قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ
[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."
قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خُرُوجِهِ إلى الطُّورِ مِن حُلِيِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَخَذَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلْبَيانِ، والحُلِيُّ جَمْعُ حَلْيٍ.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ مِن حُلِيِّهِمْ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ.
وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِكَسْرِ الحاءِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الياءِ.
قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ حَلْيٍ: حُلِيٌّ وحِلِيٌّ مِثْلُ ثَدْيٍ: ثَدِيٌّ وثِدِيٌّ، والأصْلُ حَلْوِي أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فانْكَسَرَتِ اللّامُ لِمُجاوَرَتِها الياءَ وتُكْسَرُ الحاءُ لِكَسْرَةِ اللّامِ وضَمُّها عَلى الأصْلِ، وأُضِيفَتْ الحُلِيُّ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ لِغَيْرِهِمْ لِأنَّ الإضافَةَ تَجُوزُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وعِجْلًا مَفْعُولُ اتَّخَذَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ: أيِ اتَّخَذُوا عِجْلًا إلَهًا، وجَسَدًا بَدَلٌ مِن عِجْلًا، وقِيلَ: وصْفٌ لَهُ، والخُوارُ الصِّياحُ: يُقالُ: خارَ يَخُورُ خَوْرًا إذا صاحَ، وكَذَلِكَ خارَ يُخارُ خُوارًا.
ونُسِبَ اتِّخاذُ العِجْلِ إلى القَوْمِ جَمِيعًا مَعَ أنَّهُ اتَّخَذَهُ السّامِرِيُّ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم وهم راضُونَ بِفِعْلِهِ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ مُوسى قَوْمَهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ في العَشْرِ المَزِيدَةِ، قالَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مُطاعًا فِيهِمْ: إنَّ مَعَكم حُلِيًّا مِن حُلِيٍّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنهم لِتَتَزَيَّنُوا بِهِ في العِيدِ وخَرَجْتُمْ وهو مَعَكم، وقَدْ أغْرَقَ اللَّهُ أهْلَهُ مِنَ القِبْطِ فَهاتُوها، فَدَفَعُوها إلَيْهِ فاتَّخَذَ مِنها العِجْلَ المَذْكُورَ.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَمْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّ هَذا الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْدِرَ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهم أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أيْ طَرِيقًا واضِحَةً يَسْلُكُونَها اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا وكانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اتِّخاذِهِ أوْ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الِاتِّخاذُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نَدِمُوا وتَحَيَّرُوا بَعْدَ عَوْدِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، يُقالُ لِلنّادِمِ المُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سُقِطَ في يَدِهِ وأُسْقِطَ، ومَن قالَ: سَقَطَ في أيْدِيهِمْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ وأصْلُهُ أنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.
وقالَ الأزْهَرِيُّ والزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهم: مَعْنى سُقِطَ في أيْدِيهِمْ: أيْ في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ كَما يُقالُ: حَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ، لِأنَّ مُباشَرَةَ الأشْياءِ في الغالِبِ بِاليَدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ( الحَجِّ: ١٠ ) وأيْضًا النَّدَمُ وإنْ حَلَّ القَلْبَ فَأثَرُهُ يَظْهَرُ في البَدَنِ، لِأنَّ النّادِمَ يَعَضُّ يَدَهُ ويَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، قالَ اللَّهُ تَعالى: فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ( الكَهْفِ: ٤٢ ) ومِنهُ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى …