Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 131–140 of 206

131

فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ قَالُوا۟ لَنَا هَٰذِهِۦ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ ۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

But when good came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allah, but most of them do not know.

﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ إلَخْ. بَيانٌ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ، والمُرادُ بِالحَسَنَةِ كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ الخِصْبُ والرَّخاءُ، وفَسَّرَها مُجاهِدٌ بِالرَّخاءِ والعافِيَةِ وبَعْضُهم بِأعَمَّ مِن ذَلِكَ. أيْ: إذا جاءَهم ما يَسْتَحْسِنُونَهُ ﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾ أيْ: إنّا مُسْتَحِقُّوها بِيُمْنِ الذّاتِ، ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: ضَيِّقَةٌ

صفحة 32

وجَدْبٌ أوْ جَدْبٌ ومُرْضٌ أوْ عُقُوبَةٌ وبَلاءٌ ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾، أيْ: يَتَشاءَمُوا بِهِمْ ويَقُولُوا: ما أصابَنا ذَلِكَ إلّا بِشُؤْمِهِمْ، وأصْلُ إطْلاقِ التَّطَيُّرِ عَلى التَّشاؤُمِ عَلى ما قالَ الأزْهَرِيُّ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ تَزْجُرُ الطَّيْرَ فَتَتَشاءَمُ بِالبارِحِ وتَتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ. وفي المَثَلِ: مَن لِي بِالسّانِحِ بَعْدَ البارِحِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَألَ يُونُسُ رُؤْبَةَ -وأنا شاهِدٌ- عَنِ السّانِحِ والبارِحِ فَقالَ: السّانِحُ ما ولّاكَ مَيامِنَهُ، والبارِحُ ما ولّاكَ مَياسِرَهُ، وقِيلَ: البارِحُ ما يَأْتِي مِن جِهَةِ الشِّمالِ والسّانِحُ ما يَأْتِي مِن جِهَةِ اليَمِينِ وأنْشَدُوا:

زَجَرْتُ لَها طَيْرَ الشِّمالِ فَإنْ يَكُنْ هَواكَ الَّذِي تَهْوى يُصِبْكَ اجْتِنابُها

ثُمَّ إنَّهم سَمَّوُا الشُّؤْمَ طَيْرًا وطائِرًا والتَّشاؤُمَ تَطَيُّرًا، وقَدْ يُطْلِقُونَ الطّائِرَ عَلى الحَظِّ والنَّصِيبِ خَيْرًا أوْ شَرًّا حَتّى قِيلَ: إنَّ أصْلَ التَّطَيُّرِ تَفْرِيقُ المالِ وتَطْيِيرُهُ بَيْنَ القَوْمِ، فَيَطِيرُ لِكُلِّ أحَدٍ نَصِيبُهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ ثُمَّ غَلَبَ في الشَّرِّ. وفي الآيَةِ إغْراقٌ في وصْفِهِمْ بِالغَباوَةِ والقَساوَةِ، فَإنَّ الشَّدائِدَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ وتُذَلِّلُ العَرائِكَ وتُزِيلُ التَّماسُكَ لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ، وقَدْ كانُوا بِحَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنها بَلِ ازْدادُوا عُتُوًّا وعِنادًا، وتَعْرِيفُ الحَسَنَةِ وذِكْرُها بِأداةِ التَّحْقِيقِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ لِكَثْرَةِ وُقُوعِها وتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِأحْداثِها بِالذّاتِ؛ لِأنَّ العِنايَةَ الإلَهِيَّةَ اقْتَضَتْ سَبْقَ الرَّحْمَةِ وعُمُومِ النِّعْمَةِ قَبْلَ حُصُولِ الأعْمالِ، وتَنْكِيرُ السَّيِّئَةِ وذِكْرُها بِأداةِ الشَّكِّ لِنُدُورِها وعَدَمِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِأحْداثِها إلّا بِالتَّبَعِ؛ فَإنَّ النِّقْمَةَ بِمُقْتَضى تِلْكَ العِنايَةِ إنَّما تُسْتَحَقُّ بِالأعْمالِ.

والزَّمَخْشَرِيُّ بَيَّنَ الحَسَنَةَ بِالخِصْبِ والرَّخاءِ، ثُمَّ قالَ في تَعْلِيلِ ما ذُكِرَ: لِأنَّ جِنْسَ الحَسَنَةِ وُقُوعُهُ كالواجِبِ لِكَثْرَتِهِ واتِّساعِهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَلا تَقَعُ إلّا في النُّدْرَةِ، ولا يَقَعُ إلّا شَيْءٌ مِنها. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْعَهْدِ الخارِجِيِّ التَّقْرِيرِيِّ بِدَلِيلِ أنَّهُ ذُكِرَ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، وقَوْلُهُ: لِأنَّ الجِنْسَ إلَخْ أيْ: جِنْسُ الخِصْبِ والرَّخاءِ وفِيهِ مُبالَغَةٌ. أيْ أنَّهُ لِكَثْرَةِ الوُقُوعِ كَأنَّ الجِنْسَ كُلَّهُ واجِبُ الوُقُوعِ، ولِهَذا لا يَزالُ يَتَكاثَرُ حَتّى يَسْتَغْرِقَ الجِنْسَ. وقَوْلُهُ: وأمّا السَّيِّئَةُ إلَخْ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلى إرادَةِ هَذا المَعْنى فَلا تَخالُفَ بَيْنَ كَلامَيْهِ، ولَمْ يُرِدْ بِالجِنْسِ العَهْدَ الذِّهْنِيَّ وهَذا مُرادُ صاحِبِ المِفْتاحِ وبِهِ يَنْدَفِعُ ما تَوَهَّمَهُ صاحِبُ الإيضاحِ. انْتَهى.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِشَيْخِهِ الطِّيبِيِّ حَيْثُ حَمَلَ الجِنْسَ عَلى العَهْدِ الذِّهْنِيِّ وقالَ ما قالَ، …

