Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 21–30 of 206

21

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ

And he swore [by Allah] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾

﴿وقاسَمَهُما﴾ " أيْ: أقْسَمَ لَهُما ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ " أيْ: في هَذا الأمْرِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ حَلَفَ لَهُما بِاللَّهِ عَلى ذَلِكَ حَتّى خَدَعَهُما. وقَدْ يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ. انْتَهى.

وعَنْ قَتادَةَ: إنَّما يُخْدَعُ المُؤْمِنُ بِاللَّهِ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ إذا رَأى مِن عَبْدِهِ طاعَةً وحُسْنَ صَلاةٍ، أعْتَقَهُ، فَكانَ عَبِيدُهُ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْعِتْقِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهم يَخْدَعُونَكَ، فَقالَ: مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ انْخَدَعْنا لَهُ.

Al-A'raaf 7:21Listen in Qur'an →
22

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍۢ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٢] ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ " أيْ: أطْمَعَهُما، وأصْلُهُ: الرَّجُلُ العَطْشانُ يُدَلِّي في البِئْرِ لِيَرْوِيَ مِن مائِها، فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، فَيَكُونُ مُدَلِّيًا فِيها بِغُرُورٍ، فَوُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الإطْماعِ فِيما لا يُجْدِي نَفْعًا، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِن دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، إلى رُتْبَةٍ سافِلَةٍ. فَإنَّ التَّدْلِيَةَ والإدْلاءَ إرْسالُ الشَّيْءِ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ. وقِيلَ: مَعْنى دَلّاهُما جَرَّأهُما بِغُرُورِهِ، والأصْلُ فِيهِ (دَلَّلَهُما)، والدَّلُّ والدّالَّةُ الجُرْأةُ كَما قالَ:

؎أظُنُّ الحُلْمَ دَلَّ عَلَيَّ قَوْمِي وقَدْ يُسْتَجْهَلُ الرَّجُلُ الحَلِيمُ

فَأبْدَلَ أحَدَ حَرْفَيِ التَّضْعِيفِ ياءً:

﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ أيْ: أخَذَتْهُما العُقُوبَةُ وشُؤْمُ المَعْصِيَةِ فَتَهافَتَ عَنْهُما اللِّباسُ، فَظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما.

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهم عَلى أنَّ مَن ذاقَ الخَمْرَ عَصى –انْتَهى-

وهَذا وُقُوفٌ مَعَ ظاهِرِ ما هَهُنا، فَإنَّ الذَّوْقَ وُجُودُ الطَّعْمِ بِالفَمِ، وظاهِرٌ أنَّهُ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الأكْلِ اليَسِيرِ، وهو المُرادُ هُنا، لِأنَّهُ وقَعَ في آيَةٍ أُخْرى مُصَرَّحًا بِالأكْلِ فِيها ﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ أيْ: أخَذا يُرَقِّعانِ ويَلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ ﴿عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ " أيْ: لِيَسْتَتِرا بِهِ.

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ عَلى أنَّ سَتْرَ العَوْرَةِ كانَ مِن شَرِيعَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ السَّتْرِ.

قالَ القاضِي: ولَيْسَ في الآيَةِ ما يُوجِبُ الوُجُوبَ، إذْ لَيْسَ فِيها أكْثَرُ مِن أنَّهُما فَعَلا ذَلِكَ.

قالَ الأصَمُّ: وتَدُلُّ عَلى أنَّ السَّتْرَ مِن خُلُقِ آدَمَ وحَوّاءَ، وأنَّهُما كَرِها العُرْيَ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُما ثالِثٌ، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّعَرِّي إلّا عِنْدَ الحاجَةِ.

