Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 51–60 of 206

51

ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًۭا وَلَعِبًۭا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَجْحَدُونَ

Who took their religion as distraction and amusement and whom the worldly life deluded." So today We will forget them just as they forgot the meeting of this Day of theirs and for having rejected Our verses.

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ الإفاضَةُ: التَّوْسِعَةُ، يُقالُ: أفاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، طَلَبُوا مِنهم أنْ يُواسُوهم بِشَيْءٍ مِنَ الماءِ أوْ بِشَيْءٍ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ أوِ الأطْعِمَةِ، فَأجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما﴾ أيِ الماءَ وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَلا نُواسِيكم بِشَيْءٍ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِن أهْلِ النّارِ كانَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِ الأعْرافِ الجَنَّةَ.

وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةُ الكافِرِينَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ اللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَرَرِ.

قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ . الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ نِسْيانًا كَنِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا.

قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا: أيْ كَما نَسُوا، وكَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ: أيْ يُنْكِرُونَها.

واللّامُ في ولَقَدْ جِئْناهم جَوابُ القَسَمِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا، وإنْ كانَ لِلْمُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فالمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والتَّفْصِيلُ التَّبْيِينُ، وعَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ عالِمِينَ حالَ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةً لَهم.

قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: ويَجُوزُ هُدًى ورَحْمَةٍ بِالخَفْضِ عَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ.

قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ بِالهَمْزِ مِن آلَ، وأهْلُ المَدِينَةِ يُخْفُونَ الهَمْزَةَ.

والنَّظَرُ الِانْتِظارُ: أيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا ما وُعِدُوا بِهِ في الكِتابِ مِنَ العِقابِ الَّذِي يَؤُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَأْوِيلُهُ جَزاؤُهُ، وقِيلَ: عاقِبَتُهُ والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

ويَوْمَ ظَرْفٌ لِيَقُولَ: أيْ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ أيْ تَرَكُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ تَأْوِيلُهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْنا ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ اسْتِفْهامٌ مِنهم، ومَعْناهُ التَّمَنِّي " ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ " مَنصُوبٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ.

قَوْلُهُ: ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أوْ هَلْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نُرَدُّ عَطْفٌ عَلى المَعْنى: أيْ هَلْ يَشْفَعُ لَنا أحَدٌ أوْ نُرَدُّ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ " أوْ نُرَدَّ فَنَعْمَلَ " بِنَصْبِهِما، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكًا أوْ نَمُوتُ فَنُعْذَرا

وقَرَأ الحَسَنُ بِرَفْعِهِما، ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَنا شُفَعاءُ يُخَلِّصُونا مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ صالِحًا غَيْرَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنَ المَعاصِي " قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم " أيْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها فَكانَتْ أنْفُسُهم بَلاءً عَلَيْهِمْ ومِحْنَةً لَهم فَكَأنَّهم خَسِرُوها كَما يَخْسَرُ التّاجِرُ رَأْسَ مالِهِ، وقِيلَ: خَسِرُوا النَّعِيمَ وحَظَّ الأنْفُسِ " وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ " أيِ افْتِراؤُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ.

والمَعْنى أنَّهُ بَطَلَ كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَهُ في الدُّنْيا أوْ غابَ عَنْهم ما كانُوا يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ فَلَمْ …

Al-A'raaf 7:51Listen in Qur'an →
52

وَلَقَدْ جِئْنَٰهُم بِكِتَٰبٍۢ فَصَّلْنَٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

And We had certainly brought them a Book which We detailed by knowledge - as guidance and mercy to a people who believe.

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ الإفاضَةُ: التَّوْسِعَةُ، يُقالُ: أفاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، طَلَبُوا مِنهم أنْ يُواسُوهم بِشَيْءٍ مِنَ الماءِ أوْ بِشَيْءٍ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ أوِ الأطْعِمَةِ، فَأجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما﴾ أيِ الماءَ وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَلا نُواسِيكم بِشَيْءٍ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِن أهْلِ النّارِ كانَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِ الأعْرافِ الجَنَّةَ.

وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةُ الكافِرِينَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ اللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَرَرِ.

قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ . الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ نِسْيانًا كَنِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا.

قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا: أيْ كَما نَسُوا، وكَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ: أيْ يُنْكِرُونَها.

واللّامُ في ولَقَدْ جِئْناهم جَوابُ القَسَمِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا، وإنْ كانَ لِلْمُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فالمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والتَّفْصِيلُ التَّبْيِينُ، وعَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ عالِمِينَ حالَ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةً لَهم.

قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: ويَجُوزُ هُدًى ورَحْمَةٍ بِالخَفْضِ عَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ.

قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ بِالهَمْزِ مِن آلَ، وأهْلُ المَدِينَةِ يُخْفُونَ الهَمْزَةَ.

والنَّظَرُ الِانْتِظارُ: أيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا ما وُعِدُوا بِهِ في الكِتابِ مِنَ العِقابِ الَّذِي يَؤُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَأْوِيلُهُ جَزاؤُهُ، وقِيلَ: عاقِبَتُهُ والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

ويَوْمَ ظَرْفٌ لِيَقُولَ: أيْ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ أيْ تَرَكُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ تَأْوِيلُهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْنا ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ اسْتِفْهامٌ مِنهم، ومَعْناهُ التَّمَنِّي " ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ " مَنصُوبٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ.

قَوْلُهُ: ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أوْ هَلْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نُرَدُّ عَطْفٌ عَلى المَعْنى: أيْ هَلْ يَشْفَعُ لَنا أحَدٌ أوْ نُرَدُّ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ " أوْ نُرَدَّ فَنَعْمَلَ " بِنَصْبِهِما، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكًا أوْ نَمُوتُ فَنُعْذَرا

وقَرَأ الحَسَنُ بِرَفْعِهِما، ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَنا شُفَعاءُ يُخَلِّصُونا مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ صالِحًا غَيْرَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنَ المَعاصِي " قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم " أيْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها فَكانَتْ أنْفُسُهم بَلاءً عَلَيْهِمْ ومِحْنَةً لَهم فَكَأنَّهم خَسِرُوها كَما يَخْسَرُ التّاجِرُ رَأْسَ مالِهِ، وقِيلَ: خَسِرُوا النَّعِيمَ وحَظَّ الأنْفُسِ " وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ " أيِ افْتِراؤُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ.

والمَعْنى أنَّهُ بَطَلَ كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَهُ في الدُّنْيا أوْ غابَ عَنْهم ما كانُوا يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ فَلَمْ …

Al-A'raaf 7:52Listen in Qur'an →
53

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

Do they await except its result? The Day its result comes those who had ignored it before will say, "The messengers of our Lord had come with the truth, so are there [now] any intercessors to intercede for us or could we be sent back to do other than we used to do?" They will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ الإفاضَةُ: التَّوْسِعَةُ، يُقالُ: أفاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، طَلَبُوا مِنهم أنْ يُواسُوهم بِشَيْءٍ مِنَ الماءِ أوْ بِشَيْءٍ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ أوِ الأطْعِمَةِ، فَأجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما﴾ أيِ الماءَ وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَلا نُواسِيكم بِشَيْءٍ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِن أهْلِ النّارِ كانَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِ الأعْرافِ الجَنَّةَ.

وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةُ الكافِرِينَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ اللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَرَرِ.

قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ . الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ نِسْيانًا كَنِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا.

قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا: أيْ كَما نَسُوا، وكَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ: أيْ يُنْكِرُونَها.

واللّامُ في ولَقَدْ جِئْناهم جَوابُ القَسَمِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا، وإنْ كانَ لِلْمُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فالمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والتَّفْصِيلُ التَّبْيِينُ، وعَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ عالِمِينَ حالَ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةً لَهم.

قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: ويَجُوزُ هُدًى ورَحْمَةٍ بِالخَفْضِ عَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ.

قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ بِالهَمْزِ مِن آلَ، وأهْلُ المَدِينَةِ يُخْفُونَ الهَمْزَةَ.

والنَّظَرُ الِانْتِظارُ: أيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا ما وُعِدُوا بِهِ في الكِتابِ مِنَ العِقابِ الَّذِي يَؤُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَأْوِيلُهُ جَزاؤُهُ، وقِيلَ: عاقِبَتُهُ والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

ويَوْمَ ظَرْفٌ لِيَقُولَ: أيْ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ أيْ تَرَكُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ تَأْوِيلُهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْنا ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ اسْتِفْهامٌ مِنهم، ومَعْناهُ التَّمَنِّي " ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ " مَنصُوبٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ.

قَوْلُهُ: ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أوْ هَلْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نُرَدُّ عَطْفٌ عَلى المَعْنى: أيْ هَلْ يَشْفَعُ لَنا أحَدٌ أوْ نُرَدُّ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ " أوْ نُرَدَّ فَنَعْمَلَ " بِنَصْبِهِما، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكًا أوْ نَمُوتُ فَنُعْذَرا

وقَرَأ الحَسَنُ بِرَفْعِهِما، ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَنا شُفَعاءُ يُخَلِّصُونا مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ صالِحًا غَيْرَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنَ المَعاصِي " قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم " أيْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها فَكانَتْ أنْفُسُهم بَلاءً عَلَيْهِمْ ومِحْنَةً لَهم فَكَأنَّهم خَسِرُوها كَما يَخْسَرُ التّاجِرُ رَأْسَ مالِهِ، وقِيلَ: خَسِرُوا النَّعِيمَ وحَظَّ الأنْفُسِ " وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ " أيِ افْتِراؤُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ.

