Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 181–190 of 206

181

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among those We created is a community which guides by truth and thereby establishes justice.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨١] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾

" ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ أيْ لِلْجَنَّةِ، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] -قالَهُ النَّسَفِيُّ - " ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَدْعُونَ إلَيْهِ " ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ ويَقْضُونَ، وقَدْ جاءَ في الآثارِ، أنَّ المُرادَ بِالأُمَّةِ، هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ يَقُولُ: هَذِهِ لَكُمْ، وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها.

وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ، حَتّى يَنْزِلَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ مَتّى ما نَزَلَ»» . وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» . وفي رِوايَةٍ: ««حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهم عَلى ذَلِكَ»» .

قالَ الشِّهابُ: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ في كُلِّ عَصْرٍ، وعَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَصْرٌ مِن مُجْتَهِدٍ إلى قِيامِ السّاعَةِ.

Al-A'raaf 7:181Listen in Qur'an →
182

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction] from where they do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٢] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾

" ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ سَنَأْخُذُهم بِالعَذابِ مِن طَرِيقٍ لا يَعْلَمُونَها، أوْ نَفْتَحُ لَهم مِنَ الأحْوالِ ما يُلائِمُ أهْوِيَتَهُمْ، ثُمَّ نُهْلِكُهم. وأصْلُ الِاسْتِدْراجِ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا، تَشْبِيهًا بِمَن يَرْقى دَرَجَةً دَرَجَةً، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى العُلُوِّ. وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ الدَّرَجِ الَّذِي يُطْوى فَكَأنَّهُ يَطْوِي مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، كَما يُطْوى الدَّرَجُ. وقِيلَ: لِأنَّهُ مِنَ الدَّرَجَةِ فَيَكُونُ، لِأنَّهُ يَنْحَطُّ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حالِ الهَلاكِ.

Al-A'raaf 7:182Listen in Qur'an →
183

وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

And I will give them time. Indeed, my plan is firm.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٣] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

" ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا " ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ.

والمَعْنِيُّونَ بِهَذا الخِطابِ كُفّارُ مَكَّةَ.

قالَ في (التَّنْوِيرِ): هم أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ المُسْتَهْزِئُونَ، أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ في يَوْمِ (أُحُدٍ)، وأهْلَكَ كُلَّ واحِدٍ بِهَلاكٍ غَيْرِ هَلاكِ صاحِبِهِ. انْتَهى.

ويَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:

Al-A'raaf 7:183Listen in Qur'an →
184

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

Then do they not give thought? There is in their companion [Muhammad] no madness. He is not but a clear warner.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

" ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ كَما يَخْتَلِقُونَ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأُمَّةِ الهادِيَةِ بِالحَقِّ، شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ " ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ إنْكارًا لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في شَأْنِهِ، المُوقَفِ عَلى صِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. ثُمَّ ابْتَدَأ نَفْيَ الجِنَّةِ عَنْهُ تَعْجِيبًا وتَبْكِيتًا.

و(الجِنَّةُ) مَصْدَرٌ، كالجِلْسَةِ، بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] لِأنَّهُ يَحُوجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مَسَّهُ جِنَّةٌ أوْ تَخَبُّطُها. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِ (صاحِبِهِمْ) لِلْإيذانِ بِأنَّ طُولَ مُصاحِبَتِهِمْ لَهُ، مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ عَمّا ذُكِرَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّكِيرِ، وتَشْدِيدٌ لَهُ " ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ مُخَوِّفٌ " ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ مُوَضِّحٌ إنْذارَهُ، مُبالَغَةً في الإعْذارِ. ولَمّا نَعى عَلَيْهِمْ تَفَكُّرَهم في شَأْنِهِ ﷺ، أنْكَرَ إخْلالَهم في التَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

Al-A'raaf 7:184Listen in Qur'an →
185

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allah has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement hereafter will they believe?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٥] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

" ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ " ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والسَّحابِ. والمَلَكُوتُ: المُلْكُ العَظِيمُ " ﴿والأرْضِ﴾ أيْ وفي مَلَكُوتِ الأرْضِ، مِنَ البِحارِ والجِبالِ والدَّوابِّ والشَّجَرِ. " ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ (الشَّيْءِ)، مِن أجْناسٍ لا يَحْصُرُها العَدَدُ، ولا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ " ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ). أيْ: في احْتِمالِ أنْ يَهْلَكُوا عَمّا قَرِيبٍ، فَيُفارِقُوا الدُّنْيا، وهم عَلى أتْعَسِ الأحْوالِ. " ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيِ القُرْآنِ " ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو المُعْجِزُ الجامِعُ لِكُلِّ ما يُفِيدُ الهِدايَةَ، وفي هَذا قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا، ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ، وأنَّها طَرِيقُ المَعْرِفَةِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ يُنْظَرُ فِيهِ، إلّا ويُعْرَفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ.

