِ والكَمالِ مِن أعْظَمِ العِباداتِ.

وقِيلَ: المُرادُ مِنهُ هُنا العِبادَةُ لِأنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ ( ادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا ) والمَعْطُوفُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وفِيهِ نَظَرٌ أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ المُغايَرَةَ تَكْفِي بِاعْتِبارِ المُتَعَلِّقاتِ كَما تَقُولُ ضَرَبْتُ زَيْدًا وضَرَبْتْ عَمْرًا.

وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّها لا تَسْتَدْعِي حَمْلَ الدُّعاءِ هُنا عَلى العِبادَةِ بَلْ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ إمّا هُنا أوْ هُنا وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّهُ خِلافُ التَّفْسِيرِ المَأْثُورِ كَما سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ ذَوِي تَضَرُّعٍ أوْ مُتَضَرِّعِينَ فَنَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ بِتَقْدِيرٍ أوْ تَأْوِيلٍ وجُوِّزَ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ وكَذا الكَلامُ فِيما بَعْدُ وهو مِنَ الضَّراعَةِ وهي الذُّلُّ والِاسْتِكانَةُ يُقالُ ضَرَعَ فُلانٌ لِفُلانٍ إذا ذَلَّ لَهُ واسْتَكانَ وقالَ الزَّجّاجُ التَّضَرُّعُ التَّمَلُّقُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قالُوا أيِ ادْعُوهُ تَذَلُّلًا وقِيلَ: التَّضَرُّعُ مُقابِلُ الخُفْيَةِ واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ أيِ ادْعُوهُ عَلانِيَةً ﴿وخُفْيَةً﴾ أيْ سِرًّا.

أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَقَدْ كانَ المُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ وما يُسْمَعُ لَهم صَوْتٌ إنْ كانَ إلّا هَمْسًا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ وأنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ عَبْدًا صالِحًا فَرَضِيَ لَهُ فِعْلَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: بَيْنَ دَعْوَةِ السِّرِّ ودَعْوَةِ العَلانِيَةِ سَبْعُونَ ضِعْفًا وجاءَ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِقَوْمٍ يَجْهَرُونَ: أيُّها النّاسُ أرْبِعُوا عَلى أنْفُسِكم إنَّكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِبًا إنَّكم تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وهو مَعَكم وهو أقْرَبُ إلى أحَدِكم مِن عُنُقِ راحِلَتِهِ» والمَعْنى ارْفُقُوا وأقْصِرُوا مِنَ الصِّياحِ في الدُّعاءِ.

ومِن هُنا قالَ جَمْعٌ بِكَراهَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ وفي الِانْتِصافِ حَسْبُكَ في تَعَيُّنِ الأسْرارِ فِيهِ اقْتِرانُهُ في الآيَةِ بِالتَّضَرُّعِ فالإخْلالُ بِهِ كالإخْلالِ بِالضَّراعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ دُعاءً لا تَضَرُّعَ فِيهِ ولا خُشُوعَ لِقَلِيلِ الجَدْوى فَكَذَلِكَ دُعاءٌ لا خُفْيَةَ فِيهِ ولا وقارَ يَصْحَبُهُ وتَرى كَثِيرًا مِن أهْلِ زَمانِكَ يَعْتَمِدُونَ الصُّراخَ في الدُّعاءِ خُصُوصًا في الجَوامِعِ حَتّى يَعْظُمَ اللَّغَطُ ويَشْتَدَّ وتَسْتَكَّ المَسامِعُ وتَسْتَدَّ ولا يَدْرُونَ أنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ بِدْعَتَيْنِ رَفْعِ الصَّوْتِ في الدُّعاءِ وكَوْنِ ذَلِكَ في المَسْجِدِ.

ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ …

Al-A'raaf 7:55Listen in Qur'an →
56

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allah is near to the doers of good.

﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ نَهْيٌ عَنْ سائِرِ أنْواعِ الإفْسادِ كَإفْسادِ النُّفُوسِ والأمْوالِ والأنْسابِ والعُقُولِ والأدْيانِ ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ أيِ إصْلاحِ اللَّهِ تَعالى لَها وخَلْقِها عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لِمَنافِعِ الخَلْقِ ومَصالِحِ المُكَلَّفِينَ وبَعَثَ فِيها الأنْبِياءَ بِما شَرَعَهُ مِنَ الأحْكامِ ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ أيْ ذَوِي خَوْفٍ مِنَ الرَّدِّ لِقُصُورِكم عَنْ أهْلِيَّةِ الإجابَةِ وطَمَعٍ في إجابَتِهِ تَفَضُّلًا مِنهُ وقِيلَ: خَوْفًا مِن عِقابِهِ وطَمَعًا في جَزِيلِ ثَوابِهِ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ المَعْنى خَوْفَ العَدْلِ وطَمَعَ الفَضْلِ وعَنْ عَطاءٍ خَوْفًا مِنَ المِيزانِ وطَمَعًا في الجِنانِ وأصْلُ الخَوْفِ انْزِعاجُ القَلْبِ لِعَدَمِ أمْنِ الضَّرَرِ وقِيلَ: تَوَقُّعُ مَكْرُوهٍ يَحْصُلُ فِيما بَعْدُ والطَّمَعُ تَوَقُّعُ مَحْبُوبٍ يَحْصُلُ لَهُ ونَصْبُهُما عَلى الحالِيَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِأجْلِهِ قِيلَ: ولَمّا كانَ الدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ كَرَّرَهُ وقَيَّدَهُ أوَّلًا بِالأوْصافِ الظّاهِرَةِ وآخِرًا بِالأوْصافِ الباطِنَةِ وقِيلَ: الأمْرُ السّابِقُ مِن قَبِيلِ بَيانِ شَرْطِ الدُّعاءِ والثّانِي مِن قَبِيلِ بَيانِ فائِدَتِهِ وقِيلَ: لا تَكْرارَ فَما تَقَدَّمَ أمَرَ بِالدُّعاءِ بِمَعْنى السُّؤالِ وهَذا أمْرٌ بِالدُّعاءِ بِمَعْنى العِبادَةِ والمَعْنى

صفحة 141

اعْبُدُوهُ جامِعِينَ في أنْفُسِكُمُ الخَوْفَ والرَّجاءَ في عِبادَتِكُمُ القَلْبِيَّةِ والقالِبِيَّةِ وهو كَما تَرى ومِنَ النّاسِ مَن أبْقى الدُّعاءَ عَلى المَعْنى الظّاهِرِ وعَمَّمَ في مُتَعَلِّقِ الخَوْفِ والطَّمَعِ والمَعْنى عِنْدَهُ ادْعُوهُ وأنْتُمْ جامِعُونَ في أنْفُسِكُمُ الخَوْفَ والرَّجاءَ في أعْمالِكم كُلِّها ولَيْسَ بِشَيْءٍ والمُخْتارُ عِنْدَ جُلَّةِ المُفَسِّرِينَ ما تَقَدَّمَ.

﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ (56) أعْمالَهم ومِنَ الإحْسانِ في الدُّعاءِ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالخَوْفِ والطَّمَعِ وقَدْ كَثُرَ الكَلامُ في تَوْجِيهِ تَذْكِيرٍ قَرِيبٍ مَعَ أنَّهُ صِفَةٌ مُخْبَرٌ بِها عَنِ المُؤَنَّثِ وقَدْ نَقَلَ ابْنُ هِشامٍ في ذَلِكَ وجُوهًا ذاكِرًا ما لَها وما عَلَيْها الأوَّلُ أنَّ الرَّحْمَةَ في تَقْدِيرِ الزِّيادَةِ والعَرَبُ قَدْ تَزِيدُ المُضافَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ سَبِّحْ رَبَّكَ ألا تَرى أنَّهُ يُقالُ في التَّسْبِيحِ سُبْحانَ رَبِّيَ ولا يُقالُ سُبْحانَ اسْمِ رَبِّي والتَّقْدِيرُ إنَّ اللَّهَ تَعالى قَرِيبٌ فالخَبَرُ في الحَقِيقَةِ عَنِ الِاسْمِ الأعْظَمِ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ عِنْدَ عُلَماءِ البَصْرَةِ لِأنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ في رَأْيِهِمْ وإنَّما تُزادُ الحُرُوفُ ومَعْنى الآيَةَ عِنْدَهم نَزِّهْ أسْماءَ رَبِّكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِها فَلا تُجْرِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ اسْمًا لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ أوِ اسْمًا غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ فَلا زِيادَةَ والثّانِي أنَّ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ أنَّ مَكانَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى قَرِيبٌ فالإخْبارُ إنَّما هو عَنِ المَكانِ وهو مُذَكَّرٌ ونَظِيرُ ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﷺ مُشِيرًا إلى الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّ هَذَيْنِ حَرامٌ» فَإنَّ الإخْبارَ بِالمُفْرَدِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ إنَّ اسْتِعْمالَ هَذَيْنِ وقَوْلُ حَسّانَ.

يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمْ بَرَدى يُصَفِّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ

فَإنَّهُ بِتَقْدِيرِ ماءً بَرَدى فَلِذا قالَ يُصَفِّقُ بِالتَّذْكِيرِ مَعَ أنَّ بَرَدى مُؤَنَّثٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا المُضافَ بَعِيدٌ جِدًّا لا قَرِيبَ والأصْلُ عَدَمُ …

Al-A'raaf 7:56Listen in Qur'an →
57

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ أوْ عَلى حَدِيثِ خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( الرِّيحَ ) عَلى الوَحْدَةِ وهو مُتَحَمِّلٌ لِمَعْنى الجِنْسِيَّةِ فَيُطْلَقُ عَلى الكَثِيرِ وخَبَرُ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا مُخَرَّجٌ عَلى قِراءَةِ الأكْثَرِينَ ﴿بُشْرًا﴾ بِضَمِّ المُوَحَّدَةِ وسُكُونِ الشِّينِ مُخَفَّفُ ( بُشُرًا ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ بَشِيرٍ كَنُذُرٍ ونَذِيرٍ أيْ مُبَشِّراتٌ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا ( بُشُرًا ) عَلى الأصْلِ وقُرِئَ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ بَشَرَهُ بِالتَّخْفِيفِ بِمَعْنى بَشَّرَهُ المُشَدَّدِ والمُرادُ باشِراتٌ أوْ لِلْبِشارَةِ وقُرِئَ ( بُشْرى ) كَحُبْلى وهو مَصْدَرٌ أيْضًا مِنَ البِشارَةِ وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ ( نُشُرًا ) بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ جَمْعُ نَشُورٍ بِفَتْحِ النُّونِ بِمَعْنى ناشِرٍ وفَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٍ يَطَّرِدُ جَمْعُهُ كَصَبُورٍ وصُبُرٍ ولَمْ يُجْعَلْ جَمْعُ ناشِرٍ كَبازِلٍ وبَزْلٍ لِأنَّ جَمْعَ فاعِلٍ عَلى فَعْلٍ شاذٌّ

صفحة 145

واخْتُلِفَ في مَعْنى ناشِرٍ فَفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ قِيلَ: هو عَلى النَّسَبِ إمّا إلى النَّشْرِ ضِدَّ الطَّيِّ وإمّا إلى النُّشُورِ بِمَعْنى الإحْياءِ لِأنَّ الرِّيحَ تُوصَفُ بِالمَوْتِ والحَياةِ كَقَوْلِهِ.

إنِّي لَأرْجُو أنْ تَمُوتَ الرِّيحُ فَأقْعُدُ اليَوْمَ وأسْتَرِيحُ

كَما يَصِفُها المُتَأخِّرُونَ بِالعِلَّةِ والمَرَضِ ومِمّا يَحْكِي النَّسِيمُ مِن ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ في شِدَّةِ الحَرِّ.

أظُنُّ نَسِيمَ الرَّوْضِ ماتَ لِأنَّهُ ∗∗∗ لَهُ زَمَنٌ في الرَّوْضِ وهو عَلِيلُ

وقِيلَ: هو فاعِلٌ مِن نَشَرَ مُطاوِعُ أنْشَرَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ فَنُشِرَ وهو ناشِرٌ كَقَوْلِهِ.

