Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 181–190 of 206

181

وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ

And among those We created is a community which guides by truth and thereby establishes justice.

﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ قِيلَ: بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِحالِ مَن عَدا المَذْكُورِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وهو عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ عَلى ما ظَهَرَ لِلْعَلّامَةِ الطِّيبِيِّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يَهْدُونَ﴾ إلَخْ. إذا أُخِذَ بِجُمْلَتِهِ وزُبْدَتِهِ كانَ كالمُقابِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ إلى ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾ وكِلْتا الآيَتَيْنِ كالنَّشْرِ لِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وهو كالتَّذْيِيلِ لِحَدِيثِ الَّذِي أُوتِيَ آياتِ اللَّهِ تَعالى والأسْماءَ العِظامَ فانْسَلَخَ مِنها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ اعْتِراضٌ لِمُناسَبَةِ حَدِيثِ الأسْماءِ حَدِيثِ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى العِظامِ الَّتِي أُوتِيَها ذَلِكَ المُنْسَلِخُ كَما في بَعْضِ الرِّواياتِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ بِاعْتِبارِ أنَّهُ كالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِدُخُولِ جَهَنَّمَ هو الغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وعَنْ أسْمائِهِ الحُسْنى، وأرْبابُ الذَّوْقِ والمُشاهَدَةِ يَجِدُونَ ذَلِكَ مِن أرْواحِهِمْ؛ لِأنَّ القَلْبَ إذا غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وأقْبَلَ عَلى الدُّنْيا وشَهَواتِها وقَعَ في نارِ الحِرْصِ ولا يَزالُ يَهْوِي مِن ظُلْمَةٍ إلى ظُلْمَةٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى دَرَكاتِ الحِرْمانِ، وبِخِلافِ ذَلِكَ إذا انْفَتَحَ عَلى

صفحة 126

القَلْبِ بابُ الذِّكْرِ فَإنَّهُ يَقَعُ في جَنَّةِ القَناعَةِ ولا يَزالُ يَتَرَقّى مِن نُورٍ إلى نُورٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى أعْلى دَرَجاتِ الإحْسانِ، و(مِن) إمّا نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ أوْ بِمَعْنى الَّذِي، والمُرادُ بَعْضُ مَن خَلَقْنا أوْ بَعْضٌ مِمَّنْ خَلَقْنا طائِفَةٌ جَلِيلَةٌ كَثِيرَةٌ يَهْدُونَ النّاسَ مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ أوْ يَهْدُونَهم بِكَلِمَةِ الحَقِّ ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ في الحُكُوماتِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم ولا يَجُورُونَ فِيها.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ لَنا ««أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: هَذِهِ أُمَّتِي»».

وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «هَذِهِ لَكَمَ وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلُها ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ حَتّى يَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ»».

ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ مُعاوِيَةَ والمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لا تَزالُ مِن أُمَّتِي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ تَعالى وهم عَلى ذَلِكَ»».

واسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ عَلى صِحَّةِ الإجْماعِ في كُلِّ عَصْرٍ سَواءٌ في ذَلِكَ عَصْرُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وغَيْرُهُ؛ إذْ لَوِ اخْتُصَّ لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِهِ فائِدَةٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، وعَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَصْرٌ عَنْ مُجْتَهِدٍ إلى قِيامِ …

Al-A'raaf 7:181Listen in Qur'an →
182

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction] from where they do not know.

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولَمْ تَنْفَعْهم هِدايَةُ الهادِينَ كَأهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، واقْتَصَرَ بَعْضُهم عَلى الأوَّلِينَ، والعُمُومُ أوْلى، وإضافَةُ الآياتِ إلى ضَمِيرِ العَظَمَةِ لِتَشْرِيفِها واسْتِعْظامِ الإقْدامِ عَلى تَكْذِيبِها، والمَوْصُولُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ أيْ: سَنَسْتَدْنِيهِمُ البَتَّةَ إلى الهَلاكِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والِاسْتِدْراجُ اسْتِفْعالٌ مِنَ الدَّرَجَةِ بِمَعْنى النَّقْلِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ فَيَكُونُ اسْتِصْعادًا أوْ بِالعَكْسِ فَيَكُونُ اسْتِنْزالًا وقَدِ اسْتَعْمَلَهُ الأعْشى في قَوْلِهِ:

فَلَوْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

لَيَسْتَدْرِجَنَّكَ القَوْلُ حَتّى تَهِرَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحَمِ

فِي مُطْلَقِ مَعْناهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو اسْتِفْعالٌ مِن دَرَجَ إمّا بِمَعْنى صَعِدَ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ سَواءٌ كانَ بِطَرِيقِ الصُّعُودِ أوِ الهُبُوطِ أوِ الِاسْتِقامَةِ، وإمّا بِمَعْنى مَشى مَشْيًا ضَعِيفًا ومِنهُ دَرَجَ الصَّبِيُّ وإمّا بِمَعْنى طَوى ومِنهُ أدْرَجَ الكِتابَ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِطَلَبِ كُلِّ نَقْلٍ تَدْرِيجِيٍّ مِن حالٍ إلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ المُلائِمَةِ لِلْمُنْتَقِلِ المُوافِقَةِ لِهَواهُ، واسْتِدْراجُهُ تَعالى إيّاهم بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَعَ انْهِماكِهِمْ في الغَيِّ، ولِذا قِيلَ: إذا رَأيْتَ اللَّهَ تَعالى أنْعَمَ عَلى عَبْدٍ وهو مُقِيمٌ عَلى مَعْصِيَتِهِ فاعْلَمْ أنَّهُ مُسْتَدْرَجٌ، وهَذا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الِاسْتِصْعادِ بِاعْتِبارِ نَظَرِهِمْ وزَعْمِهِمْ أنَّ مُتَواتِرَةَ النِّعَمِ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو الظّاهِرُ، وعَلى الِاسْتِنْزالِ بِاعْتِبارِ الحَقِيقَةِ فَإنَّ الجِبِلَّةَ الإنْسانِيَّةَ في أصْلِ الفِطْرَةِ سَلِيمَةٌ مُتَهَيِّئَةٌ لِقَبُولِ الحَقِّ لِقَضِيَّةِ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ». فَهو في بِقاعِ التَّمَكُّنُ عَلى الهُدى والدِّينِ

صفحة 127

فَإذا أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ الشَّهَواتِ وارْتَكَبَ المَعاصِيَ والسَّيِّئاتِ يَنْزِلُ دَرَجَةً دَرَجَةً إلى أنْ يَصِيرَ أسْفَلَ السّافِلِينَ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ إلّا تَدَرُّجَهم في مِدْراجِ المَعاصِي إلى أنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ أوِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى ما قِيلَ عَلى أفْظَعِ حالٍ وأشْنَعِها، وإدْرارُ النِّعَمِ وسِيلَةٌ إلى ذَلِكَ ﴿مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ كَذَلِكَ بَلْ يَحْسَبُونَ أنَّهُ أثَرَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ ما يُرادُ بِهِمْ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ أيْ: سَنَسْتَدْرِجُهم كائِنًا مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.

Al-A'raaf 7:182Listen in Qur'an →
183

وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ

And I will give them time. Indeed, my plan is firm.

﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ: أُمْهِلُهم والواوُ لِلْعَطْفِ وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى سَنَسْتَدْرِجُهم غَيْرُ داخِلٍ في حُكْمِ السِّينِ لِما أنَّ الإمْهالَ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ التَّدْرِيجِيَّةِ كالِاسْتِدْراكِ الحاصِلِ في نَفْسِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، بَلْ هو مِمّا يَحْصُلُ دُفْعَةً، والحاصِلُ بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ آثارُهُ وأحْكامُهُ لَيْسَ إلّا، ويَلُوحُ بِذَلِكَ تَغْيِيرُ التَّعْبِيرِ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِافْتِنانِ المُنْبِئِ عَنْ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ الكَلامِ لِابْتِنائِهِ عَلى تَجْدِيدِ القِصَّةِ والعَزِيمَةِ، وجَعْلِهِ غَيْرَ واحِدٍ داخِلًا في حُكْمِها، ولا يَخْفى التَّوْحِيدُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: إنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ أيْ: وأنا أُمْلِي لَهُمْ، والخُرُوجُ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُفْرَدِ شَبِيهُ الِالتِفاتِ، واسْتُظْهِرَ أنَّهُ مِنَ التَّلْوِينِ.

وما قِيلَ: إنَّ هَذا لِلْإشْعارِ بِأنَّ الإمْهالَ بِمَحْضِ التَّقْدِيرِ الإلَهِيِّ وذاكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِاسْتِدْراجَ بِتَوَسُّطِ المُدَبَّراتِ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَكانِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾ ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وتَأْكِيدٌ لَهُ، والمَتِينُ مِنَ المَتانَةِ بِمَعْنى الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، ومِنهُ المَتْنُ لِلظَّهْرِ أوِ اللَّحْمِ الغَلِيظِ في جانِبَيِ الصُّلْبِ، وفَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الكَيْدَ بِالمَكْرِ. وفَسَّرَهُ بَعْضُهم بِالِاسْتِدْراجِ والإمْلاءِ مَعَ نَتِيجَتِهِما، وتَسْمِيَتُهُ كَيْدًا لِما أنَّ ظاهِرَهُ لُطْفٌ وباطِنَهُ قَهْرٌ، وبَعْضُهم بِنَفْسِ الأخْذِ فَقَطْ فَتَسْمِيَتُهُ حِينَئِذٍ بِذَلِكَ قِيلَ: لِكَوْنِ مُقَدِّماتِهِ كَذَلِكَ، وقِيلَ: لِنُزُولِهِ بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى أنَّ كَيْدِي قَوِيٌّ لا يُدافَعُ بِقُوَّةٍ ولا بِحِيلَةٍ، والآيَةُ حُجَّةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ. وادَّعى بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّها نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ مِن قُرَيْشٍ أمْهَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى ثُمَّ أخَذَهم في يَوْمِ بَدْرٍ،

Al-A'raaf 7:183Listen in Qur'an →
184

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ

Then do they not give thought? There is in their companion [Muhammad] no madness. He is not but a clear warner.

