Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 171–180 of 206

171

۞ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them, [and Allah said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allah."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧١] ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾

" ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أيْ رَفَعْناهُ " ﴿كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ أيْ سَحابَةٌ " ﴿وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ أيْ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الجَبَلَ لا يَثْبُتُ في الجَوِّ. " ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ﴾ أيْ: وقُلْنا، أوْ قائِلِينَ: خُذُوا ما آتَيْناكم مِن أحْكامِ التَّوْراةِ " ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أيْ عَزِيمَةٍ وجِدٍّ " ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ أيْ بِالعَمَلِ ولا تَتْرُكُوهُ كالمَنسِيِّ " ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ مَساوِئَ الأعْمالِ، أوْ راجِينَ أنْ تَنْظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ. وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى " ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ [النساء: ١٥٤]

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ: أنَّهم راجَعُوا مُوسى في فَرائِضِ التَّوْراةِ وشَرائِعِها، حَتّى رَفَعَ اللَّهُ الجَبَلَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقالَ لَهم مُوسى: ألا تَرَوْنَ ما يَقُولُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ؟ لَئِنْ لَمْ تَقْبَلُوا التَّوْراةَ بِما فِيها، لَأرْمِيَنَّكم بِهَذا! فَخَرُّوا سُجَّدًا، فَرَقًا مِن أنْ يُسْقِطَ عَلَيْهِمْ رَواهُ النَّسائِيُّ وسُنَيْدٌ.

Al-A'raaf 7:171Listen in Qur'an →
172

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٢] ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾

" ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أيْ: أخْرَجَ مِن أصْلابِهِمْ نَسَلَهم عَلى ما يَتَوالَدُونَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، مِن أنَّهم كانُوا نُطْفَةً قُذِفَتْ إلى رَحِمِ الأُمَّهاتِ، ثُمَّ جُعِلَتْ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً، ثُمَّ أنْشَأهم بَشَرًا سَوِيًّا حَيًّا مُكَلَّفًا، فَجَعَلَ خَلْقَهُ إيّاهم كَذَلِكَ، إخْراجًا مِن أصْلابِهِمْ، لِأنَّ أصْلَهم خَرَجَ مِنها، و" ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ بَدَلٌ مِن " ﴿بَنِي آدَمَ﴾ بَدَلَ البَعْضِ، وقُرِئَ ((ذُرِّيّاتِهِمْ)). " ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن أُولَئِكَ الذُّرِّيّاتِ المَأْخُوذِينَ مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ عَلى نَفْسِها، تَقْرِيرًا لَهم بِرُبُوبِيَّتِهِ التّامَّةِ.

قالَ الجَشْمِيُّ: أيْ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما رَكَّبَ فِيهِمْ مِن دَلائِلِ وحْدانِيَّتِهِ، وعَجائِبِ خِلْقَتِهِ، وغَرائِبِ صَنْعَتِهِ، مِن أعْضاءٍ سَوِيَّةٍ، وحَواسَّ مُدْرِكَةٍ، وجَوارِحَ ظاهِرَةٍ، وأعْصابٍ وعُرُوقٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا يُعَلِّمُهُ مِن تَفَكُّرٍ فِيهِ، وكُلُّها تَدُلُّ عَلَيْهِ وعَلى صِفاتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، فَبِالإشْهادِ بِالأدِلَّةِ، صارَ كَأنَّهُ أشْهَدَهم بِقَوْلِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ، ومالِكِ أمْرِكم ومُرَبِّيكم عَلى الإطْلاقِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ مُدْخَلٌ في شَأْنٍ مِن شُؤُونِكُمْ، فَيَنْتَظِمُ اسْتِحْقاقُ المَعْبُودِيَّةِ، ويَسْتَلْزِمُ اخْتِصاصَهُ بِهِ تَعالى: " ﴿قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا وإلَهُنا لا رَبَّ غَيْرُكَ، لِأنَّهم بِما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن آثارِ الصَّنْعَةِ، صارُوا كَأنَّهم قالُوا " ﴿بَلى﴾ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَوْلٌ بِاللِّسانِ.

فالآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ المَعْرُوفِ في كَلامِ العَرَبِ، مَثَّلَ تَعالى خَلْقَهم عَلى فِطْرَةِ التَّوْحِيدِ، وإخْراجَهم مِن ظُهُورِ آبائِهِمْ، شاهِدِينَ بِرُبُوبِيَّتِهِ شَهادَةً لا يُخالِجُها رَيْبٌ، بِحَمْلِهِ إيّاهم عَلى الِاعْتِرافِ بِها بِطَرِيقِ الأمْرِ، ومُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ أصْلًا. والقَصْدُ مِنَ الآيَةِ الِاحْتِجاجُ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَعْرِفَتِهِمْ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى مَعْرِفَةً فِطْرِيَّةً، لازِمَةً لَهم لُزُومَ الإقْرارِ مِنهم والشَّهادَةِ. قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] والفِطْرَةُ هي مَعْرِفَةُ رُبُوبِيَّتِهِ.

وفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ كَما تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيها مِن جَدْعاءَ؟»» .

والجَمْعاءُ سالِمَةُ الأُذُنِ، والجَدْعاءُ مَقْطُوعَتُها.

وفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَقُولُ اللَّهُ إنِّي خَلَقْتُ عِبادِي حُنَفاءَ فَجاءَتْهُمُ الشَّياطِينُ، فاجْتالَتْهم عَنْ دِينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ ما أحْلَلْتُ لَهم»» .

ورَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كُلُّ نَسَمَةٍ تُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حَتّى …

Al-A'raaf 7:172Listen in Qur'an →
173

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allah before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٣] ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾

" ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا﴾ أيْ سَنُّوا الإشْراكَ واخْتَرَعُوهُ " ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا " ﴿وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ فَنَشَأْنا عَلى طَرِيقَتِهِمُ، احْتِجاجًا بِالتَّقْلِيدِ، وتَعْوِيلًا عَلَيْهِ، فَقَدْ قَطَعْنا العُذْرَ بِما بَيَّنّا مِنَ الآياتِ. " ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ أيْ أتُؤاخِذُنا بِما فَعَلَ آباؤُنا مِنَ الشِّرْكِ، وأسَّسُوا مِنَ الباطِلِ، أوْ بِفِعْلِ آبائِنا الَّذِينَ أبْطَلُوا تَأْثِيرَ العُقُولِ، وأقْوالَ الرُّسُلِ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، أيْ أنْتَ حَكِيمٌ لا تَأْخُذُ الأبْناءَ بِفِعْلِ الآباءِ، وقَدْ سَلَكْنا طَرِيقَهم والحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِما شَرَعُوا لَنا مِنَ الباطِلِ. والمَعْنى: أزَلْنا الشُّبْهَتَيْنِ بِأنَّ الإقْرارَ بِالرُّبُوبِيَّةِ والتَّوْحِيدِ، هو في أصْلِ فِطْرَتِكُمْ، فَلِمَ لَمْ تَرْجِعُوا إلَيْهِ عِنْدَ دَعْوَةِ العُقُولِ والرُّسُلِ؟ والفِطْرَةُ أكْبَرُ دَلِيلٍ، فَهي تَسُدُّ بابَ الِاعْتِذارِ بِوَجْهٍ ما، لا سِيَّما والتَّقْلِيدُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ، والقُدْرَةِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها، مِمّا لا مَساغَ لَهُ أصْلًا.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: وافَقَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ، في هَذا المَقامِ أيْضًا الجَشْمِيَّ في تَفْسِيرِهِ، قالَ: ويَرْوِي أصْحابُ الحَدِيثِ عَنْ أسْلافِهِمْ مِنَ الآثارِ مَوْقُوفَةً ومَرْفُوعَةً، ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَأْوِيلًا لِلْآيَةِ، وهو أنَّهُ تَعالى مَسَحَ ظَهْرَ آدَمَ، فَأخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ، أمْثالَ الذَّرِّ، فَقالَ: ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ فَقالُوا: بَلى طائِعِينَ، ثُمَّ أعادَهم في صُلْبِ آدَمَ. وإنَّ تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ.

قالَ: وقَدْ ذَكَرَ مَشايِخُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ فاسِدٌ، وأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُخالِفُ ذَلِكَ، وذَكَرُوا في الرِّوايَةِ ما نَذْكُرُهُ. قالُوا: فَمِمّا يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ وُجُوهٌ.

مِنها: أنَّهُ لَوْ كانَ حالٌ كَما ذَكَرُوا، لَذَكَرْناهُ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ لا يَنْساهُ العاقِلُ، خُصُوصًا إذا كانَ أشْهادًا عَلَيْهِ، لِيَعْمَلَ بِهِ.

ومِنها: ما ذَكَرَهُ شَيْخُنا أبُو عَلِيٍّ، أنَّ ظَهْرَ آدَمَ لا يَسَعُ هَذا الجَمْعَ العَظِيمَ، وهَذا شَنِيعٌ مِنَ الكَلامِ.

ومِنها: أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَنا مِن نُطْفَةٍ، وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ مِن أبٍ ومِن نُطْفَةٍ، فَلَوْ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً لا مِن شَيْءٍ، لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ.

ومِنها: أنَّ الجُزْءَ الواحِدَ، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيًّا عاقِلًا، لِأنَّ تِلْكَ البِنْيَةَ، لا تَحْمِلُ الحَياةَ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ مُؤَلَّفًا مِن أجْزاءٍ، وحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ في ظَهْرِ آدَمَ.

ومِنها: أنَّهُ يَفْتَحُ بابَ التَّناسُخِ، والقَوْلِ بِالرَّجْعَةِ، لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا: إذا جازَ الإعادَةُ ثَمَّةَ، لَمْ يُنْكِرِ التَّناسُخَ.

ومِنها: أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِيهِ فائِدَةٌ، وفائِدَتُهُ أنْ يَذْكُرَهُ لِيَجْرِيَ عَلى تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، وإذا لَمْ يَذْكُرْهُ بَطَلَتْ فائِدَتُهُ.

ومِنها: أنَّ الِاعْتِرافَ لا يَصِحُّ إلّا وقَدْ تَقَدَّمَ حالٌ لَهم عَرَفُوا ذَلِكَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ في ابْتِداءِ الخَلْقِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ.

ثُمَّ قالَ: قالَ مَشايِخُنا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: والآيَةُ ظاهِرُها بِخِلافِ قَوْلِهِمْ مِن وُجُوهٍ:

مِنها: أنَّهُ قالَ " ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] …

Al-A'raaf 7:173Listen in Qur'an →
174

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٤] ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

" ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ مِثْلَ ما ذَكَرْنا، نُبَيِّنُ الأدِلَّةَ والحُجَجَ، لِيَرْجِعُوا إلى الحَقِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

Al-A'raaf 7:174Listen in Qur'an →
175

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

And recite to them, [O Muhammad], the news of him to whom we gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٥] ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾

" ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى قَوْمِكَ أوْ عَلى اليَهُودِ " ﴿نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا﴾ أيْ عِلْمَ الكِتابِ، فَلَطَفَ بِهِ حَتّى تَعَلَّمَ وفَهِمَ المَعانِيَ، وصارَ عالِمًا بِها " ﴿فانْسَلَخَ مِنها﴾ بِأنْ نَزَعَ العِلْمَ عَنْهُ فَكَفَرَ بِها، وخَرَجَ مِنها خُرُوجَ الحَيَّةِ مِن جِلْدِها " ﴿فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ فَلَحِقَهُ وأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ حَتّى أضَلَّهُ " ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾

Al-A'raaf 7:175Listen in Qur'an →
176

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

And if We had willed, we could have elevated him thereby, but he adhered [instead] to the earth and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs. So relate the stories that perhaps they will give thought.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٦] ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

" ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ أيْ لَعَظَّمْناهُ بِالعَمَلِ بِها " ﴿ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾ أيْ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها " ﴿واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْتَوى في حَقِّهِ إيتاءُ الآياتِ، والتَّكْلِيفُ بِها، والتَّعْظِيمُ مِن أجْلِها، وعَدَمُ ذَلِكَ. كالكَلْبِ يُدْلِعُ لِسانَهُ بِكُلِّ حالٍ، إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ، أيْ تَشُدَّ عَلَيْهِ وتُهَيِّجُهُ، أوْ تَتْرُكُهُ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لَهُ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ، فَلَهْثُهُ مَوْجُودٌ في الحالَتَيْنِ جَمِيعًا. ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ مِنَ التَّوْراةِ أوْ غَيْرِها " ﴿فاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾

Al-A'raaf 7:176Listen in Qur'an →
177

سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٧] ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

" ﴿ساءَ مَثَلا﴾ أيْ ما مَثَّلَ بِهِ " ﴿القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ حَيْثُ شُبِّهُوا بِالكِلابِ، إمّا في اسْتِواءِ الحالَتَيْنِ في النُّقْصانِ وأنَّهم ضالُّونَ، وُعِظُوا أمْ لَمْ يُوعَظُوا كَما قَدَّمْنا، وإمّا في الخِسَّةِ، فَإنَّ الكِلابَ لا هِمَّةَ لَها إلّا في تَحْصِيلِ أكْلَةٍ أوْ شَهْوَةٍ، فَمَن خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الهُدى والعِلْمِ، وأقْبَلَ عَلى هَواهُ، صارَ شَبِيهًا بِالكَلْبِ، وبِئْسَ المَثَلُ مِثْلُهُ. ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ قالَ: ««لَيْسَ لَنا مَثَلُ السَّوْءِ، العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ»» .

" ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ السَّلَفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الإيمانُ فَأبى أنْ يَقْبَلَهُ وتَرَكَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، حَيْثُ قالَ: قَوْلُهُ " ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] أيْ بَيَّنّاها، فَلَمْ يَقْبَلْ، وعَرّى مِنها. وسَواءٌ قَوْلُكَ: انْسَلَخَ وعَرّى وتَباعَدَ، وهَذا يَقَعُ عَلى كُلِّ كافِرٍ لَمْ يُؤْمِن بِالأدِلَّةِ، وأقامَ عَلى الكُفْرِ. قالَ: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقالَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَوْصُولَ فِيها أُرِيدَ بِهِ مُعَيَّنٌ، فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وأبِي رَوْقٍ أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هُوَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ: ««إنَّهُ آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ»» يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ، الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ (الفاسِقَ)، كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدَ الضِّرارِ والشِّقاقِ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا. وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

وقِيلَ نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْكَرُوهُ. عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ.

وقِيلَ: إنَّهُ فِرْعَوْنُ، والآياتُ آياتُ مُوسى، كَأنَّهُ لَمّا اقْتَصَّ أنْباء بَنِي إسْرائِيلَ عادَ إلى قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وضُرِبَ لَهُ المَثَلُ.

ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَناقَلَها المُفَسِّرُونَ أنَّها نَزَلَتْ في بِلْعامِ بْنِ بَعُورٍ، ويَحْكُونَ عَنْهُ قِصَّةً لَمْ تُرْوَ في جَوامِعِ الآثارِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَنا، ولا هي مُطابَقَةٌ لِما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ فَقَدْ ذُكِرَ نَبَؤُهُ في الفَصْلِ الثّانِي والعِشْرِينَ والثّالِثِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ العَدَدِ، مِن تارِيخِ التَّوْراةِ، بِغَيْرِ ما يَرْوِيهِ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ، ثُمَّ رَأيْتُ الجَشْمِيَّ لَمْ يُصَحِّحْ ذَلِكَ، فَحَمِدْتُ المَوْلى عَلى المُوافَقَةِ. وعِبارَتُهُ: (وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ …

Al-A'raaf 7:177Listen in Qur'an →
178

مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Whoever Allah guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray - it is those who are the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٨] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

" ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأنْ يَقُصَّ قِصَصَ المُنْسَلِخِ عَلى هَؤُلاءِ الضّالِّينَ الَّذِينَ مَثَلُهم كَمَثَلِهِ، لِيَتَفَكَّرُوا فِيهِ، ويَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإخْلادِ إلى الضَّلالَةِ، ويَهْتَدُوا إلى الحَقِّ- عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما العِظَةُ والتَّذْكِيرُ مِن قَبِيلِ الوَسائِطِ العادِيَّةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ، مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَها فِيهِ، سِوى كَوْنِها دَواعِيَ إلى صَرْفِ العَبْدِ اخْتِيارَهُ نَحْوَ تَحْصِيلِهِ، حَسْبَما نِيطَ بِهِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، كَسائِرِ أفْعالِ العِبادِ.

Al-A'raaf 7:178Listen in Qur'an →
179

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray. It is they who are the heedless.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٩] ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾

" ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ أيْ خَلَقْنا " ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أيْ لِدُخُولِها والتَّعْذِيبِ بِها " ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهُمُ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، المَوْصُوفُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى " ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ أيْ: آياتِ اللَّهِ الهادِيَةَ إلى الكَمالاتِ " ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيْ دَلائِلَ وحْدَتِهِ، بَصَرَ اعْتِبارٍ " ﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيِ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ، يَعْنِي أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الجَوارِحِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] " ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ أيِ السّارِحَةِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الحَواسِّ مِنها، إلّا في الَّذِي يُقِيتُها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] أيْ: ومَثَلُهم في حالِ دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ، كَمَثَلِ الأنْعامِ إذا دَعاها راعِيها، لا تَسْمَعُ إلّا صَوْتَهُ، ولا تَفْقَهُ ما يَقُولُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ أيِ الأنْعامُ، إذْ لَيْسَ لِلْأنْعامِ قُوَّةُ تَحْصِيلِ تِلْكَ الكَمالاتِ ودَفْعُ تِلْكَ النَّقائِصِ، وهم مَعَ ما لَهم مِن تِلْكَ القُوَّةِ قَدْ خَلَوْا عَنِ الكَمالاتِ، وعَنْ دَفْعِ أضْدادِها، فَكانُوا أرْدَأ حالًا مِنها، لِنَقْصِهِمْ مَعَ وُجُودِ قُوَّةِ الكَمالِ فِيهِمْ. وأيْضًا: الأنْعامُ تُبْصِرُ مَنافِعَها ومَضارَّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ، فَيَقْدُمُ عَلى النّارِ.

وأيْضًا: الأنْعامُ قَدْ تَسْتَجِيبُ لِراعِيها، وإنْ لَمْ تَفْقَهْ كَلامَهُ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ، وأيْضًا: إنَّها تَفْعَلُ ما خُلِقَتْ لَهُ، إمّا بِطَبْعِها، وإمّا بِتَسْخِيرِها، بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم خُلِقُوا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ، ويُوَحِّدُوهُ، فَكَفَرُوا بِهِ وأشْرَكُوا. " أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ " أيْ عَنْ تِلْكَ الكَمالاتِ والنَّقائِصِ، لِيَهْتَمُّوا لِتَحْصِيلِها ودَفْعِها، اهْتِمامَهم لِجَرِّ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ودَفْعِ مَضارِّها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُرِئُوا لِجَهَنَّمَ، الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الجَبْرِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، بَلْ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ أبَدًا، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ. فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما أنَّ جَمِيعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ، وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها، جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها. كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْلُهُ تَعالى.