حَتّى يَقُولَ النّاسُ مِمّا رَأوْا ∗∗∗ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ النّاشِرِ

قِيلَ: ناشِرٌ بِمَعْنى مُنْشِرٍ أيْ مُحْيِي وقِيلَ: فَعُولٌ هُنا بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَرَسُولٍ ورُسُلٍ وقَدْ جَوَّزَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ إلّا أنَّهُ نادِرٌ مُفْرَدُهُ وجَمْعُهُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( نُشْرًا ) بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الشِّينِ حَيْثُ وقَعَ والتَّخْفِيفُ في فِعْلٍ مُطَّرِدٍ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( نَشْرًا ) بِفَتْحِ النُّونِ حَيْثُ وقَعَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ بِمَعْنى ناشِراتٍ أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ فَإنَّ الإرْسالَ والنَّشْرَ مُتَقارِبانِ ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أيْ قُدّامَ رَحْمَتِهِ وهو مِنَ المَجازِ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الأنْبارِيِّ والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ غالِبُ المُفَسِّرِينَ المَطَرُ وسَمِّيَ رَحْمَةً لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ جَرْيِ العادَةِ مِنَ المَنافِعِ ولا يَخْفى أنَّ الرَّحْمَةَ في المَشْهُورِ عامَّةٌ فَإطْلاقُها عَلى ذَلِكَ إنْ كانَ مِن حَيْثُ خُصُوصِهِ مَجازٌ لِكَوْنِهِ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ إذِ اللَّفْظُ لَمْ يُوضَعْ لِذَلِكَ الخاصِّ بِخُصُوصِهِ وإنْ كانَ إطْلاقُها عَلَيْهِ لا بِخُصُوصِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ عُمُومِهِ وكَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ ذَلِكَ العامِّ فَهو حَقِيقَةٌ لِأنَّهُ اسْتِعْمالُ اللَّفْظِ فِيما وُضِعَ لَهُ عَلى ما بُيِّنَ في شَرْحِ التَّلْخِيصِ وغَيْرِهِ.

وادَّعى الشِّهابُ إثْباتَ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ كَوْنَ المَطَرِ مِن مَعانِي الرَّحْمَةِ وقَوْلُ ابْنِ هِشامٍ في رِسالَتِهِ الَّتِي ألَّفَها في بَيانِ وجْهِ تَذْكِيرِ ( قَرِيبٌ ) المارُّ عَنْ قَرِيبٍ إنّا لا نَجِدُ أهْلَ اللُّغَةِ حَيْثُ يَتَكَلَّمُونَ عَلى الرَّحْمَةِ يَقُولُونَ: ومِن …

Al-A'raaf 7:57Listen in Qur'an →
58

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أيِ الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ الَّتِي لا سَبِخَةَ ولا حَرَّةَ واسْتِعْمالُ البَلَدِ بِمَعْنى القَرْيَةِ عُرْفٌ طارَ ومِن قَبِيلِ ذَلِكَ إطْلاقُهُ عَلى مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ والمُرادُ بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا وافِيًا غَزِيرَ النَّفْعِ لِكَوْنِهِ واقِعًا في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ مِنَ البِلادِ كالسَّبِخَةِ والحَرَّةِ ﴿لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ أيْ قَلِيلًا لا خَيْرَ فِيهِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ.

