Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 171–180 of 206

171

۞ وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌۭ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍۢ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them, [and Allah said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allah."

قَوْلُهُ وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ: أيْ واسْألْهم إذْ نَتَقْنا الجَبَلَ: أيْ رَفَعْنا الجَبَلَ فَوْقَهم و" كَأنَّهُ ظُلَّةٌ " أيْ كَأنَّهُ لِارْتِفاعِهِ سَحابَةٌ تُظِلُّهم، والظُّلَّةُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما أظَلَّ، وقُرِئَ " طُلَّةٌ " بِالطّاءِ مِن أطَلَّ عَلَيْهِ إذا أشْرَفَ وظَنُّوا أنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ أيْ ساقِطٌ عَلَيْهِمْ.

قِيلَ: الظَّنُّ هُنا بِمَعْنى العِلْمِ، وقِيلَ: هو عَلى بابِهِ " خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ " هو عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: أيْ وقُلْنا لَهم خُذُوا، والقُوَّةُ: الجِدُّ والعَزِيمَةُ: أيْ أخْذًا كائِنًا بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَكم، ولا تُنْسُوهُ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ رَجاءَ أنْ تَتَّقُوا ما نُهِيتُمْ عَنْهُ وتَعْمَلُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ما هُنا في البَقَرَةِ مُسْتَوْفًى فَلا نُعِدْهُ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ﴾ يَقُولُ: رَفَعْناهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ ( النِّساءِ: ١٥٤ ) فَقالَ: خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ وإلّا أرْسَلْتُهُ عَلَيْكم.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: رَفَعَتْهُ المَلائِكَةُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، فَقِيلَ: لَهم: خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ فَكانُوا إذا نَظَرُوا إلى الجَبَلِ قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، وإذا نَظَرُوا إلى الكِتابِ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْهُ أيْضًا قالَ: إنِّي لَأعْلَمُ لِمَ تَسْجُدُ اليَهُودُ عَلى حَرْفٍ قالَ اللَّهُ: وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم قالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ، فَسَجَدُوا وهم يَنْظُرُونَ إلَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَسْقُطَ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ سَجْدَةً رَضِيَها اللَّهُ سُبْحانَهُ فاتَّخَذُوها سُنَّةً.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ قالَ: انْتَزَعَهُ اللَّهُ مِن أصْلِهِ، ثُمَّ جَعَلَهُ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، ثُمَّ قالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ.

Al-A'raaf 7:171Listen in Qur'an →
172

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ

And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."

قَوْلُهُ: وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ كَما تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: مِن بَنِي آدَمَ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَأْخُوذِينَ هُنا: هم ذُرِّيَّةُ بَنِي آدَمَ، أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ.

وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: ومَعْنى أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ دَلَّهم بِخَلْقِهِ عَلى أنَّهُ خالِقُهم فَقامَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَقامَ الإشْهادِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ( فُصِّلَتْ: ١١ ) .

وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْرَجَ الأرْواحَ قَبْلَ خَلْقِ الأجْسادِ، وأنَّهُ جَعَلَ فِيها مِنَ المَعْرِفَةِ ما فَهِمَتْ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ هُنا: آدَمُ نَفْسُهُ كَما وقَعَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهَؤُلاءِ هم عالَمُ الذَّرِّ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ ولا المَصِيرُ إلى غَيْرِهِ لِثُبُوتِهِ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَوْقُوفًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولا مُلْجِئَ لِلْمَصِيرِ إلى المَجازِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وسَنَذْكُرُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما ورَدَ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلُهُ: " ذُرِّيّاتِهِمْ "، قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ ذُرِّيَّتَهم بِالتَّوْحِيدِ، وهي تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ " ذُرِّيّاتِهِمْ " بِالجَمْعِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ألَسْتُ بِرَبِّكم أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم فَهو عَلى إرادَةِ القَوْلِ قالُوا بَلى شَهِدْنا أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا.

قَوْلُهُ: " أنْ تَقُولُوا "، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في هَذا وُفي قَوْلِهِ: " أنْ يَقُولُوا " عَلى الغَيْبَةِ كَما كانَ فِيما قَبْلَهُ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.

والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا أوْ لِئَلّا يَقُولُوا: أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ الأخْذَ والإشْهادَ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ كَوْنِ اللَّهِ رَبَّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا الأوَّلِ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَعْتَذِرُوا بِالغَفْلَةِ أوْ تَنْسُبُوا الشِّرْكَ إلى آبائِكم دُونَكم، و" أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، فَقَدْ يَعْتَذِرُونَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ لا نَهْتَدِي إلى الحَقِّ ولا نَعْرِفُ الصَّوابَ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ مِن آبائِنا ولا ذَنْبَ لَنا لِجَهْلِنا وعَجْزِنا عَنِ النَّظَرِ، واقْتِفائِنا آثارَ سَلَفِنا، بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَعْتَلُّوا بِهَذِهِ العِلَّةِ الباطِلَةِ ويَعْتَذِرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ السّاقِطَةِ.

وكَذَلِكَ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ …

Al-A'raaf 7:172Listen in Qur'an →
173

أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةًۭ مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ

Or [lest] you say, "It was only that our fathers associated [others in worship] with Allah before, and we were but descendants after them. Then would You destroy us for what the falsifiers have done?"

قَوْلُهُ: وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ كَما تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: مِن بَنِي آدَمَ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَأْخُوذِينَ هُنا: هم ذُرِّيَّةُ بَنِي آدَمَ، أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ.

وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: ومَعْنى أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ دَلَّهم بِخَلْقِهِ عَلى أنَّهُ خالِقُهم فَقامَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَقامَ الإشْهادِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ( فُصِّلَتْ: ١١ ) .

وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْرَجَ الأرْواحَ قَبْلَ خَلْقِ الأجْسادِ، وأنَّهُ جَعَلَ فِيها مِنَ المَعْرِفَةِ ما فَهِمَتْ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ هُنا: آدَمُ نَفْسُهُ كَما وقَعَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهَؤُلاءِ هم عالَمُ الذَّرِّ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ ولا المَصِيرُ إلى غَيْرِهِ لِثُبُوتِهِ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَوْقُوفًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولا مُلْجِئَ لِلْمَصِيرِ إلى المَجازِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وسَنَذْكُرُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما ورَدَ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلُهُ: " ذُرِّيّاتِهِمْ "، قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ ذُرِّيَّتَهم بِالتَّوْحِيدِ، وهي تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ " ذُرِّيّاتِهِمْ " بِالجَمْعِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ألَسْتُ بِرَبِّكم أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم فَهو عَلى إرادَةِ القَوْلِ قالُوا بَلى شَهِدْنا أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا.

قَوْلُهُ: " أنْ تَقُولُوا "، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في هَذا وُفي قَوْلِهِ: " أنْ يَقُولُوا " عَلى الغَيْبَةِ كَما كانَ فِيما قَبْلَهُ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.

والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا أوْ لِئَلّا يَقُولُوا: أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ الأخْذَ والإشْهادَ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ كَوْنِ اللَّهِ رَبَّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا الأوَّلِ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَعْتَذِرُوا بِالغَفْلَةِ أوْ تَنْسُبُوا الشِّرْكَ إلى آبائِكم دُونَكم، و" أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، فَقَدْ يَعْتَذِرُونَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ لا نَهْتَدِي إلى الحَقِّ ولا نَعْرِفُ الصَّوابَ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ مِن آبائِنا ولا ذَنْبَ لَنا لِجَهْلِنا وعَجْزِنا عَنِ النَّظَرِ، واقْتِفائِنا آثارَ سَلَفِنا، بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَعْتَلُّوا بِهَذِهِ العِلَّةِ الباطِلَةِ ويَعْتَذِرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ السّاقِطَةِ.

وكَذَلِكَ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ …

Al-A'raaf 7:173Listen in Qur'an →
174

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And thus do We [explain in] detail the verses, and perhaps they will return.

قَوْلُهُ: وإذْ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ كَما تَقَدَّمَ.

قَوْلُهُ: مِن بَنِي آدَمَ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَأْخُوذِينَ هُنا: هم ذُرِّيَّةُ بَنِي آدَمَ، أخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ.

وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، قالُوا: ومَعْنى أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ دَلَّهم بِخَلْقِهِ عَلى أنَّهُ خالِقُهم فَقامَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ مَقامَ الإشْهادِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مِن بابِ التَّمْثِيلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ( فُصِّلَتْ: ١١ ) .

وقِيلَ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أخْرَجَ الأرْواحَ قَبْلَ خَلْقِ الأجْسادِ، وأنَّهُ جَعَلَ فِيها مِنَ المَعْرِفَةِ ما فَهِمَتْ مِن خِطابِهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِبَنِي آدَمَ هُنا: آدَمُ نَفْسُهُ كَما وقَعَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ وأخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهَؤُلاءِ هم عالَمُ الذَّرِّ، وهَذا هو الحَقُّ الَّذِي لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْهُ ولا المَصِيرُ إلى غَيْرِهِ لِثُبُوتِهِ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ومَوْقُوفًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ولا مُلْجِئَ لِلْمَصِيرِ إلى المَجازِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وسَنَذْكُرُ آخِرَ هَذا البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما ورَدَ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ هو بَدَلٌ مِن بَنِي آدَمَ، بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلُهُ: " ذُرِّيّاتِهِمْ "، قَرَأ الكُوفِيُّونَ وابْنُ كَثِيرٍ ذُرِّيَّتَهم بِالتَّوْحِيدِ، وهي تَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، وقَرَأ الباقُونَ " ذُرِّيّاتِهِمْ " بِالجَمْعِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أيْ أشْهَدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ألَسْتُ بِرَبِّكم أيْ قائِلًا: ألَسْتُ بِرَبِّكم فَهو عَلى إرادَةِ القَوْلِ قالُوا بَلى شَهِدْنا أيْ عَلى أنْفُسِنا بِأنَّكَ رَبُّنا.

قَوْلُهُ: " أنْ تَقُولُوا "، قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ في هَذا وُفي قَوْلِهِ: " أنْ يَقُولُوا " عَلى الغَيْبَةِ كَما كانَ فِيما قَبْلَهُ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالفَوْقِيَّةِ عَلى الخِطابِ.

والمَعْنى: كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا أوْ لِئَلّا يَقُولُوا: أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ الأخْذَ والإشْهادَ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ﴾ أيْ: عَنْ كَوْنِ اللَّهِ رَبَّنا وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَقُولُوا الأوَّلِ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَعْتَذِرُوا بِالغَفْلَةِ أوْ تَنْسُبُوا الشِّرْكَ إلى آبائِكم دُونَكم، و" أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، فَقَدْ يَعْتَذِرُونَ بِمَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِن قَبْلُ أيْ مِن قَبْلِ زَمانِنا وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ لا نَهْتَدِي إلى الحَقِّ ولا نَعْرِفُ الصَّوابَ أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ مِن آبائِنا ولا ذَنْبَ لَنا لِجَهْلِنا وعَجْزِنا عَنِ النَّظَرِ، واقْتِفائِنا آثارَ سَلَفِنا، بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي لِأجْلِها أخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ لِئَلّا يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَعْتَلُّوا بِهَذِهِ العِلَّةِ الباطِلَةِ ويَعْتَذِرُوا بِهَذِهِ المَعْذِرَةِ السّاقِطَةِ.

وكَذَلِكَ أيْ ومِثْلَ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ …

Al-A'raaf 7:174Listen in Qur'an →
175

وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ

And recite to them, [O Muhammad], the news of him to whom we gave [knowledge of] Our signs, but he detached himself from them; so Satan pursued him, and he became of the deviators.

قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ …

Al-A'raaf 7:175Listen in Qur'an →
176

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

And if We had willed, we could have elevated him thereby, but he adhered [instead] to the earth and followed his own desire. So his example is like that of the dog: if you chase him, he pants, or if you leave him, he [still] pants. That is the example of the people who denied Our signs. So relate the stories that perhaps they will give thought.

قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ …

Al-A'raaf 7:176Listen in Qur'an →
177

سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ …

Al-A'raaf 7:177Listen in Qur'an →
178

مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ

Whoever Allah guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray - it is those who are the losers.