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ المُلْحِدِينَ المُعْرِضِينَ الغافِلِينَ عَنْ آياتِهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقَّبَ ذَلِكَ عَلى ما قِيلَ بِالجَوابِ عَنْ شُبْهَتِهِمْ وإنْكارِ عَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ .

فالهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ السِّياقُ والسِّباقُ، والخِلافُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَشْهُورٌ، وقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ.

و(ما) قالَ أبُو البَقاءِ: تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً في مَحَلِّ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ بِصاحِبِهِمْ، وأنْ تَكُونَ نافِيَةً اسْمُها (جِنَّةٍ) وخَبَرُها (بِصاحِبِهِمْ). وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وفِيهِ بُعْدٌ. والجِنَّةُ مَصْدَرٌ كالجِلْسَةِ بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: مَسُّ جِنَّةٍ أوْ تَخَبُّطُها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّقْلِيلِ والتَّحْقِيرِ، والتَّفَكُّرُ: التَّأمُّلُ وإعْمالُ الخاطِرِ في الأمْرِ، وهو مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَحُكْمُهُ حُكْمُها في أمْرِ التَّعْلِيقِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ عَلى الوَجْهَيْنِ النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ نَصْبٌ عَلى ذَلِكَ في الوَجْهِ الأخِيرِ، أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أيِّ شَيْءٍ مِن جُنُونٍ ما كائِنٍ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الهادِينَ الحَقَّ وعَلَيْهِ أُنْزِلَتِ الآياتُ، أوْ في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ حَتّى يُؤَدِّيَهُمُ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ إلى الوُقُوفِ

صفحة 128

عَلى صِدْقِهِ وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ وبِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ أوْ في الَّذِي بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ بِزَعْمِهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الجِنَّةِ في شَيْءٍ فَيُؤْمِنُوا، واخْتارَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ: أكَذَّبُوا ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، أوْ: أوَلَمْ يَفْعَلُوا التَّفَكُّرَ، ثُمَّ ابْتُدِئَ فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ ما؟ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ والتَّبْكِيتِ، أوْ قِيلَ: لَيْسَ بِصاحِبِهِمْ شَيْءٌ مِنها. والمُرادُ بِصاحِبِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِهِ؛ لِأنَّ الصُّحْبَةَ مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنْ شائِبَةٍ مِمّا ذُكِرَ، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ وُضُوحِ اسْتِحالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُ لِما أنَّ التَّكَلُّمَ بِما هو خارِقٌ لا يَصْدُرُ إلّا عَمَّنْ بِهِ مَسٌّ مِنَ الجِنَّةِ كَيْفَما اتَّفَقَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ أوْ عَمَّنْ لَهُ تَأْيِيدٌ إلَهِيٌّ يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغُيُوبِ، وإذْ لَيْسَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَيْءٌ مِنَ الأوَّلِ تَعَيَّنَ الثّانِي.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قامَ عَلى الصَّفا فَدَعا قُرَيْشًا فَخِذًا فَخِذًا، يا بَنِي فُلانٍ، يُحَذِّرُهم بَأْسَ اللَّهِ تَعالى ووَقائِعَهُ إلى الصَّباحِ حَتّى قالَ قائِلُهُمْ: إنَّ صاحِبَكم هَذا المَجْنُونَ باتَ يُهَوِّتُ حَتّى أصْبَحَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ …

Al-A'raaf 7:184Listen in Qur'an →
185

أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍۢ وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allah has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement hereafter will they believe?

ثُمَّ لَمّا كانَ أمْرُ النُّبُوَّةِ مُفَرَّعًا عَلى التَّوْحِيدِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو مَسُوقٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ بِإخْلالِهِمْ بِالتَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ إثْرَ ما نَعى عَلَيْهِمْ ما نَعى، والهَمْزَةُ هُنا كالهَمْزَةِ فِيما قَبْلُ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ كَما تَقَدَّمَ أوْ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ، والمَلَكُوتُ المُلْكُ العَظِيمُ، أيْ: أكَذَّبُوا، أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِيما ذُكِرَ ولَمْ يَنْظُرُوا نَظَرَ تَأمُّلٍ واسْتِدْلالٍ فِيما يَدُلُّ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الصّانِعِ ووَحْدَةِ المُبْدِعِ وعَظِيمِ شَأْنِ المالِكِ لِيَظْهَرَ لَهم صِحَّةُ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ ذاكَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالنَّظَرِ هُنا دُونَ التَّفَكُّرِ الَّذِي عُبِّرَ بِهِ فِيما قَبْلُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الدَّلِيلَ هُنا أوْضَحُ مِنهُ فِيما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى (مَلَكُوتِ) وتَخْصِيصُهُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ لِكَمالِ ظُهُورِ عِظَمِ المُلْكِ فِيهِما، وأنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُضافِ هو إلَيْهِ فَيَكُونُ مُنْسَحِبًا عَلى الجَمِيعِ، والتَّعْمِيمُ لِاشْتِراكِ الكُلِّ في عِظَمِ المُلْكِ في الحَقِيقَةِ، و( مِن شَيْءٍ ) بَيانٌ (لِما)، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الدَّلالَةَ عَلى التَّوْحِيدِ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى السَّمَواتِ والأرْضِ، بَلْ كُلُّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ العالَمِ دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِهِ:

وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ

وهَذا أمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ العُقَلاءِ. نَعَمْ مِنهم مَن جَعَلَ وجْهَ الدَّلالَةِ الحُدُوثَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ المُتَكَلِّمِينَ، ومِنهم مَن جَعَلَ وجْهَها الإمْكانَ وهو الَّذِي عَلَيْهِ الفَلاسِفَةُ واخْتارَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ، ورَجَّحَ الأوَّلَ قُطْبُ عَصْرِهِ الشَّيْخُ خالِدٌ المُجَدِّدِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في تَعْلِيقاتِهِ عَلى حَواشِي عَبْدِ الحَكِيمِ عَلى الخَيالِيِّ فارْجِعْ إلَيْها، وقَوْلُهُ تَعالى:

صفحة 129

﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ) فَهو مَعْمُولٌ لِيَنْظُرُوا لَكِنْ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ أنَّهُ لِلِاسْتِدْلالِ بِناءً عَلى ما قالُوا: إنَّ قَيْدَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ لا يَلْزَمُ مُلاحَظَتُهُ في المَعْطُوفِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، وأنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخَبَرُها عَسى مَعَ فاعِلِها الَّذِي هو (أنْ يَكُونَ)، وخَبَرُ ضَمِيرِ الشَّأْنِ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الخَبَرِيَّةُ ولا يَحْتاجُ إلى التَّأْوِيلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ المُحَقِّقُونَ فَلا مَعْنى لِلْمُناقَشَةِ في ذَلِكَ، واسْمُ يَكُونُ أيْضًا ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والخَبَرُ: (قَدِ اقْتَرَبَ أجْلُهُمْ)، ولَمْ يَجْعَلُوا هَذا مِن بابِ التَّنازُعِ لِأنَّ تَنازُعَ كانَ وخَبَرِها مِمّا لَمْ يُعْهَدُ لا لِأنَّ ذَلِكَ خِلافُ الأصْلِ لِما فِيهِ مِنَ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ لِأنَّ ذَلِكَ لازِمٌ عَلى جَعْلِ الِاسْمِ ضَمِيرَ الشَّأْنِ ولا ضَيْرَ في كُلٍّ، وأمْرُ التَّكْرارِ فِيما ذَكَرْنا سَهْلٌ فَلا يُرْتَكَبُ لَهُ خِلافَ المَعْهُودِ خِلافًا لِلْقُطْبِ الرّازِيِّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، وتُعُقِّبَ بِأنَّها لا تُوصَلُ إلّا بِالفِعْلِ المُتَصَرِّفِ، وعَسى لَيْسَتْ كَذَلِكَ، والمَعْنى: أوَلَمْ يَنْظُرُوا في اقْتِرابِ آجالِهِمْ …

Al-A'raaf 7:185Listen in Qur'an →
186

مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

Whoever Allah sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ إذْ لا هادِيَ سِواهُ سُبْحانَهُ:

إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ

﴿ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يَتَرَدَّدُونَ لِأنَّ اسْتِعْدادَهم يَقْتَضِي ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى المُوَفِّقُ.

Al-A'raaf 7:186Listen in Qur'an →
187

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةًۭ ۗ يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

They ask you, [O Muhammad], about the Hour: when is its arrival? Say, "Its knowledge is only with my Lord. None will reveal its time except Him. It lays heavily upon the heavens and the earth. It will not come upon you except unexpectedly." They ask you as if you are familiar with it. Say, "Its knowledge is only with Allah, but most of the people do not know."

ثُمَّ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ اقْتِرابِ أجَلِهِمْ عَقَّبَهُ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ سُؤالِهِمْ عَنِ السّاعَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ وقِيلَ هو اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضِ طُغْيانِهِمْ وضَلالِهِمْ، والسّاعَةُ في الأصْلِ اسْمٌ لِمِقْدارٍ قَلِيلٍ مِنَ الزَّمانِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وهي عِنْدَ المُنَجِّمِينَ جُزْءٌ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَنْقَسِمُ إلى مُعْوَجَّةٍ ومُسْتَوِيَةٍ، وتُطْلَقُ في عُرْفِ الشَّرْعِ عَلى يَوْمِ مَوْتِ الخَلْقِ وعَلى يَوْمِ قِيامِ النّاسِ لِرَبِّ العالَمِينَ، وفَسَّرُوها بِيَوْمِ القِيامَةِ، ولَعَلَّ المُرادَ مِنهُ أحَدُ ذَيْنِكَ اليَوْمَيْنِ وإنْ كانَ المَشْهُورُ فِيهِ اليَوْمَ الآخِرَ، والظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ عَنْهُ اليَوْمُ الأوَّلُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، والسّاعَةُ في ذَلِكَ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ، ووَجْهُ إطْلاقِها عَلَيْهِ وكَذا عَلى وقْتِ القِيامِ ظاهِرٌ إنْ

