Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 161–170 of 206

161

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا۟ حِطَّةٌۭ وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًۭا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٰٔتِكُمْ ۚ سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ

And [mention, O Muhammad], when it was said to them, "Dwell in this city and eat from it wherever you will and say, 'Relieve us of our burdens,' and enter the gate bowing humbly; We will [then] forgive you your sins. We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦١] ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾

" ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، والقائِلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، دَعاهم إلى دُخُولِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أوْ يُوشِعُ، فَإنَّهُ دَعاهم بَعْدَ وفاةِ مُوسى، إلى غَزْوِ بَيْتِ المَقْدِسِ: " ﴿وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أيْ قُولُوا حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا، وقِيلَ: أُمِرُوا بِكَلِمَةٍ إذا قالُوها حَطَّ عَنْهم أوْزارَهم " ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ أيْ بابَ القَرْيَةِ " ﴿سُجَّدًا﴾ أيْ ساجِدِينَ أوْ خاضِعِينَ. أُمِرُوا بِأنْ يُدْخُلُوها بِالتَّواضُعِ، وكانَ ذَلِكَ شَرْطًا في قَبُولِ فِعْلِهِمْ " ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَـزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾

Al-A'raaf 7:161Listen in Qur'an →
162

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ

But those who wronged among them changed [the words] to a statement other than that which had been said to them. So We sent upon them a punishment from the sky for the wrong that they were doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٢] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

" ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا﴾ أيْ عَذابًا " ﴿مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا كُلِّهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ.

Al-A'raaf 7:162Listen in Qur'an →
163

وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

And ask them about the town that was by the sea - when they transgressed in [the matter of] the sabbath - when their fish came to them openly on their sabbath day, and the day they had no sabbath they did not come to them. Thus did We give them trial because they were defiantly disobedient.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٣] ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

" ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ هَذا السِّياقُ هو بَسْطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]

فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿واسْألْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿اذْكُرْ﴾ [المائدة: ١١٠] المُقَدَّرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " ﴿وإذْ قِيلَ﴾ [الأعراف: ١٦١] أيْ وأسْألِ اليَهُودَ المُعاصِرِينَ لَكَ، سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَقْرِيرٍ، بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ وتَجاوُزِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ، وإعْلامًا بِأنَّ هَذا مِن عُلُومِهِمُ الَّتِي لا تُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ أوْ وحْيٍ، فَإذا أعْلَمَهم بِهِ مَن لَمْ يَقْرَأْ كِتابَهُمْ، عَلِمَ أنَّهُ مِن جِهَةِ الوَحْيِ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: واسْألْ هَؤُلاءِ اليَهُودَ بِحَضْرَتِكَ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِهِمُ الَّذِينَ خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، فَفَجَأتْهم نِقْمَتُهُ عَلى صَنِيعِهِمْ واعْتِدائِهِمْ واحْتِيالِهِمْ في المُخالَفَةِ، وحَذِّرَ هَؤُلاءِ مِن كِتْمانِ صِفَتِكَ الَّتِي يَجِدُونَها في كُتُبِهِمْ، لِئَلّا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِإخْوانِهِمْ وسَلَفِهِمْ.

و(هَذِهِ القَرْيَةَ) هي أيْلَةُ، بَيْنَ مَدْيَنَ والطُّورِ، وقِيلَ هي مَتْنا، بَيْنَ مَدْيَنَ وعَيْنُونا.

ومَعْنى كَوْنِها " ﴿حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ أنَّها قَرِيبَةٌ مِنهُ، راكِبَةً لِشاطِئِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾ أيْ يَتَجاوَزُونَ حَدَّ اللَّهِ فِيهِ، وهو اصْطِيادُهم في يَوْمِ السَّبْتِ، وقَدْ نُهُوا عَنْهُ، فَقَدْ أخَذْتُ عَلَيْهِمُ العُهُودَ والمَواثِيقَ أنْ يَحْفَظُوا السُّبُوتَ مِن عَمَلٍ ما.

و(الحِيتانُ) السَّمَكُ، وأكْثَرُ ما تَسْتَعْمِلُ العَرَبُ الحُوتَ، في مَعْنى السَّمَكَةِ.

