فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
But when good came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allah, but most of them do not know.
المُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا قَوْمُهُ، والمُرادُ بِالسِّنِينَ الجَدْبُ، وهَذا مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، يَقُولُونَ أصابَتْهم سَنَةٌ: أيْ جَدَبُ سَنَةٍ، وفي الحَدِيثِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» وأكْثَرُ العَرَبِ يُعْرِبُونَ السِّنِينَ إعْرابَ جَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُعْرِبُهُ إعْرابَ المُفْرَدِ ويُجْرِي الحَرَكاتِ عَلى النُّونِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
؎أرى مَرَّ السِّنِينِ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
بِكَسْرِ النُّونِ مِنَ السِّنِينَ.
قالَ النَّحّاسُ: وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ هَذا البَيْتَ بِفَتْحِ النُّونِ.
أقُولُ:
قَدْ ورَدَ ما لا احْتِمالَ فِيهِ وهو قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وماذا تَزْدَرِي الأقْوامُ مِنِّي ∗∗∗ وقَدْ جاوَزْتُ حَدَّ الأرْبَعِينَ
وبَعْدَهُ:
؎أخُو الخَمْسِينَ مُجْتَمِعٌ أشُدِّي ∗∗∗ وتَجْذِبُنِي مُداوَرَةُ السِّنِينِ
فَإنَّ الأبْياتَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مَكْسُورَةٌ.
وأوَّلُ هَذِهِ الأبْياتِ:
؎أنا ابْنُ جَلا وطُلّاعِ الثَّنايا ∗∗∗ مَتى أضَعُ العِمامَةَ تَعْرِفُونِي
وحَكى الفَرّاءُ عَنْ بَنِي عامِرٍ أنَّهم يَقُولُونَ: أقَمْتُ عِنْدَهُ سِنِينًا مَصْرُوفًا، قالَ: وبَنُو تَمِيمٍ لا يَصْرِفُونَهُ، ويُقالُ أسْنَتَ القَوْمُ: أيْ أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِّبَعْرى:
؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ بِسَبَبِ عَدَمِ نُزُولِ المَطَرِ وكَثْرَةِ العاهاتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ فَيَتَّعِظُونَ ويَرْجِعُونَ عَنْ غِوايَتِهِمْ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيِ الخَصْلَةُ الحَسَنَةُ مِنَ الخِصْبِ بِكَثْرَةِ المَطَرِ وصَلاحِ الثَّمَراتِ ورَخاءِ الأسْعارِ قالُوا لَنا هَذِهِ أيْ أعْطَيْناها بِاسْتِحْقاقٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِنا وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ أيْ خَصْلَةٌ سَيِّئَةٌ مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ وكَثْرَةِ الأمْراضِ ونَحْوِها مِنَ البَلاءِ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ أيْ يَتَشاءَمُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ، والأصْلُ يَتَطَيَّرُوا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ " تَطَيَّرْنا " عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِأشْياءَ مِنَ الطُّيُورِ والحَيَواناتِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ في كُلِّ مَن تَشاءَمَ بِشَيْءٍ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ ( النِّساءِ: ٧٨ ) قِيلَ: ووَجْهُ تَعْرِيفِ الحَسَنَةِ أنَّها كَثِيرَةُ الوُقُوعِ، ووَجْهُ تَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ نُدْرَةُ وُقُوعِها.
قَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ بِجَمِيعِ ما يَنالُهم مِن خِصْبٍ وقَحْطٍ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لَيْسَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ، وكانَ هَذا الجَوابُ عَلى نَمَطِ ما يَعْتَقِدُونَهُ وبِما يَفْهَمُونَهُ، ولِهَذا عَبَّرَ بِالطّائِرِ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ الَّذِي يَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ ومَشِيئَتِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ بِهَذا بَلْ يَنْسِبُونَ الخَيْرَ والشَّرَّ إلى غَيْرِ اللَّهِ جَهْلًا مِنهم.
وقَرَأ الحَسَنُ " طَيْرُهم " .
قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الخَلِيلُ: أصْلُ مَهْما ما الشَّرْطِيَّةُ زِيدَتْ عَلَيْهِ ما الَّتِي لِلتَّوْكِيدِ كَما تُزادُ في سائِرِ الحُرُوفِ مِثْلَ: حَيْثُما وأيْنَما وكَيْفَما ومَتى ما، ولَكِنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ المِثْلَيْنِ فَأبْدَلُوا ألِفَ الأُولى هاءً.
وقالَ الكِسائِيُّ: أصْلُهُ مَهْ: أيِ اكْفُفْ ما تَأْتِينا بِهِ مِن آيَةٍ، …