Al-A'raaf 7:131Listen in Qur'an →
132

وَقَالُوا۟ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍۢ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ

And they said, "No matter what sign you bring us with which to bewitch us, we will not be believers in you."

﴿وقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا أُخِذُوا بِهِ مِن فُنُونِ العَذابِ الَّتِي هي في أنْفُسِها آياتٌ بَيِّناتٌ، وعَدَمُ ارْعِوائِهِمْ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ، أيْ: قالُوا بَعْدَ ما رَأوْا ما رَأوْا مِنَ العَصا والسِّنِينَ ونَقْصِ الثَّمَراتِ.

﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾ كَلِمَةُ مَهْما مِمّا اخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ هي كَلِمَةٌ بِرَأْسِها مَوْضُوعَةٌ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ. وقِيلَ: هي مُرَكَّبَةٌ مِن مَهْ اسْمِ فِعْلٍ لِلْكَفِّ، إمّا باقٍ عَلى مَعْناهُ أوْ مُجَرَّدٌ عَنْهُ وما الشَّرْطِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: أصْلُها ما ما عَلى أنَّ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةَ إبْهامِيَّةٌ مُتَّصِلَةٌ بِها لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ فَقُلِبَتْ ألْفُ ما الأُولى هاءً فِرارًا مِن بَشاعَةِ التَّكْرارِ، وأسْلَمُ الأقْوالِ كَما قالَ غَيْرُ واحِدٍ القَوْلُ بِالبَساطَةِ. وفي حاشِيَةِ التَّسْهِيلِ لِابْنِ هِشامٍ يَنْبَغِي لِمَن قالَ بِالبَساطَةِ أنْ يَكْتُبَ مَهْما بِالياءِ، ولِمَن قالَ: أصْلُها ما ما أنْ يَكْتُبَها بِالألْفِ، وفي الشَّرْحِ: وكَذا إذا قِيلَ أصْلُها مَهْ ما. وتَعَقَّبَ ذَلِكَ الشُّمُنِّيُّ بِأنَّ القائِلِينَ بِالأصْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ مَهْما أصْلٌ آخَرُ، فَما يَنْبَغِي في كَتْبِ آخِرِها عَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَنْبَغِي عَلى القَوْلِ الثّانِي، وفِيهِ نَظَرٌ.

وهِيَ اسْمُ شَرْطٍ لا حَرْفٌ عَلى الصَّحِيحِ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ هُنا عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُها إمّا الشَّرْطُ أوِ الجَزاءُ أوْ هُما عَلى الخِلافِ أوِ النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَ أيٍّ، أيُّ شَيْءٍ تُحْضِرُهُ لَدَيْنا تَأْتِنا بِهِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ مَجِيئَها في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، وشَدَّدَ الزَّمَخْشَرِيُّ الإنْكارَ عَلَيْهِ في الكَشّافِ، وذَكَرَ ابْنُ المُنِيرِ أنَّهُ غَرَّ القائِلَ بِظَرْفِيَّتِها كَلامُ الخَلِيلِ أوْ شَبَهُها بِمَتى ما، وخالَفَ ابْنُ مالِكٍ في ذَلِكَ وقالَ: إنَّهُ مَسْمُوعٌ عَنِ العَرَبِ كَقَوْلِهِ:

وإنَّكَ مَهْما تُعْطِ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وفَرْجَكَ نالا مُنْتَهى الذَّمِّ أجْمَعا

ويُوافِقُهُ كَما قالَ الشِّهابُ اسْتِعْمالُ المَنطِقِيِّينَ لَها بِمَعْنى كُلَّما وجَعْلُها سُورَ الكُلِّيَّةِ فَإنَّها تُفِيدُ العُمُومَ كَما صَرَّحُوا بِهِ ولَيْسَ مِن مُخْتَرَعاتِهِمْ كَما تُوُهِّمَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ كَوْنَها هُنا ظَرْفًا مِمّا لا يَنْبَغِي الإقْدامُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ لِإباءِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿مِن آيَةٍ﴾ عَنْهُ لِأنَّهُ بَيانٌ لِمَهْما ولَيْسَ بِزَمانٍ، وتَسْمِيَتُهم إيّاها آيَةً مِن بابِ المُجاراةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءِ بِها مَعَ الإشْعارِ بِأنَّ هَذا العُنْوانَ لا يُؤَثِّرُ فِيهِمْ وإلّا فَهم يُنْكِرُونَ كَوْنَها آيَةً في نَفْسِ الأمْرِ ويَزْعُمُونَ أنَّها سِحْرٌ كَما يُنْبِئُ قَوْلُهُمْ: ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ راجِعانِ إلى مَهْما، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ لِرِعايَةِ جانِبِ اللَّفْظِ لِإبْهامِهِ، وتَأْنِيثُ الثّانِي لِلْمُحافَظَةِ عَلى جانِبِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ إنَّما رَجَعَ إلَيْهِ بَعْدَ ما بُيِّنَ بِآيَةٍ، وادَّعى ابْنُ هِشامٍ أنَّ الأوْلى عَوْدُ الضَّمِيرِ الثّانِي إلى آيَةٍ، ولَعَلَّهُ راعى القُرْبَ، والذّاهِبُ إلى الأوَّلِ راعى أنَّ (آيَةً) مَسُوقَةٌ لِلْبَيانِ فالأوْلى رُجُوعُ الضَّمِيرِ عَلى المُفَسِّرِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا؛ أيْ: لِتَسْحَرَ بِتِلْكَ الآيَةِ أعْيُنَنا وتُشَبِّهَ عَلَيْنا: ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: بِمُصَدِّقِينَ لَكَ ومُؤْمِنِينَ بِنُبُوَّتِكَ أصْلًا،

