Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 141–150 of 206

141

وَإِذْ أَنجَيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ

And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.

قَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ﴾ يَعْنِي: بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ أيْ يُذَلُّونَ ويُمْتَهَنُونَ بِالخِدْمَةِ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها مَنصُوبانِ بِأوْرَثْنا.

وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّ الأصْلَ: في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها ثُمَّ حُذِفَتْ في فَنُصِبا، والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ يُقالُ: أوْرَثْتُهُ المالَ، والأرْضُ هي مِصْرُ والشّامُ، ومَشارِقُها جِهاتُ مَشْرِقِها ومَغارِبُها جِهاتُ مَغْرِبِها، وهي الَّتِي كانَتْ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: المُرادُ جَمِيعُ الأرْضِ؛ لِأنَّ داوُدَ وسُلَيْمانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ مَلَكا الأرْضَ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: صِفَةُ الأرْضِ، والمُبارَكَةُ فِيها إخْراجُ الزَّرْعِ والثِّمارِ مِنها عَلى أتَمِّ ما يَكُونُ وأنْفَعِ ما يُنْفَقُ.

قَوْلُهُ: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ أيْ مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ عَلى التَّمامِ والكَلِمَةُ هي ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ ( القَصَصِ: ٥ ) .

وهَذا وعْدٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنَّصْرِ والظَّفَرِ بِالأعْداءِ والِاسْتِيلاءِ عَلى أمْلاكِهِمْ، والحُسْنى: صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، وهي تَأْنِيثُ الأحْسَنِ، وتَمامُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى ما أُصِيبُوا بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ: أيْ أهْلَكْنا بِالخَرابِ ما كانُوا يَصْنَعُونَهُ مِنَ العِماراتِ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ " يَعْرِشُونَ " بِضَمِّ الرّاءِ.

قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةُ تَمِيمٍ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ " يُعَرِّشُونَ " بِتَشْدِيدِ الرّاءِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ مُخَفَّفَةً: أيْ ما كانُوا يَعْرِشُونَهُ مِنَ الجَنّاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: وهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وقِيلَ: مَعْنى يَعْرِشُونَ يَبْنُونَ، يُقالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ: أيْ بَنى يَبْنِي.

قَوْلُهُ: ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ جُزْناهُ بِهِمْ وقَطَعْناهُ.

وقُرِئَ " جَوَّزْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو بِمَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَعْكُفُونَ " بِكَسْرِ الكافِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، يُقالُ: عَكَفَ يَعْكُفُ: ويَعْكِفُ بِمَعْنى أقامَ عَلى الشَّيْءِ ولَزِمَهُ، والمَصْدَرُ مِنهُما عُكُوفٌ، قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ الَّذِينَ أتاهم بَنُو إسْرائِيلَ هم مِن لَخْمٍ كانُوا نازِلِينَ بِالرَّقَّةِ، كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلُ بَقَرٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ الكَنْعانِيِّينَ قالُوا أيْ بَنُو إسْرائِيلَ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِتِلْكَ التَّماثِيلِ ﴿يامُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ أيْ صَنَمًا نَعْبُدُهُ كائِنًا كالَّذِي لِهَؤُلاءِ القَوْمِ فالكافُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ إلَهًا، فَأجابَ عَلَيْهِمْ مُوسى، وقالَ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وصَفَهم بِالجَهْلِ لِأنَّهم قَدْ شاهَدُوا مِن آياتِ اللَّهِ ما يَزْجُرُ مَن لَهُ أدْنى عِلْمٍ عَنْ طَلَبِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ: أعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ أشَدُّ خَلْقِ اللَّهِ عِنادًا وجَهْلًا وتَلَوُّنًا، وقَدْ سَلَفَ في سُورَةِ البَقَرَةِ بَيانُ ما جَرى مِنهم مِن ذَلِكَ.

ثُمَّ قالَ لَهم مُوسى: إنَّ هَؤُلاءِ يَعْنِي القَوْمَ العاكِفِينَ …

Al-A'raaf 7:141Listen in Qur'an →
142

۞ وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةًۭ وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍۢ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةًۭ ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ

And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them], and do not follow the way of the corrupters."

هَذا مِن جُمْلَةِ ما كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرَّفَهُ.