والمَعْنى أنَّهُ بَطَلَ كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَهُ في الدُّنْيا أوْ غابَ عَنْهم ما كانُوا يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ فَلَمْ …

Al-A'raaf 7:53Listen in Qur'an →
54

إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًۭا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne. He covers the night with the day, [another night] chasing it rapidly; and [He created] the sun, the moon, and the stars, subjected by His command. Unquestionably, His is the creation and the command; blessed is Allah, Lord of the worlds.

قَوْلُهُ: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ الإفاضَةُ: التَّوْسِعَةُ، يُقالُ: أفاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ، طَلَبُوا مِنهم أنْ يُواسُوهم بِشَيْءٍ مِنَ الماءِ أوْ بِشَيْءٍ مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأشْرِبَةِ أوِ الأطْعِمَةِ، فَأجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما﴾ أيِ الماءَ وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ عَلى الكافِرِينَ فَلا نُواسِيكم بِشَيْءٍ مِمّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْكم، وقِيلَ: إنَّ هَذا النِّداءَ مِن أهْلِ النّارِ كانَ بَعْدَ دُخُولِ أهْلِ الأعْرافِ الجَنَّةَ.

وجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةُ الكافِرِينَ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ اللَّهْوِ واللَّعِبِ والغَرَرِ.

قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ . الكافُ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ: أيْ نِسْيانًا كَنِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا.

قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما نَسُوا: أيْ كَما نَسُوا، وكَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ: أيْ يُنْكِرُونَها.

واللّامُ في ولَقَدْ جِئْناهم جَوابُ القَسَمِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ، إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا، وإنْ كانَ لِلْمُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، فالمُرادُ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والتَّفْصِيلُ التَّبْيِينُ، وعَلى عِلْمٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ عالِمِينَ حالَ كَوْنِهِ هُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةً لَهم.

قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: ويَجُوزُ هُدًى ورَحْمَةٍ بِالخَفْضِ عَلى النَّعْتِ لِكِتابٍ.

قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ﴾ بِالهَمْزِ مِن آلَ، وأهْلُ المَدِينَةِ يُخْفُونَ الهَمْزَةَ.

والنَّظَرُ الِانْتِظارُ: أيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا ما وُعِدُوا بِهِ في الكِتابِ مِنَ العِقابِ الَّذِي يَؤُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، وقِيلَ: تَأْوِيلُهُ جَزاؤُهُ، وقِيلَ: عاقِبَتُهُ والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

ويَوْمَ ظَرْفٌ لِيَقُولَ: أيْ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ أيْ تَرَكُوهُ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ تَأْوِيلُهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ الَّذِي أرْسَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ إلَيْنا ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ﴾ اسْتِفْهامٌ مِنهم، ومَعْناهُ التَّمَنِّي " ﴿فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ " مَنصُوبٌ لِكَوْنِهِ جَوابًا لِلِاسْتِفْهامِ.

قَوْلُهُ: ﴿أوْ نُرَدُّ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَعْنى أوْ هَلْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: نُرَدُّ عَطْفٌ عَلى المَعْنى: أيْ هَلْ يَشْفَعُ لَنا أحَدٌ أوْ نُرَدُّ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ " أوْ نُرَدَّ فَنَعْمَلَ " بِنَصْبِهِما، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكًا أوْ نَمُوتُ فَنُعْذَرا

وقَرَأ الحَسَنُ بِرَفْعِهِما، ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَنا شُفَعاءُ يُخَلِّصُونا مِمّا نَحْنُ فِيهِ مِنَ العَذابِ، أوْ هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا فَنَعْمَلَ صالِحًا غَيْرَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِنَ المَعاصِي " قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهم " أيْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها فَكانَتْ أنْفُسُهم بَلاءً عَلَيْهِمْ ومِحْنَةً لَهم فَكَأنَّهم خَسِرُوها كَما يَخْسَرُ التّاجِرُ رَأْسَ مالِهِ، وقِيلَ: خَسِرُوا النَّعِيمَ وحَظَّ الأنْفُسِ " وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ " أيِ افْتِراؤُهم أوِ الَّذِي كانُوا يَفْتَرُونَهُ.

والمَعْنى أنَّهُ بَطَلَ كَذِبُهُمُ الَّذِي كانُوا يَقُولُونَهُ في الدُّنْيا أوْ غابَ عَنْهم ما كانُوا يَجْعَلُونَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ فَلَمْ …

Al-A'raaf 7:54Listen in Qur'an →
55

ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًۭا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

Call upon your Lord in humility and privately; indeed, He does not like transgressors.

أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الدّاعِي مُتَضَرِّعًا بِدُعائِهِ مُخْفِيًا لَهُ، وانْتِصابُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً عَلى الحالِ: أيْ مُتَضَرِّعِينَ بِالدُّعاءِ مُخْفِينَ لَهُ، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيِ ادْعُوهُ دُعاءَ تَضَرُّعٍ ودُعاءَ خُفْيَةٍ.

والتَّضَرُّعُ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ والخُشُوعُ والِاسْتِكانَةُ، والخُفْيَةُ: الإسْرارُ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِعِرْقِ الرِّياءِ، وأحْسَمُ لِبابِ ما يُخالِفُ الإخْلاصَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ أيِ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في الدُّعاءِ وفي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَن جاوَزَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقَدِ اعْتَدى، واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، وتَدْخُلُ المُجاوَزَةُ في الدُّعاءِ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

ومِنَ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ: أنْ يَسْألَ الدّاعِي ما لَيْسَ لَهُ كالخُلُودِ في الدُّنْيا، أوْ إدْراكِ ما هو مُحالٌ في نَفْسِهِ، أوْ بِطَلَبِ الوُصُولِ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ في الآخِرَةِ أوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالدُّعاءِ صارِخًا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ومِنهُ قَتْلُ النّاسِ وتَخْرِيبُ مَنازِلِهِمْ وقَطْعُ أشْجارِهِمْ وتَغْوِيرُ أنْهارِهِمْ.

ومِنَ الفَسادِ في الأرْضِ الكُفْرُ بِاللَّهِ والوُقُوعُ في مَعاصِيهِ، ومَعْنى بَعْدَ إصْلاحِها: بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وتَقْرِيرِ الشَّرائِعِ.

قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إعْرابُهُما يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في تَضَرُّعًا وخُفْيَةً وفِيهِ أنَّهُ يُشْرَعُ لِلدّاعِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ دُعائِهِ خائِفًا وجِلًا طامِعًا في إجابَةِ اللَّهِ لِدُعائِهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ عِنْدَ الدُّعاءِ جامِعًا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ.

والخَوْفُ: الِانْزِعاجُ مِنَ المَضارِّ الَّتِي لا يُؤْمَنُ مِن وُقُوعِها، والطَّمَعُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ الأُمُورِ المَحْبُوبَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبَةٌ مِن عِبادِهِ المُحْسِنِينَ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ كانَ إحْسانُهم، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِلْعِبادِ إلى الخَيْرِ وتَنْشِيطٌ لَهم، فَإنَّ قُرْبَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفَوْزُ بِكُلِّ مَطْلَبٍ مَقْصُودٌ لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ والإعْرابِ في وجْهِ تَذْكِيرِ خَبَرِ " رَحْمَةَ اللَّهِ " حَيْثُ قالَ: قَرِيبٌ ولَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ، فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّحْمَةَ مُؤَوَّلَةٌ بِالرَّحِمِ لِكَوْنِها بِمَعْنى العَفْوِ والغُفْرانِ، ورَجَّحَ هَذا التَّأْوِيلَ النَّحّاسُ.

وقالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّرَحُّمِ، وحَقُّ المَصْدَرِ التَّذْكِيرُ.

وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ: أرادَ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرَ، وتَذْكِيرُ بَعْضِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأنْشَدَ:

؎فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالُها

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَذْكِيرُ " قَرِيبٌ " عَلى تَذْكِيرِ المَكانِ: أيْ مَكانٌ قَرِيبٌ.

قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: وهَذا خَطَّأٌ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ قَرِيبٌ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ القَرِيبَ إذا كانَ بِمَعْنى المَسافَةِ فَيُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإنْ …

Al-A'raaf 7:55Listen in Qur'an →
56

وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًۭا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ

And cause not corruption upon the earth after its reformation. And invoke Him in fear and aspiration. Indeed, the mercy of Allah is near to the doers of good.

أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الدّاعِي مُتَضَرِّعًا بِدُعائِهِ مُخْفِيًا لَهُ، وانْتِصابُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً عَلى الحالِ: أيْ مُتَضَرِّعِينَ بِالدُّعاءِ مُخْفِينَ لَهُ، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيِ ادْعُوهُ دُعاءَ تَضَرُّعٍ ودُعاءَ خُفْيَةٍ.

والتَّضَرُّعُ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ والخُشُوعُ والِاسْتِكانَةُ، والخُفْيَةُ: الإسْرارُ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِعِرْقِ الرِّياءِ، وأحْسَمُ لِبابِ ما يُخالِفُ الإخْلاصَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ أيِ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في الدُّعاءِ وفي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَن جاوَزَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقَدِ اعْتَدى، واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، وتَدْخُلُ المُجاوَزَةُ في الدُّعاءِ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

ومِنَ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ: أنْ يَسْألَ الدّاعِي ما لَيْسَ لَهُ كالخُلُودِ في الدُّنْيا، أوْ إدْراكِ ما هو مُحالٌ في نَفْسِهِ، أوْ بِطَلَبِ الوُصُولِ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ في الآخِرَةِ أوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالدُّعاءِ صارِخًا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ومِنهُ قَتْلُ النّاسِ وتَخْرِيبُ مَنازِلِهِمْ وقَطْعُ أشْجارِهِمْ وتَغْوِيرُ أنْهارِهِمْ.