Al-A'raaf 7:185Listen in Qur'an →
186

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

Whoever Allah sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٦] ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

" ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في كُفْرِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، يَعْنِي أنَّ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، فَلا يَهْدِيهِ أحَدٌ، ولا يُغْنِيهِ النَّظَرُ، ولا الإنْذارُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]

Al-A'raaf 7:186Listen in Qur'an →
187

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the Hour: when is its arrival? Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allah, but most of the people do not know."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هو ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾

" ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ عَنْ قِيامِها وحِينِها " ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ أيْ مَتى إرْساؤُها أوْ وقْتُ إرْسائِها، أيْ إثْباتُها وإقْرارُها. والرُّسُوُّ يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ الثَّقِيلَةِ، وإطْلاقُهُ عَلى المَعانِي، تَشْبِيهًا لَها بِالأجْسامِ.

" ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هو. " ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ عَظُمَتْ وكَبُرَتْ عَلى أهْلِهِما لِهَوْلِها وما فِيها مِنَ المُحاسَبَةِ والمُجازاةِ، أوْ ثَقُلَ عِلْمُ وقْتِها عَلى أهْلِهِما. أوْ عَظُمَ وصْفُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، مِنِ انْتِشارِ النُّجُومِ، وتَكْوِيرِ الشَّمْسِ، وتَسْيِيرِ الجِبالِ " ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنكم.

" ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ أيْ: عالِمٌ بِها: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ أنَّ عِلْمَها عِنْدَ اللَّهِ، لَمْ يُؤْتِهِ أحَدًا مِن خَلْقِهِ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ كَرَّرَ " يَسْألُونَكَ " و" إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ " ؟ قُلْتُ: لِلتَّأْكِيدِ، وما جاءَ بِهِ مِن زِيادَةِ قَوْلِهِ: " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وعَلى هَذا تَكْرِيرُ العُلَماءِ الحُذّاقِ في كُتُبِهِمْ، لا يُخْلُونَ المُكَرَّرَ مِن فائِدَةٍ زائِدَةٍ. انْتَهى.

وقالَ النّاصِرُ في (الِانْتِصافِ): وفي هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّكْرِيرِ نُكْتَةٌ لا تُلْفى إلّا في الكِتابِ العَزِيزِ، وهو أجَلُّ مِن أنْ يُشارِكَ فِيها، وذاكَ أنَّ المَعْهُودَ في أمْثالِ هَذا التَّكْرِيرِ، أنَّ الكَلامَ إذا بُنِيَ عَلى مَقْصِدٍ، واعْتَرَضَ في أثْنائِهِ عارِضٌ، فَأُرِيدَ الرُّجُوعَ لِتَتْمِيمِ المَقْصِدِ الأوَّلِ، وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ، طُرِّيَ بِذِكْرِ المَقْصِدِ الأوَّلِ، لِتَتَّصِلَ نِهايَتُهُ بِبِدايَتِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ لِذَلِكَ في الكِتابِ العَزِيزِ أمْثالٌ، وسَيَأْتِي، وهَذا مِنها. فَإنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: " ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾ ثُمَّ اعْتَرَضَ ذِكْرَ الجَوابِ المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ إلى قَوْلِهِ " ﴿بَغْتَةً﴾ أُرِيدَ تَتْمِيمَ سُؤالِهِمْ عَنْها بِوَجْهٍ مِنَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، وهو المُضَمَّنُ في قَوْلِهِ " ﴿كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ وهو شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِالسُّؤالِ، وقَدْ بَعُدَ عَهْدُهُ، فَطُرِّيَ ذِكْرُهُ تَطْرِيَةً عامَّةً، ولا نَراهُ أبَدًا يَطْرى إلّا بِنَوْعٍ مِنَ الإجْمالِ، كالتَّذْكِرَةِ لِلْأوَّلِ، مُسْتَغْنًى عَنْ تَفْصِيلِهِ بِما تَقَدَّمَ. فَمِن ثَمَّ قِيلَ: " ﴿يَسْألُونَكَ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ المَسْؤُولَ عَنْهُ، وهو (السّاعَةُ) اكْتِفاءً بِما تَقَدَّمَ فَلَمّا كَرَّرَ السُّؤالَ لِهَذِهِ الفائِدَةِ كَرَّرَ الجَوابَ أيْضًا مُجْمَلًا، فَقالَ: " ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ ويُلاحَظُ هَذا في تَلْخِيصِ الكَلامِ بَعْدَ بَسْطِهِ. ومِن أدَقِّ ما وقَفَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ في هَذا النَّمَطِ مِنَ التَّكْرِيرِ لِأجْلِ بُعْدِ العَهْدِ، تَطْرِيَةً لِلذِّكْرِ، قَوْلُهُ:

