Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 31–40 of 206

31

۞ يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ

O children of Adam, take your adornment at every masjid, and eat and drink, but be not excessive. Indeed, He likes not those who commit excess.

﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أيْ ثِيابَكم لِمُواراةِ عَوْراتِكم لِأنَّ المُسْتَفادَ مِنَ الأمْرِ الوُجُوبُ والواجِبَ إنَّما هو سَتْرُ العَوْرَةِ ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أيْ طَوافٍ أوْ صَلاةٍ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ وأبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُما وسَبَبُ النُّزُولِ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ كانَ أُناسٌ مِنَ الأعْرابِ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً حَتّى أنْ كانَتِ المَرْأةُ لَتَطُوفُ بِالبَيْتِ وهي عُرْيانَةٌ فَتُعَلِّقُ عَلى سُفْلِها سُيُورًا مِثْلَ هَذِهِ السُّيُورِ الَّتِي تَكُونُ عَلى وجْهِ الحُمُرِ مِنَ الذُّبابِ وهي تَقُولُ.

اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ

فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الزِّينَةَ عَلى لِباسِ التَّجَمُّلِ لِأنَّهُ المُتَبادَرُ مِنهُ ونُسِبَ لِلْباقِرِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ كانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ لَبِسَ أجْوَدَ ثِيابِهِ فَقِيلَ لَهُ: يا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَ تَلْبَسُ أجْوَدَ ثِيابِكَ فَقالَ إنَّ اللَّهَ تَعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ فَأتَجَمَّلُ لِرَبِّي وهو يَقُولُ ﴿خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ فَأُحِبُّ أنْ ألْبَسَ أجْمَلَ ثِيابِي ولا يَخْفى أنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ لا يُحْمَلُ عَلى الوُجُوبِ لِظُهُورِ أنَّ هَذا التَّزْيِينَ مَسْنُونٌ لا واجِبَ وقِيلَ إنَّ الآيَةَ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ تُشِيرُ إلى سُنِّيَّةِ التَّجَمُّلِ لِأنَّها لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ أخْذِ الزِّينَةِ لِسَتْرِ العَوْرَةِ عِنْدَ ذَلِكَ فُهِمَ مِنهُ في الجُمْلَةِ حُسْنُ التَّزْيِينِ بِلُبْسِ ما فِيهِ حُسْنٌ وجَمالٌ عِنْدَهُ ونُسِبَ بَيْتُ الكَذِبِ إلى الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ أخْذَ الزِّينَةِ التَّمْشِيطُ كَأنَّهُ قِيلَ تَمَشَّطُوا عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ولَعَلَّ ذَلِكَ مِن بابِ الِاقْتِصارِ عَلى بَعْضِ الزِّينَةِ ولَيْسَ المَقْصُودُ حَصْرَها فِيما ذُكِرَ ومِثْلُ

صفحة 110

ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عُدَيٍّ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «خُذُوا زِينَةَ الصَّلاةِ قالُوا وما زِينَةُ الصَّلاةِ قالَ البَسُوا نِعالَكم فَصَلُّوا فِيها» .

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ وغَيْرُهُ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ .. إلَخْ. صَلُّوا في نِعالِكم وكُلُوا واشْرَبُوا مِمّا طابَ لَكم» قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يَأْكُلُونَ مِنَ الطَّعامِ إلّا قُوتًا ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا في أيّامِ حَجِّهِمْ فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ أحَقُّ بِذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ ومِنهُ يَظْهَرُ وجْهُ ذِكْرِ الأكْلِ والشُّرْبِ هُنا ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ كَما هو المُناسِبُ لِسَبَبِ النُّزُولِ أوْ بِالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أوْ بِالإفْراطِ في الطَّعامِ والشَّرَهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: إيّاكم والبِطْنَةَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ فَإنَّها مَفْسَدَةٌ لِلْجَسَدِ مُورِثَةٌ لِلسَّقَمِ مَكْسَلَةٌ لِلصَّلاةِ وعَلَيْكم بِالقَصْدِ فِيهِما فَإنَّهُ أصْلَحُ لِلْجَسَدِ وأبْعَدُ مِنَ السَّرَفِ وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَيَبْغَضُ الحَبْرَ السَّمِينَ وإنَّ الرَّجُلَ لَنْ يَهْلَكَ حَتّى يُؤْثِرَ شَهْوَتَهُ عَلى دِينِهِ.

وقِيلَ المُرادُ الإسْرافُ ومُجاوَزَةُ …

Al-A'raaf 7:31Listen in Qur'an →
32

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةًۭ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

Say, "Who has forbidden the adornment of Allah which He has produced for His servants and the good [lawful] things of provision?" Say, "They are for those who believe during the worldly life [but] exclusively for them on the Day of Resurrection." Thus do We detail the verses for a people who know.

﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ .

ورُوِيَ أنَّ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أُصِيبَ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ خَزٌّ وأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما لَمّا بَعَثَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ إلى الخَوارِجِ لَبِسَ أفْضَلَ ثِيابِهِ وتَطَيَّبَ بِأطْيَبِ طِيبِهِ ورَكِبَ أحْسَنَ مَراكِبِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَوافَقَهم فَقالُوا: يا ابْنَ عَبّاسٍ بَيْنا أنْتَ خَيْرُ النّاسِ إذْ أتَيْتَنا في لِباسِ الجَبابِرَةِ ومَراكِبِهِمْ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ لَكِنْ رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: لَمْ يَأْمُرْكم سُبْحانَهُ بِالحَرِيرِ ولا الدِّيباجِ ولَكِنَّهُ كانَ إذا طافَ أحَدُهم وعَلَيْهِ ثِيابُهُ ضُرِبَ وانْتُزِعَتْ مِنهُ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ والحَقُّ أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى حُرْمَتِهِ داخِلٌ في هَذِهِ الزِّينَةِ لا تَوَقُّفَ في اسْتِعْمالِهِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَحْوَ مَخِيلَةٍ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما تَقَدَّمَ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ خَرَجَ وعَلَيْهِ رِداءٌ قِيمَتُهُ ألْفُ دِرْهَمٍ وكانَ أبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَرْتَدِي بِرِداءٍ قِيمَتُهُ أرْبَعُمِائَةِ دِينارٍ وكانَ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِذَلِكَ وكانَ مُحَمَّدٌ يَلْبَسُ الثِّيابَ النَّفِيسَةَ ويَقُولُ: إنَّ لِي نِساءً وجِوارِيَ فَأُزَيِّنُ نَفْسِي كَيْ لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِي وقَدْ نَصَّ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «إنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ أحَبَّ أنْ يَرى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» وقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: ألَيْسَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَلْبَسُ قَمِيصًا عَلَيْهِ كَذا رُقْعَةٍ فَقالَ: فَعَلَ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ هي أنَّهُ كانَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ وعُمّالُهُ يَقْتَدُونَ بِهِ ورُبَّما لا يَكُونُ لَهم مالٌ فَيَأْخُذُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَعَمْ كَرِهَ بَعْضُ الأئِمَّةِ لُبْسَ المُعَصْفَرِ والمُزَعْفَرِ وكَرِهُوا أيْضًا أشْياءَ أُخَرَ تُطْلَبُ مِن مِحالِّها.

﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ هي لَهم بِالأصالَةِ لِمَزِيدِ كَرامَتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى والكَفَرَةُ

صفحة 112

وإنْ شارَكُوهم فِيها فَبِالتَّبَعِ فَلا إشْكالَ في الِاخْتِصاصِ المُسْتَفادِ مِنَ اللّامِ ﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم وعَنِ الجُبّائِيِّ أنَّ المَعْنى هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا غَيْرَ خالِصَةٍ مِنَ الهُمُومِ والأحْزانِ والمَشَقَّةِ وهي خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ مِن ذَلِكَ وانْتِصابُ ( خالِصَةً ) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الجارِّ والمَجْرُورِ والعامِلَ فِيهِ مُتَعَلِّقُهُ وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ هو الخَبَرُ و﴿لِلَّذِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ لِتَأْكِيدِ الخُلُوصِ والِاخْتِصاصِ ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ أيْ مِثْلُ تَفْصِيلِنا هَذا الحُكْمَ نُفَصِّلُ سائِرَ الأحْكامِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (32) ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَعانِي الرّائِقَةِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ ونَظائِرُهُ مِمّا تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.

Al-A'raaf 7:32Listen in Qur'an →
33

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَٰنًۭا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

Say, "My Lord has only forbidden immoralities - what is apparent of them and what is concealed - and sin, and oppression without right, and that you associate with Allah that for which He has not sent down authority, and that you say about Allah that which you do not know."

﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾ أيْ ما تَزايَدَ قُبْحُهُ مِنَ المَعاصِي وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ بِالفُرُوجِ ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ ﴿الفَواحِشَ﴾ أيْ جَهْرُها وسِرُّها وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ما ظَهَرَ الزِّنا عَلانِيَةً وما بَطَنَ الزِّنا سِرًّا وقَدْ كانُوا يَكْرَهُونَ الأوَّلَ ويَفْعَلُونَ الثّانِيَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا.