﴿وناداهُما رَبُّهُما﴾ " أيْ يُذَكِّرُهُما النَّهْيَ السّابِقَ والأمْرَ والتَّجَنُّبَ عَنِ الشَّيْطانِ ﴿ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ " أيْ: عَنِ الأكْلِ مِنها: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾

Al-A'raaf 7:22Listen in Qur'an →
23

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

They said, "Our Lord, we have wronged ourselves, and if You do not forgive us and have mercy upon us, we will surely be among the losers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣] ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

" ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ أيْ أضْرَرْناها بِالمَعْصِيَةِ ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ " أيْ ما سَلَفَ ﴿وتَرْحَمْنا﴾ " أيْ بِالتَّوْبَةِ وقَبُولِها ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ " أيْ لَنَصِيرَنَّ مِمَّنْ خَسِرَ جَمِيعَ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الكَمالاتِ. قالَ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا﴾ " الآيَةَ: هي الكَلِماتُ الَّتِي تَلَقّاها آدَمُ مِن رَبِّهِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: يُقالُ إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَعِدَ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: اعْتَرَفَ بِالذَّنْبِ، ونَدِمَ عَلَيْهِ، ولامَ نَفْسَهُ، وسارَعَ إلى التَّوْبَةِ، ولَمْ يَقْنَطْ مِنَ الرَّحْمَةِ. وشَقِيَ إبْلِيسُ بِخَمْسَةِ أشْياءَ: لَمْ يُقِرَّ بِالذَّنْبِ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَلُمْ نَفْسَهُ بَلْ أضافَ إلى رَبِّهِ فَلَمْ يَتُبْ، وقَنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ.

Al-A'raaf 7:23Listen in Qur'an →
24

قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّۭ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٍۢ

[Allah] said, "Descend, being to one another enemies. And for you on the earth is a place of settlement and enjoyment for a time."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٤] ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾

﴿قالَ اهْبِطُوا﴾ " أيْ: مِنَ الجَنَّةِ إلى ما عَداها، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: مَعْناهُ اذْهَبُوا. وهو خِطابٌ لِآدَمَ وحَوّاءَ وإبْلِيسَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والعُمْدَةُ في العَداوَةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، ولِهَذا قالَ في سُورَةِ طَهَ: ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣] الآيَةَ، وحَوّاءُ تَبَعٌ لِآدَمَ، والحَيَّةُ إنْ كانَ ذِكْرُها صَحِيحًا فَهي تَبَعٌ لِإبْلِيسَ.

وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ الأماكِنَ الَّتِي هَبَطَ فِيها كُلٌّ مِنهم. ويَرْجِعُ حاصِلُ تِلْكَ الأخْبارِ إلى الإسْرائِيلِيّاتِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِها، ولَوْ كانَ في تَعْيِينِ تِلْكَ البِقاعِ فائِدَةٌ، تَعُودُ عَلى المُكَلَّفِينَ، في أمْرِ دِينِهِمْ أوْ دُنْياهُمْ، لَذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، أوْ رَسُولُهُ ﷺ. انْتَهى.

﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيِ: اسْتِقْرارٌ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ ﴿ومَتاعٌ﴾ " أيْ: تَمَتُّعٌ ومَعِيشَةٌ ﴿إلى حِينٍ﴾ " أيْ: إلى تَقَضِّي آجالِكم.

Al-A'raaf 7:24Listen in Qur'an →
25

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

He said, "Therein you will live, and therein you will die, and from it you will be brought forth."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥] ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾

﴿قالَ فِيها﴾ " أيِ الأرْضِ ﴿تَحْيَوْنَ﴾ " تَعِيشُونَ ﴿وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ " أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ لِلْجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥]

ثُمَّ ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ بِنِعْمَتِهِ في تَبْوِئَةِ الدّارِ والمُسْتَقَرِّ في الأرْضِ وكُسُوَتِهِمْ لِباسًا يَسْتُرُونَ بِهِ سَوْءاتِهِمْ، بَعْدَما نَزَعَ عَنْهُما لِباسَ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لِما هُمْ، بَعْدَ الإهْباطِ، مِنَ الحاجَةِ إلى اللِّباسِ والمَعاشِ. فَقالَ سُبْحانَهُ:

Al-A'raaf 7:25Listen in Qur'an →
26

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًۭا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

O children of Adam, We have bestowed upon you clothing to conceal your private parts and as adornment. But the clothing of righteousness - that is best. That is from the signs of Allah that perhaps they will remember.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٦] ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾

" ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾ يَعْنِي ما يُلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ وغَيْرِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَ ما في الأرْضِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ، لِأنَّهُ قَضى ثَمَّةَ وكَتَبَ، أيْ: قَضى وقَسَمَ لَكُمْ، وقَضاياهُ وقِسْمُهُ تُوصَفُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ، حَيْثُ كُتِبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