؎عَجِّلْ لَنا هَذا وألْحِقْنا بِذا الشَّ شَحْمِ إنّا قَدْ مَلِلْناهُ بَجَلْ

أيْ فَقَطْ، فَذَكَرَ …

Al-A'raaf 7:187Listen in Qur'an →
188

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allah has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

" ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ لا أقْدِرُ لِأجْلِ نَفْسِي، عَلى جَلْبِ نَفْعٍ ما ولا عَلى دَفْعِ ضُرٍّ ما " ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ تَمْلِيكُهُ لِي مِن ذَلِكَ بِأنْ يُلْهِمَنِيهِ، فَيُمَكِّنُنِي مِنهُ، ويُقَدِّرُنِي عَلَيْهِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا إلا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيِ النَّفْعِ، بِتَرْتِيبِ أسْبابِهِ، فَكُنْتُ مَثَلًا أُعِدُّ لِلسَّنَةِ المُجْدِبَةِ مِنَ المُخْصِبَةِ، ولِوَقْتِ الغَلاءِ مِنَ الرُّخْصِ " ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيِ الضُّرُّ، لِلتَّوَقِّي عَنْ أسْبابِهِ " ﴿إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ أيْ عَبْدٌ أُرْسِلْتُ نَذِيرًا وبَشِيرًا، وما مِن شَأْنِي أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ. وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ " ﴿بَشِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩] وحْدَهُ، ومُتَعَلِّقُ النَّذِيرِ مَحْذُوفٌ، أيْ لِلْكافِرِينَ، وحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. وقالَ الشِّهابُ: لِيُطَهِّرَ اللِّسانَ مِنهم.

Al-A'raaf 7:188Listen in Qur'an →
189

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he might dwell in security with her. And when he covers her, she carries a light burden and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allah, their Lord, "If You should give us a good [child], we will surely be among the grateful."

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى عِظَمَ جِنايَةِ الكَفَرَةِ في جَراءَتِهِمْ عَلى الإشْراكِ، بِتَذْكِيرِ مَبادِئِ أحْوالِهِمُ المُنافِيَةِ لَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٩] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾

" ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهي نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ " ﴿وجَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾ أيْ مِن جِنْسِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الروم: ٢١] " ﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ أيْ لِيَطْمَئِنَّ إلَيْها ويَمِيلَ، ولا يَنْفِرَ، لِأنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ أمْيَلُ، وبِهِ آنَسُ، وإذا كانَتْ بَعْضًا مِنهُ كانَ السُّكُونُ والمَحَبَّةُ أبْلَغَ، كَما يَسْكُنُ الإنْسانُ إلى ولَدِهِ، ويُحِبُّهُ مَحَبَّةً لِكَوْنِهِ بِضْعَةً مِنهُ. وذَكَرَ " ﴿لِيَسْكُنَ﴾ بَعْدَ ما أنَّثَ في قَوْلِهِ " واحِدَةٍ " و" ﴿مِنها زَوْجَها﴾ ذَهابًا إلى مَعْنى النَّفْسِ، لِيُبَيِّنَ أنَّ المُرادَ بِها آدَمُ، ولِأنَّ الذَّكَرَ هو الَّذِي يَسْكُنُ إلى الأُنْثى ويَتَغَشّاها، فَكانَ التَّذْكِيرُ أحْسَنَ طِباقًا لِلْمَعْنى. أفادَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. " ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ أيْ وطِئَها. و(التَّغَشِّي) كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، وكَذَلِكَ الغَشَيانُ والإتْيانُ.

" ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ أيْ خَفَّ عَلَيْها، وذَلِكَ أوَّلُ الحَمْلِ، لا تَجِدُ المَرْأةُ لَهُ ألَمًا، إنَّما هي النُّطْفَةُ، ثُمَّ العَلَقَةُ، ثُمَّ المُضْغَةُ " ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ أيْ فاسْتَمَرَّتْ بِهِ خَفِيفَةً، وقامَتْ وقَعَدَتْ. " ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ أيْ: صارَتْ ذاتَ ثِقْلٍ، لِكِبَرِ الوَلَدِ في بَطْنِها " ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا﴾ أيْ ولَدًا سَوِيًّا قَدْ صَلَحَ بَدَنُهُ، أوْ غُلامًا " ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ عَلى نَعْمائِكَ الَّتِي مِنها هَذِهِ النِّعْمَةُ.