وعَنْ مُجاهِدٍ ما ظَهَرَ التَّعَرِّي في الطَّوافِ وما بَطَنَ الزِّنا وقِيلَ: الأوَّلُ طَوافُ الرِّجالِ بِالنِّساءِ والثّانِي طَوافُ النِّساءِ بِاللَّيْلِ عارِياتٍ ﴿والإثْمَ﴾ أيْ ما يُوجِبُ الإثْمَ وأصْلُهُ الذَّمُّ فَأُطْلِقَ عَلى ما يُوجِبُهُ مِن مُطْلَقِ الذَّنْبِ وذُكِرَ لِلتَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ بِناءً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى الفَواحِشِ وقِيلَ: إنَّ الإثْمَ هو الخَمْرُ كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ كالأصْمَعِيِّ وغَيْرِهِ وأنْشَدُوا لَهُ قَوْلَ الشّاعِرِ.

نَهانا رَسُولُ اللَّهِ أنْ نَقْرَبَ الزِّنا وأنْ نَشْرَبَ الإثْمَ الَّذِي يُوجِبُ الوِزْرا

وقَوْلَ الآخَرِ.

شَرِبْتُ الأثَمَ حَتّى ضَلَّ عَقْلِي ∗∗∗ كَذاكَ الإثْمِ يَذْهَبُ بِالعُقُولِ

وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ العَرَبَ لا تُسَمِّ الخَمْرَ إثْمًا في جاهِلِيَّةٍ ولا إسْلامٍ وأنَّ الشِّعْرَ مَوْضُوعٌ والمَشْهُورَ أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ المَجازِ لِأنَّ الخَمْرَ سَبَبُ الإثْمِ وقالَ أبُو حَيّانَ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذا التَّفْسِيرَ غَيْرُ صَحِيحٍ هُنا لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولَمْ تُحَرَّمُ الخَمْرُ إلّا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ أُحُدٍ وأيْضًا يَحْتاجُ حِينَئِذٍ إلى دَعْوى أنَّ الحَصْرَ إضافِيٌّ فَتَدَبَّرْ.

﴿والبَغْيَ﴾ الظُّلْمَ والِاسْتِطالَةَ عَلى النّاسِ وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ بِناءً عَلى التَّعْمِيمِ فِيما قَبْلَهُ أوْ دُخُولِهِ في الفَواحِشِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْهُ ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالبَغْيِ لِأنَّ البَغْيَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مُؤَكِّدَةً وقِيلَ: جِيءَ بِهِ لِيَخْرُجَ البَغْيُ عَلى الغَيْرِ في مُقابَلَةِ بَغْيِهِ فَإنَّهُ يُسَمّى بَغْيًا في الجُمْلَةِ لَكِنَّهُ بِحَقٍّ وهو كَما تَرى ﴿وأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ أيْ حُجَّةً وبُرْهانًا والمَعْنى عَلى نَفْيِ الإنْزالِ والسُّلْطانِ مَعًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ كَقَوْلِهِ:

لا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ

وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِالمُشْرِكِينَ ما لا يَخْفى ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (33) بِالإلْحادِ في صِفاتِهِ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ ولا يَخْفى ما في تَوْجِيهِ التَّحْرِيمِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ما يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ دُونَ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنَ السِّرِّ الجَلِيلِ

Al-A'raaf 7:33Listen in Qur'an →
34

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌۭ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةًۭ ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

And for every nation is a [specified] term. So when their time has come, they will not remain behind an hour, nor will they precede [it].

﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ﴿أجَلٌ﴾ أيْ وقْتٌ مُعَيَّنٌ مَضْرُوبٌ لِاسْتِئْصالِهِمْ كَما قالَ الحَسَنُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ وهَذا كَما قِيلَ وعِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالعَذابِ النّازِلِ في أجَلٍ

صفحة 113

مَعْلُومٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَما نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَهم ورُجُوعٌ إلى الحَثِّ عَلى الِاتِّباعِ بَعْدَ الِاسْتِطْرادِ الَّذِي قالَهُ البَعْضُ.

