Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 141–150 of 206

141

وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.

﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ بِإهْلاكِهِمْ وتَخْلِيصِكم مِنهُمْ، وإذْ إمّا مَفْعُولٌ بِهِ لِ (اذْكُرُوا) مَحْذُوفًا بِناءً عَلى القَوْلِ بِأنَّها تَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، أيِ اذْكُرُوا ذَلِكَ الوَقْتَ ويَكُونُ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ ذِكْرِ ما فِيهِ، وإمّا ظَرْفٌ لِمَفْعُولِ اذْكُرُوا المَحْذُوفِ، أيِ اذْكُرُوا صَنِيعَنا مَعَكم في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو تَذْكِيرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِنِعْمَتِهِ العَظِيمَةِ، وقُرِئَ (نَجَّيْناكُمْ) مِنَ التَّنْجِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (أنْجاكُمْ) فَيَكُونُ مِن مَقُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أيْضًا كَذَلِكَ، عَلى أنَّ ضَمِيرَ أنْجَيْنا لِمُوسى وأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ أوْ لَهُما ولِمَن مَعَهُما، أوْ لَهُ وحْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُشِيرًا بِالتَّعْظِيمِ إلى تَعْظِيمِ أمْرِ الإنْجاءِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَتْمِيمًا لِكَلامِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ وهو كالتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ فَضَّلَكُمْ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: يُوَلُّونَكم ذَلِكَ ويُكَلِّفُونَكم إيّاهُ، إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فُعِلَ بِهِمْ أوْ مِمَّ أُنْجُوا؟ فَأُجِيبَ بِما ذُكِرَ، وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِنهُما مَعًا لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِهِما.

وقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ: ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن يَسُومُونَكم. مُبَيِّنٌ لَهُ، ويَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنافَ أيْضًا، ﴿وفِي ذَلِكُمْ﴾ الإنْجاءِ أوْ سُوءِ العَذابِ ﴿بَلاءٌ﴾ نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَشْمَلُهُما.

﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: مالِكِ أُمُورِكم ﴿عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وفي الآيَةِ التِفاتٌ عَلى بَعْضِ ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنَّ هَذا الطَّلَبَ لَمْ يَكُنْ كَما قالَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ عَنْ شَكٍّ مِنهم بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما كانَ غَرَضُهم إلَهًا يُعَظِّمُونَهُ ويَتَقَرَّبُونَ بِتَعْظِيمِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّ بِالدِّيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ كَما أذِنَتْ بِهِ الآياتُ، وقِيلَ: إنَّ غَرَضَهم عِبادَةُ الصَّنَمِ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ رِدَّةً مِنهُمْ، وأيًّا ما كانَ فالقائِلُ بَعْضُهم لا كُلُّهُمْ، وقَدِ اتَّفَقَ في هَذِهِ الأُمَّةِ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ: ««أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ خَرَجَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَمَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْها أسْلِحَتَهم ويَعْكُفُونَ حَوْلَها يُقالُ لَها ذاتُ أنْواطٍ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ كَما لَهم ذاتُ أنْواطٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «سُبْحانَ اللَّهِ» وفي رِوايَةٍ: «اللَّهُ أكْبَرُ»» هَذا كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةً، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ».

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وغَيْرُهُ مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: ««غَزْوَنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامَ الفَتْحِ ونَحْنُ ألْفٌ ونَيِّفٌ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى …

Al-A'raaf 7:141Listen in Qur'an →
142

۞ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them], and do not follow the way of the corrupters."

﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ الكِتابَ فَأمَرَهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ، فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فَمِهِ فَتَسَوَّكَ فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشَمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ: «لَمّا أتى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ بَعْدَ الثَّلاثِينَ وقَدْ صامَ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ سُبْحانَهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ فَتَناوَلَ مِن نَباتِ الأرْضِ فَمَضَغَهُ. فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: لِمَ أفْطَرْتَ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ. قالَ: أيْ رَبِّ، كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ، قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ عِنْدِي أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارْجِعْ فَصُمْ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أمَرَهُ رَبُّهُ. وذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾» والتَّعْبِيرُ عَنْها بِاللَّيالِي كَما قِيلَ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ.

وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ وكُلِّمَ فِيها، وقَدْ أُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في البَقَرَةِ وفُصِّلَ هُنا، ﴿وواعَدْنا﴾ بِمَعْنى وعَدْنا، وبِذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ عَلى بابِها بِناءً عَلى تَنْزِيلِ قَبُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ الوَعْدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ.

و(ثَلاثِينَ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ مَفْعُولٌ ثانٍ لِواعَدْنا بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إتْمامَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً أوْ إتْيانَها.

﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ مِن قَبِيلِ الفَذْلَكَةِ لِما تَقَدَّمَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ في ذَلِكَ أنَّ إتْمامَ الثَّلاثِينَ بِعَشْرٍ يَحْتَمِلُ المَعْنى المُتَبادَرَ وهو ضَمُّ عَشَرَةٍ إلى ثَلاثِينَ لِتَصِيرَ بِذَلِكَ أرْبَعِينَ، ويَحْتَمِلَ أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ فَتَمَّتْ بِعَشَرَةٍ ثَلاثِينَ كَما يُقالُ: أتْمَمْتُ العَشَرَةَ بِدِرْهَمَيْنِ عَلى مَعْنى أنَّها لَوْلا الدِّرْهَمانِ لَمْ تَصِرْ عَشَرَةً فَلِدَفْعِ تَوَهُّمِ الِاحْتِمالِ الثّانِي جِيءَ بِذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ الإتْمامَ بِعَشْرٍ مُطْلَقٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْيِينُها بِتَعْيِينِ اللَّهِ تَعالى أوْ بِإرادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجِيءَ بِما ذُكِرَ لِيُفِيدَ أنَّ المُرادَ الأوَّلُ، وقِيلَ: جِيءَ بِهِ رَمْزًا إلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في تِلْكَ العَشْرِ ما يُوجِبُ الجَبْرَ، والمِيقاتُ بِمَعْنى الوَقْتِ، وفَرَّقَ جَمْعٌ بَيْنَهُما بِأنَّ الوَقْتَ مُطْلَقٌ، والمِيقاتَ وقْتٌ قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، ومِنهُ مَواقِيتُ الحَجِّ، ونُصِبَ (أرْبَعِينَ) قِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ أيْ: بالِغًا أرْبَعِينَ، ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ عَلى هَذا يَكُونُ مَعْمُولًا لِلْحالِ المَحْذُوفِ لا حالًا، وأُجِيبَ بِأنَّ النَّحْوِيِّينَ يُطْلِقُونَ الحُكْمَ الَّذِي لِلْعامِلِ لِمَعْمُولِهِ القائِمِ مَقامَهُ فَيَقُولُونَ فِي: زَيْدٌ في الدّارِ: إنَّ …

Al-A'raaf 7:142Listen in Qur'an →
143

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allah] said, "You will not see Me, but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level, and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first of the believers."

﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أيْ: لِوَقْتِنا الَّذِي وقَّتْناهُ أيْ: لِتَمامِ الأرْبَعِينَ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهي بِمَعْنى عِنْدَ، عِنْدَ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ، ﴿وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بِحَرْفٍ وصَوْتٍ، ومَعَ هَذا لا يُشْبِهُ كَلامَ المَخْلُوقِينَ ولا مَحْذُورَ في ذَلِكَ كَما أوْضَحْناهُ في الفائِدَةِ الرّابِعَةِ، وإلى ما ذَكَرَهُ ذَهَبَ السَّلَفُ الصّالِحُ.

وقَدْ أخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى يَوْمَ الطُّورِ كَلَّمَهُ بِغَيْرِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَهُ يَوْمَ ناداهُ فَقالَ لَهُ مُوسى: يا رَبِّ، أهَذا كَلامُكَ الَّذِي كَلَّمْتَنِي بِهِ؟ قالَ: يا مُوسى، أنا كَلَّمْتُكَ بِقُوَّةِ عَشَرَةِ آلافِ لِسانٍ، ولِي قُوَّةُ الألْسُنِ كُلِّها وأقْوى مِن ذَلِكَ، فَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى، صِفْ لَنا كَلامَ الرَّحْمَنِ، فَقالَ: لا تَسْتَطِيعُونَهُ؛ ألَمْ تَرَوْا إلى صَوْتِ الصَّواعِقِ الَّذِي يُقْبِلُ في أحْلى حَلاوَةٍ سَمِعْتُمُوهُ فَذاكَ قَرِيبٌ مِنهُ ولَيْسَ بِهِ»».

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعاوِيَةَ قالَ: ««إنَّما كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِقَدْرِ ما يُطِيقُ مِن كَلامِهِ، ولَوْ تَكَلَّمَ بِكَلامِهِ كُلِّهِ لَمْ يُطِقْهُ شَيْءٌ»».

وأخْرَجَ جَماعَةٌ عَنْ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى مُوسى كَلَّمَهُ بِالألْسِنَةِ كُلِّها. فَجَعَلَ يَقُولُ: يا رَبِّ، لا أفْهَمُ حَتّى كَلَّمَهُ آخِرُ الألْسِنَةِ بِلِسانِهِ بِمِثْلِ صَوْتِهِ» الخَبَرَ.

وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: قِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ما شَبَّهْتَ كَلامَ رَبِّكَ مِمّا خَلَقَ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِالرَّعْدِ السّاكِنِ.

وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لَمّا خَرَجَ أخِي مُوسى إلى مُناجاةِ رَبِّهِ كَلَّمَهُ ألْفَ كَلِمَةٍ ومِائَتَيْ كَلِمَةٍ، فَأوَّلَ ما كَلَّمَهُ بِالبَرْبَرِيَّةِ».

ونُقِلَ عَنِ الأشْعَرِيِّ أنَّ مُوسى

صفحة 45

عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما سَمِعَ الكَلامَ النَّفْسِيَّ القائِمَ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يَكُنْ ما سَمِعَهُ مُخْتَصًّا بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ، وحَمْلُهُ إلى سَماعٍ بِالفِعْلِ مُشْكِلٌ مَعَ الأخْبارِ الدّالَّةِ عَلى خِلافِهِ، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ فَهو قَوْلٌ رَجَعَ عَنْهُ إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ الَّذِي أبانَ عَنِ اعْتِقادِهِ لَهُ في الإبانَةِ.