و" ﴿شُرَّعًا﴾ جَمْعُ شارِعٍ، مِن (شَرَعَ) بِمَعْنى دَنا. يُقالُ: شَرَعَ عَلَيْنا فُلانٌ، إذا دَنا مِنّا، وأشْرَفَ عَلَيْنا، وشَرَعْتُ عَلى فُلانٍ في بَيْتِهِ، فَرَأيْتُهُ يَفْعَلُ كَذا، وهو حالٌ مِن " ﴿حِيتانُهُمْ﴾ أيْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ ظاهِرَةً عَلى وجْهِ الماءِ، قَرِيبَةً مِنَ السّاحِلِ، ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ أصْلًا إلى السَّبْتِ المُقْبِلِ.

قُرِئَ " ﴿يَسْبِتُونَ﴾ ثُلاثِيًّا، ومَزِيدًا فِيهِ، مِن (أسْبَتَ) مَعْلُومًا ومَجْهُولًا أيْضًا، بِمَعْنى، لا يَدْخُلُونَ في السَّبْتِ ولا يُدارُ عَلَيْهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى " ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ البَلاءِ العَجِيبِ الفَظِيعِ، نَخْتَبِرُهم بِإظْهارِ السَّمَكِ لَهم عَلى ظَهْرِ الماءِ، في اليَوْمِ المُحَرَّمِ عَلَيْهِمْ صَيْدُهُ، وإخْفائِهِ عَنْهم في اليَوْمِ الحَلالِ لَهم صَيْدُهُ، أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهُمْ، بِسَبَبِ فِسْقِهِمْ، فَيَظْهَرُ عُدْوانُهُمْ، فَيَسْتَحِقُّونَ المُؤاخَذَةَ.

Al-A'raaf 7:163Listen in Qur'an →
164

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌۭ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًۭا شَدِيدًۭا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And when a community among them said, "Why do you advise [or warn] a people whom Allah is [about] to destroy or to punish with a severe punishment?" they [the advisors] said, "To be absolved before your Lord and perhaps they may fear Him."

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى تَمادِيَهم في العُدْوانِ، وعَدَمَ انْزِجارِهِمْ عَنْهُ، بَعْدَ العِظاتِ والإنْذاراتِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٤] ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

" ﴿وإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِن صُلَحائِهِمْ، يُحاوِرُونَ فَرِيقًا مِمَّنْ دَأبَ في عِظَتِهِمْ " ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أيْ: مُخْتَرِمُهم ومُطَهِّرٌ الأرْضَ مِنهُمْ: " ﴿أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ أيْ بَلْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا، إذْ مُجَرَّدُ الإهْلاكِ قَدْ يُوجَدُ مَعَهُ لُطْفٌ، وأمّا شِدَّةُ العَذابِ فَتِلْكَ القاصِمَةُ. " ﴿قالُوا﴾ أيِ الوُعّاظُ " ﴿مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ نَعِظُهم مَعْذِرَةً إلَيْهِ تَعالى، لِئَلّا نُنْسَبَ إلى التَّفْرِيطِ في وصِيَّتِهِ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ، أيْ: مَوْعِظَتُنا مَعْذِرَةٌ " ﴿ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ ورَجاءً في أنْ يَتَّقُوا فَيَتُوبُوا فَيَنْجُوا مِنَ الإهْلاكِ.

Al-A'raaf 7:164Listen in Qur'an →
165

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

And when they forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٥] ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾

" ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ صُلَحاؤُهُمْ، تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ، وأعْرَضُوا عَنْهُ إعْراضًا كُلِّيًّا، بِحَيْثُ لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَواعِظِ أصْلًا. ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيِ المُرْتَكِبِينَ المُنْكَرَ. " ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أيْ: شَدِيدٍ وزْنًا ومَعْنًى " ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بِفِعْلِ المُنْكَرِ.

Al-A'raaf 7:165Listen in Qur'an →
166

فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٦] ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾

" ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ تَكَبَّرُوا وأبَوْا أنْ يَتْرُكُوا ما نُهُوا عَنْهُ " ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ أيْ صاغِرِينَ أذِلّاءَ، بُعَداءَ مِنَ النّاسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بِقَوْلٍ سُمِعَ.

وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ بِالأمْرِ هو الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ، لا القَوْلِيُّ، أيِ: التَّكْلِيفِيُّ، لِأنَّهُ لَيْسَ في وُسْعِهِمْ حَتّى يُؤْمَرُوا بِهِ.