وقالَ أبُو البَقاءِ: لَمّا كانَ الرِّيشُ واللِّباسُ يَنْبُتانِ بِالمَطَرِ، والمَطَرُ يَنْزِلُ، جَعَلَ ما هو المُسَبِّبُ بِمَنزِلَةِ السَّبَبِ. انْتَهى.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ في فَتْوًى لَهُ في مَعْنى النُّزُولِ: لا حاجَةَ إلى إخْراجِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْناهُ المَعْرُوفِ لُغَةً، فَإنَّ اللِّباسَ يَنْزِلُ مِن ظُهُورِ الأنْعامِ فامْتَنَّ سُبْحانَهُ بِما يَنْتَفِعُونَ بِهِ مِنَ الأنْعامِ في اللِّباسِ والأثاثِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْنى إنْزالِهِ، فَإنَّهُ يُنْزِلُهُ مِن ظُهُورِ الأنْعامِ، وهو كِسْوَةُ الأنْعامِ مِنَ الأصْوافِ والأوْبارِ والأشْعارِ، ويَنْتَفِعُ بِهِ بَنُو آدَمَ في اللِّباسِ والرِّياشِ، فَقَدْ أنْزَلَها عَلَيْهِمْ، وأكْثَرُ أهْلِ الأرْضِ كُسْوَتُهم مِن جُلُودِ الدَّوابِّ، فَهي لِدَفْعِ الحَرِّ والبَرْدِ، وأعْظَمُ مِمّا يُصْنَعُ مِنَ القُطْنِ والكِتّانِ.

﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ " أيْ يَسْتُرُ عَوْراتِكُمُ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم حَتّى اضْطَرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ، وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ ﴿ورِيشًا﴾ " عَطْفُهُ إمّا مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، فَوَصَفَ اللِّباسَ بِشَيْئَيْنِ: مُواراةِ السَّوْأةِ والزِّينَةِ. فالرِّيشُ بِمَعْنى الزِّينَةِ، لِأنَّهُ زِينَةُ الطَّيْرِ فاسْتُعِيرَ مِنهُ. وإمّا مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِهِ، أيْ: أنْزَلْنا لِباسَيْنِ: لِباسَ مُواراةٍ، ولِباسَ زِينَةٍ، فَيَكُونُ مِمّا حُذِفَ فِيهِ المَوْصُوفُ، أيْ: لِباسًا رِيشًا، أيْ ذا رِيشٍ، والرِّيشُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمَصْدَرِ.

ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وحَكاهُ البُخارِيُّ عَنْهُ: الرِّيشُ المالُ. وحَكاهُ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ السَّلَفِ. قالَ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَةَ: وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ أطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ المالِ، والمُرادُ بِهِ مالٌ مَخْصُوصٌ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: جَمالًا. وقُرِئَ رِيشًا. قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: الرِّياشُ هو الأثاثُ مِنَ المَتاعِ، ما كانَ مِن لِباسٍ أوْ حَشْوٍ مِن فِراشٍ أوْ دِثارٍ، والرِّيشُ: المَتاعُ والأمْوالُ، وقَدْ يَكُونُ في الثِّيابِ دُونَ الأمْوالِ. وإنَّهُ لَحَسَنُ الرِّيشِ، أيِ: الثِّيابِ. انْتَهى.

ويُقالُ: راشَ فُلانٌ، أيْ: جَمَعَ الرِّيشَ، وهو المالُ والأثاثُ. وراشَ الصَّدِيقَ أطْعَمَهُ وسَقاهُ وكَساهُ، وأصْلُهُ مِنَ الرِّيشِ، كَأنَّ الفَقِيرَ المُمْلِقَ لا نُهُوضَ لَهُ، كالمَقْصُوصِ مِنهُ الجَناحُ وكُلُّ مَن أوْلَيْتَهُ خَيْرًا، فَقَدْ رِشْتَهُ -كَذا في تاجِ العَرُوسِ-.