قَوْلُهُ: واتْلُ مَعْطُوفٌ عَلى الأفْعالِ المُقَدَّرَةِ في القِصَصِ السّابِقَةِ: وإيرادُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَذْكِيرُ أهْلِ الكِتابِ بِها لِأنَّها كانَتْ مَذْكُورَةً عِنْدَهم في التَّوْراةِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذا الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها فَقِيلَ: هو بَلْعَمُ بْنُ باعُوراءَ، وكانَ قَدْ حَفِظَ بَعْضَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقِيلَ: كانَ قَدْ أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وكانَ مُجابَ الدَّعْوَةِ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَدْيَنَ يَدْعُوهم إلى الإيمانِ، فَأعْطَوْهُ الأُعْطِيَّةَ الواسِعَةَ فاتَّبَعَ دِينَهم وتَرَكَ ما بُعِثَ بِهِ، فَلَمّا أقْبَلَ مُوسى في بَنِي إسْرائِيلَ لِقِتالِ الجَبّارِينَ، سَألَ الجَبّارُونَ بَلْعَمَ بْنَ باعُوراءَ أنْ يَدْعُوَ عَلى مُوسى، فَقامَ لِيَدْعُوَ عَلَيْهِ فَتَحَوَّلَ لِسانُهُ بِالدُّعاءِ عَلى أصْحابِهِ، فَقِيلَ: لَهُ في ذَلِكَ فَقالَ: لا أقْدِرُ عَلى أكْثَرَ مِمّا تَسْمَعُونَ، وانْدَلَعَ لِسانُهُ عَلى صَدْرِهِ فَقالَ: قَدْ ذَهَبَتْ مِنِّي الآنَ الدُّنْيا والآخِرَةُ فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَكْرُ والخَدِيعَةُ والحِيلَةُ وسَأمْكُرُ لَكم، وإنِّي أرى أنْ تُخْرِجُوا إلَيْهِمْ فَتَياتِكم فَإنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الزِّنا، فَإنْ وقَعُوا فِيهِ هَلَكُوا، فَوَقَعَ بَنُو إسْرائِيلَ في الزِّنا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الطّاعُونَ فَماتَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، وقِيلَ: إنَّ هَذا الرَّجُلَ اسْمُهُ باعِمْ وهو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ، وكانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - حَسَدَهُ وكَفَرَ بِهِ، وقِيلَ: هو أبُو عامِرِ بْنُ صَيْفِيِّ وكانَ يَلْبَسُ المُسُوحَ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَفَرَ بِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ آتاهُمُ اللَّهُ آياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِها، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى انْتَظَرُوا خُرُوجَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَكَفَرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ: فانْسَلَخَ مِنها أيْ مِن هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَها كَما تَنْسَلِخُ الشّاةُ عَنْ جِلْدِها فَلَمْ يَبْقَ لَهُ بِها اتِّصالٌ فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ انْسِلاخِهِ عَنِ الآياتِ: أيْ لَحِقَهُ فَأدْرَكَهُ وصارَ قَرِينًا لَهُ، أوْ فَأتْبَعَهُ خُطُواتِهِ، وقُرِئَ " فاتَّبَعَهُ " بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى تَبِعَهُ ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾ المُتَمَكِّنِينَ في الغِوايَةِ وهُمُ الكُفّارُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الَّذِي أُوتِيَ الآياتِ، والمَعْنى: لَوْ شِئْنا رَفْعَهُ بِما آتَيْناهُ مِنَ الآياتِ لَرَفَعْناهُ بِها: أيْ بِسَبَبِها، ولَكِنْ لَمْ نَشَأْ ذَلِكَ لِانْسِلاخِهِ عَنْها وتَرْكِهِ لِلْعَمَلِ بِها، وقِيلَ: المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأمَتْناهُ قَبْلَ أنْ يَعْصِيَ فَرَفَعْناهُ إلى الجَنَّةِ بِها: أيْ بِالعَمَلِ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ أصْلُ الإخْلادِ اللُّزُومُ، يُقالُ: أخْلَدَ فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ بِهِ ولَزِمَهُ، والمَعْنى هُنا: أنَّهُ مالَ إلى الدُّنْيا ورَغِبَ فِيها وآثَرَها عَلى الآخِرَةِ ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ أيِ اتَّبَعَ ما يَهْواهُ وتَرَكَ العَمَلَ بِما يَقْتَضِيهِ العِلْمُ الَّذِي عَلَّمَهُ اللَّهُ وهو حُطامُ الدُّنْيا، وقِيلَ: كانَ هَواهُ مَعَ الكُفّارِ، وقِيلَ: اتَّبَعَ رِضا زَوْجَتِهِ، وكانَتْ هي الَّتِي حَمَلَتْهُ عَلى الِانْسِلاخِ مِن آياتِ …

Al-A'raaf 7:178Listen in Qur'an →
179

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌۭ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌۭ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray. It is they who are the heedless.