صفحة 132

أُرِيدَ زَمانُ المَوْتِ أوْ زَمانُ القِيامِ بِدُونِ مُلاحَظَةِ الِامْتِدادِ لِظُهُورِ أنَّهُ قَدْرٌ يَسِيرٌ في نَفْسِهِ، وإنْ أُرِيدَ الزَّمانُ المُمْتَدُّ فَإطْلاقُها عَلَيْهِ إمّا لِمَجِيئِهِ بَغْتَةً كَما قِيلَ، أوْ لِأنَّهُ يُدْهِشُ مَن يَأْتِيهِمْ فَيَقِلُّ عِنْدَهم أوْ يُقَلِّلُ ما قَبْلَهُ، أوْ لِأنَّهُ عَلى طُولِهِ قَدْرٌ يَسِيرٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِسُرْعَةِ حِسابِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ مِن بابِ التَّسْمِيَةِ بِالضِّدِّ تَمْلِيحًا كَما يُسَمّى الأسْوَدُ كافُورًا، والسّائِلُ عَنْ ذَلِكَ أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ قالَ حِمْلُ ابْنُ أبِي قُشَيْرٍ وسَمْوَلُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: أخْبِرْنا مَتى السّاعَةُ إنْ كُنْتَ نَبِيًّا كَما تَقُولُ؛ فَإنّا نَعْلَمُ مَتى هِيَ؟ وكانَ ذَلِكَ امْتِحانًا مِنهم مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ تَعالى قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.

وذَهَبَ بَعْضٌ إلى أنَّ السّائِلَ قُرَيْشٌ.

فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ قُرَيْشًا قالُوا: يا مُحَمَّدُ، أسِرَّ إلَيْنا مَتى السّاعَةُ لِما بَيْنَنا وبَيْنَكَ مِنَ القَرابَةِ. فَنَزَلَتْ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أيّانَ مُرْساها﴾ بِفَتْحِ هَمْزَةِ أيّانَ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ بِكَسْرِها وهو لُغَةٌ فِيها، وهي ظَرْفُ زَمانٍ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ ويَلِيها المُبْتَدَأُ أوِ الفِعْلُ المُضارِعُ دُونَ الماضِي بِخِلافِ مَتى حَيْثُ يَلِيها كِلاهُما، والتَّحْقِيقُ أنَّها بَسِيطَةٌ مُرْتَجَلَةٌ، وقِيلَ: اشْتِقاقُها مِن أيٍّ وهي فَعْلانُ مِنهُ لِأنَّ مَعْناهُ أيَّ وقْتٍ، وأيَّ فِعْلٍ، وأيٌّ مِن أوَيْتُ بِمَعْنى رَجَعْتُ؛ لِأنَّ بابَ طَوَيْتُ وشَوَيْتُ أضْعافُ بابِ حَيَيْتُ ووَعَيْتُ ولِقُرْبِهِ مِنهُ مَعْنًى لِأنَّ البَعْضَ آوٍ إلى الكُلِّ ومُسْتَنِدٌ إلَيْهِ، وأصْلُهُ عَلى هَذا أوِيٌّ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَصارَ أيًّا، وإنَّما لَمْ تُجْعَلْ أيّانَ فِعْلًا لا مِن أيْنَ لِأنَّها ظَرْفُ زَمانٍ وأيْنَ ظَرْفُ مَكانٍ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ أصْلَها أيَّ أوانٍ، أوْ أيَّ آنٍ؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وتَعَقَّبَ في الكَشْفِ حَدِيثَ الِاشْتِقاقِ مِن أيٍّ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في سُورَةِ النَّمْلِ ولَوْ سُمِّيَ بِهِ لَكانَ فَعالًا مِن آنَ يَئِينُ ولا تُصْرَفُ، ثُمَّ قالَ: والوَجْهُ ما ذَكَرَهُ هُناكَ لِأنَّ الِاشْتِقاقَ في غَيْرِ …

Al-A'raaf 7:187Listen in Qur'an →
188

قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًۭا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ ۚ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌۭ وَبَشِيرٌۭ لِّقَوْمٍۢ يُؤْمِنُونَ

Say, "I hold not for myself [the power of] benefit or harm, except what Allah has willed. And if I knew the unseen, I could have acquired much wealth, and no harm would have touched me. I am not except a warner and a bringer of good tidings to a people who believe."

﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا﴾ أيْ: لا أمْلِكُ لِأجْلِ نَفْسِي جَلْبَ نَفْعٍ ما ولا دَفْعَ ضَرَرٍ ما.