Al-A'raaf 7:132Listen in Qur'an →
133

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٍۢ مُّفَصَّلَٰتٍۢ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًۭا مُّجْرِمِينَ

So We sent upon them the flood and locusts and lice and frogs and blood as distinct signs, but they were arrogant and were a criminal people.

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عُقُوبَةً لِجَرائِمِهِمْ لا سِيَّما قَوْلُهم هَذا؛ ﴿الطُّوفانَ﴾ أيْ: ما طافَ بِهِمْ وغَشى أماكِنَهم وحُرُوثَهم مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ فَهو اسْمُ جِنْسٍ مِنَ الطَّوافِ، وقِيلَ: إنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ كَنُقْصانٍ، وهو اسْمٌ لِكُلِّ شَيْءٍ حادِثٍ يُحِيطُ بِالجِهاتِ ويَعُمُّ كالماءِ الكَثِيرِ والقَتْلِ الذَّرِيعِ والمَوْتِ الجارِفِ، وقَدِ اشْتُهِرَ في طُوفانِ الماءِ، وجاءَ تَفْسِيرُهُ هُنا بِذَلِكَ في عِدَّةِ رِواياتٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وجاءَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ تَفْسِيرُهُ بِالمَوْتِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مَرْفُوعًا، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ الطّاعُونُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وعَنْ أبِي قِلابَةَ أنَّهُ الجُدَرِيُّ، وهم أوَّلُ

صفحة 34

مَن عُذِّبُوا بِهِ، وهَذانِ القَوْلانِ يَنْجَرّانِ إلى الخَبَرِ المَرْفُوعِ، ﴿والجَرادَ﴾ هو المَعْرُوفُ، واحِدُهُ جَرادَةٌ سُمِّيَ بِهِ لِجَرْدِهِ ما عَلى الأرْضِ، وهو جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى يُسَلِّطُهُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، وغَيْرُهم عَنْ أبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ مَرْفُوعًا النَّهْيُ عَنْ مُقاتَلَتِهِ مُعَلَّلًا بِما ذُكِرَ، وذَكَرَ البَيْهَقِيُّ أنَّ ذَلِكَ إنْ صَحَّ مُرادٌ بِهِ إذا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإفْسادِ المَزارِعِ، فَإذا تَعَرَّضَ لَهُ جازَ دَفْعُهُ بِما يَقَعُ بِهِ الدَّفْعُ مِنَ القِتالِ والقَتْلِ أوْ أُرِيدَ بِهِ الإشارَةُ إلى تَعَذُّرِ مُقاوَمَتِهِ بِذَلِكَ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ ومَن مَعَهُ عَنْ سَلْمانَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الجَرادِ فَقالَ: «أكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا آكُلُهُ ولا أُحَرِّمُهُ»».

وزَعْمُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن ذُنُوبِ ابْنِ آدَمَ مُؤَوَّلٌ، ﴿والقُمَّلَ﴾ بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ المِيمِ قِيلَ: هو الدَّبى وهو الصِّغارُ مِنَ الجَرادِ، ولا يُسَمّى جَرادًا إلّا بَعْدَ نَباتِ أجْنِحَتِهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وقِيلَ: هو القِرْدانُ جَمْعُ القُرادِ المَعْرُوفِ، وقِيلَ: صِغارُ الذَّرِّ، وعَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ أنَّها الجُعْلانُ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: زَعَمَ بَعْضُ النّاسِ أنَّها البَراغِيثُ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّها السُّوسُ وهي الدّابَّةُ الَّتِي تَكُونُ في الحِنْطَةِ وغَيْرِها، ويُسَمّى قَمْلًا بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ، وبِذَلِكَ قَرَأ الحَسَنُ، ﴿والضَّفادِعَ﴾ جَمْعُ ضِفْدِعٍ كَزِبْرِجٍ وجَعْفَرٍ وجُنْدَبٍ ودِرْهَمٍ وهَذا أقَلُّ أوْ مَرْدُودٌ، الدّابَّةُ المائِيَّةُ المَعْرُوفَةُ، ﴿والدَّمَ﴾ مَعْرُوفٌ وتَشْدِيدُ دالِهِ لُغَةٌ.

ورُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ العِنادَ والإصْرارَ دَعا وقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ، وإنَّ قَوْمَهُ قَدْ نَقَضُوا العَهْدَ. رَبِّ فَخُذْهم بِعُقُوبَةٍ تَجْعَلُها عَلَيْهِمْ نِقْمَةً ولِقَوْمِي عِظَةً ولِمَن بَعْدَهم آيَةً وعِبْرَةً، فَأرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المَطَرَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ لَها أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِهِ فَدَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ قَطْرَةٌ، وكانَتْ مُشْتَبِكَةً في بُيُوتِهِمْ وفاضَ الماءُ عَلى أرْضِهِمْ ورَكَدَ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ ودامَ ذَلِكَ الماءُ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ فَقالُوا: يا مُوسى، ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ …

Al-A'raaf 7:133Listen in Qur'an →
134

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ

And when the punishment descended upon them, they said, "O Moses, invoke for us your Lord by what He has promised you. If you [can] remove the punishment from us, we will surely believe you, and we will send with you the Children of Israel."

﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ أيِ: العَذابُ المَذْكُورُ عَلى التَّفْصِيلِ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، و(لَمّا) لا تُنافِي التَّفْصِيلَ والتَّكْرِيرَ كَما لا يَخْفى.

وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ أصابَهم ثَلْجٌ أحْمَرُ لَمْ يَرَوْهُ قَبْلُ، فَهَلَكَ مِنهم كَثِيرٌ.

وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ الطّاعُونُ، وقَدْ ورَدَ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ في حَدِيثِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ المَرْفُوعِ «وهُوَ الطّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلى طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، فَإذا سَمِعْتُمْ بِهِ في أرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذا وقَعَ بِأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنهُ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: لِيَذْبَحْ كُلٌّ مِنكم كَبْشًا ثُمَّ لِيَخْضِبْ كَفَّهُ في دَمِهِ ثُمَّ لِيَضْرِبْ عَلى بابِهِ فَفَعَلُوا، فَقالَ القِبْطُ لَهُمْ: لِمَ تَجْعَلُونَ هَذا الدَّمَ عَلى أبْوابِكُمْ؟ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم عَذابًا فَنَسْلَمُ وتَهْلَكُونَ، قالَ القِبْطُ: فَما يَعْرِفُكُمُ اللَّهُ تَعالى إلّا بِهَذِهِ العَلامَةِ؟ قالُوا: هَكَذا أمَرَنا نَبِيُّنا، فَأصْبَحُوا وقَدْ طُعِنَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ سَبْعُونَ ألْفًا. فَأمْسَوْا وهم لا يَتَدافَنُونَ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ أنَّهم كُلَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ مِنَ العُقُوباتِ المَذْكُورَةِ ﴿قالُوا يا مُوسى﴾، في كُلِّ مَرَّةٍ، عَلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ بِالرِّجْزِ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ أنَّهُ لَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الثَّلْجُ المُهْلِكُ أوِ الطّاعُونُ الجارِفُ ﴿قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أيْ: بِعَهْدِهِ سُبْحانَهُ عِنْدَكَ وهو النُّبُوَّةُ كَما قالَ أبُو مُسْلِمٍ (فَما) مَصْدَرِيَّةٌ،

صفحة 36

وسُمِّيَتِ النُّبُوَّةُ عَهْدًا كَما قالَ العَلّامَةُ الثّانِي؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَهِدَ إكْرامَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِها وعَهِدُوا إلَيْهِ تَحَمُّلَ أعْبائِها، أوْ لِأنَّ لَها حُقُوقًا تُحْفَظُ كَما تُحْفَظُ العُهُودُ، أوْ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ عَهْدٍ ومَنشُورٍ مِنهُ جَلَّ وعَلا أوْ بِالَّذِي عُهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَهُ بِهِ فَيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في آياتِكَ، (فَما) مَوْصُولَةٌ والجارُّ والمَجْرُورُ صِلَةٌ – لِ ادْعُ - أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، يَعْنِي: ادْعُ اللَّهَ تَعالى مُتَوَسِّلًا بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ الِاسْتِعْطافِيِّ كَما يُقالُ: بِحَياتِكَ افْعَلْ كَذا، فالمُرادُ اسْتِعْطافُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنْ يَدْعُوَ، وأنْ تَكُونَ لِلْقَسَمِ الحَقِيقِيِّ، وجَوابُهُ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ الَّذِي وقَعَ عَلَيْنا ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَكَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ إلَخْ، وخُلاصَةُ ما ذَكَرُوهُ في الباءِ هُنا أنَّها إمّا لِلْإلْصاقِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلْقَسَمِ بِقِسْمَيْهِ.

Al-A'raaf 7:134Listen in Qur'an →
135

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ

But when We removed the punishment from them until a term which they were to reach, then at once they broke their word.