ومِنَ الفَسادِ في الأرْضِ الكُفْرُ بِاللَّهِ والوُقُوعُ في مَعاصِيهِ، ومَعْنى بَعْدَ إصْلاحِها: بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وتَقْرِيرِ الشَّرائِعِ.

قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إعْرابُهُما يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في تَضَرُّعًا وخُفْيَةً وفِيهِ أنَّهُ يُشْرَعُ لِلدّاعِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ دُعائِهِ خائِفًا وجِلًا طامِعًا في إجابَةِ اللَّهِ لِدُعائِهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ عِنْدَ الدُّعاءِ جامِعًا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ.

والخَوْفُ: الِانْزِعاجُ مِنَ المَضارِّ الَّتِي لا يُؤْمَنُ مِن وُقُوعِها، والطَّمَعُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ الأُمُورِ المَحْبُوبَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبَةٌ مِن عِبادِهِ المُحْسِنِينَ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ كانَ إحْسانُهم، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِلْعِبادِ إلى الخَيْرِ وتَنْشِيطٌ لَهم، فَإنَّ قُرْبَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفَوْزُ بِكُلِّ مَطْلَبٍ مَقْصُودٌ لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ والإعْرابِ في وجْهِ تَذْكِيرِ خَبَرِ " رَحْمَةَ اللَّهِ " حَيْثُ قالَ: قَرِيبٌ ولَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ، فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّحْمَةَ مُؤَوَّلَةٌ بِالرَّحِمِ لِكَوْنِها بِمَعْنى العَفْوِ والغُفْرانِ، ورَجَّحَ هَذا التَّأْوِيلَ النَّحّاسُ.

وقالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّرَحُّمِ، وحَقُّ المَصْدَرِ التَّذْكِيرُ.

وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ: أرادَ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرَ، وتَذْكِيرُ بَعْضِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأنْشَدَ:

؎فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالُها

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَذْكِيرُ " قَرِيبٌ " عَلى تَذْكِيرِ المَكانِ: أيْ مَكانٌ قَرِيبٌ.

قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: وهَذا خَطَّأٌ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ قَرِيبٌ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ القَرِيبَ إذا كانَ بِمَعْنى المَسافَةِ فَيُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإنْ …

Al-A'raaf 7:56Listen in Qur'an →
57

وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًۭا ثِقَالًۭا سُقْنَٰهُ لِبَلَدٍۢ مَّيِّتٍۢ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy until, when they have carried heavy rainclouds, We drive them to a dead land and We send down rain therein and bring forth thereby [some] of all the fruits. Thus will We bring forth the dead; perhaps you may be reminded.

أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الدّاعِي مُتَضَرِّعًا بِدُعائِهِ مُخْفِيًا لَهُ، وانْتِصابُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً عَلى الحالِ: أيْ مُتَضَرِّعِينَ بِالدُّعاءِ مُخْفِينَ لَهُ، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيِ ادْعُوهُ دُعاءَ تَضَرُّعٍ ودُعاءَ خُفْيَةٍ.

والتَّضَرُّعُ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ والخُشُوعُ والِاسْتِكانَةُ، والخُفْيَةُ: الإسْرارُ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِعِرْقِ الرِّياءِ، وأحْسَمُ لِبابِ ما يُخالِفُ الإخْلاصَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ أيِ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في الدُّعاءِ وفي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَن جاوَزَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقَدِ اعْتَدى، واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، وتَدْخُلُ المُجاوَزَةُ في الدُّعاءِ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

ومِنَ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ: أنْ يَسْألَ الدّاعِي ما لَيْسَ لَهُ كالخُلُودِ في الدُّنْيا، أوْ إدْراكِ ما هو مُحالٌ في نَفْسِهِ، أوْ بِطَلَبِ الوُصُولِ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ في الآخِرَةِ أوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالدُّعاءِ صارِخًا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ومِنهُ قَتْلُ النّاسِ وتَخْرِيبُ مَنازِلِهِمْ وقَطْعُ أشْجارِهِمْ وتَغْوِيرُ أنْهارِهِمْ.

ومِنَ الفَسادِ في الأرْضِ الكُفْرُ بِاللَّهِ والوُقُوعُ في مَعاصِيهِ، ومَعْنى بَعْدَ إصْلاحِها: بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وتَقْرِيرِ الشَّرائِعِ.

قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إعْرابُهُما يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في تَضَرُّعًا وخُفْيَةً وفِيهِ أنَّهُ يُشْرَعُ لِلدّاعِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ دُعائِهِ خائِفًا وجِلًا طامِعًا في إجابَةِ اللَّهِ لِدُعائِهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ عِنْدَ الدُّعاءِ جامِعًا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ.

والخَوْفُ: الِانْزِعاجُ مِنَ المَضارِّ الَّتِي لا يُؤْمَنُ مِن وُقُوعِها، والطَّمَعُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ الأُمُورِ المَحْبُوبَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبَةٌ مِن عِبادِهِ المُحْسِنِينَ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ كانَ إحْسانُهم، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِلْعِبادِ إلى الخَيْرِ وتَنْشِيطٌ لَهم، فَإنَّ قُرْبَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفَوْزُ بِكُلِّ مَطْلَبٍ مَقْصُودٌ لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ والإعْرابِ في وجْهِ تَذْكِيرِ خَبَرِ " رَحْمَةَ اللَّهِ " حَيْثُ قالَ: قَرِيبٌ ولَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ، فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّحْمَةَ مُؤَوَّلَةٌ بِالرَّحِمِ لِكَوْنِها بِمَعْنى العَفْوِ والغُفْرانِ، ورَجَّحَ هَذا التَّأْوِيلَ النَّحّاسُ.

وقالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّرَحُّمِ، وحَقُّ المَصْدَرِ التَّذْكِيرُ.

وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ: أرادَ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرَ، وتَذْكِيرُ بَعْضِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأنْشَدَ:

؎فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالُها

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَذْكِيرُ " قَرِيبٌ " عَلى تَذْكِيرِ المَكانِ: أيْ مَكانٌ قَرِيبٌ.

قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: وهَذا خَطَّأٌ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ قَرِيبٌ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ القَرِيبَ إذا كانَ بِمَعْنى المَسافَةِ فَيُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإنْ …

Al-A'raaf 7:57Listen in Qur'an →
58

وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًۭا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَشْكُرُونَ

And the good land - its vegetation emerges by permission of its Lord; but that which is bad - nothing emerges except sparsely, with difficulty. Thus do We diversify the signs for a people who are grateful.

أمَرَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالدُّعاءِ، وقَيَّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِ الدّاعِي مُتَضَرِّعًا بِدُعائِهِ مُخْفِيًا لَهُ، وانْتِصابُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً عَلى الحالِ: أيْ مُتَضَرِّعِينَ بِالدُّعاءِ مُخْفِينَ لَهُ، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيِ ادْعُوهُ دُعاءَ تَضَرُّعٍ ودُعاءَ خُفْيَةٍ.

والتَّضَرُّعُ مِنَ الضَّراعَةِ، وهي الذِّلَّةُ والخُشُوعُ والِاسْتِكانَةُ، والخُفْيَةُ: الإسْرارُ بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِعِرْقِ الرِّياءِ، وأحْسَمُ لِبابِ ما يُخالِفُ الإخْلاصَ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ أيِ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في الدُّعاءِ وفي كُلِّ شَيْءٍ، فَمَن جاوَزَ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقَدِ اعْتَدى، واللَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ، وتَدْخُلُ المُجاوَزَةُ في الدُّعاءِ في هَذا العُمُومِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

ومِنَ الِاعْتِداءِ في الدُّعاءِ: أنْ يَسْألَ الدّاعِي ما لَيْسَ لَهُ كالخُلُودِ في الدُّنْيا، أوْ إدْراكِ ما هو مُحالٌ في نَفْسِهِ، أوْ بِطَلَبِ الوُصُولِ إلى مَنازِلِ الأنْبِياءِ في الآخِرَةِ أوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالدُّعاءِ صارِخًا بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾ نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، ومِنهُ قَتْلُ النّاسِ وتَخْرِيبُ مَنازِلِهِمْ وقَطْعُ أشْجارِهِمْ وتَغْوِيرُ أنْهارِهِمْ.

ومِنَ الفَسادِ في الأرْضِ الكُفْرُ بِاللَّهِ والوُقُوعُ في مَعاصِيهِ، ومَعْنى بَعْدَ إصْلاحِها: بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وتَقْرِيرِ الشَّرائِعِ.

قَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ إعْرابُهُما يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في تَضَرُّعًا وخُفْيَةً وفِيهِ أنَّهُ يُشْرَعُ لِلدّاعِي أنْ يَكُونَ عِنْدَ دُعائِهِ خائِفًا وجِلًا طامِعًا في إجابَةِ اللَّهِ لِدُعائِهِ، فَإنَّهُ إذا كانَ عِنْدَ الدُّعاءِ جامِعًا بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ ظَفِرَ بِمَطْلُوبِهِ.

والخَوْفُ: الِانْزِعاجُ مِنَ المَضارِّ الَّتِي لا يُؤْمَنُ مِن وُقُوعِها، والطَّمَعُ: تَوَقُّعُ حُصُولِ الأُمُورِ المَحْبُوبَةِ.

قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِأنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبَةٌ مِن عِبادِهِ المُحْسِنِينَ بِأيِّ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ كانَ إحْسانُهم، وفي هَذا تَرْغِيبٌ لِلْعِبادِ إلى الخَيْرِ وتَنْشِيطٌ لَهم، فَإنَّ قُرْبَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الفَوْزُ بِكُلِّ مَطْلَبٍ مَقْصُودٌ لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ والإعْرابِ في وجْهِ تَذْكِيرِ خَبَرِ " رَحْمَةَ اللَّهِ " حَيْثُ قالَ: قَرِيبٌ ولَمْ يَقُلْ قَرِيبَةٌ، فَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الرَّحْمَةَ مُؤَوَّلَةٌ بِالرَّحِمِ لِكَوْنِها بِمَعْنى العَفْوِ والغُفْرانِ، ورَجَّحَ هَذا التَّأْوِيلَ النَّحّاسُ.

وقالَ النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: الرَّحْمَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّرَحُّمِ، وحَقُّ المَصْدَرِ التَّذْكِيرُ.

وقالَ الأخْفَشُ سَعِيدٌ: أرادَ بِالرَّحْمَةِ هُنا المَطَرَ، وتَذْكِيرُ بَعْضِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأنْشَدَ:

؎فَلا مُزْنَةَ ودَقَتْ ودْقَها ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالُها

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: تَذْكِيرُ " قَرِيبٌ " عَلى تَذْكِيرِ المَكانِ: أيْ مَكانٌ قَرِيبٌ.

قالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ الأخْفَشُ: وهَذا خَطَّأٌ، ولَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَ قَرِيبٌ مَنصُوبًا كَما تَقُولُ: إنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنكَ.

وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ القَرِيبَ إذا كانَ بِمَعْنى المَسافَةِ فَيُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وإنْ …

Al-A'raaf 7:58Listen in Qur'an →
59

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allah; you have no deity other than Him. Indeed, I fear for you the punishment of a tremendous Day.

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَمالَ قُدْرَتِهِ وبَدِيعَ صَنْعَتهِ في الآياتِ السّابِقَةِ ذَكَرَ هُنا أقاصِيصَ الأُمَمِ وما فِيها مِن تَحْذِيرِ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ، لِتَنْبِيهِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى الصَّوابِ، وأنْ لا يَقْتَدُوا بِمَن خالَفَ الحَقَّ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

وهُوَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ بَعْدَ آدَمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ في آلِ عِمْرانَ فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ هُنا، وما قِيلَ: مِن أنَّ إدْرِيسَ قَبْلَ نُوحٍ، فَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّهُ وهْمٌ.

قالَ المازِرِيُّ: فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ كانَ مَحْمُولًا عَلى أنَّ إدْرِيسَ كانَ نَبِيًّا غَيْرَ مُرْسَلٍ، وجُمْلَةُ فَقالَ ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ العِلَّةِ لِقَوْلِهِ: اعْبُدُوا أيِ اعْبُدُوهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ حَتّى يَسْتَحِقَّ مِنكم أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا.

قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ غَيْرِهِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِإلَهٍ عَلى المَوْضِعِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالخَفْضِ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ عَلى اللَّفْظِ.

وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ: يَعْنِي ما لَكم مِن إلَهٍ إلّا إيّاهُ.

وقالَ أبُو عَمْرٍو: ما أعْرِفُ الجَرَّ ولا النَّصْبَ، ويَرُدُّهُ أنَّ بَعْضَ بَنِي أسَدٍ يَنْصِبُونَ غَيْرَ في جَمِيعِ الأحْوالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أرْقالِ

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ: أيْ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ عَذابَ يَوْمِ الطُّوفانِ.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والمَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ ورُؤَساؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الرِّجالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في البَقَرَةِ، والضَّلالُ: العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والذَّهابُ عَنْهُ: أيْ إنّا لَنَراكَ في دُعائِكَ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ اسْتِئْنافِيَّةٌ أيْضًا جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ كَما تَزْعُمُونَ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾: أرْسَلَنِي إلَيْكم لِسَوْقِ الخَيْرِ إلَيْكم ودَفْعِ الشَّرِّ عَنْكم، نَفى عَنْ نَفْسِهِ الضَّلالَةَ، وأثْبَتَ لَها ما هو أعْلى مَنصِبًا وأشْرَفُ رِفْعَةً وهو أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِ الرَّسُولِ.

والرِّسالاتُ: ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ مِمّا أوْحاهُ إلَيْهِ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أُبَلِّغُكم يُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ، وفي زِيادَةِ اللّامِ دَلالَةٌ عَلى المُبالَغَةِ في إمْحاضِ النُّصْحِ.