وفِي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ تَعالى في المُرادِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ، ومِن غَيْرِ مُزاوِلَةِ عَمَلٍ واسْتِعْمالِ آلَةٍ، بِأمْرِ المُطاعِ لِلْمُطِيعِ، في حُصُولِ المَأْمُورِ بِهِ، مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ. كَذا في (العِنايَةِ).

وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى عَذَّبَهم أوَّلًا بِعَذابٍ شَدِيدٍ، فَعَتَوْا بَعْدَ ذَلِكَ فَمَسَخَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ الثّانِيَةُ تَقْرِيرًا وتَفْصِيلًا لِما قَبْلَها.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهم تَعَبَّدُوا بِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، وأنَّهُ شَدَّدَ التَّكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بِظُهُورِها يَوْمَئِذٍ، وأنَّهم خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ، وهَذا القَدْرُ يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ. ومَتى قِيلَ: أفَظُهُورُ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، هَلْ كانَتْ مُعْجِزَةً؟ قُلْنا: اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقِيلَ: كانَ مُعْجِزَةً لِنَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمانِ، لِأنَّهُ لا يَتَّفِقُ لِلسَّمَكِ أنْ يَأْتِيَ الأنْهارَ كَثِيرًا في يَوْمٍ واحِدٍ، ولا يَظْهَرُ في سائِرِ الأيّامِ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَلا بُدَّ أنَّ اللَّهَ تَعالى قُوّى دَواعِيَ الحِيتانِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَظَهَرُوا، وصَرَفَهم في سائِرِ الأيّامِ، فَلَمْ يَظْهَرُوا، فَكانَتْ مُعْجِزَةً. وقِيلَ: كانَتْ جَرَتْ عادَتُهم بِتَرْكِ الصَّيْدِ يَوْمَ السَّبْتِ، فَعَلِمُوا ذَلِكَ فَكَثُرُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى عادَتِهِمْ، كَما اعْتادَ الدَّوابُّ كَثِيرًا مِنَ الأشْياءِ. انْتَهى.

وقَدْ رُوِيَ في اعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ رِواياتٌ:

مِنها: أنَّهم تَحَيَّلُوا لِاصْطِيادِ الحِيتانِ فِيهِ بِوَضْعِ الحَبائِلِ والبِرَكِ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، حَتّى إذا جاءَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَلى عادَتِها في الكَثْرَةِ، نَشَبَتْ بِتِلْكَ الحَبائِلِ، فَلَمْ تَخْلُصْ مِنها يَوْمَها، فَإذا كانَ اللَّيْلُ، أخَذُوها بَعْدَ انْقِضاءِ السَّبْتِ.

ومِنها: أنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَها يَوْمَ السَّبْتِ بِالفِعْلِ، ولَكِنْ يَأْكُلُونَها في غَيْرِهِ مِنَ الأيّامِ، فَتَأوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الأكْلِ فِيهِ مِنها، لا عَنْ صَيْدِها، فَنَهَتْهم طائِفَةٌ مِنهم عَنْ ذَلِكَ وقالَتْ: ما نَراكم تُصْبِحُونَ حَتّى يُصَبِّحَكُمُ اللَّهُ بِخَسْفٍ، أوْ قَذْفٍ، أوْ بَعْضِ ما عِنْدَهُ مِنَ العَذابِ، فَلَمّا أصْبَحُوا وجَدُوهم أصابَهم مِنَ المَسْخِ ما أصابَهُمْ، وإذا هم قِرَدَةٌ -رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ - وثَمَّةَ رِواياتٌ أُخَرُ.

ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم مُسِخَتْ قُلُوبُهُمْ، لا أبْدانُهم -واللَّهُ أعْلَمُ-.

الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ القِصَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الحِيَلِ.

قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (إغاثَةِ اللَّهْفانِ): ومِن مَكايِدِ الشَّيْطانِ الَّتِي كادَ بِها الإسْلامَ وأهْلَهُ، الحِيَلُ والمَكْرُ والخِداعُ، الَّذِي يَتَضَمَّنُ تَحْلِيلَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإسْقاطُ ما فَرَضَهُ، ومُضادَّتُهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وهي …

Al-A'raaf 7:166Listen in Qur'an →
167

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٧] ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

" ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾ أيْ آذَنَ، (كَتَوَعَّدَ بِمَعْنى أوْعَدَ)، مِنَ (الإيذانِ) بِمَعْنى (الإعْلامِ)، أُجْرِي مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ، كَعَلِمَ اللَّهُ، وشَهِدَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهو قَوْلُهُ: " ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ والمَعْنى: وإذْ خَتَمَ رَبُّكَ وحَكَمَ لَيُسَلِّطَنَّ عَلى اليَهُودِ " ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ كالإذْلالِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ أوامِرَ اللَّهِ وشَرْعَهُ، واحْتِيالِهِمْ عَلى المَحارِمِ، وقَدْ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِخْتَنْصَرَ مالِكَ بابِلَ، فَخَرَّبَ دِيارَهُمْ، وقَتَلَ مُقاتَلَتَهُمْ، وسَبى نِساءَهم وذَرارِيَّهُمْ، وضَرَبَ الجِزْيَةَ عَلى مَن بَقِيَ مِنهُمْ، وجَلا كَثِيرًا مِنهم إلى بابِلَ -قَصَبَةَ مَمْلَكَتِهِ- وأقامُوا فِيها سَبْعِينَ سَنَةً، ثُمَّ تَسَلَّطَتْ عَلَيْهِمْ مُلُوكٌ شَتّى، ولَبِثُوا زَمانًا طَوِيلًا يُكابِدُونَ بَلاءً عَنِيفًا، مِن تَواتُرِ الحُرُوبِ عَلى بِلادِهِمْ، إلى أنْ صارُوا جَمِيعًا تَحْتَ سُلْطَةِ الرُّومانِ بَعْدَ وِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِإحْدى وسَبْعِينَ سَنَةً، واسْتُؤْصِلُوا مِن أرْضِهِمْ، تَفَرَّقُوا في البِلادِ شَذَرَ مَذَرَ، صاغِرِينَ مَقْهُورِينَ. ومِن ها هُنا، اسْتَدَلَّ مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّهم لا يَكُونُ لَهم دَوْلَةٌ ولا عِزٌّ، وبِاتِّصالِ ذُلِّهِمْ. " ﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ لِمَن أقامَ عَلى كُفْرِهِ، ونَبَذَ وصاياهُ " ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَبَدُّدِهِمْ في الأقْطارِ بِقَوْلِهِ:

Al-A'raaf 7:167Listen in Qur'an →
168

وَقَطَّعْنَٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًۭا ۖ مِّنْهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَٰهُم بِٱلْحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٨] ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

" ﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾ أيْ فَرَّقْنا بَنِي إسْرائِيلَ في الأرْضِ، وجَعَلْنا كُلَّ فِرْقَةٍ مِنهم في قُطْرٍ مِن أقْطارِها، بِحَيْثُ لا تَخْلُو ناحِيَةٌ مِنها مِنهُمْ، تَكْمِلَةً لِإدْبارِهِمْ حَتّى لا تَكُونَ لَهم شَوْكَةٌ.

﴿مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ مَن يَنْحَطُّ عَنْ دَرَجَةِ الصَّلاحِ، لِكُفْرٍ أوْ فِسْقٍ ﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ أيْ بِالنِّعَمِ والنِّقَمِ الَّتِي هي أمْثِلَةٌ جَزاءَ الصَّلاحِ والفِسْقِ " ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ عَنْ أسْبابِ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ.

Al-A'raaf 7:168Listen in Qur'an →
169

فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌۭ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌۭ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَٰقُ ٱلْكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ ۗ وَٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture taken from them that they would not say about Allah except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allah, so will you not use reason?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦٩] ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

" ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ " ﴿خَلْفٌ﴾ أيْ بَدَلُ سُوءٍ، والمُرادُ بِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. و(الخَلْفُ) مَصْدَرٌ، ولِذا يُوصَفُ بِهِ المُفْرَدُ وغَيْرُهُ، وقَدْ شاعَ في الطّالِحِ، ومَفْتُوحُ اللّامِ بِ(الصّالِحِ)، ورُبَّما جاءَ عَكْسَهُ. " ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ مِن أسْلافِهِمُ المُخْتَلِفِينَ، يَقْرَؤُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، ولا يَعْمَلُونَ بِها كَما قالَ ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ أيْ حُطامَ هَذا الشَّيْءِ الأدْنى، يُرِيدُ الدُّنْيا، وما يَتَمَتَّعُ بِهِ مِنها.

وفِي قَوْلِهِ " ﴿هَذا الأدْنى﴾ تَخْسِيسٌ وتَحْقِيرٌ. و(العَرَضُ) بِفَتْحِ الرّاءِ، ما لا ثَباتَ لَهُ، ومِنهُ اسْتَعارَ المُتَكَلِّمُونَ (العَرَضَ) لِمُقابِلِ (الجَوْهَرِ).

و(الأدْنى) إمّا مِنَ الدُّنُوِّ، بِمَعْنى القُرْبِ، لِأنَّهُ عاجِلٌ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخِرَةِ، وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها " ﴿ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ أيْ يَعْتاضُونَ عَنْ بَذْلِ الحَقِّ ونَشْرِهِ، بِعَرَضِ الحَياةِ الدُّنْيا، ويَتَحَكَّمُونَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ لا يُؤاخِذُهم بِما أُخِذُوا. " ﴿وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ، وهم مُصِرُّونَ عائِدُونَ إلى مِثْلِ فِعْلِهِمْ، غَيْرَ تائِبِينَ، كُلَّما لاحَ لَهم مِثْلَ الأوَّلِ أخَذُوهُ. " ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ﴾ أيِ المِيثاقُ الوارِدُ فِيهِ، " ﴿أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ أيْ: فَلَوْ صَحَّ ما تَحَكَّمُوا بِهِ عَلى اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ لِأخْذِ هَذا المِيثاقِ مَعْنًى.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ أخْذَهم لَيْسَ عَنْ جَهْلِهِمْ بِذَلِكَ المِيثاقِ بِقَوْلِهِ: " ﴿ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾ أيْ قَرَؤُوا ما في الكِتابِ مِنَ المِيثاقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. " ﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ العَرْضِ الخَسِيسِ " ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ أخْذُ هَذا الأدْنى بَدَلُ كَتْمِ الحَقِّ. " ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَتَعْلَمُوا ذَلِكَ، فَلا تَسْتَبْدِلُوا الأدْنى المُؤَدِّي إلى العِقابِ، بِالنَّعِيمِ المُخَلَّدِ، وقُرِئَ بِالياءِ، وفي الِالتِفاتِ تَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ.

ثُمَّ أثْنى تَعالى عَلى مَن تَمَسَّكَ بِكِتابِهِ الَّذِي يَقُودُهُ إلى اتِّباعِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَما هو مَكْتُوبٌ فِيهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Al-A'raaf 7:169Listen in Qur'an →
170

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ

But those who hold fast to the Book and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٠] ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾

" ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ﴾ أيْ يَتَمَسَّكُونَ بِهِ في أُمُورِ دِينِهِمْ. يُقالُ: مَسَّكَ بِالشَّيْءِ وتَمَسَّكَ بِهِ. وقُرِئَ ((يُمْسِكُونَ))، مِنَ (الإمْساكِ) وتَمَسَّكُوا واسْتَمْسَكُوا. ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعِ المُضْمَرِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإصْلاحَ كالمانِعِ مِنَ التَّضْيِيعِ، لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِالمُشْتَقِّ يُفِيدُ عِلَّةَ مَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا نُضَيِّعُ أجْرَهم لِإصْلاحِهِمْ.

فَإنْ قُلْتَ: التَّمَسُّكُ بِالكِتابِ يَشْتَمِلُ عَلى كُلِّ عِبادَةٍ، ومِنها إقامَةُ الصَّلاةِ، فَكَيْفَ أُفْرِدَتْ؟ أُجِيبَ: بِأنَّ إفْرادَها، إظْهارًا لِمَزِيَّةِ الصَّلاةِ -لِكَوْنِها عِمادَ الدِّينِ، وفارِقَةً بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ.

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وعِيدِ المُعْرِضِ عَنِ الكِتابِ، ووَعَدَ مَن تَمَسَّكَ بِهِ، تَنْبِيهًا لَنا وتَحْذِيرًا عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَتِهِمْ. وتَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ بِاللِّسانِ، وتَمَنِّي المَغْفِرَةِ لا يَنْفَعُ حَتّى يَكُونَ مَعَهُما التَّوْبَةُ والعَمَلُ.

Al-A'raaf 7:170Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.