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ أيْ: إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ هم واصِلُونَ إلَيْهِ ولا بُدَّ فَمُعَذَّبُونَ فِيهِ أوْ مُهْلَكُونَ، وهو وقْتُ الغَرَقِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أوِ المَوْتُ كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والمُرادُ أنْجَيْناهم مِنَ العَذابِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، ومِن هُنا صَحَّ تَعَلُّقُ الغايَةِ بِالكَشْفِ، ولا حاجَةَ إلى جَعْلِ الجارِّ والمَجْرُورِ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرِّجْزِ خِلافًا لِزاعِمِهِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِالأجَلِ ما عَيَّنُوهُ لِإيمانِهِمْ ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾، أيْ: يَنْقُضُونَ العَهْدَ، وأصْلُ النَّكْثِ فَلُّ طاقاتِ الصُّوفِ المَغْزُولِ لِيُغْزَلَ ثانِيًا، فاسْتُعِيرَ لِنَقْضِ العَهْدِ بَعْدَ إبْرامِهِ، وجَوابُ (لَمّا) فِعْلٌ مُقَدَّرٌ يُؤْذِنُ بِهِ إذا الفُجائِيَّةُ لا الجُمْلَةُ المُقْتَرِنَةُ بِها، وإنْ قِيلَ بِهِ فَتَساهُلٌ، أيْ: فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم ذَلِكَ فاجَئُوا بِالنَّكْثِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ وتَأمُّلٍ كَذا قِيلَ، وعَلَيْهِ فَكِلا الِاسْمَيْنِ أعْنِي لِما وإذا مَعْمُولٌ لِذَلِكَ الفِعْلِ عَلى أنَّ الأوَّلَ ظَرْفُهُ، والثّانِي مَفْعُولُهُ قالَهُ العَلّامَةُ، والدّاعِي لِذَلِكَ المُحافَظَةُ عَلى ما ذَهَبُوا إلَيْهِ مِن أنَّ ما يَلِي كَلِمَةَ لَمّا مِنَ الفِعْلَيْنِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ماضِيًا لَفْظًا أوْ مَعْنًى، إلّا أنَّ مُقْتَضى ما ذَكَرُوا مِن أنَّ إذْ وإذا المُفاجَأةِ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ بِهِ لِلْفِعْلِ المُتَضَمِّنَيْنِ هُما إيّاهُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ فاجَئُوا زَمانَ النَّكْثِ أوْ مَكانَهُ.

وقَدْ يُقالُ أيْضًا: تَقْدِيرُ الفِعْلِ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ إذْ قَدْ صَرَّحُوا بِأنَّ لَمّا تُجابُ بِإذا المُفاجَأةِ الدّاخِلَةِ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، نَعَمْ هم يَذْكُرُونَ ما يُوهِمُ التَّقْدِيرَ ولَيْسَ بِهِ بَلْ هو بَيانُ حاصِلِ المَعْنى وتَفْسِيرٌ لَهُ فَتَدَبَّرْ.

Al-A'raaf 7:135Listen in Qur'an →
136

فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَٰهُمْ فِى ٱلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَٰفِلِينَ

So We took retribution from them, and We drowned them in the sea because they denied Our signs and were heedless of them.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ أيْ: فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهُمْ، وأُوِّلُ بِذَلِكَ لِيَتَفَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ وإلّا فالإغْراقُ عَيْنُ الِانْتِقامِ فَلا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَيْهِ.

وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً، وقَدْ أثْبَتَها البَعْضُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ﴾ إلَخْ. وحِينَئِذٍ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ: البَحْرِ. كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ويَقَعُ عَلى ما كانَ مُلِحًّا زُعافًا وعَلى النَّهْرِ الكَبِيرِ العَذْبِ الماءِ ولا يُكَسَّرُ ولا يُجْمَعُ جَمْعَ السَّلامَةِ، وقالَ اللَّيْثُ: هو البَحْرُ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: هو لُجَّةُ البَحْرِ وهو عَرَبِيٌّ في المَشْهُورِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّهُ سُرْيانِيٌّ وأصْلُهُ كَما قِيلَ: يَمًّا؛ فَعُرِّبَ إلى ما تَرى. والقَوْلُ بِأنَّهُ اسْمٌ لِلْبَحْرِ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ غَرِيقٌ في يَمِّ الضَّعْفِ.

﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ. يَعْنِي أنَّ سَبَبَ الإغْراقِ وما اسْتَوْجَبُوا بِهِ ذَلِكَ العِقابَ هو التَّكْذِيبُ بِالآياتِ العِظامِ، وهو الَّذِي اقْتَضى تَعَلُّقَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ تَعَلُّقًا تَنْجِيزِيًّا، وهَذا لا يُنافِي تَفْرِيعَ الإرادَةِ عَلى النَّكْثِ؛ لِأنَّ التَّكْذِيبَ هو

صفحة 37

العِلَّةُ الأخِيرَةُ والسَّبَبُ القَرِيبُ، ولا مانِعَ مِن تَعَدُّدِ الأسْبابِ وتَرَتُّبِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ، قالَهُ الشِّهابُ ونُورُ الحَقِّ ساطِعٌ مِنهُ، وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: الفاءُ وإنْ دَلَّتْ عَلى تَرَتُّبِ الإغْراقِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ النَّكْثِ لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ جَمِيعِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وما عُطِفَ عَلَيْهِ لِيَكُونَ مَزْجَرَةً لِلسّامِعِينَ عَنْ تَكْذِيبِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. انْتَهى، وفِيهِ مُناقَشَةٌ لا تَخْفى.

﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْآياتِ والغَفْلَةُ مَجازٌ عَنْ عَدَمِ الذِّكْرِ والمُبالاةِ، أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ وعَدَمِ مُبالاتِهِمْ بِها وتَفَكُّرِهِمْ فِيها بِحَيْثُ صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ وإلّا فالمُكَذِّبُ بِأمْرٍ لا يَكُونُ غافِلًا عَنْهُ لِلتَّنافِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن شاهَدَ مِثْلَها لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُكَذِّبَ بِها مَعَ عِلْمِهِ بِها، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الضَّمِيرَ لِلنِّقْمَةِ وأُرِيدَ بِها الغَرَقُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وعَلَيْهِ فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً بِتَقْدِيرِ قَدْ، ولا مَجازَ في الغَفْلَةِ حِينَئِذٍ، والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى.

Al-A'raaf 7:136Listen in Qur'an →
137

وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ

And We caused the people who had been oppressed to inherit the eastern regions of the land and the western ones, which We had blessed. And the good word of your Lord was fulfilled for the Children of Israel because of what they had patiently endured. And We destroyed [all] that Pharaoh and his people were producing and what they had been building.

﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الِاسْتِضْعافِ وتَجَدُّدِهِ، والمُرادُ بِهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، وذُكِرُوا بِهَذا العُنْوانِ إظْهارًا لِكَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ وعِظَمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ حَيْثُ رُفِعُوا مِن حَضِيضِ المَذَلَّةِ إلى أوْجِ العِزَّةِ، ولَعَلَّ فِيهِ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عِنْدَ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ. ونُصِبَ القَوْمُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِأوْرَثْنا والمَفْعُولُ الثّانِي قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ أيْ: جَمِيعَ جِهاتِها ونَواحِيها، والمُرادُ بِها عَلى ما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وقَتادَةَ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أرْضُ الشّامِ، وذَكَرَ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ أنَّها أرْضُ الشّامِ ومِصْرُ، وفي رِوايَةٍ أنَّها أرْضُ مِصْرَ الَّتِي كانَتْ بِأيْدِي المُسْتَضْعَفِينَ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجُبّائِيُّ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، أيْ: أوْرَثْنا المُسْتَضْعَفِينَ أرْضَ مُسْتَضْعِفِيهِمْ ومُلْكَهُمْ، ومَعْنى تَوْرِيثِهِمْ إيّاها عَلى القَوْلِ بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوها بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إدْخالُها تَحْتَ مِلْكِهِمْ وعَدَمُ وُجُودِ مانِعٍ لَهم عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها أوْ تَمْكِينُ أوْلادِهِمْ فِيها؛ وذَلِكَ في زَمَنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ المُتَبادَرِ كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، عَلى أنَّ أرْضَ مِصْرَ بَعْدَ أنْ فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ لِبَنِي إسْرائِيلَ تَمَكُّنٌ فِيها واسْتِقْرارٌ، وإنَّما كانَ مِلْكٌ وتَصَرُّفٌ، وكانَ التَّمَكُّنُ في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، والسَّوْقُ عَلى ما قِيلَ يَقْتَضِي ذِكْرَ ما تَمَكَّنُوا فِيهِ لا ما مَلَكُوهُ، وأقُولُ: قَدْ يُقالُ: المُرادُ بِالأرْضِ هُنا وفِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فِرْعَوْنَ بَنِي إسْرائِيلَ لِيَذْهَبَ بِهِمْ إلَيْها؛ فَإنَّها مَوْطِنُ آبائِهِمْ فَيَكُونُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ وعَدَهم هَلاكَ عَدُوِّهِمُ المانِعَ لَهم مِنَ الذَّهابِ إلَيْها، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى إيّاهم خُلَفاءَ فِيها بَعْدَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ أوْ بَعْدَ مَن هي في يَدِهِ إذْ ذاكَ مِنَ العَمالِقَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ سُبْحانَهُ هُنا أنَّ الوَعْدَ قَدْ نُجِزَ، وقَدْ أهْلَكْنا أعْداءَ أُولَئِكَ المَوْعُودِينَ وأوْرَثْناهُمُ الأرْضَ الَّتِي مَنَعُوهم عَنْها ومَكَّنّاهم فِيها، وفي حُصُولِ بُغْيَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وما ألْطَفَ تَوْرِيثَ الأبْناءِ مَساكِنَ الآباءِ ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِالخِصْبِ وسِعَةِ الأرْزاقِ أوْ بِذَلِكَ وبِكَوْنِها مَساكِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والصّالِحِينَ، وذَلِكَ ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُرادَ بِمَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها الشّامُ ونَواحِيها، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: لَيُهاجِرَنَّ الرَّعْدُ والبَرْقُ والبَرَكاتُ إلى الشّامِ.

صفحة 38

وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَمِعْتُ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا مِنَ الشّامِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مِنها أُسْرِيَ بِهِ إلَيْها.