وقالَ الأصْمَعِيُّ: النّاصِحُ: الخالِصُ مِنَ الغِلِّ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ، فَمَعْنى أنْصَحُ هُنا: أُخْلِصُ النِّيَّةَ لَكم عَنْ شَوائِبِ الفَسادِ، والِاسْمُ النَّصِيحَةُ وجُمْلَةُ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِرِسالَتِهِ ومُبَيِّنَةٌ لِمَزِيدِ عِلْمِهِ، وأنَّهُ يَخْتَصُّ بِعِلْمِ الأشْياءِ الَّتِي لا يَعْلَمُونَها بِإخْبارِ …

Al-A'raaf 7:59Listen in Qur'an →
60

قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

Said the eminent among his people, "Indeed, we see you in clear error."

لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ كَمالَ قُدْرَتِهِ وبَدِيعَ صَنْعَتهِ في الآياتِ السّابِقَةِ ذَكَرَ هُنا أقاصِيصَ الأُمَمِ وما فِيها مِن تَحْذِيرِ الكُفّارِ ووَعِيدِهِمْ، لِتَنْبِيهِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى الصَّوابِ، وأنْ لا يَقْتَدُوا بِمَن خالَفَ الحَقَّ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ.

واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ.

وهُوَ أوَّلُ الرُّسُلِ إلى أهْلِ الأرْضِ بَعْدَ آدَمَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نُوحٍ في آلِ عِمْرانَ فَأغْنى عَنِ الإعادَةِ هُنا، وما قِيلَ: مِن أنَّ إدْرِيسَ قَبْلَ نُوحٍ، فَقالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّهُ وهْمٌ.

قالَ المازِرِيُّ: فَإنْ صَحَّ ما ذَكَرَهُ المُؤَرِّخُونَ كانَ مَحْمُولًا عَلى أنَّ إدْرِيسَ كانَ نَبِيًّا غَيْرَ مُرْسَلٍ، وجُمْلَةُ فَقالَ ﴿ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ.

قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ العِلَّةِ لِقَوْلِهِ: اعْبُدُوا أيِ اعْبُدُوهُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ حَتّى يَسْتَحِقَّ مِنكم أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا.

قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وحَمْزَةُ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِرَفْعِ غَيْرِهِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِإلَهٍ عَلى المَوْضِعِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالخَفْضِ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ عَلى اللَّفْظِ.

وأجازَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ: يَعْنِي ما لَكم مِن إلَهٍ إلّا إيّاهُ.

وقالَ أبُو عَمْرٍو: ما أعْرِفُ الجَرَّ ولا النَّصْبَ، ويَرُدُّهُ أنَّ بَعْضَ بَنِي أسَدٍ يَنْصِبُونَ غَيْرَ في جَمِيعِ الأحْوالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أرْقالِ

وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ: أيْ إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ فَإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ عَذابَ يَوْمِ الطُّوفانِ.

قَوْلُهُ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِهِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِئْنافِيَّةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والمَلَأُ أشْرافُ القَوْمِ ورُؤَساؤُهم، وقِيلَ: هُمُ الرِّجالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في البَقَرَةِ، والضَّلالُ: العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والذَّهابُ عَنْهُ: أيْ إنّا لَنَراكَ في دُعائِكَ إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ في ضَلالٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ اسْتِئْنافِيَّةٌ أيْضًا جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ كَما تَزْعُمُونَ ﴿ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾: أرْسَلَنِي إلَيْكم لِسَوْقِ الخَيْرِ إلَيْكم ودَفْعِ الشَّرِّ عَنْكم، نَفى عَنْ نَفْسِهِ الضَّلالَةَ، وأثْبَتَ لَها ما هو أعْلى مَنصِبًا وأشْرَفُ رِفْعَةً وهو أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلَيْهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ هي مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِحالِ الرَّسُولِ.

والرِّسالاتُ: ما أرْسَلَهُ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ مِمّا أوْحاهُ إلَيْهِ ﴿وأنْصَحُ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى أُبَلِّغُكم يُقالُ: نَصَحْتُهُ ونَصَحْتُ لَهُ، وفي زِيادَةِ اللّامِ دَلالَةٌ عَلى المُبالَغَةِ في إمْحاضِ النُّصْحِ.

وقالَ الأصْمَعِيُّ: النّاصِحُ: الخالِصُ مِنَ الغِلِّ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ، فَمَعْنى أنْصَحُ هُنا: أُخْلِصُ النِّيَّةَ لَكم عَنْ شَوائِبِ الفَسادِ، والِاسْمُ النَّصِيحَةُ وجُمْلَةُ ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِرِسالَتِهِ ومُبَيِّنَةٌ لِمَزِيدِ عِلْمِهِ، وأنَّهُ يَخْتَصُّ بِعِلْمِ الأشْياءِ الَّتِي لا يَعْلَمُونَها بِإخْبارِ …

Al-A'raaf 7:60Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.