وقَدْ رُوعِيَ نُكْتَةٌ في تَعْقِيبِهِ تَحْرِيمَ الفَواحِشِ حَيْثُ ناسَبَهُ أيْضًا وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الأجَلَ هُنا بِالمُدَّةِ المُعَيَّنَةِ الَّتِي أُمْهِلُوها لِنُزُولِ العَذابِ وفَسَّرَهُ آخَرُونَ بِوَقْتِ المَوْتِ وقالُوا: التَّقْدِيرُ ولِكُلِّ أحَدٍ مِن أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إمّا لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ وإمّا لِكُلِّ أُمَّةٍ وعَلى الأوَّلِ فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَ آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجَلُها الخاصُّ بِها وعَلى الثّانِي وهو الظّاهِرُ فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والإضافَةُ لِإفادَةِ أكْمَلِ التَّمْيِيزِ وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ( آجالُهم ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ واسْتَظْهَرَها ابْنُ جِنِّيٍّ وجَعَلَ الإفْرادَ لِقَصْدِ الجِنْسِيَّةِ والجِنْسُ مِن قَبِيلِ المَصْدَرِ وحُسْنُهُ الإضافَةُ إلى الجَماعَةِ والفاءُ قِيلَ: فَصِيحَةٌ وسَقَطَتْ في آيَةِ يُونُسَ لِما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى هُناكَ والمُرادُ مِن مَجِيءِ قُرْبِهِ أوْ تَمامِهِ أيْ إذا حانَ وقَرُبَ أوِ انْقَطَعَ وتَمَّ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ ﴿ساعَةً﴾ قِطْعَةً مِنَ الزَّمانِ في غايَةِ القِلَّةِ ولَيْسَ المُرادُ بِها السّاعَةُ في مُصْطَلَحِ المُنَجِّمِينَ المُنْقَسِمَةُ إلى ساعَةٍ مُسْتَوِيَةٍ وتُسَمّى فَلَكِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً أبَدًا ومُعْوَجَّةٍ وتُسَمّى زَمانِيَّةً هي زَمانُ مِقْدارِ نِصْفِ سُدْسِ النَّهارِ أوِ اللَّيْلِ أبَدًا ويَسْتَعْمِلُ الأُولى أهْلُ الحِسابِ غالِبًا والثّانِيَةَ الفُقَهاءُ وأهْلُ الطَّلاسِمِ ونَحْوُهم وجُمْلَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَهم أرْبَعٌ وعِشْرُونَ ساعَةً أبَدًا سَواءً كانَتِ السّاعَةُ مُسْتَوِيَةً أوْ مُعْوَجَّةً إلّا أنَّ كُلًّا مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ لا يَزِيدُ عَلى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مُعْوَجَّةً أبَدًا ولِهَذا تَطُولُ وتَقْصُرُ وقَدْ تُساوِي السّاعَةَ المُسْتَوِيَةَ وذَلِكَ عِنْدَ اسْتِواءِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والمُرادُ لا يَتَأخَّرُونَ أصْلًا وصِيغَةُ الِاسْتِغْفارِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (34) أيْ ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ.

والظّاهِرُ أنَّهُ عُطِفَ عَلى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ كَما أعْرَبَهُ الحُوفِيُّ وغَيْرُهُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ الِاسْتِقْدامُ عِنْدَ مَجِيئِهِ فَلا فائِدَةَ في نَفْيِهِ بَلْ هو مِن بابِ الإخْبارِ بِالضَّرُورِيِّ كَقَوْلِكَ: إذا قُمْتَ فِيما يَأْتِي لَمْ يَتَقَدَّمْ قِيامُكَ فِيما مَضى وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ لا الجَزائِيَّةِ فَلا يَتَقَيَّدُ بِالشَّرْطِ فَمَعْنى الآيَةِ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ لا …

Al-A'raaf 7:34Listen in Qur'an →
35

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى ۙ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

O children of Adam, if there come to you messengers from among you relating to you My verses, then whoever fears Allah and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ النّاسِ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ ما في حَيِّزِهِ وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي يَسارٍ السُّلَمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى جَعَلَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ في كَفِّهِ فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ حَتّى بَلَغَ ( فاتَّقُونِ ) ثُمَّ بَثَّهم والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ هَذا حِكايَةٌ لِما وقَعَ مَعَ كُلِّ قَوْمٍ وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ أُمَّةُ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ ويُبْعِدُهُ جَمْعُ الرُّسُلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ مِن جِنْسِكم والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٍ و﴿إمّا﴾ هي إنِ الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها ما لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ فَهي مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ فَقَطْ وقِيلَ: إنَّها تُفِيدُ العُمُومَ أيْضًا فَمَعْنى إمّا تَفْعَلَنَّ مَثَلًا إنِ اتَّفَقَ مِنكَ فِعْلٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

ولَزِمَتِ الفِعْلَ بَعْدَ هَذا الضَّمِّ نُونُ التَّأْكِيدِ فَلا تُحْذَفُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ ومَن تَبِعَهُما إلّا ضَرُورَةً ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ.

