Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 191–200 of 206

191

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًۭٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

Do they associate with Him those who create nothing and they are [themselves] created?

﴿أيُشْرِكُونَ﴾ بِهِ تَعالى ﴿ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾ أيْ: ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أصْلًا، ومِن حَقِّ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ خالِقًا لِعابِدِهِ لا مَحالَةَ، وعَنى (بِما) الأصْنامَ، وإرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْها مُفْرَدًا لِرِعايَةِ لَفْظِها كَما أنَّ إرْجاعَ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْها مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾ لِرِعايَةِ مَعْناها وإيرادُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ مَعَ أنَّ الأصْنامَ مِمّا لا يَعْقِلُ إنَّما هُوَ: بِحَسْبِ اعْتِقادِهِمْ فِيها وإجْرائِهِمْ لَها مَجْرى العُقَلاءِ وتَسْمِيَتِهِمْ لَها آلِهَةً.

والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿لا يَخْلُقُ﴾، والجَمْعُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِإبانَةِ كَمالِ مُنافاةِ حالِ ما أشْرَكُوهُ لِما اعْتَقَدُوا فِيهِ، وإظْهارِ غايَةِ جَهْلِهِمْ، وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِلْخالِقِ لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِهِ والِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى.

Al-A'raaf 7:191Listen in Qur'an →
192

وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًۭا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And the false deities are unable to [give] them help, nor can they help themselves.

﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ: الأصْنامُ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوهم ﴿نَصْرًا﴾ أيْ: نَصْرًا ما إذا أحْزَنَهم أمْرُهم وخَطْبٌ مُلِمٌّ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا اعْتَراهم حادِثَةٌ مِنَ الحَوادِثِ أيْ: لا يَدْفَعُونَها عَنْ أنْفُسِهِمْ، وإيرادُ النَّصْرِ لِلْمُشاكَلَةِ وهو مَجازٌ في لازِمِ مَعْناهُ، وهَذا لِتَأْكِيدِ العَجْزِ والِاحْتِياجِ المُنافِيَيْنِ لِاسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ، ووُصِفُوا فِيما تَقَدَّمَ بِالمَخْلُوقِيَّةِ لِكَوْنِهِمْ أهْلًا لَها ولَمْ يُوصَفُوا هُنا بِالمَنصُورِيَّةِ لِأنَّهم لَيْسُوا أهْلًا لَها.

Al-A'raaf 7:192Listen in Qur'an →
193

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَٰمِتُونَ

And if you [believers] invite them to guidance, they will not follow you. It is all the same for you whether you invite them or you are silent.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَمّا هو أدْنى مِنَ النَّصْرِ المَنفِيِّ عَنْهم وأيْسَرُ وهو مُجَرَّدُ الدَّلالَةِ عَلى البُغْيَةِ والإرْشادِ إلى طَرِيقِ حُصُولِها مِن غَيْرِ أنْ تَحْصُلَ لِلطّالِبِ. والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ بِدَلالَةِ ما بَعْدُ، وفِيهِ إيذانٌ بِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، أيْ: وإنْ تَدْعُوا الأصْنامَ أيُّها المُشْرِكُونَ إلى أنْ يُرْشِدُوكم إلى ما تُحَصِّلُونَ بِهِ المَطالِبَ أوْ تَنْجُونَ بِهِ عَنِ المَكارِهِ لا يَتَّبِعُوكم إلى مُرادِكم ولا يُجِيبُوكم ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. وقَرَأ نافِعٌ: (يَتْبَعُوكُمْ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ ومُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ الِاتِّباعِ، أيْ: مُسْتَوٍ عَلَيْكم في عَدَمِ الإفادَةِ دُعاؤُكم لَهم وسُكُوتُكُمْ؛ فَإنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ حالُكم في الحالَيْنِ كَما لا يَتَغَيَّرُ حالُهم بِحُكْمِ الجَمادِيَّةِ، وكانَ الظّاهِرُ الإتْيانَ بِالفِعْلِ فِيما بَعْدَ (أمْ) لِأنَّ ما في حَيِّزِ هَمْزَةِ التَّسْوِيَةِ مُؤَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ إحْداثَ الدَّعْوَةِ مُقابَلٌ بِاسْتِمْرارِ الصِّماتِ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: إنَّ الِاسْمِيَّةَ بِمَعْنى الفِعْلِيَّةِ وإنَّما عُدِلَ عَنْها لِأنَّها رَأْسُ فاصِلَةٍ وفِيهِ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: تَصْمُتُونَ تَمَّ المُرادُ.