لا تُنْجِزَ الوَعْدَ إنْ وعَدْتَ وإنْ أعْطَيْتَ أعْطَيْتَ تافِهًا نَكِدا

ونُصْبُهُ عَلى الحالِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ الكَلامِ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ وأُقِيمَ المُضافُ مَقامَهُ فَصارَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ ونَباتُ الَّذِي خَبُثَ والتَّعْبِيرُ أوَّلًا بِالطَّيِّبِ وثانِيًا بِالَّذِي خَبُثَ دُونَ الخَبِيثِ لِلْإيذانِ بِأنَّ أصْلَ الأرْضِ أنْ تَكُونَ طَيِّبَةً مُنْبِتَةً وخِلافُهُ طارٍ عارِضٌ وقُرِئَ ( يُخْرَجُ نَباتُهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرَجُ ) لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ورَفْعُ ( نَباتُ ) عَلى النِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ و( يُخْرِجُ نَباتَهُ ) بِبِناءِ ( يُخْرِجُ ) لِلْفاعِلِ مِن بابِ الإخْراجِ ونَصْبُ ( نَباتَهُ ) عَلى المَفْعُولِيَّةِ والفاعِلُ ضَمِيرُ البَلَدِ وقِيلَ ضَمِيرُ اللَّهِ تَعالى أوِ الماءِ وكَذا قُرِئَ في ( يُخْرِجُ ) المَنفِيِّ ونُصِبَ ( نَكِدًا ) حِينَئِذٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( نَكَدًا ) بِفَتْحَتَيْنِ عَلى زِنَةِ المَصْدَرِ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أيْ ذا نَكَدٍ أوْ خُرُوجًا نَكَدًا وقَرَأ ( نَكْدًا ) بِالإسْكانِ لِلتَّخْفِيفِ كَنَزْهٍ في قَوْلِهِ.

صفحة 148

فَقالَ لِي قَوْلَ ذِي رَأْيٍ ومَقْدِرَةٍ ∗∗∗ مُجَرِّبٍ عاقِلٍ نَزْهٍ عَنِ الرَّيْبِ

﴿كَذَلِكَ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ نُرَدِّدُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ ونُكَرِّرُها وأصْلُ التَّصْرِيفِ تَبْدِيلُ حالٍ بِحالٍ ومِنهُ تَصْرِيفُ الرِّياحِ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (58) نِعَمَ اللَّهِ تَعالى ومِنها تَصْرِيفُ الآياتِ وشُكْرُ ذَلِكَ التَّفَكُّرُ فِيها والِاعْتِبارُ بِها وخَصَّ الشّاكِرِينَ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ.

وقالَ الطَّيِّبِيُّ: ذِكْرُ ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ بَعْدَ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ مِن بابِ التَّرَقِّي لِأنَّ مَن تَذَكَّرَ آلاءَ اللَّهِ تَعالى عَرَفَ حَقَّ النِّعْمَةِ فَشَكَرَ وهَذا كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ مَثَلٌ لِمَن يَنْجَعُ فِيهِ الوَعْظُ والتَّنْبِيهُ مِنَ المُكَلَّفِينَ ولِمَن لا يُؤَثِّرُ فِيهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ .. إلَخْ. مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: هو طَيِّبٌ وعَمَلُهُ طَيِّبٌ والَّذِي خَبُثَ .. إلَخْ. مَثَلٌ لِلْكافِرِ يَقُولُ: هو خَبِيثٌ وعَمَلُهُ خَبِيثٌ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُرِّيَّتِهِ كُلِّهِمْ إنَّما خُلِقُوا مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمِنهم مَن آمَنَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَطابَ ومِنهم مَن كَفَرَ بِاللَّهِ تَعالى وكِتابِهِ فَخَبُثَ.

أخْرَجَ أحْمَدُ والشَّيْخانِ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ تَعالى بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أصابَ أرْضًا فَكانَتْ …

Al-A'raaf 7:58Listen in Qur'an →
59

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُحَقِّقُهُ ويُقَرِّرُهُ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الخالِيَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وهو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ أيْ واللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا .. إلَخْ. واطَّرَدَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ اللّامِ مَعَ قَدْ في الماضِي عَلى ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَلَّ الِاكْتِفاءُ بِها وحْدَها نَحْوَ قَوْلِهِ.

حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حَلْفَةَ فاجِرٍ لَنامُوا فَما أنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِي

والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ لا تُساقُ إلّا تَأْكِيدًا لِلْجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها الَّتِي هي جَوابُها فَكانَتْ مَظِنَّةً لِتَوَقُّعِ المُخاطَبِ حُصُولَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ دَلَّ عَلى الِاهْتِمامِ فَناسَبَ ذَلِكَ إدْخالَ قَدْ ونُقِلَ عَنِ النُّحاةِ أنَّهم قالُوا: إذا كانَ جَوابُ القَسَمِ ماضِيًا مُثْبَتًا مُتَصَرِّفًا فِإمّا أنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنَ الحالِ فَيُؤْتى بِقَدْ وإلّا أُثْبِتَ