فَإمّا تَرَيَنِّي ولِي لُمَّةٌ فَإنَّ الحَوادِثَ أوُدِي بِها

ورُدَّ بِأنَّ كَثْرَةَ سَماعِ الحَذْفِ تُبْعِدُ القَوْلَ بِالضَّرُورَةِ ووَجْهُ هَذا اللُّزُومِ عِنْدَ بَعْضٍ حَذارَ انْحِطاطِ رُتْبَةِ فِعْلِ الشَّرْطِ عَنْ حَرْفِهِ وقِيلَ: إنَّ نُونَ التَّوْكِيدِ لا تَدْخُلُ الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ المَحْضَ إلّا بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ عَلى أوَّلِ الفِعْلِ ما يَدُلُّ عَلى التَّأْكِيدِ كَلامِ القَسَمِ أوْ ما المَزِيدَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِدُخُولِ التَّأْكِيدِ وعَلَيْهِ فَأمْرُ الِاسْتِتْباعِ بِعَكْسِ ما تَقَدَّمَ وفي الإتْيانِ بِإنْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ جائِزٌ لا واجِبٌ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ السُّنَّةِ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّهُ واجِبٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ بِزَعْمِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ الأصْلَحِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ لِرُسُلٍ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ أيْ يَعْرِضُونَ عَلَيْكم أحْكامِيَ وشَرائِعِيَ ويُخْبِرُونَكم بِها ويُبَيِّنُونَها لَكم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ (35) جَوابُ الشَّرْطِ و( مَن ) إمّا شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ ومِنكم مُقَدَّرٌ في نَظْمِ الكَلامِ لِيَرْتَبِطَ الجَوابُ بِالشَّرْطِ والمُرادُ فَمَنِ اتَّقى مِنكُمُ التَّكْذِيبَ وأصْلَحَ عَمَلَهُ

صفحة 115

﴿فَلا خَوْفٌ﴾ .. إلَخْ. وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ وجَمْعُهُ لِمُراعاةِ لَفْظِ مَن ومَعْناهُ

Al-A'raaf 7:35Listen in Qur'an →
36

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ

But the ones who deny Our verses and are arrogant toward them - those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مِنكم ﴿بِآياتِنا﴾ الَّتِي تَقُصُّ ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ ولَمْ يَقْبَلُوها ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ (36) لِتَكْذِيبِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وإيرادُ الِاتِّقاءِ فِيها لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الفَلاحِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّكْذِيبِ بَلْ هو الِاتِّقاءُ والِاجْتِنابُ عَنْهُ وإدْخالُ الفاءِ في الوَعْدِ دُونَ الوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في الأوَّلِ والمُسامَحَةِ في الثّانِي

Al-A'raaf 7:36Listen in Qur'an →
37

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Those will attain their portion of the decree until when Our messengers come to them to take them in death, they will say, "Where are those you used to invoke besides Allah?" They will say, "They have departed from us," and will bear witness against themselves that they were disbelievers.

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ونَسَبَ إلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ جَلَّ شَأْنُهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَمادِيهِمْ في سُوءِ الحالِ أيْ أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ ﴿يَنالُهُمْ﴾ أيْ يُصِيبُهم ﴿نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ مِمّا كُتِبَ لَهم وقُدِّرَ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ مَعَ ظُلْمِهِمْ وافْتِرائِهِمْ لا يُحْرَمُونَ ما قُدِّرَ لَهم مِن ذَلِكَ إلى انْقِضاءِ أجَلِهِمْ فالكِتابُ بِمَعْنى المَكْتُوبِ وتَخْصِيصُهُ بِما ذُكِرَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَماعَةِ المُفَسِّرِينَ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ومِثْلُهُ عَنْ مُجاهِدٍ.

وعَنْ أبِي صالِحٍ ما قُدِّرَ مِنَ العَذابِ وعَنِ الحَسَنِ مِثْلُهُ وبَعْضُهم فَسَّرَ الكِتابَ بِالمَكْتُوبِ فِيهِ وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ وجُوِّزَ فِيها التَّبْيِينُ والتَّبْعِيضُ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( نَصِيبُهم ) أيْ كائِنًا مِنَ الكِتابِ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ أيْ مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ مُتَوَفِّينَ لِأرْواحِهِمْ وحَتّى غايَةُ نَيْلِهِمْ وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ غَيْرُ جارَّةٍ بَلْ داخِلَةٌ عَلى الجُمَلِ كَما في قَوْلِهِ:

وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ

وقِيلَ: إنَّها جارَّةٌ وقِيلَ: لا دَلالَةَ لَها عَلى الغايَةِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ المُرادَ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ وكانَ الَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ أيِ الرُّسُلُ لَهم ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها في الدُّنْيا وتَسْتَعِينُونَ بِها في المُهِمّاتِ ﴿قالُوا ضَلُّوا﴾ أيْ غابُوا ﴿عَنّا﴾ لا نَدْرِي أيْنَ مَكانَهم فَإنَّ هَذا السُّؤالَ والجَوابَ وكَذا ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما مِمّا سَيَأْتِي إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ لا مَحالَةَ ولَعَلَّهُ عَلى الظّاهِرِ أُرِيدَ بِوَقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ وحالُ التَّوَفِّي الزَّمانُ المُمْتَدُّ مِنَ ابْتِداءِ المَجِيءِ والتَّوَفِّي إلى نِهايَةِ يَوْمِ الجَزاءِ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ المَجِيءِ والتَّوَفِّي في ذَلِكَ الزَّمانِ بَقاءٌ وإنْ كانَ حُدُوثُهُما في أوَّلِهِ فَقَطْ أوْ قُصِدَ بَيانُ غايَةِ سُرْعَةِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ كَأنَّهُما حاصِلانِ عِنْدَ ابْتِداءِ التَّوَفِّي وما وُصِلَتْ بِأيْنَ في المُصْحَفِ العُثْمانِيِّ وحَقُّها الفَصْلُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ ولَوْ كانَتْ صِلَةً لاتَّصَلَتْ.