وقِيلَ: إنَّ ضَمِيرَ: (تَدْعُوا) لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ أوْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجُمِعَ لِلتَّعْظِيمِ، وضَمِيرُ المَفْعُولِينَ لِلْمُشْرِكِينَ، والمُرادُ بِالهُدى دِينُ الحَقِّ أيْ: إنْ تَدْعُوا المُشْرِكِينَ إلى الإسْلامِ لا يَتَّبِعُوكم أيْ: لَمْ يُحَصِّلُوا ذَلِكَ مِنكم ولَمْ يَتَّصِفُوا بِهِ، وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ مِمّا لا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ أصْلًا عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقِيلَ عَلَيْهِمْ مَكانَ عَلَيْكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّ اسْتِواءَ الدُّعاءِ وعَدَمَهُ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ لا بِالنِّسْبَةِ إلى الدّاعِينَ فَإنَّهم فائِزُونَ بِفَضْلِ الدَّعْوَةِ، ولَعَلَّ رِوايَةَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ غَيْرُ ثابِتَةٍ، والطَّبَرْسِيُّ حاطِبُ لَيْلٍ،

Al-A'raaf 7:193Listen in Qur'an →
194

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ

Indeed, those you [polytheists] call upon besides Allah are servants like you. So call upon them and let them respond to you, if you should be truthful.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن عَدَمِ اتِّباعِهِمْ لَهُمْ، والدُّعاءُ إمّا بِمَعْنى العِبادَةِ تَسْمِيَةً لَها بِجُزْئِها، أوْ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ كَدَعْوَتِهِ زَيْدًا، ومَفْعُولانِ مَحْذُوفانِ أيْ: إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم

صفحة 144

﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أوْ تُسَمُّونَهم آلِهَةً مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: مُماثِلَةٌ لَكم مِن حَيْثُ إنَّها مَمْلُوكَةٌ لِلَّهِ تَعالى مُسَخَّرَةٌ لِأمْرِهِ عاجِزَةٌ عَنِ النَّفْعِ والضُّرِّ كَما قالَ الأخْفَشُ، وتَشْبِيهُها بِهِمْ في ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ عَجْزِها عَنْهُما أظْهَرَ وأقْوى مِن عَجْزِهِمْ إنَّما هُوَ: لِاعْتِرافِهِمْ بِعَجْزِ أنْفُسِهِمْ وزَعْمِهِمْ قُدْرَتَها عَلَيْهِما؛ إذْ هو الَّذِي يَدْعُوهم إلى عِبادَتِها والِاسْتِعانَةِ بِها، وقِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّهم لَمّا نَحَتُوا الأصْنامَ بِصُوَرِ الأناسِيِّ قالَ سُبْحانَهُ لَهُمْ: إنَّ قُصارى أمْرِهِمْ أنْ يَكُونُوا أحْياءً عُقَلاءَ أمْثالَكم فَلا يَسْتَحِقُّونَ عِبادَتَكم كَما لا يَسْتَحِقُّ بَعْضُكم عِبادَةَ بَعْضٍ فَتَكُونُ المِثْلِيَّةُ في الحَيَوانِيَّةِ والعَقْلِ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ لِكَوْنِهِمْ بِصُورَةِ الأحْياءِ العُقَلاءِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: (إنِ الَّذِينَ تَدْعُونَ) بِتَخْفِيفِ إنَّ ونَصْبِ: عِبادًا أمْثالَكُمْ، وخَرَّجَها ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى أنَّ إنَّ نافِيَةٌ عَمِلَتْ عَمَلَ ما الحِجازِيَّةِ وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ وبَعْضِ الكُوفِيِّينَ. واعْتُرِضَ أوَّلًا بِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مِثْلُ ذَلِكَ، وثانِيًا بِأنَّهُ يَقْتَضِي نَفْيَ كَوْنِهِمْ عِبادًا أمْثالَهُمْ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ تُثْبِتُهُ فَتَتَناقَضُ القِراءَتانِ، وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ القائِلَ بِهِ يَقُولُ: إنَّهُ ثابِتٌ في كَلامِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:

إنْ هو مُسْتَوْلِيًا عَلى أحَدٍ إلّا عَلى أضْعَفِ المَجانِينِ

وعَنِ الثّانِي أنَّهُ لا تَناقُضَ لِأنَّ المَشْهُورَةَ تُثْبِتُ المِثْلِيَّةَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ وهَذِهِ تَنْفِيها مِن كُلِّ الوُجُوهِ أوْ مِن وجْهٍ آخَرَ، فَإنَّ الأصْنامَ جَماداتٌ مَثَلًا، والدّاعِينَ لَيْسُوا بِها، وقِيلَ: إنَّها إنْ المُخَفَّفَةُ مِنَ المُثَقَّلَةِ وإنَّها عَلى لُغَةِ مَن نَصَبَ بِها الجُزْأيْنِ كَقَوْلِهِ:

إذا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ ولْتَكُنْ ∗∗∗ خُطاكَ خِفافًا إنَّ حُرّاسَنا أُسْدا

فِي رَأيٍ، ولا يَخْفى أنَّ إعْمالَ المُخَفَّفَةِ ونَصْبَ جُزْأيْها كِلاهُما قَلِيلٌ ضَعِيفٌ، ومِن هُنا إنَّهُما مُهْمَلَةٌ وخَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ وهو النّاصِبُ لِ (عِبادًا) و(أمْثالَكُمْ) عَلى القِراءَتَيْنِ نَعْتٌ لِعِبادٍ عَلَيْهِما أيْضًا، وقُرِئَ: (إنَّ) بِالتَّشْدِيدِ و(عِبادًا) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ وأمْثالُكم بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ أنَّ، وقُرِئَ بِهِ مَرْفُوعًا في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ ونَصْبِ (عِبادًا)، وخَرَجَ ذَلِكَ عَلى الحالِيَّةِ والخَبَرِيَّةِ أيْضًا.

﴿فادْعُوهم فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ بِتَعْجِيزِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ. أيْ: فادْعُوهم في رَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ.

﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في زَعْمِكم أنَّهم قادِرُونَ عَلى ما أنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْهُ،

Al-A'raaf 7:194Listen in Qur'an →
195

أَلَهُمْ أَرْجُلٌۭ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍۢ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌۭ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌۭ يَسْمَعُونَ بِهَا ۗ قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ

Do they have feet by which they walk? Or do they have hands by which they strike? Or do they have eyes by which they see? Or do they have ears by which they hear? Say, [O Muhammad], "Call your 'partners' and then conspire against me and give me no respite.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ إلَخْ تَبْكِيتٌ أثَرَ مُؤَكِّدٍ لِما يُفِيدُهُ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ مِن عَدَمِ الِاسْتِجابَةِ بِبَيانِ فِقْدانِ آلاتِها بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في المُماثَلَةِ كَرٌّ عَلى المِثْلِيَّةِ بِالنَّقْضِ لِأنَّهم أدْوَنُ مِنهُمْ، وعِبادَةُ الشَّخْصِ مَن هو مِثْلُهُ لا تَلِيقُ فَكَيْفَ مَن هو دُونَهُ، وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فِيها عَوْدٌ عَلى الفَرْضِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ المِثْلِيَّةُ بِالإبْطالِ، وعَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ وإرادَةِ النَّفْيِ تَقْرِيرٌ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ بِإثْباتِ القُصُورِ والنُّقْصانِ، ووُجِّهَ الإنْكارُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآلاتِ الأرْبَعِ عَلى حِدَةٍ تَكْرِيرًا لِلتَّبْكِيتِ وتَثْنِيَةً لِلتَّقْرِيعِ وإشْعارًا بِأنَّ انْتِقاءَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها بِحِيالِها كافٍ في الدَّلالَةِ عَلى اسْتِحالَةِ الِاسْتِجابَةِ ولَيْسَ المُرادُ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذِهِ لا يَسْتَحِقُّ الأُلُوهِيَّةَ وإنَّما يَسْتَحِقُّها مَن كانَتْ لَهُ لِيَلْزَمَ إمّا نَفْيُ اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى لَها أوْ إثْباتُ ذَلِكَ لَهُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُجَسِّمَةِ واسْتَبْدَلَ بِالآيَةِ عَلَيْهِ بَلْ مُجَرَّدُ إثْباتِ العَجْزِ، ومِن ذَلِكَ يُعْلَمُ نَفْيُ الِاسْتِحْقاقِ. ووَصْفُهُ الأرْجُلَ بِالمَشْيِ بِها لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ هو الوَصْفُ وإنَّما وُجِّهَ إلى الأرْجُلِ لا إلى الوَصْفِ بِأنْ يُقالَ: أيَمْشُونَ بِأرْجُلِهِمْ لِتَحْقِيقِ أنَّها حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ مِنها ما يَظْهَرُ مِن سائِرِ الأرْجُلِ فَهي لَيْسَتْ بِأرْجُلٍ في الحَقِيقَةِ، وكَذا