صفحة 136

والجارُّ والمَجْرُورُ كَما قالَ أبُو البَقاءِ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِ أمْلِكُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نَفْعًا، والمُرادُ لا أمْلِكُ ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾، أيْ: إلّا وقْتَ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ بِأنْ يُمَكِّنَنِي مِن ذَلِكَ فَإنَّنِي حِينَئِذٍ أمْلِكُهُ بِمَشِيئَتِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ وفِيهِ دَلِيلٌ كَما قالَ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ الكُورانِيُّ عَلى أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وقِيلَ:

الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ ما شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن ذَلِكَ كائِنٌ، وفِيهِ عَلى هَذا مِن إظْهارِ العَجْزِ ما لا يَخْفى، والكَلامُ مَسُوقٌ لِإثْباتِ عَجْزِهِ عَنِ العِلْمِ بِالسّاعَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ، وإعادَةُ الأمْرِ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الجَوابِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِهِ ومُغايَرَتِهِ لِلْأوَّلِ.

﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيِ: الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما بَيْنَ الأشْياءِ مِنَ المُناسَباتِ المُصَحَّحَةِ عادَةً لِلسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ ومِنَ المُبايَناتِ المُسْتَتْبِعَةِ لِلْمُدافَعَةِ والمُمانَعَةِ ﴿لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ أيْ: لَحَصَّلْتُ كَثِيرًا مِنَ الخَيْرِ الَّذِي نِيطَ بِتَرْتِيبِ الأسْبابِ ورَفْعِ المَوانِعِ ﴿وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أيِ السُّوءُ الَّذِي يُمْكِنُ التَّفَصِّي عَنْهُ بِالتَّوَقِّي عَنْ مُوجِباتِهِ والمُدافَعَةِ بِمَوانِعِهِ وإنْ كانَ مِنهُ ما لا مَدْفَعَ لَهُ، وكَأنَّ عَدَمَ مَسِّ السُّوءِ مِن تَوابِعِ اسْتِكْثارِ الخَيْرِ في الجُمْلَةِ، ولِذا لَمْ يَسْلُكْ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ نَحْوَ مَسْلَكِ الجُمْلَةِ الأُولى، والِاسْتِلْزامُ في الشَّرْطِيَّةِ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ عَقْلِيًّا وكُلِّيًّا بَلْ يَكْفِي أنْ يَكُونَ عادِيًّا في البَعْضِ. وقَدْ حَكَمَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ في الآيَةِ مِنَ العادِيِّ، وبِذَلِكَ دَفَعَ الشِّهابُ ما قِيلَ: إنَّ العِلْمَ بِالشَّيْءِ لا يَلْزَمُ مِنهُ القُدْرَةُ عَلَيْهِ ومَنشَؤُهُ الغَفْلَةُ عَنِ المُرادِ.

وحَمْلُ الخَيْرِ والسُّوءِ عَلى ما ذُكِرَ هو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جُلَّةُ المُحَقِّقِينَ. وفُسِّرَ بَعْضُ الأوَّلِ بِالرِّبْحِ في التِّجارَةِ والفَوْزِ بِالخِصْبِ. والثّانِي بِضِدِّ ذَلِكَ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألا تُخْبِرُنا بِالسِّعْرِ الرَّخِيصِ قَبْلَ أنْ يَغْلُوَ فَنَشْتَرِيَ فَنَرْبَحَ، وبِالأرْضِ الَّتِي تُرِيدُ أنْ تُجْدِبَ فَنَرْتَحِلَ مِنها إلى ما قَدْ أخْصَبَ. فَنَزَلَتْ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَفْسِيرُ الأوَّلِ بِالرِّبْحِ في التِّجارَةِ والثّانِي بِالفَقْرِ، وقِيلَ: الأوَّلُ الجَوابُ عَنْ السُّؤالِ والثّانِي التَّكْذِيبُ، وقِيلَ: الأوَّلُ الِاشْتِغالُ بِدَعْوَةِ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، والثّانِي النَّصَبُ الحاصِلُ مِن دَعْوَةِ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ.

وقِيلَ: ونُسِبَ إلى مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: المُرادُ مِنَ الغَيْبِ المَوْتُ، ومِنَ الخَيْرِ الإكْثارُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ومِنَ السُّوءِ ما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، والكُلُّ كَما تَرى ومِنها ما لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ، وقَدَّمَ ذِكْرَ الخَيْرِ عَلى ذِكْرِ السُّوءِ لِمُناسَبَةِ ما قَبْلُ حَيْثُ قَدَّمَ فِيهِ ذِكْرَ النَّفْعِ عَلى ذِكْرِ الضُّرِّ وسَلَكَ في ذِكْرِهِما هُناكَ كَذَلِكَ مَسْلَكَ التَّرَقِّي عَلى ما قِيلَ: …

Al-A'raaf 7:188Listen in Qur'an →
189

۞ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًۭا فَمَرَّتْ بِهِۦ ۖ فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَٰلِحًۭا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

It is He who created you from one soul and created from it its mate that he might dwell in security with her. And when he covers her, she carries a light burden and continues therein. And when it becomes heavy, they both invoke Allah, their Lord, "If You should give us a good [child], we will surely be among the grateful."

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما يَقْتَضِي التَّوْحِيدَ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأعْظَمُ، وإيقاعُ المَوْصُولِ خَبَرًا لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُبْتَدَأِ؛ أيْ: هو سُبْحانَهُ ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ الَّذِي خَلَقَكم جَمِيعًا وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ أصْلًا ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ وهو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما نَصَّ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ ﴿وجَعَلَ مِنها﴾

صفحة 138

أيْ: مِن جِنْسِها كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ فَمِن ابْتِدائِيَّةٌ والمَشْهُورُ أنَّها تَبْعِيضِيَّةٌ. أيْ: مِن جَسَدِها لِما يُرْوى أنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اليُسْرى، والكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةٌ لَنا، ولا يُعْجِزُ اللَّهَ تَعالى شَيْءٌ، والفِعْلُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ المَوْصُولِ داخِلٌ في حُكْمِها ولا ضَيْرَ في تَقَدُّمِ مَضْمُونِهِ عَلى مَضْمُونِ الأوَّلِ وُجُودًا لِما أنَّ الواوَ لا تَسْتَدْعِي التَّرْتِيبَ فِيهِ، وهو إمّا بِمَعْنى صَيَّرَ فَقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿زَوْجَها﴾ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي هو الظَّرْفُ المُقَدَّمُ، وإمّا بِمَعْنى أنْشَأ، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ.

﴿لِيَسْكُنَ إلَيْها﴾ عِلَّةٌ غائِيَّةٌ لِلْجَعْلِ. أيْ: لِيَسْتَأْنِسَ بِها ويَطْمَئِنَّ إلَيْها، والضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ لِلنَّفْسِ، وكانَ الظّاهِرُ التَّأْنِيثَ لِأنَّ النَّفْسَ مِنَ المُؤَنَّثاتِ السَّماعِيَّةِ؛ ولِذا أُنِّثَتْ صِفَتُها إلّا أنَّهُ ذُكِّرَ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ مِنها آدَمُ، ولَوْ أُنِّثَ عَلى الظّاهِرِ لَتُوُهِّمَ نِسْبَةُ السُّكُونِ إلى الأُنْثى والمَقْصُودُ خِلافُهُ، وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ التَّذْكِيرَ أحْسَنُ طِباقًا لِلْمَعْنى، وبَيَّنَهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لَمّا كانَ السُّكُونُ مُفَسَّرًا بِالمَيْلِ وهو مُتَناوِلٌ لِلْمَيْلِ الشَّهْوانِيِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ التَّغَشِّي لا سِيَّما وقَدْ أُكِّدَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ والتَّغَشِّي مَنسُوبٌ إلى الذَّكَرِ لا مَحالَةَ كانَ الطِّباقُ في نِسْبَتِهِ أيْضًا إلَيْهِ، وإنْ كانَ مِنَ الجانِبَيْنِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ تَكْثِيرَ النَّوْعِ عِلَّةُ المُؤانَسَةِ كَما أنَّ الوَحْدَةَ عِلَّةُ الوَحْشَةِ، وأيْضًا لَمّا جُعِلَ المَخْلُوقُ أوَّلًا الأصْلَ كانَ المُناسِبُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الزَّوْجِ لِسُكُونِهِ بَعْدَ الِاسْتِيحاشِ لا العَكْسُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُلائِمٍ لَفْظًا ومَعْنًى، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الشِّحْنَةِ أنَّ النَّفْسَ إذا أُرِيدَ بِهِ الإنْسانُ بِعَيْنِهِ فَمُذَكَّرٌ وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ مُؤَنَّثٍ، وجاءَ ثَلاثَةُ أنْفُسٍ عَلى مَعْنى ثَلاثَةِ أشْخاصٍ، وإذا أُرِيدَ بِها الرُّوحُ فَهي مُؤَنَّثَةٌ لا غَيْرُ، وتَصْغِيرُها نُفَيْسَةٌ فَلْيُفْهَمْ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ مِن تَغَشّاها لِلزَّوْجِ وهو بِمَعْنى الزَّوْجَةِ مُؤَنَّثٌ، والتَّغَشِّي كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ أيْ: فَلَمّا جامَعَها ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾ أيْ: مَحْمُولًا خَفِيفًا وهو الجَنِينُ عِنْدَ كَوْنِهِ نُطْفَةً أوْ عَلَقَةً أوْ مُضْغَةً فَإنَّهُ لا ثِقَلَ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الأطْوارِ، فَنُصِبَ حَمْلًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ وهو بِفَتْحِ الحاءِ ما كانَ في بَطْنٍ أوْ عَلى شَجَرٍ وبِالكَسْرِ خِلافُهُ. وقَدْ حُكِيَ في كُلٍّ مِنهُما الكَسْرُ والفَتْحُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُنا مَصْدَرًا مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، وأنْ يُرادَ بِالخِفَّةِ عَدَمُ …

Al-A'raaf 7:189Listen in Qur'an →
190

فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحًۭا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ

But when He gives them a good [child], they ascribe partners to Him concerning that which He has given them. Exalted is Allah above what they associate with Him.

﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا﴾ وهو ما سَألاهُ أصالَةً مِنَ النَّسْلِ أوْ ما طَلَباهُ أصالَةً واسْتِتْباعًا مِنَ الوَلَدِ ووَلَدِ الوَلَدِ ما تَناسَلُوا ﴿جَعَلا﴾ أيِ النَّسْلَ الصّالِحَ السَّوِيَّ، وثَنّى الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ النَّسْلَ صِنْفانِ ذَكَرٌ وأُنْثى، وقَدْ جاءَ أنَّ حَوّاءَ كانَتْ تَلِدُ في كُلِّ بَطْنٍ كَذَلِكَ ﴿لَهُ﴾ أيْ: لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿شُرَكاءَ﴾ مِنَ الأصْنامِ والأوْثانِ ﴿فِيما آتاهُما﴾ مِنَ الأوْلادِ حَيْثُ أضافُوا ذَلِكَ إلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ (بِما) لِأنَّ هَذِهِ الإضافَةَ عِنْدَ الوِلادَةِ، والأوْلادُ إذْ ذاكَ مُلْحَقُونَ بِما لا يَعْقِلُ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ ما يَعُمُّ سائِرَ النِّعَمِ؛ فَإنَّ المُشْرِكِينَ يَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى آلِهَتِهِمْ، ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ شُرَكاءَ فِيهِ عَلى الوَجْهَيْنِ ظاهِرٌ، وإسْنادُ الجَعْلِ لِلنَّسْلِ عَلى حَدِّ: بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تَنْزِيهٌ فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِهِ عَلى ما فَصَّلَ مِن قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ عَزَّ وجَلَّ وآثارِ نِعْمَتِهِ الزّاجِرَةِ عَنِ الشِّرْكِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ، وضَمِيرُ الجَمْعِ لِأُولَئِكَ النَّسْلِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ وفِيهِ تَغْلِيبُ المُذَكَّرِ عَلى المُؤَنَّثِ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شِرْكِهِمْ، والمُرادُ بِذَلِكَ إمّا التَّسْمِيَةُ أوْ مُطْلَقُ الإشْراكِ، و(ما) إمّا مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: عَنْ إشْراكِهِمْ أوْ مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ أيْ: عَمّا يُشْرِكُونَ بِهِ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدِي مِنَ المُشْكِلاتِ، ولِلْعُلَماءِ فِيها كَلامٌ طَوِيلٌ ونِزاعٌ عَرِيضٌ، وما ذَكَرْناهُ هو الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الجُبّائِيِّ وهو مِمّا لا بَأْسَ بِهِ بَعْدَ إغْضاءِ العَيْنِ عَنْ مُخالَفَتِهِ لِلْمَرْوِيّاتِ سِوى تَثْنِيَةِ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعِهِ أُخْرى مَعَ كَوْنِ المَرْجِعِ مُفْرَدًا لَفْظًا ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ في الفَصِيحِ.

واخْتارَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ في جَعَلا وآتاهُما بَعْدُ مُضافًا مَحْذُوفًا وضَمِيرُ التَّثْنِيَةِ فِيهِما لِآدَمَ وحَوّاءَ عَلى طَرْزِ ما قَبْلُ أيْ: جَعَلَ أوْلادُهُما فِيما آتى أوْلادَهُما مِنَ الأوْلادِ وإنَّما قَدَّرُوهُ في مَوْضِعَيْنِ ولَمْ يَكْتَفُوا بِتَقْدِيرِهِ في الأوَّلِ وإعادَةُ الضَّمِيرِ مِنَ الثّانِي عَلى المُقَدَّرِ أوَّلًا لِأنَّ الحَذْفَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ قَرِينَةٌ ظاهِرَةٌ فَهو كالمَعْدُومِ فَلا يَحْسُنُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِالشِّرْكِ فِيما آتى الأوْلادَ تَسْمِيَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن أوْلادِهِمْ بِنَحْوِ عَبْدِ العُزّى وعَبْدِ شَمْسٍ.

واعْتُرِضَ أوَّلًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ إنَّما يُصارُ إلَيْهِ فِيما يَكُونُ لِلْفِعْلِ مُلابَسَةٌ ما بِالمُضافِ إلَيْهِ أيْضًا بِسِرايَتِهِ إلَيْهِ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا ويَتَضَمَّنُ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ صُورَةَ مَزِيَّةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ. فَإنَّ الإنْجاءَ مِنهم مَعَ أنَّ تَعَلُّقَهُ حَقِيقَةً لَيْسَ إلّا بِأسْلافِ اليَهُودِ، وقَدْ نُسِبَ إلى أخْلافِهِمْ بِحُكْمِ سِرايَتِهِ إلَيْهِمْ تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِهِ وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ آدَمَ وحَوّاءَ عَلَيْهِما السَّلامُ بَرِيئانِ مِن سِرايَةِ الجَعْلِ المَذْكُورِ إلَيْهِما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَلا وجْهَ لِإسْنادِهِ إلَيْهِما صُورَةً، وثانِيًا بِأنَّ إشْراكَهم بِإضافَةِ …

Al-A'raaf 7:190Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.