﴿وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيِ اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ولَيْسَ في النَّظْمِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اعْتِرافَهم كانَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ فالشَّهادَةُ مَجازٌ عَنِ الِاعْتِرافِ ﴿أنَّهم كانُوا﴾ في الدُّنْيا ﴿كافِرِينَ﴾ (37) عابِدِينَ لِما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ أصْلًا حَيْثُ اتَّضَحَ لَهم حالُهُ والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِاعْتِرافِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى قالُوا وعَطْفُها عَلى المَقُولِ لا يَخْفى ما فِيهِ والِاسْتِفْهامُ عَلى ما ذَهَبَ …

Al-A'raaf 7:37Listen in Qur'an →
38

قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍۢ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌۭ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًۭا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًۭا ضِعْفًۭا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّۢ ضِعْفٌۭ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ

[Allah] will say, "Enter among nations which had passed on before you of jinn and mankind into the Fire." Every time a nation enters, it will curse its sister until, when they have all overtaken one another therein, the last of them will say about the first of them "Our Lord, these had misled us, so give them a double punishment of the Fire. He will say, "For each is double, but you do not know."

﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِأُولَئِكَ الكاذِبِينَ المُكَذِّبِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالذّاتِ أوْ بِواسِطَةِ المَلَكِ: ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ﴾ أيْ مَعَ أُمَمٍ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُصاحِبِينَ لِأُمَمٍ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ مَضَتْ ﴿مِن قَبْلِكم مِن الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنِي كَفارَّ الأُمَمِ مِنَ النَّوْعَيْنِ وقُدِّمَ الجِنُّ لِمَزِيدِ شَرِّهِمْ ﴿فِي النّارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِادْخُلُوا وجُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ ﴿فِي أُمَمٍ﴾ بِهِ ويُحْمَلَ ﴿فِي النّارِ﴾ عَلى البَدَلِيَّةِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ ﴿أُمَمٍ﴾ وجَوَّزَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنْ يَكُونَ هَذا إخْبارًا عَلى جَعْلِهِ سُبْحانَهُ إيّاهم في جُمْلَةِ أُولَئِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ قَوْلٌ مُطْلَقًا أيْ أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم كَذَلِكَ وهو خِلافُ الظّاهِرِ كَما لا يَخْفى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ مَنِ الأُمَمِ تابِعَةً أوْ مَتْبُوعَةً في النّارِ ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ أيْ دَعَتْ عَلى نَظِيرِها في الدِّينِ فَتَلْعَنُ التّابِعَةُ المَتْبُوعَةَ الَّتِي أضَلَّتْها وتَلْعَنُ المَتْبُوعَةُ التّابِعَةَ الَّتِي زادَتْ في ضَلالِها وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ يَلْعَنُ الأتْباعُ القادَةَ يَقُولُونَ أنْتُمْ أوَرَدْتُمُونا هَذِهِ المَوارِدَ فَلَعَنَكُمُ اللَّهُ تَعالى.

﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾ غايَةٌ لِما قَبْلَهُ أيْ يَدْخُلُونَ فَوْجًا فَوْجًا لاعِنًا بَعْضُهم بَعْضًا إلى انْتِهاءِ تَلاحُقِهِمْ بِاجْتِماعِهِمْ في النّارِ وأصْلُ ادّارَكُوا تَدارَكُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ بَعْدَ قَلْبِها دالًا وتَسْكِينِها ثُمَّ اجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ.

وعَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ ( أدارَكُوا ) بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ وهو كَما قِيلَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ وقْفٌ مِثْلَ وقْفَةِ المُسْتَذْكِرِ ثُمَّ ابْتَدَأ فَقَطَعَ وإلّا فَلا مَساغَ لِذَلِكَ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى الجَلِيلِ وقَرَأ ( إذا ادَّرَكُوا ) بِألِفٍ واحِدَةٍ ساكِنَةٍ ودالٍ بَعْدَها مُشَدَّدَةٍ وفِيهِ جَمْعُ ساكِنَيْنِ وجازَ لَمّا كانَ الثّانِي مُدْغَمًا ولا فَرْقَ بَيْنَ المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ مَنزِلَةً وهُمُ الأتْباعُ والسَّفَلَةُ ﴿لأُولاهُمْ﴾ مَنزِلَةً وهُمُ القادَةُ والرُّؤَساءُ أوْ قالَتْ أُخْراهم دُخُولًا لِأُولاهم كَذَلِكَ وتَقَدُّمُ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ في الدُّخُولِ مَرْوِيٌّ عَنْ مُقاتِلٍ واللّامُ في ( لِأُولاهم ) لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّبْلِيغِ كَما في قَوْلِكَ: قُلْتُ لِزَيْدٍ أفْعَلُ كَذا لِأنَّ خِطابَهم مَعَ اللَّهِ تَعالى لا مَعَهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ أيْ دَعَوْنا إلى الضَّلالِ وأمَرُونا بِهِ حَيْثُ سَنُّوهُ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾ أيْ مُضاعَفًا كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿مِنَ النّارِ﴾ والضِّعْفِ عَلى ما قالَهُ أبُو عَبِيدٍ ونَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ في الوَصايا مِثْلُ الشَّيْءِ مَرَّةً واحِدَةً وعَنِ الأزْهَرِيِّ أنَّ هَذا مَعْنًى عُرْفِيٌّ والضِّعْفُ في كَلامِ العَرَبِ وإلَيْهِ يُرَدُّ كَلامُ اللَّهِ تَعالى المِثْلُ إلى ما زادَ ولا يَقْتَصِرُ عَلى مِثْلَيْنِ بَلْ هو غَيْرُ المَحْصُورِ واخْتارَهُ هُنا غَيْرُ واحِدٍ.

وقالَ الرّاغِبُ: الضَّعْفُ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ وبِالكَسْرِ اسْمٌ كالثَّنْيِ والثِّنْيِ هو الَّذِي يَثْنِيهِ ومَتى أُضِيفَ إلى عَدَدٍ اقْتَضى ذَلِكَ العَدَدُ مِثْلَهُ نَحْوَ أنْ يُقالَ ضِعْفُ عَشْرَةٍ وضِعْفُ مِائَةٍ فَذَلِكَ عِشْرُونَ ومِائَتانِ بِلا خِلافٍ وعَلى ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ.

جِزْيَتُكَ ضِعْفَ الوِدِّ لِما اشْتَكَيْتَهُ وما أنْ جَزاكَ الضِّعْفَ مِن …

Al-A'raaf 7:38Listen in Qur'an →
39

وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍۢ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

And the first of them will say to the last of them, "Then you had not any favor over us, so taste the punishment for what you used to earn."

﴿وقالَتْ أُولاهم لأُخْراهُمْ﴾ حِينَ سَمِعُوا جَوابَ اللَّهِ تَعالى لَهم واللّامُ هُنا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْلِيغِ لِأنَّ خِطابَهم لَهم بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ أيْ إنّا وإيّاكم مُتَساوُونَ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ وسَبَبِهِ وهَذا مُرَتَّبٌ عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ إخْبارَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ سَبَبٌ لِعِلْمِهِمْ بِالمُساواةِ فالفاءُ جَوابِيَّةٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ أيْ إذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا وقِيلَ: إنَّها عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ دَعَوْتُمُ اللَّهَ تَعالى فَسَوّى بَيْنِنا وبَيْنَكم ﴿فَما كانَ﴾ .. إلَخْ. ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وأيًّا ما كانَ فَقَدْ عَنَوْا بِالفَضْلِ تَخْفِيفَ العَذابِ ووَحْدَةَ السَّبَبِ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى ما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ في الرَّأْيِ والعَقْلِ وقَدْ بَلَغَكم ما نَزَلَ بِنا مِنَ العَذابِ فَلِمَ اتَّبَعْتُمُونا فَكَما تَرى وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ لَكم عَلَيْنا في الدُّنْيا فَضْلٌ بِسَبَبِ اتِّباعِكم إيّانا بَلِ اتِّباعُكم وعَدَمُ اتِّباعِكم سَواءٌ عِنْدَنا فاتِّباعُكم إيّانا كانَ بِاخْتِيارِكم دُونَ حَمْلِنا لَكم عَلَيْهِ وعَلَيْهِ فَلَيْسَ مُرَتَّبًا عَلى كَلامِ اللَّهِ تَعالى وجَوابُهُ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ المُضاعَفَ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (39) أيْ بِسَبَبِ كَسْبِكُمُ أوِ الَّذِي تَكْسِبُونَهُ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ القادَةِ قالُوهُ لَهم عَلى سَبِيلِ التَّشَفِّي وتَرَتُّبُهُ عَلى ما قَبْلَهُ عَلى القَوْلِ الأخِيرِ في مَعْنى الآيَةِ في غايَةِ الظُّهُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ والوَقْفُ عَلى ﴿فَضْلٍ﴾ وقِيلَ: هو مِن مَقُولِ الفَرِيقَيْنِ أيْ قالَتْ كُلُّ