﴿قالَ رَبِّ أرِنِي﴾ أيْ: ذاتَكَ أوْ نَفْسَكَ. فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، ولَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَأدُّبًا.

﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ مَجْزُومٌ في جَوابِ الدُّعاءِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ الرُّؤْيَةَ مُسَبَّبَةٌ عَنِ النَّظَرِ مُتَأخِّرَةٌ عَنْهُ، كَما يُرِيكَ ذَلِكَ النَّظَرُ إلى قَوْلِهِمْ: نَظَرْتُ إلَيْهِ فَرَأيْتُهُ، ووَجَّهَهُ أنَّ النَّظَرَ تَقْلِيبُ الحَدَقَةِ نَحْوَ الشَّيْءِ التِماسًا لِرُؤْيَتِهِ، والرُّؤْيَةُ الإدْراكُ بِالباصِرَةِ بَعْدَ التَّقْلِيبِ وحِينَئِذٍ كَيْفَ يُجْعَلُ النَّظَرُ جَوابًا لِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ مُسَبَّبًا عَنْهُ وهو عَكْسُ القَضِيَّةِ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالإراءَةِ لَيْسَ إيجادَ الرُّؤْيَةِ بَلِ التَّمَكُّنَ مِنها مُطْلَقًا أوْ بِالتَّجَلِّي والظُّهُورِ وهو مُقَدَّمٌ عَلى النَّظَرِ وسَبَبٌ …

Al-A'raaf 7:143Listen in Qur'an →
144

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

[Allah] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."

﴿قالَ يا مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى سُؤالِهِ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ ما أعْطَيْتُكَ فاغْتَنِمْهُ وثابِرْ عَلى شُكْرِهِ؛ ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ أيِ اخْتَرْتُكَ وهو افْتِعالٌ مِنَ الصَّفْوَةِ بِمَعْنى الخِيارِ، والتَّأْكِيدُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الخَبَرِ عَلى النّاسِ المَوْجُودِينَ في زَمانِكَ، وهَذا كَما فَضَّلَ قَوْمَهُ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿بِرِسالاتِي﴾ أيْ بِأسْفارِ التَّوْراةِ. وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ ورُوحٌ: (بِرِسالَتِي).

﴿وبِكَلامِي﴾ أيْ: بِتَكْلِيمِي إيّاكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. أوِ الكَلامِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: بِإسْماعِ كَلامِي، والمُرادُ: فَضَّلْتُكَ بِمَجْمُوعِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَلا يَرِدُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَلِيمًا عَلى أنَّ رِسالَتَهُ كانَتْ تَبَعِيَّةً أيْضًا، وكانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذَلِكَ لا يَرِدُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المِيقاتِ في قَوْلٍ؛ لِأنَّهم وإنْ سَمِعُوا الخِطابَ إلّا أنَّهم لَيْسَ لَهم مِنَ الرِّسالَةِ شَيْءٌ، عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيمِ المُوَجَّهِ إلَيْهِ الخِطابُ هو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُونَهم وبِتَخْصِيصِ النّاسِ بِما عَلِمْتَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَلا يَرِدُ أنَّ مَجْمُوعَ الرِّسالَةِ والتَّكْلِيمِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ وُجِدَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ، عَلى أنّا لَوْ قُلْنا بِأنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مَخْصُوصٌ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الأنْبِياءِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ مِن كُلِّ الوُجُوهِ عَلى غَيْرِهِ كَنَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ يُوجَدُ في الفاضِلِ ما لا يُوجَدُ في الأفْضَلِ، وإنَّما كانَ الكَلامُ بِلا واسِطَةٍ سَبَبًا لِلشَّرَفِ بِناءً عَلى العُرْفِ الظّاهِرِ، وقَدْ قالُوا: شَتّانَ بَيْنَ مَنِ اتَّخَذَهُ المَلِكُ لِنَفْسِهِ حَبِيبًا وقَرَّبَهُ إلَيْهِ بِلُطْفِهِ تَقْرِيبًا، وبَيْنَ مَن ضَرَبَ لَهُ الحِجابَ والحِجابَ وحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَقْصُودِ بَوّابٌ ونُوّابٌ، عَلى أنَّ مَن ذاقَ طَعْمَ المَحَبَّةِ ولَوْ بِطَرَفِ اللِّسانِ يَعْلَمُ ما في تَكْلِيمِ المَحْبُوبِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مِنَ اللُّطْفِ العَظِيمِ والبِرِّ الجَسِيمِ، وكَلامُهُ جَلَّ شَأْنُهُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ المِيقاتِ كَثِيرٌ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآثارُ، وقَدْ سَبَقَ لَكَ ما يَدُلُّ عَلى كَمِّيَّتِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««إنَّ اللَّهَ تَعالى شَأْنُهُ ناجى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِمِائَةِ ألْفٍ وأرْبَعِينَ ألْفَ كَلِمَةٍ في ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَلَمّا سَمِعَ كَلامَ الآدَمِيِّينَ مَقَتَهم لِما وقَعَ في مَسامِعِهِ مِن كَلامِ الرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ، فَكانَ فِيما ناجاهُ أنْ قالَ: يا مُوسى، إنَّهُ لَمْ يَتَصَنَّعِ المُتَصَنِّعُونَ بِمِثْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا، ولَمْ يَتَقَرَّبْ إلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بِمِثْلِ الوَرَعِ عَمّا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَتَعَبَّدِ …

Al-A'raaf 7:144Listen in Qur'an →
145

وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ

And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."

﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، والمَحاسِنِ والقَبائِحِ عَلى ما قالَ الرّازِيُّ وغَيْرُهُ وما أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الثَّقَفِيِّ قالَ: اصْطَحَبَ قَيْسُ بْنُ

صفحة 57

خَرَشَةَ وكَعْبُ الأحْبارِ حَتّى إذا بَلَغا صِفِّينَ وقَفَ كَعْبٌ ثُمَّ نَظَرَ ساعَةً ثُمَّ قالَ: لَيُهْراقَنَّ بِهَذِهِ البُقْعَةِ مِن دِماءِ المُسْلِمِينَ شَيْءٌ لا يُهْراقُ بِبُقْعَةٍ مِنَ الأرْضِ مِثْلُهُ. فَقالَ قَيْسٌ: ما يُدْرِيكَ؛ فَإنَّ هَذا مِنَ الغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ؟ فَقالَ كَعْبٌ: ما مِنَ الأرْضِ شِبْرٌ إلّا مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى مُوسى ما يَكُونُ عَلَيْهِ وما يَخْرُجُ مِنهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ظاهِرٌ في أنَّ كُلَّ شَيْءٍ أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ، ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ مِن بابِ الرَّمْزِ كَما نَدَّعِيهِ في القُرْآنِ.

﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: كَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ، وإلى هَذا ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُعْرِبِينَ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ (مِن) مَزِيدَةٌ لا تَبْعِيضِيَّةٌ، وفي زِيادَتِها في الإثْباتِ كَلامٌ، قِيلَ: ولَمْ تُجْعَلِ ابْتِدائِيَّةً حالًا مِن (مَوْعِظَةً)، و(مَوْعِظَةً) مَفْعُولٌ بِهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ مَعْنًى، ولَمْ تُجْعَلْ (مَوْعِظَةً) مَفْعُولًا لَهُ وإنِ اسْتَوْفى شَرائِطَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ عَطْفُ (تَفْصِيلًا) عَنْ (مَوْعِظَةً)، وظاهِرٌ أنَّهُ لا مَعْنى لِقَوْلِكَ: كَتَبْنا لَهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ لِتَفْصِيلِ كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا جَعْلُهُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ فَبَعِيدٌ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى.

والطِّيبِيُّ اخْتارَ هَذا العَطْفَ، وأنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، و(مَوْعِظَةً) وحْدَها بَدَلٌ، والمَعْنى: كَتَبْنا بَعْضَ كُلِّ شَيْءٍ في الألْواحِ مِن نَحْوِ السُّوَرِ والآياتِ وغَيْرِهِما مَوْعِظَةً وكَتَبْنا فِيها تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي ذَلِكَ اخْتِصاصُ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ بِالمَوْعِظَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاهْتِمامَ بِهَذا أشَدُّ والعِنايَةَ بِها أتَمُّ، ولِكَوْنِها كَذَلِكَ كَثُرَ مَدْحُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالبَشِيرِ النَّذِيرِ، وإشْعارٌ بِأنَّ المَوْعِظَةَ مِمّا يَجِبُ أنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ يُذْكَرُ بِهِ، ألا يَرى إلى أنَّ أكْثَرَ الفَواصِلِ التَّنْزِيلِيَّةِ والرُّدُودِ عَلى هَذا النَّمَطِ نَحْوَ: (أفَلا تَتَّقُونَ - أفَلا تَتَذَكَّرُونَ)، وإلى سُورَةِ الرَّحْمَنِ كَيْفَ أُعِيدَ فِيها ما أُعِيدَ؛ وذَلِكَ لِيَسْتَأْنِفَ السّامِعُ بِهِ ادِّكارًا واتِّعاظًا ويُجَدَّدَ تَنْبِيهًا واسْتِيقاظًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ البُعْدَ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ باقٍ عَلى حالِهِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ كَما قالَ السَّمِينُ، وقَعَ صِفَةً لَهُ، واخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي جَوْهَرِها ومِقْدارِها وكاتِبِها، فَقِيلَ: كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في اللُّغَةِ لِلَوْحَيْنِ ألْواحٌ، وأنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، أمَرَ الرَّبُّ تَعالى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَجاءَ بِها مِن عَدَنٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ، وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ الألْواحَ كانَتْ مِن زَبَرْجَدٍ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ …

Al-A'raaf 7:145Listen in Qur'an →
146

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ

I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness, they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.

﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ عَلى ما قالَ شَيْخُ الإسْلامِ لِتَحْذِيرِهِمْ عَنِ التَّكَبُّرِ المُوجِبِ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ الَّتِي كُتِبَتْ في ألْواحِ التَّوْراةِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَواعِظِ والأحْكامِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما وُعِدُوا إراءَتَهُ مِن دارِ الفاسِقِينَ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ عَنْها مَنعُهم بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يَكادُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ ويَرَوْنَ أنَّ لَهُمُ ارْتِفاعًا في العالَمِ السُّفْلِيِّ ومِزْيَةً عَلى الخَلْقِ فَلا يَنْتَفِعُونَ بِآياتِي ولا يَغْتَنِمُونَ مَغانِمَ آثارِها فَلا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهم فَتَكُونُوا

صفحة 61

أمْثالَهم. وقِيلَ: هو جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِنَ الوَعْدِ بِإدْخالِ أرْضِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ ما تُلِيَ آنِفًا ونَظائِرُهُ وبِالصَّرْفِ عَنْها إزالَةُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مَقامِ مُعارَضَتِها ومُمانَعَتِها لِوُقُوعِ أخْبارِها وظُهُورِ أحْكامِها وآثارِها بِإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِ مُوسى أوْ يُوشَعَ عَلَيْهِما السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَرى دارَهم وهم فِيها؟ فَقِيلَ لَهُمْ: سَأُهْلِكُهُمْ، وإنَّما عُدِلَ إلى الصَّرْفِ لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالآياتِ واطْمِئْنانًا بِها، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الكَلامُ مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ وإمّا بِما تَقَدَّمَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا، وجَوَّزَ الطِّيبِيُّ كَوْنَها مُتَّصِلَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ( وأْمُرْ ) إلَخْ. عَلى مَعْنى الأمْرِ كَذَلِكَ، وأمّا الإرادَةُ فَإنِّي سَأصْرِفُ عَنِ الأخْذِ بِآياتِي أهْلَ الطَّبْعِ والشَّقاوَةِ، وقِيلَ: الكَلامُ مَعَ كافِرِي مَكَّةَ والآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ الآيَةَ، وإيرادُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وفِرْعَوْنَ لِلِاعْتِبارِ، أيْ: سَأصْرِفُ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ إبْطالِ الآياتِ وإنِ اجْتَهَدُوا كَما فَعَلَ فِرْعَوْنُ فَعادَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ بِعَكْسِ ما أرادَ، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الكَلامِ مَعَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اعْتِراضٌ في خِلالِ ما سِيقَ لِلِاعْتِبارِ ومِن حَقِّ مَن ساقَ قِصَّةً لَهُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى مَكانِهِ كُلَّما وجَدَ فُرْصَةَ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ أنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، واحْتَجَّ بِالآيَةِ بَعْضُ أصْحابِنا عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَمْنَعُ عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّ عَنْهُ وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِالصَّرْفِ المَنعُ عَنِ الإيمانِ ولَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ كَما عَلِمْتَ، وقَدْ خاضَ المُعْتَزِلَةُ في تَأْوِيلِها فَأوَّلُوها بِوُجُوهٍ ذَكَرَها الطَّبَرْسِيُّ.

﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إمّا صِلَةً لِلتَّكَبُّرِ عَلى مَعْنى يَتَكَبَّرُونَ ويَتَعَزَّزُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ وهو دِينُهُمُ الباطِلُ وظُلْمُهُمُ المُفْرِطُ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ، …

Al-A'raaf 7:146Listen in Qur'an →
147

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾ أيْ: لِقائِهِمُ الدّارَ الآخِرَةَ عَلى أنَّهُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ وحَذْفِ الفاعِلِ أوْ لِقائِهِمْ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ مِنَ الجَزاءِ عَلى أنَّ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ عَلى التَّوَسُّعِ. والمَفْعُولُ مُقَدَّرٌ كالفاعِلِ ومُحَلُّ المَوْصُولِ في الِاحْتِمالَيْنِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ خَبَرُهُ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَمِلُوها مِن صِلَةِ الأرْحامِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ بَعْدَ ما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إيمانِهِمْ بِها، وحاصِلُهُ أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِأعْمالِهِمْ وإلّا فَهي أعْراضٌ لا تَحْبَطُ حَقِيقَةً.

﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أيْ: لا يُجْزَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وتَقْدِيرُ هَذا المُضافِ لِظُهُورِ أنَّ المُجْزى لَيْسَ نَفْسَ العَمَلِ، وقِيلَ: إنَّ أعْمالَهم تَظْهَرُ في صُوَرِ ما يُجْزَوْنَ بِهِ فَلا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: هي الخَبَرُ. والجُمْلَةُ السّابِقَةُ في مَوْضِعِ الحالِ بِإضْمارِ قَدْ، واحْتَجَّتِ الأشاعِرَةُ عَلى ما قِيلَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ أبِي هاشِمٍ أنَّ تارِكَ الواجِبِ يَسْتَحِقُّ العِقابَ وإنْ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ فِعْلُ الضِّدِّ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّهُ لا جَزاءَ إلّا عَلى عَمَلٍ وتَرْكُ الواجِبِ لَيْسَ بِهِ.