فائِدَةٌ:

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَنِ اسْتَجَدَّ ثَوْبًا فَلَبِسَهُ، فَقالَ حِينَ يَبْلُغُ تَرْقُوَتَهُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ما أُوارِي بِهِ عَوْرَتِي، وأتَجَمَّلُ بِهِ في حَياتِي. ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْبِ الَّذِي أخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في ذَمِّهِ اللَّهِ تَعالى وفي جِوارِ اللَّهِ، وفي كَنَفِ اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتًا»» . ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ …

Al-A'raaf 7:26Listen in Qur'an →
27

يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

O children of Adam, let not Satan tempt you as he removed your parents from Paradise, stripping them of their clothing to show them their private parts. Indeed, he sees you, he and his tribe, from where you do not see them. Indeed, We have made the devils allies to those who do not believe.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٧] ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ يَنْـزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ " أيْ لا يَخْدَعَنَّكم عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ، بِنَزْعِ لِباسِ الشَّرِيعَةِ والتَّقْوى عَنْكُمْ، فَيُخْرِجُكم مِن نَظَرِ اللَّهِ بِالرَّحْمَةِ إلَيْكُمْ: ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ إخْراجِ أبَوَيْكم. ﴿يَنْـزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما﴾ " أيِ الظّاهِرُ بِسَبَبِ نَزْعِ لِباسِ التَّقْوى ﴿لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ " أيِ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى السَّوْأةِ الباطِنَةِ. وجُمْلَةُ ﴿يَنْـزِعُ﴾ " حالٌ مِن ﴿أبَوَيْكُمْ﴾ " أوْ مِن فاعِلِ " أخْرَجَ "، أيْ: أخْرَجَهُما نازِعًا لِباسَهُما، بِأنْ كانَ سَبَبًا في أنْ نَزَعَ عَنْهُما، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): اَسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَتَيْنِ مَن قالَ: إنَّ العَوْرَةَ هي السَّوْأتانِ خاصَّةً -انْتَهى.

الثّانِي: قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ قِصَصِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ حُصُولُ العِبْرَةِ لِمَن يَسْمَعُها، فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قِصَّةَ آدَمَ، وبَيَّنَ فِيها شِدَّةَ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِآدَمَ وأوْلادِهِ، أتْبَعَها بِأنْ حَذَّرَ أوْلادَهُ مِن قَبُولِ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَقالَ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] " الآيَةَ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ لَمّا بَلَغَ أثَرُ كَيْدِهِ، ولُطْفُ وسْوَسَتِهِ، وشِدَّةُ اهْتِمامِهِ، إلى أنْ قَدَرَ عَلى إلْقاءِ آدَمَ في الزَّلَّةِ المُوجِبَةِ لِإخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ - فَبِأنْ يَقْدِرَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَضارِّ في حَقِّ بَنِي آدَمَ أوْلى.

فَبِهَذا الطَّرِيقِ حَذَّرَ تَعالى بَنِي آدَمَ بِالِاحْتِرازِ عَنْ وسْوَسَتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾ أيْ: جُنُودُهُ مِنَ الشَّياطِينِ: ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ أيْ مِن مَكانٍ لا تَرَوْنَهم فِيهِ.

والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ، وتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ مِن فِتْنَتِهِ بِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَدُوِّ المُداجِي، يَكِيدُكم ويَغْتالُكم مِن حَيْثُ لا تَشْعُرُونَ. عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ: إنَّ عَدُوًّا يَراكَ ولا تَراهُ، لَشَدِيدُ المُؤْنَةِ، إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ): قالَ ابْنُ الفَرَسِ: اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ وأنَّ مَن قالَ إنَّهم يُرَوْنَ فَهو كافِرٌ –انْتَهى-

ومُرادُهُ بِالبَعْضِ، المُعْتَزِلَةُ، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ أنَّ الجِنَّ لا يُرَوْنَ ولا يَظْهَرُونَ لِلْإنْسِ، وأنَّ إظْهارَهم أنْفُسَهم لَيْسَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، وأنَّ زَعْمَ مَن يَدَّعِي رُؤْيَتَهم زُورٌ ومَخْرَقَةٌ. انْتَهى.

وقالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ العامَّةِ إنَّ الشَّيْطانَ يُتَصَوَّرُ لَنا ونَراهُ. ثُمَّ قالَ: ومَتى قِيلَ: ألَيْسَ يُرَوْنَ زَمَنَ الأنْبِياءِ، ويَرى المُعايِنُ المَلَكَ؟ فَجَوابُنا: أنَّهُ يَزْدادُ قُوَّةُ الشُّعاعِ أوْ تَتَكاثَفُ أبْدانُهُمْ، فَيَكُونُ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ -انْتَهى.