صفحة 145

الكَلامُ فِيما بَعْدُ مِنَ الجَوارِحِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، وكَلِمَةُ (أمْ) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم أيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها﴾ مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِنَ الهَمْزَةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّبْكِيتِ، وبَلْ لِلْإضْرابِ المُفِيدِ لِلِانْتِقالِ مِن فَنٍّ مِنهُ بَعْدَ تَمامِهِ إلى آخَرَ مِنهُ مِمّا تَقَدَّمَ، والبَطْشُ الأخْذُ بِقُوَّةٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (يَبْطُشُونَ) بِضَمِّ الطّاءِ وهو لُغَةٌ فِيهِ، والمَعْنى: بَلْ ألَهم أيْدٍ يَأْخُذُونَ بِها ما يُرِيدُونَ أوْ يَدْفَعُونَ بِها عَنْكُمْ، وتَأْخِيرُ هَذا عَمّا قَبْلَهُ كَما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِما أنَّ المَشْيَ حالُهم في أنْفُسِهِمْ والبَطْشَ حالُهم بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ، وأمّا تَقْدِيمُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ لَهم أعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أمْ لَهم آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ مَعَ أنَّ الكُلَّ سَواءٌ في أنَّها مِن أحْوالِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ فَلِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بَيْنَ الأيْدِي والأرْجُلِ، ولِأنَّ انْتِفاءَ المَشْيِ والبَطْشِ أظْهَرُ والتَّبْكِيتَ بِهِ أقْوى، وأمّا تَقْدِيمُ الأعْيُنِ عَلى الآذانِ فَلِأنَّها أشْهَرُ مِنها وأظْهَرُ عَيْنًا وأثَرًا، وكَوْنُ الإبْصارِ بِالعَيْنِ والسَّماعِ بِالأُذُنِ جارٍ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ في بَعْضِ الأشْياءِ قُوَّةً بِها تُؤَثِّرُ إذا أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَها خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَها لا بِها. وزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ قَرِيبٌ إلى الكُفْرِ ولَيْسَ كَما زُعِمَ بَلْ هو الحَقُّ الحَقِيقُ بِالقَبُولِ.

﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ أمْرٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِأنْ يُناصِبَهُمُ المَحاجَّةَ ويُكَرِّرَ عَلَيْهِمُ التَّبْكِيتَ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ شُرَكاءَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، أيِ ادْعُوا شُرَكاءَكم واسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلَيَّ ﴿ثُمَّ …

Al-A'raaf 7:195Listen in Qur'an →
196

إِنَّ وَلِۦِّىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ

Indeed, my protector is Allah, who has sent down the Book; and He is an ally to the righteous.