والثَلاثِينَ هي ذُو القَعْدَةِ، والعَشْرُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ المُدَّةَ مَوْعِدًا لِمُناجاةِ مُوسى ومُكالَمَتِهِ، قِيلَ: وكانَ التَّكْلِيمُ في يَوْمِ النَّحْرِ، والفائِدَةُ في فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الثَلاثِينَ والعَشْرَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ أتْمَمْنا الثَلاثِينَ بِعَشْرٍ مِنها فَبَيَّنَ أنَّ العَشْرَ غَيْرُ الثَّلاثِينَ، وأرْبَعِينَ لَيْلَةً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ: أيْ فَتَمَّ حالُ كَوْنِهِ بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ أيْ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ، قالَ مُوسى هَذا لَمّا أرادَ المُضِيَّ إلى المُناجاةِ وأصْلِحْ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ سِياسَتِهِمْ والرِّفْقِ بِهِمْ وتَفَقُّدِ أحْوالِهِمْ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَسْلُكُ سَبِيلَ العاصِينَ ولا تَكُنْ عَوْنًا لِلظّالِمِينَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وواعَدْنا مُوسى الآيَةَ قالَ: ذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: إنَّ مُوسى قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّ رَبِّي وعَدَنِي ثَلاثِينَ لَيْلَةً أنْ ألْقاهُ وأخْلُفَ هارُونَ فِيكم، فَلَمّا فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ زادَهُ اللَّهُ عَشْرًا، فَكانَتْ فِتْنَتُهم في العَشْرِ الَّتِي زادَهُ اللَّهُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثُونَ لَيْلَةً كانَ السّامِرِيُّ قَدْ أبْصَرَ جِبْرِيلَ، فَأخَذَ مِن أثَرِ الفَرَسِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ السّامِرِيِّ.

Al-A'raaf 7:142Listen in Qur'an →
143

وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّۭا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًۭا ۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ

And when Moses arrived at Our appointed time and his Lord spoke to him, he said, "My Lord, show me [Yourself] that I may look at You." [Allah] said, "You will not see Me, but look at the mountain; if it should remain in place, then you will see Me." But when his Lord appeared to the mountain, He rendered it level, and Moses fell unconscious. And when he awoke, he said, "Exalted are You! I have repented to You, and I am the first of the believers."

هَذا مِن جُمْلَةِ ما كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرَّفَهُ.

والثَلاثِينَ هي ذُو القَعْدَةِ، والعَشْرُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ المُدَّةَ مَوْعِدًا لِمُناجاةِ مُوسى ومُكالَمَتِهِ، قِيلَ: وكانَ التَّكْلِيمُ في يَوْمِ النَّحْرِ، والفائِدَةُ في فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الثَلاثِينَ والعَشْرَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ أتْمَمْنا الثَلاثِينَ بِعَشْرٍ مِنها فَبَيَّنَ أنَّ العَشْرَ غَيْرُ الثَّلاثِينَ، وأرْبَعِينَ لَيْلَةً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ: أيْ فَتَمَّ حالُ كَوْنِهِ بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ أيْ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ، قالَ مُوسى هَذا لَمّا أرادَ المُضِيَّ إلى المُناجاةِ وأصْلِحْ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ سِياسَتِهِمْ والرِّفْقِ بِهِمْ وتَفَقُّدِ أحْوالِهِمْ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَسْلُكُ سَبِيلَ العاصِينَ ولا تَكُنْ عَوْنًا لِلظّالِمِينَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وواعَدْنا مُوسى الآيَةَ قالَ: ذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: إنَّ مُوسى قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّ رَبِّي وعَدَنِي ثَلاثِينَ لَيْلَةً أنْ ألْقاهُ وأخْلُفَ هارُونَ فِيكم، فَلَمّا فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ زادَهُ اللَّهُ عَشْرًا، فَكانَتْ فِتْنَتُهم في العَشْرِ الَّتِي زادَهُ اللَّهُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثُونَ لَيْلَةً كانَ السّامِرِيُّ قَدْ أبْصَرَ جِبْرِيلَ، فَأخَذَ مِن أثَرِ الفَرَسِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ السّامِرِيِّ.

Al-A'raaf 7:143Listen in Qur'an →
144

قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِى وَبِكَلَٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ

[Allah] said, "O Moses, I have chosen you over the people with My messages and My words [to you]. So take what I have given you and be among the grateful."

هَذا مِن جُمْلَةِ ما كَرَّمَ اللَّهُ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَرَّفَهُ.