صفحة 149

بِاللّامِ وحْدَها فَجَوَّزُوا الوَجْهَيْنِ بِاعْتِبارَيْنِ ولَمْ يُؤْتَ هُنا بِعاطِفٍ وأُتِيَ بِهِ في هُودٍ والمُؤْمِنِينَ عَلى ما قالَ الكَرْمانِيُّ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ نُوحٍ صَرِيحًا في هُودٍ وضِمْنًا في المُؤْمِنِينَ حَيْثُ ذَكَرَ فِيها قَبْلُ ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وهو عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَن صَنَعَها بِخِلافِ ما هُنا ونُوحُ بْنُ لَمَكَ بِفَتْحَتَيْنِ وقِيلَ: بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وقِيلَ: مَلْكانَ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ولامٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ آخِرِهِ وقِيلَ: لامَكَ كَهاجَرَ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ التّاءِ الفَوْقِيَّةِ والواوِ وسُكُونِ الشِّينِ المُعْجَمَةِ عَلى وزْنِ المُفَعْوِلِ كَما ضَبَطَهُ غَيْرُ واحِدٍ وقِيلَ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ المُشَدَّدَةِ وسُكُونِ الواوِ ولامٍ مَفْتُوحَةٍ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ابْنِ أخْنُوخَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أوَّلَهُ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ ساكِنَةٍ ونُونٍ مَضْمُومَةٍ وواوٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ أيْضًا ومَعْناهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ عَلى ما قِيلَ القُرّاءُ وقِيلَ: خُنُوخَ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ وهو إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: بُعِثَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ في الألْفِ الثّانِي وإنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَمُتْ حَتّى وُلِدَ لَهُ نُوحٌ في آخِرِ الألْفِ الأوَّلِ وأخْرَجا عَنْ مُقاتِلٍ وجُوَيْبِرٍ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ كَبُرَ ودَقَّ عَظْمُهُ قالَ: يا رَبِّ إلى مَتى أكِدُّ وأسْعى قالَ يا آدَمُ حَتّى يُولَدَ لَكَ ولَدٌ مَخْتُونٌ فَوُلِدَ لَهُ نُوحٌ بَعْدَ عَشْرَةِ أبْطُنٍ وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ألْفِ سِنَةٍ إلّا سِتِّينَ عامًا وبُعِثَ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى رَأْسِ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ وقالَ مُقاتِلٌ: وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ وقِيلَ: وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً وقِيلَ: وهو ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ فَكانَ عُمْرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً.

وبُعِثَ كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ مِنَ الجَزِيرَةِ وهو أوَّلُ نَبِيٍّ عَذَّبَ اللَّهُ تَعالى قَوْمَهُ وقَدْ لَقِيَ مِنهم ما لَمْ يَلْقَهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

واخْتُلِفَ في عُمُومِ بَعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ابْتِداءً مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى …

Al-A'raaf 7:59Listen in Qur'an →
60

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونُصْحِهِ لِقَوْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ما قِيلَ لَهم ذَلِكَ فَقِيلَ: قالَ .. إلَخْ. والمَلَأُ عَلى ما قالَ الفَرّاءُ الجَماعَةُ مِنَ الرِّجالِ خاصَّةً وفَسَّرَهُ غَيْرُ واحِدٍ بِالأشْرافِ الَّذِينَ يَمْلَؤُونَ القُلُوبَ بِجَلالِهِمْ والأبْصارَ بِجِمالِهِمْ والمَجالِسَ بِأتْباعِهِمْ وقِيلَ: سُمُّوا مَلَأً لِأنَّهم مَلِيُّونَ قادِرُونَ عَلى ما يُرادُ مِنهم مِن كِفايَةِ الأُمُورِ ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ﴾ أيْ ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ ومَفْعُولاها الضَّمِيرُ والظَّرْفُ وقِيلَ: بَصَرِيَّةٌ فَيَكُونُ الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ ﴿مُبِينٍ﴾ (60) أيْ بَيِّنٍ كَوْنُهُ ضَلالًا ( قالَ ) اسْتِئْنافٌ عَلى طُرُزِ سابِقِهِ:

Al-A'raaf 7:60Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.