Al-A'raaf 7:189Listen in Qur'an →
190

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

But when He gives them a good [child], they ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allah above what they associate with Him.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩٠] ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

" ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا﴾ أيْ كَما طَلَبا " ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ أيْ أخَلّا بِالشُّكْرِ في مُقابَلَةِ نِعْمَةِ الوَلَدِ الصّالِحِ أسْوَأ إخْلالٍ، إذا اسْتَبْدَلُوهُ بِالإشْراكِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ.

تَنْبِيهٌ:

هَذِهِ الآيَةُ سِيقَتْ تَوْبِيخًا لِلْمُشْرِكِينَ في جِنايَتِهِمْ بِالشِّرْكِ، ونَقْضِهِمْ مِيثاقِهِمْ، في جَرْيِهِمْ عَلى خِلافِ ما يُعاهِدُونَ اللَّهَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الخَلْقِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، وجَعَلَ أزْواجَهم مِن أنْفُسِهِمْ لِيَأْنَسُوا بِهِنَّ، ثُمَّ إنْشائِهِ إيّاهم بَعْدَ الغَشَيانِ، مُتَدَرِّجِينَ في أطْوارِ الخَلْقِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ومِنَ الضَّعْفِ إلى القُوَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ إعْطاءَهُمُ المَواثِيقَ إنْ آتاهم ما يَطْلُبُونَ ووَلَدَ لَهم ما يَشْتَهُونَ، لِيَكُونُنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ غَدْرِهِمْ وكُفْرانِهِمْ هَذِهِ النِّعَمَ، الَّتِي امْتَنَّ سُبْحانَهُ بِها عَلَيْهِمْ، ونَقْضِهِمْ مِيثاقَهم في إفْرادِهِ بِالشُّكْرِ، حَيْثُ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ في ذَلِكَ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، في الإخْبارِ عَنْ تَبْدِيلِ المُشْرِكِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ وظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [يونس: ٢٣] وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ هَهُنا أحادِيثَ وآثارًا تُفْهِمُ أنَّ المُرادَ بِهَذا السِّياقِ آدَمُ وحَوّاءُ. ولا حاجَةَ بِنا إلى رِوايَتِها لِأنَّها واهِيَةُ الإسْنادِ مَعْلُولَةٌ، كَما بَيَّنَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في (تَفْسِيرِهِ).

وتَقَبُّلُ ثُلَّةٍ مِنَ السَّلَفِ لَها وتَلَقِّيها، لا يُجْدِي في صِحَّتِها شَيْئًا، إذْ أصْلُها مَأْخُوذٌ مِن أقاصِيصِ مُسْلِمَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ. وتَهْوِيلُ بَعْضِهِمْ بِأنَّها مُقْتَبَسَةٌ مِن مِشْكاةِ النُّبُوَّةِ، إذْ أخْرَجَها فُلانٌ وفُلانٌ، مِن تَنْمِيقِ الألْفاظِ لِتَمْزِيقِ المَعانِي، فَإنَّ المِشْكاةَ النَّبَوِيَّةَ أجَلُّ مِن أنْ يُقْتَبَسَ مِنها إلّا كُلُّ ما عُرِفَتْ جَوْدَتُهُ.

إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، تَبَيَّنَ لَكَ أنَّ مَنِ اسْتَنَدَ إلى تِلْكَ الأحادِيثِ والآثارِ، فَذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِالنَّفْسِ الواحِدَةِ وقَرِينَتِها، آدَمُ وحَوّاءُ، ثُمَّ أوْرَدَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُما بَرِيئانِ مِنَ الشِّرْكِ، وأنَّ ظاهِرَ النَّظْمِ يَقْتَضِيهِ، ثُمَّ أخَذَ يُؤَوِّلُهُ، إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ جَعَلَ أوْلادَهُما لَهُ شُرَكاءَ، فِيما آتى أوْلادَهُما، وإمّا بِأنَّ المُرادَ جَعْلُ أحَدِهِما وهو (حَوّاءُ) مِن إطْلاقِ المُثَنّى وإرادَةِ المُفْرَدِ، وإمّا بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ ذَهَبَ في غَيْرِ مَذْهَبٍ.

وقَدْ قَرَّرَ ما ارْتَضَيْناهُ في مَعْنى الآيَةِ غَيْرُ واحِدٍ. قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، فِيما رَوى عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ الآيَةَ عَنى بِها ذُرِّيَّةَ آدَمَ، ومَن أشْرَكَ مِنهم بَعْدَهُ. وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: كانَ هَذا في بَعْضِ …

Al-A'raaf 7:190Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.