وأجابَ أبُو هاشِمٍ بِأنِّي لا أُسَمِّي ذَلِكَ العِقابَ جَزاءً، ورُدَّ بِأنَّ الجَزاءَ ما يُجْزِي أيْ: يَكْفِي في المَنعِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ، والحَثُّ عَلى المَأْمُورِ بِهِ والعُقابُ عَلى تَرْكِ الواجِبِ كافٍ في الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ التَّرْكِ فَكانَ جَزاءً.

Al-A'raaf 7:147Listen in Qur'an →
148

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ

And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الجَبَلِ لِمُناجاةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ جَمْعُ حَلْيٍ كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو ما يُتَّخَذُ لِلزِّينَةِ ويُتَحَلّى بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ اتَّخَذَ كَمِن بَعْدِهِ، مِن قَبْلِهِ ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَعْنى الجارَّيْنِ فَإنَّ الأوَّلَ لِلِابْتِداءِ والثّانِيَ لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِلِابْتِداءِ أيْضًا، وتَعَلُّقُهُ بِالفِعْلِ بَعْدَ تَعَلُّقِ الأوَّلِ بِهِ واعْتِبارِهِ مَعَهُ، وقِيلَ: الجارُّ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، وإضافَةُ الحُلِيِّ إلى ضَمِيرِ القَوْمِ لَأدْنى مُلابَسَةٍ؛ لِأنَّها كانَتْ لِلْقِبْطِ فاسْتَعارُوها مِنهم قُبَيْلَ الغَرَقِ فَبَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ

صفحة 63

وقِيلَ: إنَّها عَلى ما يُتَبادَرُ مِنها بِناءً عَلى أنَّ القَوْمَ مَلَكُوها بَعْدَ أنْ ألْقاها البَحْرُ عَلى السّاحِلِ بَعْدَ غَرَقِ القِبْطِ أوْ بَعْدَ أنِ اسْتَعارُوها مِنهم وهَلَكُوا. قالَ الإمامُ: رُوِيَ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ إغْراقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ أحَدٌ مِنهم أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَعِيرُوا حُلِيَّ القِبْطِ لِيَخْرُجُوا خَلْفَهم لِأجْلِ المالِ أوْ لِتَبْقى أمْوالُهم في أيْدِيهِمْ.

واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ أمْرًا بِأخْذِ مالِ الغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وإنَّما يَكُونُ غَنِيمَةً بَعْدَ الهَلاكِ مَعَ أنَّ الغَنائِمَ لَمْ تَكُنْ حَلالًا لَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي: أُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ»» الحَدِيثَ.

عَلى أنَّ ما نُقِلَ عَنِ القَوْمِ في سُورَةِ طه مِن قَوْلِهِمْ: ﴿حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ يَقْتَضِي عَدَمَ الحِلِّ أيْضًا.

وأُجِيبَ بِأنَّ ذَلِكَ أنْ تَقُولَ: إنَّهم لَمّا اسْتَعْبَدُوهم بِغَيْرِ حَقٍّ واسْتَخْدَمُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم وقَتَلُوا أوْلادَهم مَلَّكَهُمُ اللَّهُ تَعالى أرْضَهم وما فِيها، فالأرْضُ لِلَّهِ تَعالى يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وكانَ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا عَلى طَرِيقِ الغَنِيمَةِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ القِياسِ، وكَمْ في الشَّرائِعِ مِثْلُهُ، والقَوْلُ المَحْكِيُّ سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما فِيهِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قالَ الطِّيبِيُّ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وواعَدْنا مُوسى﴾ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (حِلِيِّهِمْ) بِكَسْرِ الحاءِ إتْباعًا لِكَسْرِ اللّامِ كَدِلِيٍّ، وبَعْضٌ: (حَلْيَهُمْ) عَلى الإفْرادِ.

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿عِجْلا﴾ مَفْعُولُ اتَّخَذَ بِمَعْنى صاغَ وعَمِلَ، أُخِّرَ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ آنِفًا، وقِيلَ: إنَّ اتَّخَذَ مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ وهو بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ أيْ: إلَهًا، والعِجْلُ ولَدُ البَقَرِ خاصَّةً، وهَذا كَما يُقالُ لِوَلَدِ النّاقَةِ حِوارٌ ولِوَلَدِ الفَرَسِ مُهْرٌ، ولِوَلَدِ الحِمارِ جَحْشٌ، ولِوَلَدِ الشّاةِ حَمَلٌ، ولِوَلَدِ العَنْزِ جَدْيٌ، ولِوَلَدِ الأسَدِ شِبْلٌ، ولِوَلَدِ الفِيلِ دَغْفَلٌ، ولِوَلَدِ الكَلْبِ جَرْوٌ، ولِوَلَدِ الظَّبْيِ خَشْفٌ، ولِوَلَدِ الأُرْوِيَّةِ غَفْرٌ، ولِوَلَدِ الضَّبْعِ فَرْغَلٌ، ولِوَلَدِ الدُّبِّ دَيْسَمٌ، ولِوَلَدِ الخِنْزِيرِ خِنَّوْصٌ، ولِوَلَدِ الحَيَّةِ حَرْبَشٌ، ولِوَلَدِ النَّعامِ رَأْلٌ، ولِوَلَدِ الدَّجاجَةِ فَرُّوجٌ، ولِوَلَدِ الفَأْرِ دَرْصٌ، ولِوَلَدِ الضَّبِّ …

Al-A'raaf 7:148Listen in Qur'an →
149

وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And when regret overcame them and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."

﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: نَدِمُوا كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وجَعَلَهُ غَيْرُ واحِدٍ كِنايَةً عَنْ شَدَّةِ النَّدَمِ وغايَتِهِ؛ لِأنَّ النّادِمَ إذا اشْتَدَّ نَدَمُهُ عَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، وأصْلُهُ سَقَطَ فُوهُ أوْ عَضَّهُ في يَدِهِ أيْ: وقَعَ ثُمَّ حُذِفَ الفاعِلُ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ بِهِ فَصارَ سَقَطَ في يَدِهِ كَقَوْلِكَ: مُرَّ بِزَيْدٍ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ: (سَقَطَ) بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى الأصْلِ، واليَدُ عَلى ما ذُكِرَ حَقِيقَةٌ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ وجَعَلَ

صفحة 65

القُطْبُ ذَلِكَ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ؛ حَيْثُ شَبَّهَ حالَ النَّدَمِ في النَّفْسِ بِحالِ الشَّيْءِ في اليَدِ في التَّحْقِيقِ والظُّهُورِ، ثُمَّ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسُّقُوطِ في اليَدِ، ولا لُطْفَ لِلِاسْتِعارَةِ التَّصْرِيحِيَّةِ فِيهِ، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ يُقالُ لِما يَحْصُلُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في اليَدِ: وقَعَ في يَدِهِ، وحَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، فَيُشَبَّهُ ما يَحْصُلُ في النَّفْسِ وفي القَلْبِ بِما يُرى بِالعَيْنِ، وخُصَّتِ اليَدُ لِأنَّ مُباشَرَةَ الأُمُورِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أوْ لِأنَّ النَّدَمَ يَظْهَرُ أثَرُهُ بَعْدَ حُصُولِهِ في القَلْبِ في اليَدِ لِعَضِّها والضَّرْبِ بِها عَلى أُخْتِها ونَحْوِ ذَلِكَ؛ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ في النّادِمِ: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ .

وقِيلَ: مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَ ذَقَنَهُ عَلى يَدِهِ بِحَيْثُ لَوْ أزالَها سَقَطَ عَلى وجْهِهِ، فَكَأنَّ اليَدَ مَسْقُوطٌ فِيها، و(فِي) بِمَعْنى عَلى، وقِيلَ: هو مِنَ السِّقاطِ وهو كَثْرَةُ الخَطَأِ، وقِيلَ: مِنَ السَّقِيطِ وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغَدَواتِ شِبْهُ الثَّلْجِ لا ثَباتَ لَهُ، فَهو مَثَلٌ لِمَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ عَلى طائِلٍ مِن سَعْيِهِ، وعَدَّ بَعْضُهم سَقَطَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ كَنِعْمَ وبِئْسَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (أُسْقِطَ) عَلى أنَّهُ رُباعِيٌّ مَجْهُولٌ، وهي لُغَةٌ نَقَلَها الفَرّاءُ والزَّجّاجُ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ هَذا التَّرْكِيبَ لَمْ يُسْمَعْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، ولَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ، ولَمْ يُوجَدْ في أشْعارِهِمْ وكَلامِهِمْ؛ فَلِذا خَفِيَ عَلى الكَثِيرِ وأخْطَئُوا في اسْتِعْمالِهِ كَأبِي حاتِمٍ، وأبِي نُواسٍ، وهو العالِمُ النِّحْرِيرُ، ولَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ ولَوْ عَلِمُوهُ لَسُقِطَ في أيْدِيهِمْ.

﴿ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ: تَبَيَّنُوا ضَلالَهم بِاتِّخاذِ العِجْلِ وعِبادَتِهِ تَبَيُّنًا كَأنَّهم قَدْ أبْصَرُوهُ بِعُيُونِهِمْ. قِيلَ: وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَدَمِهِمْ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأخِّرًا عَنْها لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَتِهِ كَأنَّهُ سابِقٌ عَلى الرُّؤْيَةِ.

وقالَ القُطْبُ في بَيانِ تَأخُّرِ تَبَيُّنِ الضَّلالِ عَنِ النَّدَمِ مَعَ كَوْنِهِ سابِقًا عَلَيْهِ: إنَّ الِانْتِقالَ مِنَ الجَزْمِ بِالشَّيْءِ إلى تَبَيُّنِ الجَزْمِ بِالنَّقِيضِ لا يَكُونُ دَفْعِيًّا في الأغْلَبِ بَلْ إلى الشَّكِّ ثُمَّ الظَّنِّ بِالنَّقِيضِ ثُمَّ الجَزْمِ بِهِ ثُمَّ تَبَيُّنِهِ، والقَوْمُ كانُوا جازِمِينَ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ صَوابٌ، والنَّدَمُ عَلَيْهِ رُبَّما وقَعَ لَهم في حالِ الشَّكِّ فِيهِ؛ فَقَدْ تَأخَّرَ تَبَيُّنُ الضَّلالِ عَنْهُ. انْتَهى. فافْهَمْ ولا تَغْفُلْ.

﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بِإنْزالِ …

Al-A'raaf 7:149Listen in Qur'an →
150

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people oppressed me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me and do not place me among the wrongdoing people."

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ﴾ مِمّا حَدَثَ مِنهم.

﴿أسِفًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الغَضَبِ كَما قالَ أبُو الدَّرْداءِ ومُحَمَّدٌ القُرَظِيُّ وعَطاءٌ والزَّجّاجُ، أوْ حَزِينًا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الغَضَبُ والأسَفُ بِمَعْنًى، والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ.

صفحة 66

وقالَ الواحِدِيُّ: هُما مُتَقارِبانِ، فَإذا جاءَكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ هو دُونَكَ غَضِبْتَ، وإذا جاءَكَ مِمَّنْ فَوْقَكَ حَزِنْتَ، فَعَلى هَذا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ غَضْبانَ عَلى قَوْمِهِ بِاتِّخاذِهِمُ العِجْلَ، حَزِينًا لِأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَنَهُمْ، وقَدْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ رُجُوعِهِ، ونَصَبَ الوَصْفَيْنِ عَلى أنَّهُما حالانِ مُتَرادِفانِ أوْ مُتَداخِلانِ بِأنْ يَكُونَ الثّانِي حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الأوَّلِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الحالِ الأُولى وهو بَدَلُ كُلٍّ لا بَعْضٍ كَما تُوُهِّمَ.

﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾ خِطابٌ إمّا لِعَبَدَةِ العِجْلِ، وإمّا لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: بِئْسَما فَعَلْتُمْ بَعْدَ غَيْبَتِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ سُبْحانَهُ وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ جَلَّ جَلالُهُ، أوْ: بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي حَيْثُ لَمْ تُراعُوا عَهْدِي ولَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ عَمّا فَعَلُوا بَعْدَ ما رَأيْتُمْ مِنِّي مِن حَمْلِهِمْ عَلى التَّوْحِيدِ وكَفِّهِمْ عَمّا طَمَحَتْ نَحْوَهُ أبْصارُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ حِينَ قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ .

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى الخِطابِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالخِلافَةِ الخِلافَةُ فِيما يَعُمُّ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أُشِيرَ إلَيْهِما، ولا تَكْرارَ في ذِكْرِ ﴿مِن بَعْدِي﴾ بَعْدَ ﴿خَلَفْتُمُونِي﴾؛ لِأنَّ المُرادَ مِن بَعْدِ وِلايَتِي وقِيامِي بِما كُنْتُ أقُومُ؛ إذْ بَعْدِيَّتُهُ عَلى الحَقِيقَةِ إنَّما تَكُونُ عَلى ما قِيلَ بَعْدَ فِراقِهِ الدُّنْيا، وقِيلَ: إنَّ (مِن بَعْدِي) تَأْكِيدٌ مِن بابِ رَأيْتُهُ بِعَيْنِي، وفائِدَتُهُ تَصْوِيرُ نِيابَةِ المُسْتَخْلَفِ ومُزاوَلَةِ سِيرَتِهِ كَما أنَّ هُنالِكَ تَصْوِيرَ الرُّؤْيَةِ وما يَتَّصِلُ بِهِ، و(ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ بِئْسَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكُمْ، والذَّمُّ فِيما إذا كانَ الخِطابُ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسَ لِلْخِلافَةِ نَفْسِها بَلْ لِعَدَمِ الجَرْيِ عَلى مُقْتَضاها، وأمّا إذا كانَ لِلسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ.

﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ: أعَجِلْتُمْ عَمّا أمَرَكم بِهِ رَبُّكم وهو انْتِظارُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حالَ كَوْنِهِمْ حافِظِينَ لِعَهْدِهِ وما وصّاهم بِهِ فَبَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى أنَّ المِيعادَ قَدْ بَلَغَ آخِرَهُ ولَمْ أرْجِعْ إلَيْكم فَحَدَّثْتُمْ أنْفُسَكم بِمَوْتِي فَغَيَّرْتُمْ. رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ أخْرَجَ لَهُمُ العِجْلَ: وقالَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى إنَّ مُوسى لَنْ يَرْجِعَ، وإنَّهُ قَدْ ماتَ.

ورُوِيَ أنَّهم عَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِلَيالِيها فَجَعَلُوها أرْبَعِينَ، ثُمَّ أحْدَثُوا ما أحْدَثُوا، والمَعْرُوفُ تَعَدِّي (عَجِلَ) بِعَنْ لا بِنَفْسِهِ فَيُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، ونَقِيضُهُ تَمَّ …

Al-A'raaf 7:150Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.