وأجابَ أهْلُ السُّنَّةِ كَما في (العِنايَةِ): بِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُمْ، …

Al-A'raaf 7:27Listen in Qur'an →
28

وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةًۭ قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

And when they commit an immorality, they say, "We found our fathers doing it, and Allah has ordered us to do it." Say, "Indeed, Allah does not order immorality. Do you say about Allah that which you do not know?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٨] ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ " أيْ: ما تَناهى قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، كالشِّرْكِ وكَشْفِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ ﴿قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ أيْ: إذا فَعَلُوها اعْتَذَرُوا بِأنَّ آباءَهم كانُوا يَفْعَلُونَها، فاقْتَدَوْا بِهِمْ، وبِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِأنْ يَفْعَلُوها، حَيْثُ أقَرَّنا عَلَيْها، إذْ لَوْ كَرِهَها لَنَقَلَنا عَنْها، وهُما باطِلانِ، لِأنَّ أحَدَهُما تَقْلِيدٌ لِلْجُهّالِ، والتَّقْلِيدُ لَيْسَ بِطَرِيقٍ لِلْعِلْمِ، والثّانِي افْتِراءٌ عَلى ذِي الجَلالِ.

قالَ الشِّهابُ: في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ أمَرَنا﴾ ": مُضافٌ مُقَدَّرٌ أيْ أمَرَ آباءَنا، فَلا يُقالُ الظّاهِرُ أمْرُهم بِها، والعُدُولُ عَنِ الظّاهِرِ إشارَةٌ إلى ادِّعاءِ أنَّ أمْرَ آبائِهِمْ أمْرٌ لَهم.

﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ " أيْ: هَذا الَّذِي تَصْنَعُونَهُ فاحِشَةٌ مُنْكَرَةٌ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، لِأنَّ عادَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَرَتْ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأفْعالِ والحَثِّ عَلى مَكارِمِ الخِصالِ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إنْكارٌ لِإضافَتِهِمُ الأمْرَ بِالفَحْشاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ الِافْتِراءِ عَلَيْهِ تَعالى، وفِيهِ شَهادَةٌ عَلى أنَّ مَبْنى قَوْلِهِمْ عَلى الجَهْلِ المُفْرِطِ.

قالَ الشِّهابُ: ولا دَلِيلَ في الآيَةِ لِمَن نَفى القِياسَ، بِناءً عَلى أنَّ ما يَثْبُتُ بِهِ مَظْنُونٌ لا مَعْلُومٌ، لِأنَّهُ مَخْصُوصٌ في عُمُومِها بِإجْماعِ الصَّحابَةِ ومَن يَعْتَدُّ بِهِ، أوْ بِدَلِيلٍ آخَرَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ مُجاهِدٌ: كانَ المُشْرِكُونَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عُراةً، يَقُولُونَ: نَطُوفُ كَما ولَدَتْنا أُمَّهاتُنا، فَتَضَعُ المَرْأةُ عَلى قُبُلِها النِّسْعَةَ أوِ الشَّيْءَ وتَقُولُ:

؎اليَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ وما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهُ

فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتِ العَرَبُ، ما عَدا قُرَيْشًا، لا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ في ثِيابِهِمُ الَّتِي لَبِسُوها، يَتَأوَّلُونَ في ذَلِكَ أنَّهم لا يَطُوفُونَ في ثِيابٍ عَصَوُا اللَّهَ فِيها. وكانَتْ قُرَيْشٌ - وهُمُ الحُمْسُ - يَطُوفُونَ في ثِيابِهِمْ، ومَن أعارَهُ أحْمَسِيٌّ ثَوْبًا طافَ فِيهِ، ومَن مَعَهُ ثَوْبٌ جَدِيدٌ طافَ فِيهِ ثُمَّ يُلْقِيهِ، فَلا يَتَمَلَّكُهُ أحَدٌ، ومَن لَمْ يَجِدْ ثَوْبًا جَدِيدًا، ولا أعارَهُ أحْمَسِيٌّ ثَوْبًا، طافَ عُرْيانًا، ورُبَّما كانَتِ امْرَأةً، فَتَطُوفُ عُرْيانَةً، فَتَجْعَلُ عَلى فَرْجِها شَيْئًا لِيَسْتُرَهُ بَعْضَ السَّتْرِ، فَتَقُولُ: اليَوْمَ يَبْدُو... - البَيْتَ- وأكْثَرُ ما كانَ النِّساءُ يَطُفْنَ بِاللَّيْلِ، وكانَ هَذا شَيْئًا قَدِ ابْتَدَعُوهُ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، واتَّبَعُوا فِيهِ آباءَهُمْ، ويَعْتَقِدُونَ أنَّ فِعْلَ آبائِهِمْ مُسْتَنِدٌ إلى أمْرٍ مِنَ اللَّهِ وشَرْعٌ، فَأنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.

وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في (الإكْلِيلِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا؛ أنَّها نَزَلَتْ في طَوافِهِمْ بِالبَيْتِ عُراةً، رَواهُ أبُو الشَّيْخِ وغَيْرُهُ، قالَ: فَفِيها وُجُوبُ سَتْرِ العَوْرَةِ في الطَّوافِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: ذَهَبَ المُعْتَزِلَةُ إلى أنَّ الإرادَةَ مَدْلُولُ الأمْرِ، ولازِمَةٌ لَهُ، والفَحْشاءُ -أعْنِي الشُّرُورَ والمَعاصِيَ- غَيْرُ مَأْمُورٍ بِها بِنَصِّ الآيَةِ، …

Al-A'raaf 7:28Listen in Qur'an →
29

قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

Say, [O Muhammad], "My Lord has ordered justice and that you maintain yourselves [in worship of Him] at every place [or time] of prostration, and invoke Him, sincere to Him in religion." Just as He originated you, you will return [to life] -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٩] ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾

﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ " أيْ: بِالعَدْلِ، ولِلسَّلَفِ فِيهِ هُنا وُجُوهٌ: ما ظَهَرَ في العُقُولِ كَوْنُهُ حَسَنًا، أوِ التَّوْحِيدُ، أوْ كَلِمَةُ الإخْلاصِ. وعَنْ أبِي مُسْلِمٍ: جَمِيعُ الطّاعاتِ. قالَ الحاكِمُ: وهو الوَجْهُ: ولا يَخْفى أنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَشْمَلُهُ (القِسْطُ) فَلا مُنافاةَ.

﴿وأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَنْحَلُّ إلَيْهِ المَصْدَرُ مَعَ (أنْ). أيْ: بِأنْ أقْسِطُوا وأقِيمُوا، والمَصْدَرُ يَنْحَلُّ إلى الماضِي والمُضارِعِ والأمْرِ، كَما نَقَلَهُ المُعْرِبُ. أوْ مَعْطُوفٌ عَلى " أمَرَ رَبِّي " أيْ: قُلْ أقِيمُوا.

قالَ الجُرْجانِيُّ: الأمْرُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ، لِأنَّ المَقْصُودَ لَفْظُهُ، أوْ لِأنَّهُ إنْشاءٌ مَعْنًى. انْتَهى.

والوُجُوهُ مَجازٌ عَنِ الذَّواتِ. ومَسْجِدٌ إمّا مَصْدَرٌ، والوَقْتُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، و" عِنْدَ " بِمَعْنى (فِي)، أيْ: أقِيمُوا ذَواتِكم في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ، وذَلِكَ بِمَنعِها عَنْ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ فِيهِ، وبِمُراعاةِ مُوافَقَةِ الأمْرِ مَعَ صِدْقِ النِّيَّةِ، أوْ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ فِيهِ، وإمّا اسْمُ زَمانٍ أوْ مَكانٍ بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ، أيْ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ أوْ مَكانِهِ.

والسُّجُودُ عَلى هَذِهِ الأوْجُهِ مَجازٌ عَنِ الصَّلاةِ، أوِ المَسْجِدُ هو المُصْطَلَحُ عَلَيْهِ، والمَعْنى: في أيِّ مَسْجِدٍ حَضَرَتْكُمُ الصَّلاةُ ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكُمْ، والأمْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِلنَّدْبِ، قِيلَ: وهو لا يُناسِبُ المَقامَ، وإمّا عَلى ما قَبْلَهُ، فَهو لِلْوُجُوبِ.