﴿إنَّ ولِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعَدَمِ المُبالاةِ المُنْفَهِمِ مِنَ السَّوْقِ انْفِهامًا جَلِيًّا، وألْ في الكِتابِ لِلْعَهْدِ والمُرادُ مِنهُ القُرْآنُ، ووَصَفَهُ سُبْحانَهُ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ لِلْإشْعارِ بِدَلِيلِ الوِلايَةِ، وكَأنَّهُ وضَعَ (نَزَّلَ الكِتابَ) مَوْضِعَ (أرْسَلَنِي رَسُولًا)، ولا شَكَّ أنَّ الإرْسالَ يَقْتَضِي الوِلايَةَ والنُّصْرَةَ، وقِيلَ: إنَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى عِلَّةٍ أُخْرى لِعَدَمِ المُبالاةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا أُبالِي بِكم وبِشُرَكائِكم لِأنَّ ولِيِّي هو اللَّهُ تَعالى الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ النّاطِقَ بِأنَّهُ ولِيِّي وناصِرِي وبِأنَّ شُرَكاءَكم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ نَصْرِكُمْ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وهُوَ يَتَوَلّى الصّالِحِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، أيْ: ومِن عادَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يَنْصُرَ الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ ولا يَخْذُلَهم وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّما خُصَّ اسْمُ الذّاتِ بِتَنْزِيلِ الكِتابِ وجُعِلَتِ الآيَةُ تَعْلِيلًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَفْخِيمِ أمْرِ المُنْزِلِ وأنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وأنَّهُ المُجَلِّي لِظُلُماتِ الشِّرْكِ والمُفْحِمُ لِألْسُنِ أرْبابِ البَيانِ والمُعْجِزُ الباقِي في كُلِّ أوانٍ، وهو النُّورُ المُبِينُ والحَبْلُ المَتِينُ، وبِهِ أصْلَحَ اللَّهُ تَعالى شُؤُونَ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَيْثُ كَمَّلَ بِهِ خُلُقَهُ وأقامَ بِهِ أوْدَهُ وأفْسَدَ بِهِ الأباطِيلَ المُعَطِّلَةَ، ومِن ثَمَّ جِيءَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( وهو ) إلَخْ كالتَّذْيِيلِ والتَّقْرِيرِ لِما سَبَقَ والتَّعْرِيضِ بِمَن فَقَدَ الصَّلاحَ بِالخِذْلانِ والمَحْقِ. والمَعْنى: إنَّ ولِيِّيَ الَّذِي نَزَّلَ الكِتابَ المَشْهُورَ الَّذِي تَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ ومُثُلَهُ

صفحة 146

يَتَوَلّى الصّالِحِينَ ويَخْذُلُ غَيْرَهُمْ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذُكِرَ أوَّلًا في أمْرِ الوَصْفِيَّةِ أنْسَبُ بِالمَقامِ وأمْرُ التَّذْيِيلِ مِمّا لا مِرْيَةَ فِيهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِمّا جَرَّبْتُ المُداوَمَةَ عَلَيْها لِلْحِفْظِ مِنَ الأعْداءِ وكانَتْ وِرْدَ الوالِدِ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ في الأسْحارِ، وقَدْ أمَرَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ الأكابِرِ في المَنامِ، والجُمْهُورُ عَلى تَشْدِيدِ الياءِ الأُولى مِن (ولِيِّيَ) وفَتْحِ الثّانِيَةِ ويُقْرَأُ بِحَذْفِها في اللَّفْظِ لِسُكُونِها وسُكُونِ ما بَعْدَها، وبِفَتْحِ الأُولى ولا ياءَ بَعْدَها وحَذْفِ الثّانِيَةِ مِنَ اللَّفْظِ تَخْفِيفًا.

Al-A'raaf 7:196Listen in Qur'an →
197

وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ

And those you call upon besides Him are unable to help you, nor can they help themselves."

﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَهم أوْ تَدْعُونَهم مِن دُونِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلِاسْتِعانَةِ بِهِمْ عَلى حَسْبَما أمَرْتُكم بِهِ.

﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ويَدْخُلُ في ذَلِكَ الأمْرُ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجُوِّزَ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ ﴿ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ﴾ إذا أُصِيبُوا بِحادِثَةٍ

Al-A'raaf 7:197Listen in Qur'an →
198

وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ

And if you invite them to guidance, they do not hear; and you see them looking at you while they do not see.