والثَلاثِينَ هي ذُو القَعْدَةِ، والعَشْرُ هي عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ، ضَرَبَ اللَّهُ هَذِهِ المُدَّةَ مَوْعِدًا لِمُناجاةِ مُوسى ومُكالَمَتِهِ، قِيلَ: وكانَ التَّكْلِيمُ في يَوْمِ النَّحْرِ، والفائِدَةُ في فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً مَعَ العِلْمِ بِأنَّ الثَلاثِينَ والعَشْرَ أرْبَعُونَ لَيْلَةً لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ أتْمَمْنا الثَلاثِينَ بِعَشْرٍ مِنها فَبَيَّنَ أنَّ العَشْرَ غَيْرُ الثَّلاثِينَ، وأرْبَعِينَ لَيْلَةً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ: أيْ فَتَمَّ حالُ كَوْنِهِ بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً.

قَوْلُهُ: ﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾ أيْ كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ، قالَ مُوسى هَذا لَمّا أرادَ المُضِيَّ إلى المُناجاةِ وأصْلِحْ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ بِحُسْنِ سِياسَتِهِمْ والرِّفْقِ بِهِمْ وتَفَقُّدِ أحْوالِهِمْ ﴿ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ أيْ لا تَسْلُكُ سَبِيلَ العاصِينَ ولا تَكُنْ عَوْنًا لِلظّالِمِينَ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: وواعَدْنا مُوسى الآيَةَ قالَ: ذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الآيَةِ قالَ: إنَّ مُوسى قالَ لِقَوْمِهِ: إنَّ رَبِّي وعَدَنِي ثَلاثِينَ لَيْلَةً أنْ ألْقاهُ وأخْلُفَ هارُونَ فِيكم، فَلَمّا فَصَلَ مُوسى إلى رَبِّهِ زادَهُ اللَّهُ عَشْرًا، فَكانَتْ فِتْنَتُهم في العَشْرِ الَّتِي زادَهُ اللَّهُ، فَلَمّا مَضى ثَلاثُونَ لَيْلَةً كانَ السّامِرِيُّ قَدْ أبْصَرَ جِبْرِيلَ، فَأخَذَ مِن أثَرِ الفَرَسِ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ السّامِرِيِّ.

Al-A'raaf 7:144Listen in Qur'an →
145

وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ مَّوْعِظَةًۭ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍۢ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ

And We wrote for him on the tablets [something] of all things - instruction and explanation for all things, [saying], "Take them with determination and order your people to take the best of it. I will show you the home of the defiantly disobedient."

اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.

وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.

وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.

والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.

وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:

؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ

وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.

وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.

والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ …

Al-A'raaf 7:145Listen in Qur'an →
146

سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ

I will turn away from My signs those who are arrogant upon the earth without right; and if they should see every sign, they will not believe in it. And if they see the way of consciousness, they will not adopt it as a way; but if they see the way of error, they will adopt it as a way. That is because they have denied Our signs and they were heedless of them.

اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.

وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.

وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.

والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.

وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:

؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ

وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.

وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.

والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ …

Al-A'raaf 7:146Listen in Qur'an →
147

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Those who denied Our signs and the meeting of the Hereafter - their deeds have become worthless. Are they recompensed except for what they used to do?

اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.

وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.

وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.

والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.

وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:

؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ

وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.

وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.

والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ …

Al-A'raaf 7:147Listen in Qur'an →
148

وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَٰلِمِينَ

And the people of Moses made, after [his departure], from their ornaments a calf - an image having a lowing sound. Did they not see that it could neither speak to them nor guide them to a way? They took it [for worship], and they were wrongdoers.

اللّامُ في لِمِيقاتِنا لِلِاخْتِصاصِ: أيْ كانَ مَجِيئُهُ مُخْتَصًّا بِالمِيقاتِ المَذْكُورِ بِمَعْنى أنَّهُ جاءَ في الوَقْتِ المَوْعُودِ وكَلَّمَهُ رَبُّهُ أيْ أسْمَعَهُ كَلامَهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ.

قَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ أيْ أرِنِي نَفْسَكَ أنْظُرْ إلَيْكَ: أيْ سَألَهُ النَّظَرَ إلَيْهِ اشْتِياقًا إلى رُؤْيَتِهِ لَمّا أسْمَعَهُ كَلامَهُ.

وسُؤالُ مُوسى لِلرُّؤْيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ عِنْدَهُ في الجُمْلَةِ، ولَوْ كانَتْ مُسْتَحِيلَةً عِنْدَهُ لَما سَألَها، والجَوابُ بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي يُفِيدُ أنَّهُ لا يَراهُ هَذا الوَقْتَ الَّذِي طَلَبَ رُؤْيَتَهُ فِيهِ، أوْ أنَّهُ لا يُرى ما دامَ الرّائِي حَيًّا في دارِ الدُّنْيا.

وأمّا رُؤْيَتُهُ في الآخِرَةِ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ تَواتُرًا لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ السُّنَّةَ المُطَهَّرَةَ، والجِدالُ في مِثْلِ هَذا والمُراوَغَةُ لا تَأْتِي بِفائِدَةٍ، ومَنهَجُ الحَقِّ واضِحٌ، ولَكِنَّ الِاعْتِقادَ لِمَذْهَبٍ نَشَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ وأدْرَكَ عَلَيْهِ آباءَهُ وأهْلَ بَلَدِهِ مَعَ عَدَمِ التَّنَبُّهِ لِما هو المَطْلُوبُ مِنَ العِبادِ مِن هَذِهِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ يُوقِعُ في التَّعَصُّبِ.

والمُتَعَصِّبُ وإنْ كانَ بَصَرُهُ صَحِيحًا فَبَصِيرَتُهُ عَمْياءُ وأُذُنُهُ عَنْ سَماعِ الحَقِّ صَمّاءُ، يَدْفَعُ الحَقَّ وهو يَظُنُّ أنَّهُ ما دَفَعَ غَيْرَ الباطِلِ، ويَحْسَبُ أنَّ ما نَشَأ عَلَيْهِ هو الحَقُّ غَفْلَةً مِنهُ وجَهْلًا بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وتَلَقِّي ما جاءَ بِهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ بِالإذْعانِ والتَّسْلِيمِ.

وما أقَلَّ المُنْصِفِينَ بَعْدَ ظُهُورِهِ هَذِهِ المَذاهِبَ في الأُصُولِ والفُرُوعِ، فَإنَّهُ صارَ بِها بابُ الحَقِّ مُرْتَجًا، وطَرِيقُ الإنْصافِ مُسْتَوْعِرَةً، والأمْرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، والهِدايَةُ مِنهُ:

؎يَأْبى الفَتى إلّا اتِّباعَ الهَوى ومَنهَجُ الحَقِّ لَهُ واضِحُ

وجُمْلَةُ قالَ لَنْ تَرانِي مُسْتَأْنَفَةٌ لِكَوْنِها جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ اللَّهُ لَهُ ؟ والِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ مَعْناهُ أنَّكَ لا تَثْبُتُ لِرُؤْيَتِي ولا يَثْبُتُ لَها ما هو أعْظَمُ مِنكَ جِرْمًا وصَلابَةً وقُوَّةً، وهو الجَبَلُ فانْظُرْ إلَيْهِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ ولَمْ يَتَزَلْزَلْ عِنْدَ رُؤْيَتِي لَهُ فَسَوْفَ تَرانِي وإنْ ضَعُفَ عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَ مِنهُ أضْعَفُ، فَهَذا الكَلامُ بِمَنزِلَةِ ضَرْبِ المَثَلِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالجَبَلِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ التَّعْلِيقِ بِالمُحالِ، وعَلى تَسْلِيمِ هَذا فَهو في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا لِما قَدَّمْنا.

وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ كِلا طائِفَتَيِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ: فالمُعْتَزِلَةُ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: لَنْ تَرانِي، وبِأمْرِهِ بِأنْ يَنْظُرَ إلى الجَبَلِ، والأشْعَرِيَّةُ قالُوا: إنَّ تَعْلِيقَ الرُّؤْيَةِ بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ يَدُلُّ عَلى أنَّها جائِزَةٌ غَيْرُ مُمْتَنِعَةٍ، ولا يَخْفاكَ أنَّ الرُّؤْيَةَ الأُخْرَوِيَّةَ هي بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذا كُلِّهِ، والخِلافُ بَيْنَهم هو فِيها لا في الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا فَقَدْ كانَ الخِلافُ فِيها في زَمَنِ الصَّحابَةِ وكَلامُهم فِيها مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ تَجَلّى مَعْناهُ: ظَهَرَ، مِن قَوْلِكَ جَلَوْتُ العَرُوسَ: أيْ أبْرَزْتُها، وجَلَوْتُ السَّيْفَ: أخْلَصْتُهُ مِنَ الصَّدَأِ، وتَجَلّى الشَّيْءُ: انْكَشَفَ.