صفحة 118

فِرْقَةٍ لِلْأُخْرى ( ذُوقُوا ) .. إلَخْ. وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

Al-A'raaf 7:39Listen in Qur'an →
40

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ

Indeed, those who deny Our verses and are arrogant toward them - the gates of Heaven will not be opened for them, nor will they enter Paradise until a camel enters into the eye of a needle. And thus do We recompense the criminals.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى أُصُولِ الدِّينِ وأحْكامِ الشَّرْعِ كالأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ والدّالَّةِ عَلى النُّبُوَّةِ والمُعادِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ أيْ بالَغُوا في احْتِقارِها وعَدَمِ الِاعْتِناءِ بِها ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها وضَمُّوا أعْيُنَهم عَنْها ونَبَذُوها وراءَ ظُهُورِهِمْ ولَمْ يَكْتَسُوا بِحُلَلٍ مُقْتَضاها ولَمْ يَعْمَلُوا بِهِ ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ﴾ أيْ لِأرْواحِهِمْ إذا ماتُوا ﴿أبْوابُ السَّماءِ﴾ كَما تُفَتَّحُ لِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ المَيِّتُ تَحْضُرُهُ المَلائِكَةُ فَإذا كانَ الرَّجُلُ صالِحًا قالَ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ اخْرُجِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ مَن هَذا فَيَقُولُونَ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الطَّيِّبِ ادْخُلِي حَمِيدَةً وأبْشِرِي بِرَوْحٍ ورَيْحانٍ ورَبٍّ راضٍ غَيْرِ غَضْبانَ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ وإذا كانَ الرَّجُلُ سُوءًا قالَ اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ اخْرُجِي ذَمِيمَةً وأبْشِرِي بِحَمِيمٍ وغَسّاقٍ وآخَرَ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ فَلا تَزالُ يُقالُ لَها ذَلِكَ حَتّى تَخْرُجَ ثُمَّ يُعْرَجُ بِها إلى السَّماءِ فَيُسْتَفْتَحُ لَها فَيُقالُ: مَن هَذا فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ فَيُقالُ: لا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ كانَتْ في الجَسَدِ الخَبِيثِ ارْجِعِي ذَمِيمَةً لا تُفَتَّحُ لَكِ أبْوابُ السَّماءِ فَتُرْسَلُ مِنَ السَّماءِ ثُمَّ تَصِيرُ في القَبْرِ والأخْبارُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأعْمالِهِمْ ولا لِدُعائِهِمْ أبْوابُ السَّماءِ».

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقِيلَ: لا تُفَتَّحُ لِأرْواحِهِمْ ولا لِأعْمالِهِمْ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وقِيلَ: المُرادُ لا يَصْعَدُ لَهم عَمَلٌ ولا تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ البَرَكَةُ وكَوْنُ السَّماءِ لَها أبْوابٌ تُفَتَّحُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ والأرْواحِ الطَّيِّبَةِ قَدْ تَفَتَّحَتْ لَهُ أبْوابُ القَبُولِ لِلنُّصُوصِ الوارِدَةِ فِيهِ وهو أمْرٌ مُمْكِنٌ أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ فَلا حاجَةَ إلى تَأْوِيلِهِ وكَوْنُ السَّماءِ كُرَوِيَّةً لا تَقْبَلُ الخَرْقَ والِالتِئامَ مِمّا لا يَتِمُّ لَهُ دَلِيلٌ عِنْدَنا وظاهِرُ كَلامِ أهْلِ الهَيْئَةِ الجَدِيدَةِ جَوازُ الخَرْقِ والِالتِئامِ عَلى الأفْلاكِ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ القَوْلَ بِالأبْوابِ لا يُنافِي القَوْلَ بِامْتِناعِ الخَرْقِ والِالتِئامِ وفِيهِ نَظَرٌ كَما لا يَخْفى والتّاءُ في ﴿تُفَتَّحُ﴾ لِتَأْنِيثِ الأبْوابِ والتَّشْدِيدُ لِكَثْرَةِ الفِعْلِ لِعَدَمِ مُناسِبَةِ المَقامِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ وبِالياءِ التَّحْتِيَّةِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ والفِعْلَ مُقَدَّمٌ مَعَ وُجُودِ الفاصِلِ.

وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ الأبْوابِ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُسْنَدٌ إلى الآياتِ مَجازًا لِأنَّها سَبَبٌ لِذَلِكَ وبِالياءِ …

Al-A'raaf 7:40Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.