﴿وإنْ تَدْعُوهم إلى الهُدى﴾ أيْ: إلى أنْ يَهْدُوكم إلى ما تُحَصِّلُونَ بِهِ مَقاصِدَكم مُطْلَقًا أوْ في خُصُوصِ الكَيْدِ المَعْهُودِ ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ أيْ: دُعاءَكم فَضْلًا عَنِ المُساعَدَةِ والإمْدادِ، وهَذا أبْلَغُ مِن نَفْيِ الِاتِّباعِ، وحَمْلُ السَّماعِ عَلى القَبُولِ كَما في سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وتَراهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ وهم لا يُبْصِرُونَ﴾ بَيانٌ لِعَجْزِهِمْ عَنِ الإبْصارِ بَعْدَ بَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ السَّمْعِ، وبِهَذا عَلى ما قِيلَ تَمَّ التَّعْلِيلُ لِعَدَمِ المُبالاةِ فَلا تَكْرارَ أصْلًا، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّ ما مَرَّ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَن تَجُوزُ عِبادَتُهُ وغَيْرِهِ، وهَذا جَوابٌ ورَدَ لِتَخْوِيفِهِمْ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِآلِهَتِهِمْ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وجُمْلَةُ (يَنْظُرُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الرّاجِعِ لِلْأصْنامِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ حالٌ مِن فاعِلِ يَنْظُرُونَ، والخِطابُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، والمَعْنى: وتَرى الأصْنامَ رَأْيَ العَيْنِ يُشْبِهُونَ النّاظِرَ إلَيْكَ ويُخَيَّلُ لَكَ أنَّهم يُبْصِرُونَ لِما أنَّهم صُنِعَ لَهم أعْيُنٌ مُرَكَّبَةٌ بِالجَواهِرِ المُتَلَأْلِئَةِ وصُوِّرَتْ بِصُورَةٍ مِن قَلْبِ حَدَقَتِهِ إلى الشَّيْءِ يَنْظُرُ إلَيْهِ، والحالُ أنَّهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى الإبْصارِ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ دُونَ الكُلِّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ كالخِطاباتِ السّابِقَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ رُؤْيَةَ الأصْنامِ عَلى الهَيْئَةِ المَذْكُورَةِ لا يَتَسَنّى لِلْكُلِّ مَعًا بَلْ لِكُلِّ مَن يُواجِهُها.

وذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ إلى أنَّ الخِطابَ في (تَراهُمْ) لِكُلِّ واقِفٍ عَلَيْهِ، وقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ عَلى حالِهِ أوْ لِلْمُشْرِكِينَ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُوا﴾ أيْ: وتَرى المُشْرِكِينَ ناظِرِينَ إلَيْكَ والحالُ أنَّهم لا يُبْصِرُونَكَ كَما أنْتَ عَلَيْهِ أوْ لا يُبْصِرُونَ الحُجَّةَ كَما قالَ السُّدِّيُّ ومُجاهِدٌ، ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ الخِطابَ في ﴿وإنْ تَدْعُوهُمْ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ( يُنْصَرُونَ ) أيْ: وإنْ تَدْعُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ المُشْرِكِينَ إلى الإسْلامِ لا يَلْتَفِتُوا إلَيْكم ولا يَقْبَلُوا مِنكُمْ، وعَلى هَذا يَحْسُنُ تَفْسِيرُ السَّماعِ بِالقَبُولِ، وجُعِلَ (وتَراهُمْ) خِطابًا لِسَيِّدِ المُخاطَبِينَ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ، وفي الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما فِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ ودَلائِلِ الرِّسالَةِ مِنَ الجَلاءِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَخْفى عَلى النّاظِرِينَ.

وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةً وما كانَ في مَوْضِعِ الحالِ يَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي والأوَّلُ أوْلى.

Al-A'raaf 7:198Listen in Qur'an →
199

خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَٰهِلِينَ

Take what is given freely, enjoin what is good, and turn away from the ignorant.