والمَعْنى: فَلَمّا ظَهَرَ …

Al-A'raaf 7:148Listen in Qur'an →
149

وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

And when regret overcame them and they saw that they had gone astray, they said, "If our Lord does not have mercy upon us and forgive us, we will surely be among the losers."

قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خُرُوجِهِ إلى الطُّورِ مِن حُلِيِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَخَذَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلْبَيانِ، والحُلِيُّ جَمْعُ حَلْيٍ.

وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ مِن حُلِيِّهِمْ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ.

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِكَسْرِ الحاءِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الياءِ.

قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ حَلْيٍ: حُلِيٌّ وحِلِيٌّ مِثْلُ ثَدْيٍ: ثَدِيٌّ وثِدِيٌّ، والأصْلُ حَلْوِي أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فانْكَسَرَتِ اللّامُ لِمُجاوَرَتِها الياءَ وتُكْسَرُ الحاءُ لِكَسْرَةِ اللّامِ وضَمُّها عَلى الأصْلِ، وأُضِيفَتْ الحُلِيُّ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ لِغَيْرِهِمْ لِأنَّ الإضافَةَ تَجُوزُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وعِجْلًا مَفْعُولُ اتَّخَذَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ: أيِ اتَّخَذُوا عِجْلًا إلَهًا، وجَسَدًا بَدَلٌ مِن عِجْلًا، وقِيلَ: وصْفٌ لَهُ، والخُوارُ الصِّياحُ: يُقالُ: خارَ يَخُورُ خَوْرًا إذا صاحَ، وكَذَلِكَ خارَ يُخارُ خُوارًا.

ونُسِبَ اتِّخاذُ العِجْلِ إلى القَوْمِ جَمِيعًا مَعَ أنَّهُ اتَّخَذَهُ السّامِرِيُّ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم وهم راضُونَ بِفِعْلِهِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ مُوسى قَوْمَهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ في العَشْرِ المَزِيدَةِ، قالَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مُطاعًا فِيهِمْ: إنَّ مَعَكم حُلِيًّا مِن حُلِيٍّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنهم لِتَتَزَيَّنُوا بِهِ في العِيدِ وخَرَجْتُمْ وهو مَعَكم، وقَدْ أغْرَقَ اللَّهُ أهْلَهُ مِنَ القِبْطِ فَهاتُوها، فَدَفَعُوها إلَيْهِ فاتَّخَذَ مِنها العِجْلَ المَذْكُورَ.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَمْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّ هَذا الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْدِرَ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهم أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أيْ طَرِيقًا واضِحَةً يَسْلُكُونَها اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا وكانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اتِّخاذِهِ أوْ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الِاتِّخاذُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نَدِمُوا وتَحَيَّرُوا بَعْدَ عَوْدِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، يُقالُ لِلنّادِمِ المُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ.

قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سُقِطَ في يَدِهِ وأُسْقِطَ، ومَن قالَ: سَقَطَ في أيْدِيهِمْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ وأصْلُهُ أنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.

وقالَ الأزْهَرِيُّ والزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهم: مَعْنى سُقِطَ في أيْدِيهِمْ: أيْ في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ كَما يُقالُ: حَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ، لِأنَّ مُباشَرَةَ الأشْياءِ في الغالِبِ بِاليَدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ( الحَجِّ: ١٠ ) وأيْضًا النَّدَمُ وإنْ حَلَّ القَلْبَ فَأثَرُهُ يَظْهَرُ في البَدَنِ، لِأنَّ النّادِمَ يَعَضُّ يَدَهُ ويَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، قالَ اللَّهُ تَعالى: فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ( الكَهْفِ: ٤٢ ) ومِنهُ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى …

Al-A'raaf 7:149Listen in Qur'an →
150

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَٰنَ أَسِفًۭا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ

And when Moses returned to his people, angry and grieved, he said, "How wretched is that by which you have replaced me after [my departure]. Were you impatient over the matter of your Lord?" And he threw down the tablets and seized his brother by [the hair of] his head, pulling him toward him. [Aaron] said, "O son of my mother, indeed the people oppressed me and were about to kill me, so let not the enemies rejoice over me and do not place me among the wrongdoing people."

قَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ مِن بَعْدِ خُرُوجِهِ إلى الطُّورِ مِن حُلِيِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِاتَخَذَ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلِابْتِداءِ، أوْ لِلْبَيانِ، والحُلِيُّ جَمْعُ حَلْيٍ.

وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ البَصْرَةِ مِن حُلِيِّهِمْ بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ الياءِ.

وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ إلّا عاصِمًا بِكَسْرِ الحاءِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الياءِ.

قالَ النَّحّاسُ: جَمْعُ حَلْيٍ: حُلِيٌّ وحِلِيٌّ مِثْلُ ثَدْيٍ: ثَدِيٌّ وثِدِيٌّ، والأصْلُ حَلْوِي أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فانْكَسَرَتِ اللّامُ لِمُجاوَرَتِها الياءَ وتُكْسَرُ الحاءُ لِكَسْرَةِ اللّامِ وضَمُّها عَلى الأصْلِ، وأُضِيفَتْ الحُلِيُّ إلَيْهِمْ وإنْ كانَتْ لِغَيْرِهِمْ لِأنَّ الإضافَةَ تَجُوزُ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، وعِجْلًا مَفْعُولُ اتَّخَذَ، وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما مَحْذُوفٌ: أيِ اتَّخَذُوا عِجْلًا إلَهًا، وجَسَدًا بَدَلٌ مِن عِجْلًا، وقِيلَ: وصْفٌ لَهُ، والخُوارُ الصِّياحُ: يُقالُ: خارَ يَخُورُ خَوْرًا إذا صاحَ، وكَذَلِكَ خارَ يُخارُ خُوارًا.

ونُسِبَ اتِّخاذُ العِجْلِ إلى القَوْمِ جَمِيعًا مَعَ أنَّهُ اتَّخَذَهُ السّامِرِيُّ وحْدَهُ لِكَوْنِهِ واحِدًا مِنهم وهم راضُونَ بِفِعْلِهِ.

رُوِيَ أنَّهُ لَمّا وعَدَ مُوسى قَوْمَهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ في العَشْرِ المَزِيدَةِ، قالَ السّامِرِيُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مُطاعًا فِيهِمْ: إنَّ مَعَكم حُلِيًّا مِن حُلِيٍّ آلِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمُوهُ مِنهم لِتَتَزَيَّنُوا بِهِ في العِيدِ وخَرَجْتُمْ وهو مَعَكم، وقَدْ أغْرَقَ اللَّهُ أهْلَهُ مِنَ القِبْطِ فَهاتُوها، فَدَفَعُوها إلَيْهِ فاتَّخَذَ مِنها العِجْلَ المَذْكُورَ.

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ: أيْ ألَمْ يَعْتَبِرُوا بِأنَّ هَذا الَّذِي اتَّخَذُوهُ إلَهًا لا يَقْدِرُ عَلى تَكْلِيمِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْدِرَ عَلى جَلْبِ نَفْعٍ لَهم أوْ دَفْعِ ضُرٍّ مِنهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا أيْ طَرِيقًا واضِحَةً يَسْلُكُونَها اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ أيِ اتَّخَذُوهُ إلَهًا وكانُوا ظالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ في اتِّخاذِهِ أوْ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذا الِاتِّخاذُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾ أيْ نَدِمُوا وتَحَيَّرُوا بَعْدَ عَوْدِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، يُقالُ لِلنّادِمِ المُتَحَيِّرِ: قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ.

قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سُقِطَ في يَدِهِ وأُسْقِطَ، ومَن قالَ: سَقَطَ في أيْدِيهِمْ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالمَعْنى عِنْدَهُ: سَقَطَ النَّدَمُ وأصْلُهُ أنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها.

وقالَ الأزْهَرِيُّ والزَّجّاجُ والنَّحّاسُ، وغَيْرُهم: مَعْنى سُقِطَ في أيْدِيهِمْ: أيْ في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ كَما يُقالُ: حَصَلَ في يَدِهِ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ، لِأنَّ مُباشَرَةَ الأشْياءِ في الغالِبِ بِاليَدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ( الحَجِّ: ١٠ ) وأيْضًا النَّدَمُ وإنْ حَلَّ القَلْبَ فَأثَرُهُ يَظْهَرُ في البَدَنِ، لِأنَّ النّادِمَ يَعَضُّ يَدَهُ ويَضْرِبُ إحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، قالَ اللَّهُ تَعالى: فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها ( الكَهْفِ: ٤٢ ) ومِنهُ ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى …

Al-A'raaf 7:150Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.