وهَذِهِ الوُجُوهُ مُسْتَفادَةٌ مِمّا رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ. قالَ في (اللُّبابِ): مَعْنى الآيَةِ في قَوْلِ مُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ: وجِّهُوا وُجُوهَكم حَيْثُما كُنْتُمْ في الصَّلاةِ إلى الكَعْبَةِ. وقالَ الضَّحّاكُ: المَعْنى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ وأنْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ فَصَلُّوا فِيها، ولا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: أُصَلِّي في مَسْجِدِي، أوْ مَسْجِدِ قَوْمِي، وقِيلَ مَعْناهُ اجْعَلُوا سُجُودَكم لِلَّهِ خالِصًا.

﴿وادْعُوهُ﴾ " أيِ: اعْبُدُوهُ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ " أيِ: الطّاعَةَ بِتَخْصِيصِها لَهُ، لِأنَّهُ اسْتَحَقَّ عِبادَتَكم بِإبْدائِهِ إيّاكُمْ، ولا يَسَعُكم تَرْكُها، إذْ إلَيْهِ عَوْدُكم بِالآخِرَةِ، فَإنَّهُ ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ " أيْ: كَما أنْشَأكُمُ ابْتِداءً، يُعِيدُكم إلَيْهِ أحْياءً، فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ، فَأخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ. وإنَّما شَبَّهَ الإعادَةَ بِالِابْتِداءِ، تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها.

Al-A'raaf 7:29Listen in Qur'an →
30

فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ

A group [of you] He guided, and a group deserved [to be in] error. Indeed, they had taken the devils as allies instead of Allah while they thought that they were guided.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣٠] ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾

﴿فَرِيقًا هَدى﴾ " بِأنْ وفَّقَهم لِلْإيمانِ ﴿وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ " وهُمُ الكافِرُونَ ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ﴾ " أيْ: أنْصارًا وأرْبابًا ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ " حَيْثُ أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ " أيْ: أنَّهم عَلى هِدايَةٍ وحَقٍّ فِيما اعْتَقَدُوا.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ مِن أبْيَنِ الدَّلالَةِ عَلى خَطَأِ قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ أحَدًا عَلى مَعْصِيَةٍ رَكِبَها، أوْ ضَلالَةٍ اعْتَقَدَها، إلّا أنْ يَأْتِيَها بَعْدَ عِلْمٍ مِنهُ بِصَوابِ وجْهِها، فَيَرْكَبُها عِنادًا مِنهُ لِرَبِّهِ فِيها، لِأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَ فَرِيقِ الضَّلالَةِ الَّذِي ضَلَّ، وهو يَحْسَبُ أنَّهُ مُهْتَدٍ، وفَرِيقِ الهُدى فَرْقٌ، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَ أسْمائِهِما وأحْكامِهِما في هَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى.

وحاصِلُهُ، كَما قالَ القاضِي: إنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكافِرَ المُخْطِئَ والمُعانِدَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ.

قالَ القاضِي: ولِلْفارِقِ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ، أيْ: يَحْمِلُ الضَّمِيرَ في " اتَّخَذُوا " عَلى الكافِرِ المُقَصِّرِ في النَّظَرِ. وأمّا الَّذِينَ اجْتَهَدُوا وبَذَلُوا الوُسْعَ فَمَعْذُورُونَ، كَما هو مَذْهَبُ البَعْضِ- كَذا في (العِنايَةِ).

الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ الظَّنِّ والحُسْبانِ لا يَكْفِي في صِحَّةِ الدِّينِ، بَلْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الجَزْمِ والقَطْعِ واليَقِينِ، لِأنَّهُ تَعالى عابَ الكُفّارَ بِأنَّهم يَحْسَبُونَ كَوْنَهم مُهْتَدِينَ. ولَوْلا أنَّ هَذا الحُسْبانَ مَذْمُومٌ، لَما ذَمَّهم بِذَلِكَ. انْتَهى.

قالَ المَهايِمِيُّ: ومِمّا حَسِبُوا فِيهِ أنَّهم مُهْتَدُونَ بِمُتابَعَةِ الشَّيْطانِ، تَرْكُهُمُ التَّزَيُّنَ والتَّلَذُّذَ مَعَ العِبادَةِ، فَطافُوا عُراةً، وتَرْكُهُمُ اللَّحْمَ والسُّمَّ مَعَ الإحْرامِ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ:

Al-A'raaf 7:30Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.