﴿خُذِ العَفْوَ﴾ أيْ: ما عَفا وسَهُلَ وتَيَسَّرَ مِن أخْلاقِ النّاسِ، وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُّبَيْرِ وعائِشَةُ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وغَيْرُهُمْ، وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ آدَمَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

والأخْذُ مَجازٌ عَنِ القَبُولِ والرِّضا، أيِ ارْضَ مِنَ النّاسِ بِما تَيَسَّرَ مِن أعْمالِهِمْ وما أتى مِنهم وتَسَهَّلَ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ ولا تَطْلُبْ مِنهُمُ الجُهْدَ وما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ حَتّى لا يَنْفِرُوا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ:

صفحة 147

خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ

وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالعَفْوِ ظاهِرُهُ أيْ: خُذِ العَفْوَ عَنِ المُذْنِبِينَ والمُرادُ اعْفُ عَنْهُمْ، وفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إذْ شَبَّهَ العَفْوَ بِأمْرٍ مَحْسُوسٍ يُطْلَبُ فَيُؤْخَذُ، وإلى هَذا جَمْعٌ مِنَ السَّلَفِ، ويَشْهَدُ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُما عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ إلى آخِرِهِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ العالِمَ. فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَكَ أنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَصِلَ مَن قَطَعَكَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرٍ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَعَلَّ زُبْدَةَ الحَدِيثِ مُفَسِّرَةٌ لِزُبْدَةِ الآيَةِ، وإلّا فالتَّطْبِيقُ مُشْكِلٌ كَما لا يَخْفى. وتَكَلَّفَ القُطْبُ لِتَطْبِيقِ ألْفاظِهِ عَلى ألْفاظِها وفِيهِ خَفاءٌ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُرادُ بِالعَفْوِ ما عُفِيَ مِن أمْوالِ النّاسِ، أيْ: خُذْ أيَّ شَيْءٍ أتَوْكَ بِهِ وكانَ هَذا قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ، وقِيلَ: العَفْوُ ما فَضَلَ عَنِ النَّفَقَةِ مِنَ المالِ وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ الجَوْهَرِيُّ وإلَيْهِ ذَهَبَ السُّدِّيُّ. فَقَدْ أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكانَ الرَّجُلُ يُمْسِكُ مِن مالِهِ ما يَكْفِيهِ ويَتَصَدَّقُ بِالفَضْلِ، فَنَسَخَها اللَّهُ تَعالى بِالزَّكاةِ ﴿وأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ أيْ: بِالمَعْرُوفِ المُسْتَحْسَنِ مِنَ الأفْعالِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى قَبُولِ النّاسِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، وفي لُبابِ التَّأْوِيلِ أنَّ المُرادَ وأْمُرْ بِكُلِّ ما أمَرَكَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وعَرَفْتَهُ بِالوَحْيِ. وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ بِالعُرْفِ كَلِمَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وهو تَخْصِيصٌ مِن غَيْرِ داعٍ.

﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: ولا تُكافِئِ السُّفَهاءَ بِمِثْلِ سَفَهِهِمْ ولا تُمارِهِمْ واحُلْمْ عَلَيْهِمْ وأغُضَّ بِما يَسُوؤُكَ مِنهم. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ هَذا أمْرٌ بِالكَفِّ عَنِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَ بِآيَتِهِ، ولا ضَرُورَةَ إلى دَعْوى النَّسْخِ في الآيَةِ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَدَبِّرِ، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

وزُبْدَتُها كَما قالُوا: تَحَرِّي حُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ النّاسِ وتَوَخِّي بَذْلِ المَجْهُودِ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ والمُداراةِ مِنهم والإغْضاءِ عَنْ مُساوِيهِمْ، وجَعَلُوا نَحْوَ ذَلِكَ زُبْدَةَ الخَبَرِ إلّا أنَّ القُرْآنَ مادَّتُهُ عامَّةٌ ومادَّتُهُ خاصَّةٌ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ، ولا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِ هَذا الأمْرِ بَعْدَ ما عُدَّ مِن أباطِيلِ المُشْرِكِينَ وقَبائِحِهِمْ ما لا يُطاقُ حَمْلُهُ، وإذا قِيلَ: بِأنَّ الجاهِلِينَ مَوْضُوعٌ مَوْضِعَ …

Al-A'raaf 7:199Listen in Qur'an →
200

وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌۭ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

And if an evil suggestion comes to you from Satan, then seek refuge in Allah. Indeed, He is Hearing and Knowing.

«قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: كَيْفَ يا رَبِّ والغَضَبُ؟ فَنَزَلَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾» النَّزْغُ والنَّسْغُ والنَّخْسُ بِمَعْنًى. وهو إدْخالُ الإبْرَةِ أوْ طَرَفِ العَصا أوْ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ في الجِلْدِ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ يُقالُ: نَزَغْتُ ما بَيْنَ القَوْمِ إذا أفْسَدْتُ ما بَيْنَهُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو أدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، ومِنَ الشَّيْطانِ وسْوَسَتُهُ، والمَعْنى الأوَّلُ هو المَشْهُورُ.

وإطْلاقُهُ عَلى وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ مَجازٌ حَيْثُ شَبَّهَ وسْوَسَتَهُ إغْراءً لِلنّاسِ عَلى المَعاصِي وإزْعاجًا بِغَرْزِ السّائِقِ ما يَسُوقُهُ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ مَجازِيٌّ كَما في جَدَّ جِدُّهُ، وقِيلَ: النَّزْغُ بِمَعْنى النّازِغِ فالتَّجَوُّزُ في الطَّرَفِ، والأوَّلُ أبْلَغُ وأوْلى، أيْ: إمّا يَحْمِلَنَّكَ مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ وسْوَسَةٌ ما عَلى خِلافِ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ اعْتِراءِ غَضَبٍ أوْ نَحْوِهِ ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فاسْتَجِرْ بِهِ والتَجِئْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في دَفْعِهِ عَنْكَ.

﴿إنَّهُ سَمِيعٌ﴾ يَسْمَعُ عَلى أكْمَلِ وجْهٍ اسْتِعاذَتَكَ قَوْلًا.

﴿عَلِيمٌ﴾ يَعْلَمُ كَذَلِكَ تَضَرُّعَكَ

صفحة 148

إلَيْهِ قَلْبًا في ضِمْنِ القَوْلِ أوْ بِدُونِهِ فَيَعْصِمُكَ مِن شَرِّهِ، أوْ سَمِيعٌ أيْ: مُجِيبٌ دُعاءَكَ بِالِاسْتِعاذَةِ، عَلِيمٌ بِما فِيهِ صَلاحُ أمْرِكَ فَيَحْمِلُكَ عَلَيْهِ، أوْ سَمِيعٌ بِأقْوالِ مَن آذاكَ، عَلِيمٌ بِأفْعالِهِ فَيُجازِيهِ عَلَيْها. والآيَةُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِن بابِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ فَلا حُجَّةَ فِيها لِمَن زَعَمَ عَدَمَ عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ وارْتِكابِ المَعاصِي.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ وقَرِينُهُ مِنَ المَلائِكَةِ. قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: وإيّايَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى أعانَنِي عَلَيْهِ فَأسْلَمَ؛ فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ»».

وقالَ آخَرُونَ: إنَّ نَزْغَ الشَّيْطانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَجازٌ عَنِ اعْتِراءِ الغَضَبِ المُقْلِقِ لِلنَّفْسِ، وفي الآيَةِ حِينَئِذٍ زِيادَةُ تَنْفِيرٍ عَنِ الغَضَبِ، وفَرْطُ تَحْذِيرٍ عَنِ العَمَلِ بِمُوجِبِهِ، ولِذا كَرَّرَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ النَّهْيَ عَنْهُ كَما جاءَ في الحَدِيثِ، وفي الأمْرِ بِالِاسْتِعاذَةِ بِاللَّهِ تَعالى تَهْوِيلٌ لِذَلِكَ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ مِنَ الغَوائِلِ الَّتِي لا يُتَخَلَّصُ مِن مَضَرَّتِها إلّا بِالِالتِجاءِ إلى حَرَمِ عِصْمَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.

Al-A'raaf 7:200Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.