" ولَقَدْ ذَرَأْنا " أيْ خَلَقْنا.

وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ مُسْتَوْفًى، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها. لِجَهَنَّمَ أيْ لِلتَّعْذِيبِ بِها كَثِيرًا أيْ خَلَقًا كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ أيْ مِن طائِفَتَيِ الجِنِّ والإنْسِ جَعَلَهم - سُبْحانَهُ - لِلنّارِ بِعَدْلِهِ وبِعَمَلِ أهْلِها يَعْمَلُونَ.

وقَدْ عَلِمَ ما هم عامِلُونَ قَبْلَ كَوْنِهِمْ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ثُمَّ وصَفَ هَؤُلاءِ فَقالَ: لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها كَما يَفْقَهُ غَيْرُهم بِعُقُولِهِمْ، وجُمْلَةُ لا يَفْقَهُونَ بِها في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِقُلُوبٍ، وجُمْلَةُ لَهم قُلُوبٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةً لِ " كَثِيرًا " جَعَلَ - سُبْحانَهُ - قُلُوبَهم لَمّا كانَتْ غَيْرَ فاقِهَةٍ لِما فِيهِ نَفْعُهم وإرْشادُهم غَيْرَ فاقِهَةٍ مُطْلَقًا وإنْ كانَتْ تَفْقَهُ في غَيْرِ ما فِيهِ النَّفْعُ والرَّشادُ فَهو كالعَدَمِ، وهَكَذا مَعْنى ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّ الَّذِي انْتَفى مِنَ الأعْيُنِ هو إبْصارُ ما فِيهِ الهِدايَةُ بِالتَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ، وإنْ كانَتْ مُبْصِرَةً في غَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي انْتَفى مِنَ الآذانِ هو سَماعُ المَواعِظِ النّافِعَةِ، والشَّرائِعِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها الكُتُبُ المُنَزَّلَةُ، وما جاءَتْ بِهِ رُسُلُ اللَّهِ، وإنْ كانُوا يَسْمَعُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ إلى هَؤُلاءِ المُتَّصِفِينَ بِهَذِهِ الأوْصافِ كالأنْعامِ في انْتِفاءِ انْتِفاعِهِمْ بِهَذِهِ المَشاعِرِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أضَلُّ مِنها؛ لِأنَّها تُدْرِكُ بِهَذِهِ الأُمُورِ ما يَنْفَعُها ويَضُرُّها فَتَنْتَفِعُ بِما يَنْفَعُ، وتَجْتَنِبُ ما يَضُرُّ، وهَؤُلاءِ لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ ما يَنْفَعُ وما يَضُرُّ بِاعْتِبارِ ما طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم وكَلَّفَهم بِهِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَفْلَةِ الكامِلَةِ لِما هم عَلَيْهِ مِن عَدَمِ التَّمْيِيزِ الَّذِي هو مِن شَأْنِ مَن لَهُ عَقْلٌ وبَصَرٌ وسَمْعٌ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ولَقَدْ ذَرَأْنا قالَ: خَلَقْنا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: خَلَقْنا لِجَهَنَّمَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ لَمّا ذَرَأ لِجَهَنَّمَ مَن ذَرَأ كانَ ولَدُ الزِّنا مِمَّنْ ذَرَأ لِجَهَنَّمَ» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ قالَ: لَقَدْ خَلَقْنا لِجَهَنَّمَ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها قالَ: لا يَفْقَهُونَ شَيْئًا مِن أُمُورِ الحَياةِ ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها الهُدى ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الحَقَّ، ثُمَّ جَعَلَهم كالأنْعامِ، ثُمَّ جَعَلَهم شَرًّا مِنَ الأنْعامِ، فَقالَ: بَلْ هم أضَلُّ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُمُ الغافِلُونَ.

