تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَٰفِرِينَ
Those cities - We relate to you, [O Muhammad], some of their news. And certainly did their messengers come to them with clear proofs, but they were not to believe in that which they had denied before. Thus does Allah seal over the hearts of the disbelievers.
﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الفَذْلَكَةِ مِمّا قَبْلَها مُنْبِئَةٌ عَنْ غايَةِ غِوايَةِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وتِلْكَ إشارَةٌ إلى قُرى الأُمَمِ المَحْكِيَّةِ مِن قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، وهو مُبْتَدَأٌ، والقُرى صِفَتُهُ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ.
وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ تِلْكَ مُبْتَدَأً، والقُرى خَبَرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى رَأْيِ مَن يَرى جَوازَ كَوْنِ الخَبَرِ الثّانِي جُمْلَةً، وأنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا، وإفادَةُ الكَلامِ بِالتَّقْيِيدِ بِها، واعْتَرَضَهُ في التَّقْرِيبِ بِأنَّهُ جَعَلَ شَرْطَ الإفادَةِ التَّقْيِيدَ بِالحالِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ يَنْتَفِي الشَّرْطُ إلّا أنْ يُرِيدَ تِلْكَ القُرى
صفحة 15
المَعْلُومَةَ حالُها أوْ صِفَتُها عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ لَكِنَّهُ يُوجِبُ الِاسْتِغْناءَ عَنِ اشْتِراطِ إفادَتِهِ بِالحالِ. انْتَهى، وفِيهِ أنَّ حَدِيثَ الِاسْتِغْناءِ مَمْنُوعٌ؛ فَإنَّ المَعْنى كَما في الكَشْفِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُخْتَلِفٌ؛ لِأنَّهُ إذا جُعِلَ حالًا يَكُونُ المَقْصُودُ تَقْيِيدَهُ بِالحالِ، كَما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ في نَحْوِ: هَذا زِيدٌ قائِمًا. إذا جُعِلَ قَيْدًا لِلْخَبَرِ، إنَّ الكَلامَ إنَّما يَكُونُ مَعَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ زَيْدٌ، وإلّا جاءَ الإحالَةُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ زَيْدٌ قائِمًا كانَ أوْ لا، وإذا جُعِلَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ (فَتِلْكَ القُرى) عَلى أُسْلُوبِ ذَلِكَ الكِتابِ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ، (ونَقُصُّ) خَبَرٌ ثانٍ تَفْخِيمًا عَلى تَفْخِيمٍ، حَيْثُ نَبَّهَ عَلى أنَّ لَها قِصَصًا وأحْوالًا أُخْرى مَطْوِيَّةً.
وقالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ الحالَ لَمّا كانَتْ فَضْلَةً كانَ الإشْكالُ قائِمًا في عَدَمِ إفادَةِ الخَبَرِ، فَأُجِيبَ بِأنَّها لَيْسَتْ فَضْلَةً مِن كُلِّ وجْهٍ، وأمّا الخَبَرُ فَلا عَجَبَ مِن كَوْنِهِ كالجُزْءِ مِنَ الأوَّلِ كَما في قَوْلِكَ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وهو بِمَنزِلَتِهِ، وفِيهِ أنَّ عَدَّ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ حامِضٌ ومُسْتَغْنًى عَنْهُ بِالحُلْوِ، ومِثْلُهُ، بَلْ أدْهى وأمَرُّ. الجَوابُ بِأنَّهُ لَمّا اشْتَرَكَ الحُلْوانِ في ذاتِ المُبْتَدَأِ كَفى إفادَةُ أحَدِهِما وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ انْقِضاءِ القِصَّةِ بَعْدُ، و(مِن) لِلتَّبْعِيضِ أيْ: بَعْضَ أخْبارِها الَّتِي فِيها عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِذِكْرِ القُرى وإضافَةُ الأنْباءِ أيِ الأخْبارِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ إلَيْها مَعَ أنَّ المَقْصُودَ أنْباءُ أهْلِها وبَيانُ أحْوالِهِمْ حَسْبَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِما ذَكَرَهُ شَيْخُ الإسْلامِ مِن أنَّ حِكايَةَ هَلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ بِحَيْثُ يَشْمَلُ أماكِنَهم أيْضًا بِالخَسْفِ والرَّجْفَةِ وبَقائِها خاوِيَةً مُعَطَّلَةً أهْوَلُ وأفْظَعُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ( بِالبَيِّناتِ ) مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ، أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِالبَيِّناتِ عَلى مَعْنى أنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ الخاصَّ بِهِمْ جاءَهم بِالمُعْجِزاتِ البَيِّنَةِ الجَمَّةِ، لا أنَّ كَلَّ رَسُولٍ جاءَ بِبَيِّنَةٍ واحِدَةً، وما ذَكَرُوهُ مِن أنَّ مُقابَلَةَ الجَمْعِ بِالجَمْعِ تَقْتَضِي انْقِسامَ الآحادِ عَلى الآحادِ لا يَقْتَضِي كَما قالَ المَوْلى المُدَقِّقُ أبُو القاسِمِ …