وأخْرَجَ أحْمَدُ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حِوالَةَ الأزْدِيِّ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خِرْ لِي بَلَدًا أكُونُ فِيهِ. قالَ: «عَلَيْكَ بِالشّامِ؛ فَإنَّهُ …

Al-A'raaf 7:137Listen in Qur'an →
138

وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍۢ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍۢ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَٰهًۭا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌۭ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌۭ تَجْهَلُونَ

And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ شُرُوعٌ بَعْدَ انْتِهاءِ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وشَرْحِ ما أحْدَثُوهُ بَعْدَ أنْ مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِما مَنَّ وأراهم مِنَ الآياتِ ما أراهم تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا رَآهُ مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ؛ فَإنَّهم جَرَوْا مَعَهُ عَلى دَأْبِ أسْلافِهِمْ مَعَ أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيقاظًا لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ لا يَغْفُلُوا عَنْ مُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ ومُراقَبَةِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ وقَعُوا فِيما وقَعُوا لِغَفْلَتِهِمْ عَمّا مَنَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَلَيْهِمْ، وجاوَزَ بِمَعْنى جازَ وقُرِئَ: (جَوَّزْنا) بِالتَّشْدِيدِ وهو أيْضًا بِمَعْنى جازَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، أيْ: قَطَعْنا البَحْرَ بِهِمْ، والمُرادُ بِالبَحْرِ بَحْرُ القُلْزُمِ.

وفِي مَجْمَعِ البَيانِ: أنَّهُ نِيلُ مِصْرَ وهو كَما في البَحْرِ خَطَأٌ، وعَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَبَرَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ فَصامُوهُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى ﴿فَأتَوْا﴾ أيْ: مَرُّوا بَعْدَ المُجاوَزَةِ.

﴿عَلى قَوْمٍ﴾ قالَ قَتادَةُ: كانُوا مِن لَخْمٍ اسْمِ قَبِيلَةٍ يُنْسَبُونَ كَما صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ إلى لَخْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَبَأٍ، وقِيلَ: كانُوا مِنَ العَمالِقَةِ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِتالِهِمْ.

﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ أيْ: يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها ويُلازِمُونَها، وكانَتْ كَما أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن نُحاسٍ، وهو أوَّلُ شَأْنِ العِجْلِ، وقِيلَ: كانَتْ مِن حِجارَةٍ، وقِيلَ: كانَتْ بَقَرًا حَقِيقَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (يَعْكِفُونَ) بِكَسْرِ الكافِ، قالُوا عِنْدَ ما شاهَدُوا ذَلِكَ: ﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ مِثالًا نَعْبُدُهُ ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾، الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَ (إلَهًا) و(ما) مَوْصُولَةٌ، و(لَهُمْ) صِلَتُها، و(آلِهَةٌ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ فِيهِ، والتَّقْدِيرُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كائِنًا كالَّذِي اسْتَقَرَّ هو لَهم.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ ما كافَّةً لِلْكافِ، ولِذا وقَعَ بَعْدَها الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ وأنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً،

صفحة 41

ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ، أيْ: كَما ثَبَتَ لَهم.

﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ هَذا بَعْدَ ما شاهَدُوهُ مِنَ الآيَةِ الكُبْرى والبَيِّنَةِ العُظْمى، فَوَصَفَهم بِالجَهْلِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ لَهُ مُتَعَلِّقًا ومَفْعُولًا لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ أوْ لِأنَّ حَذْفَهُ يَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ. أيْ: تَجْهَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ فَيَدْخُلُ فِيهِ الجَهْلُ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى، وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ، وتَوْسِيطِ قَوْمٍ وجَعْلِ ما هو المَقْصُودُ بِالأخْبارِ وصْفًا لَهُ لِيَكُونَ كَما قالَ العَلّامَةُ كالمُتَحَقِّقِ المَعْلُومِ، وهَذِهِ كَما ذَكَرَ الشِّهابُ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ في الخَبَرِ المُوَطِّئِ لِادِّعاءِ أنَّ الخَبَرَ لِظُهُورِ أمْرِهِ وقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ مَعْلُومٌ مُتَحَقِّقٌ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَهُ وتَقْرِيرَهُ، ولَوْلاهُ لَمْ يَكُنْ لِتَوْسِيطِ المَوْصُوفِ وجْهٌ مِنَ البَلاغَةِ.

Al-A'raaf 7:138Listen in Qur'an →
139

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌۭ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَٰطِلٌۭ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."

﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ أيِ: القَوْمَ الَّذِينَ يَعْكُفُونَ عَلى هَذِهِ الأصْنامِ.

﴿مُتَبَّرٌ﴾ أيْ: مُدَمَّرٌ مُهْلَكٌ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿ما هم فِيهِ﴾ مِنَ الدِّينِ، يَعْنِي يُدَمِّرُ اللَّهُ تَعالى دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ عَلى يَدَيَّ ويُهْلِكُ أصْنامَهم ويَجْعَلُها فُتاتًا.

﴿وباطِلٌ﴾ أيْ: مُضْمَحِلٌّ بِالكُلِّيَّةِ، وهو أبْلَغُ مِن حَمْلِهِ عَلى خِلافِ الحَقِّ.

﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن عِبادَتِها، وإنْ قَصَدُوا بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى وأنَّ المُرادَ أنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهم أصْلًا، وحَمْلُ ( ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) عَلى الأصْنامِ؛ لِأنَّها مَعْمُولَةٌ لَهم خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِإثْباتِ الجَهْلِ المُؤَكَّدِ لِلْقَوْمِ، وفي إيقاعِ اسْمِ الإشارَةِ كَما في الكَشّافِ اسْمًا لِأنَّ، وتَقْدِيمِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها وسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا، ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا، ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما في الكَشْفِ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ بَعْدَ إفادَةِ الإحْضارِ وأكْمَلِ التَّمْيِيزِ يُفِيدُ أنَّهم أحِقّاءُ بِما أخْبَرَ عَنْهُ بِهِ بِواسِطَةِ ما تَقَدَّمَ مِنَ العُكُوفِ، والتَّقْدِيمُ يُؤْذِنُ بِأنَّ حالَ ما هم فِيهِ لَيْسَتْ غَيْرَ التَّبارِ، وحالَ عَمَلِهِمْ لَيْسَتْ إلّا البُطْلانَ، فَهم لا يَعْدُونَهُما فَهُما لَهم ضَرْبَةُ لازِبٍ.

وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( ما هم فِيهِ ) فاعِلُ (مُتَبَّرٌ) لِاعْتِمادِهِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو في نَفْسِهِ مُساوٍ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ ما هم فِيهِ مُبْتَدَأً، ومُتَبَّرٌ خَبَرٌ لَهُ أوْ أرْجَحُ مِنهُ إلّا أنَّ المَقامَ كَما قالَ القُطْبُ وغَيْرُهُ اقْتَضى ذَلِكَ. فَلْيُفْهَمْ.

Al-A'raaf 7:139Listen in Qur'an →
140

قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًۭا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ

He said, "Is it other than Allah I should desire for you as a god while He has preferred you over the worlds?"

﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ قِيلَ: هَذا هو الجَوابُ وما تَقَدَّمَ مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ لَهُ، ولَعَلَّهُ لِذَلِكَ أُعِيدَ لَفْظُ قالَ.

وقالَ شَيْخُ الإسْلامِ: هو شُرُوعٌ في بَيانِ شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ سُبْحانَهُ بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما طَلَبُوا عِبادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ طَلَبُهُ أصْلًا؛ لِكَوْنِهِ هالِكًا باطِلًا أصْلًا؛ ولِذَلِكَ وُسِّطَ بَيْنَهُما قالَ. مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ الشِّهابُ: أُعِيدَ لَفْظُ قالَ مَعَ اتِّحادِ ما بَيْنَ القائِلِينَ؛ لِأنَّ هَذا دَلِيلٌ خِطابِيٌّ بِتَفْضِيلِهِمْ عَلى العالَمِينَ، ولَمْ يُسْتَدَلَّ بِالتَّمانُعِ العَقْلِيِّ لِأنَّهم عَوامُّ. انْتَهى.

وفِي إقامَةِ بُرْهانِ التَّمانُعِ عَلى الوَثَنِيَّةِ القائِلِينَ: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى والمُجِيبِينَ إذا سُئِلُوا: مَن خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضِ بِخَلْقِهِنَّ اللَّهُ خَفاءٌ، والظّاهِرُ إقامَتُهُ عَلى التَّنْوِيهِ كَما لا يَخْفى، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، وانْتِصابُ (غَيْرَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ أبْغِيكُمْ، وهو عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، والأصْلُ أبْغِي لَكُمْ، وعَلى ذَلِكَ يُخَرَّجُ كَلامُ الجَوْهَرِيِّ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولَيْنِ والهاءَ تَمْيِيزٌ، وجُوِّزَ أنَّ البَقاءَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِأبْغِي و(غَيْرَ) صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَتْ فَصارَتْ حالًا، وأيًّا ما كانَ فالمَقْصُودُ هُنا اخْتِصاصُ الإنْكارِ بِغَيْرِهِ تَعالى دُونَ إنْكارِ الِاخْتِصاصِ، والمَعْنى: أغَيْرَ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ أطْلُبُ لَكم مَعْبُودًا.

﴿وهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ: عالَمِي زَمانِكم أوْ جَمِيعِ العالَمِينَ، وعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ تَفْضِيلَهم بِتِلْكَ الآياتِ لا مُطْلَقًا حَتّى يَلْزَمَ تَفْضِيلُهم عَلى

صفحة 42

أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأمّا الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا يَدْخُلُونَ في المُفَضَّلِ عَلَيْهِمْ بِوَجْهٍ، بَلْ هم خارِجُونَ عَنْ ذَلِكَ بِقَرِينَةٍ عَقْلِيَّةٍ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِوَجْهِ الإنْكارِ، أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَصَّ التَّفْضِيلَ بِكم فَأعْطاكم نِعَمًا لَمْ يُعْطِها غَيْرَكُمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما صَنَعُوا مِن سُوءِ المُعامَلَةِ حَيْثُ قابَلُوا التَّفَضُّلَ بِالتَّفْضِيلِ والِاخْتِصاصَ بِأنْ قَصَدُوا أنْ يُشْرِكُوا بِهِ أخَسَّ مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا الِاخْتِصاصُ مَأْخُوذٌ مِن مَعْنى الكَلامِ، وإلّا فَلَيْسَ فِيهِ ما يُفِيدُ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الخَبَرِ لا يُفِيدُهُ وإنْ كانَ اخْتِصاصًا آخَرَ عَلى ما قِيلَ، أيْ: هو المَخْصُوصُ بِأنَّهُ فَضَّلَكم عَلى مَن سِواكُمْ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ مُسْتَأْنَفَةً.

Al-A'raaf 7:140Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.