Al-A'raaf 7:179Listen in Qur'an →
180

وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And to Allah belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names. They will be recompensed for what they have been doing.

. هَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الإخْبارِ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ عَلى الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ: أيِ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ لِدَلالَتِها عَلى أحْسَنِ مُسَمًّى وأشْرَفِ مَدْلُولٍ، ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَدْعُوهُ بِها عِنْدَ الحاجَةِ، فَإنَّهُ إذا دُعِيَ بِأحْسَنِ أسْمائِهِ كانَ ذَلِكَ مِن أسْبابِ الإجابَةِ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وسَيَأْتِي، ويَأْتِي أيْضًا بَيانُ عَدَدِها آخِرَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.

قَوْلُهُ: ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ الإلْحادُ: المَيْلُ وتَرْكُ القَصْدِ، يُقالُ: لَحَدَ الرَّجُلُ في الدِّينِ وألْحَدَ: إذا مالَ، ومِنهُ اللَّحْدُ في القَبْرِ لِأنَّهُ في ناحِيَةٍ، وقُرِئَ " يَلْحَدُونَ " وهُما لُغَتانِ، والإلْحادُ في أسْمائِهِ - سُبْحانَهُ - يَكُونُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: إمّا بِالتَّغْيِيرِ كَما فَعَلَهُ المُشْرِكُونَ فَإنَّهم أخَذُوا اسْمَ اللّاتِ مِنَ اللَّهِ، والعُزّى مِنَ العَزِيزِ، ومَناةَ مِنَ المَنّانِ، أوْ بِالزِّيادَةِ عَلَيْها بِأنْ يَخْتَرِعُوا أسْماءً مِن عِنْدِهِمْ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِها، أوْ بِالنُّقْصانِ مِنها بِأنْ يَدْعُوهُ بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ ومَعْنى ﴿وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ اتْرُكُوهم ولا تُحاجُّوهم ولا تَعْرِضُوا لَهم، وعَلى هَذا المَعْنى فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: الوَعِيدُ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ ( المُدَّثِّرِ: ١١ )، وقَوْلِهِ: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾ ( الحِجْرِ: ٣ ) وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فَإنَّهُ وعِيدٌ لَهم بِنُزُولِ العُقُوبَةِ، وتَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِهِمْ.

وقَدْ ذَكَرَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ يَقُولُ في صِلاتِهِ يا رَحْمَنُ يا رَحِيمُ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ: ألَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا فَما بالُ هَذا يَدْعُو رَبَّيْنِ اثْنَيْنِ ؟ حَكى ذَلِكَ القُرْطُبِيُّ.

وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وأبُو عِوانَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَندَهْ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلّا واحِدًا مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ، إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» .

وفِي لَفْظِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ، وأبِي نُعَيْمٍ: «مَن دَعى بِها اسْتَجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ» .

وزادَ التِّرْمِذِيُّ في سُنَنِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ «يُحِبُّ الوِتْرَ: هو اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ، المَلِكُ، القُدُّوسُ، السَّلامُ، المُؤْمِنُ، المُهَيْمِنُ، العَزِيزُ، الجَبّارُ، المُتَكَبِّرُ، الخالِقُ، البارِئُ، المُصَوِّرُ، الغَفّارُ، القَهّارُ، الوَهّابُ، الرَّزّاقُ، الفَتّاحُ، العَلِيمُ، القابِضُ، الباسِطُ، الخافِضُ، الرّافِعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّمِيعُ، البَصِيرُ، الحَكَمُ، العَدْلُ، اللَّطِيفُ، الخَبِيرُ، الحَلِيمُ، العَظِيمُ، الغَفُورُ، الشَّكُورُ، العَلِيُّ، الكَبِيرُ، الحَفِيظُ، المَقِيتُ، الحَسِيبُ، الجَلِيلُ، الكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، المُجِيبُ، الواسِعُ، الحَكِيمُ، الوَدُودُ، المُجِيدُ، الباعِثُ، الشَّهِيدُ، الحَقُّ، الوَكِيلُ، القَوِيُّ، …

Al-A'raaf 7:180Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.