Al-A'raaf 7:179Listen in Qur'an →
180

وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And to Allah belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names. They will be recompensed for what they have been doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٠] ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

" ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ رَوى مُقاتِلٌ أنَّ رَجُلًا دَعا اللَّهَ في صَلاتِهِ، ودَعا الرَّحْمَنَ، فَقالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا، فَما بالُ هَذا يَدْعُو اثْنَيْنِ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

و(الحُسْنى) تَأْنِيثُ (الأحْسَنِ)، والمَعْنى: لِلَّهِ الأسْماءُ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ وأجَلُّها، لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها: " ﴿فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ أيْ يَمِيلُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها ويَجْحَدُونَها، ويَعْدِلُونَ عَنْها كُفْرًا بِها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] أيْ زادَهم ذِكْرُ الرَّحْمَنِ نُفُورًا، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ﴾ [الإسراء: ١١٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، مِن جَحْدِهِمْ إيّاها ونُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِها.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ المُرْتَضِي اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): مَقامُ مَعْرِفَةِ كَمالِ هَذا الرَّبِّ الكَرِيمِ، وما يَجِبُ لَهُ مِن نُعُوتِهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى، مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، لِأنَّ كَمالَ الذّاتِ بِأسْمائِها الحُسْنى، ونُعُوتِها الشَّرِيفَةِ، ولا كَمالٌ لِذاتِ لا نَعْتَ لَها ولا اسْمٌ.

ولِذَلِكَ عُدَّ مَذْهَبُ المَلاحِدَةِ في مَدْحِ الرَّبِّ بِنَفْيِها، مِن أعْظَمِ مَكائِدِهِمْ لِلْإسْلامِ، فَإنَّهم عَكَسُوا المَعْلُومَ عَقْلًا وسَمْعًا، فَذَمُّوا الأمْرَ المَحْمُودَ ومَدَحُوا الأمْرَ المَذْمُومَ، القائِمَ مَقامَ النَّفْيِ والجَحْدِ المَحْضِ، وضادُّوا كِتابَ اللَّهِ ونُصُوصَهُ السّاطِعَةَ.

قالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ الآيَةَ. وقالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الآيَةَ، فَما كانَ مِنها مَنصُوصًا في كِتابِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى الجَمِيعِ، والإنْكارُ عَلى مَن جَحَدَهُ، أوْ زَعَمَ أنَّ ظاهِرَهُ اسْمُ ذَمٍّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما كانَ في الحَدِيثِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى مَن عَرَفَ صِحَّتَهُ، وما نَزَلَ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، أوْ كانَ مُخْتَلِفًا في صِحَّتِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ، فَإنَّ اللَّهَ أجْلُّ مِن أنْ يُسَمّى بِاسْمٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّهُ تَسَمّى بِهِ. انْتَهى.

الثّانِي: رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَن حَفِظَها دَخَلَ الجَنَّةَ، واللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ»»، وفي رِوايَةٍ: ««مَن أحْصاها»»، قالَ البُخارِيُّ: أحْصَيْناهُ: حَفِظْناهُ. وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وزادَ سَوْقَ الأسْماءِ مَعْدُودَةً: ثُمَّ قالَ: ولا نَعْلَمُ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرَ الأسْماءِ إلّا في هَذا الحَدِيثِ. ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ أيْضًا. فَسَرَدَ الأسْماءَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ، أنَّ سَرْدَ الأسْماءِ في هَذا الحَدِيثِ مُدْرَجٌ فِيهِ، وإنَّما ذَلِكَ كَما رَواهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعانِيُّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِ …

Al-A'raaf 7:180Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.