Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi

Ayahs 1–10 of 206

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓصٓ

Alif, Lam, Meem, Sad.

صفحة 74

( 7 سُورَةُ الأعْرافِ )

أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ حِبّانَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةَ ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ إلى ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ﴾ مَدَنِيٌّ: وأخْرَجَ غَيْرُ واحِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّها مَكِّيَّةٌ ولَمْ يَسْتَثْنِيا شَيْئًا وهي مِائَتانِ وخَمْسُ آياتٍ في البَصْرِيِّ والشّامِيِّ وسِتٌّ في المَدَنِيِّ والكُوفِيِّ فالمص وبَدَأكم تَعُودُونَ كُوفِيٌّ و﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بَصْرِيٌّ وشامِيٌّ و﴿ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ و﴿الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مَدَنِيٌّ وكُلُّها مُحْكَمٌ وقِيلَ: إلّا مَوْضِعَيْنِ الأوَّلُ ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ فَإنَّهُ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ والثّانِي ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ فَإنَّهُ نُسِخَ بِها أيْضًا عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ وادَّعى أيْضًا أنَّ ﴿وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ كَذَلِكَ وفِيما ذَكَرَ نَظَرٌ وسَيَأْتِي الكَلامُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها عَلى ما قالَهُ الجَلالُ السُّيُوطِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ لَمّا كانَتْ لِبَيانِ الخَلْقِ وفِيها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في بَيانِ القُرُونِ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ وأُشِيرَ إلى ذِكْرِ المُرْسَلِينَ وتَعْدادِ الكَثِيرِ مِنهم وكانَ ما ذُكِرَ عَلى وجْهِ الإجْمالِ جِيءَ بِهَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَها مُشْتَمِلَةً عَلى شَرْحِهِ وتَفْصِيلِهِ فَبُسِطَ فِيها قِصَّةُ آدَمَ وفُصِّلَتْ قِصَصُ المُرْسَلِينَ وأُمَمُهم وكَيْفِيَّةُ هَلاكِهِمْ أكْمَلَ تَفْصِيلٍ ويَصْلُحُ هَذا أنْ يَكُونَ تَفْصِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ ولِهَذا صَدَّرَ السُّورَةَ بِخَلْقِ آدَمَ الَّذِي جَعَلَهُ في الأرْضِ خَلِيفَةً وقالَ سُبْحانَهُ في قِصَّةِ عادٍ: ﴿جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ وفي قِصَّةِ ثَمُودَ ﴿جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ وأيْضًا فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ فِيما تَقَدَّمَ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وهو كَلامٌ مُوجَزٌ وبَسَطَ سُبْحانَهُ هُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ .. إلَخْ. وأمّا وجْهُ ارْتِباطِ أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ بِآخِرِ الأُولى فَهو أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ﴾ وافْتَتَحَ هَذا الأمْرَ بِاتِّباعِ الكِتابِ وأيْضًا لِما تَقَدَّمَ ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكم فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ في مُفْتَتَحِ هَذِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ إلَخْ وذَلِكَ في شَرْحِ التَّنْبِئَةِ المَذْكُورَةِ وأيْضًا لَمّا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ﴾ الآيَةَ وذَلِكَ لا يَظْهَرُ إلّا في المِيزانِ افْتَتَحَ هَذِهِ بِذِكْرِ الوَزْنِ فَقالَ عَزَّ مِن قائِلٍ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ ثُمَّ ﴿مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ وهو مَن زادَتْ حَسَناتُهُ عَلى سَيِّئاتِهِ ثُمَّ ﴿مَن خَفَّتْ﴾ وهو عَلى العَكْسِ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْدُ أصْحابَ الأعْرافِ وهم في أحَدِ الأقْوالِ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئِاتُهم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿المص﴾ سَبَقَ الكَلامُ في مِثْلِهِ وبَيانُ ما فِيهِ فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ خَلا أنَّهُ قِيلَ هُنا: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ المُصَوِّرُ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأُفَصِّلُ واخْتارَهُ …

2

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

[This is] a Book revealed to you, [O Muhammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

صفحة 75

وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿كِتابٌ﴾ عَلى بَعْضِ الِاحْتِمالاتِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هو أوْ ذَلِكَ كِتابٌ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِن عِنْدِهِ تَعالى صِفَةٌ لَهُ مُشَرِّفَةٌ لِقَدْرِهِ وقَدْرِ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ ﷺ وبُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ الصَّرِيحِ بِالفاعِلِ لِغايَةِ ظُهُورِ تَعَيُّنِهِ وهو السِّرُّ في تَرْكِ ذِكْرِ مَبْدَأِ الإنْزالِ والتَّوْصِيفُ بِالماضِي إنْ كانَ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ القُرْآنِ عَنِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الكُلِّ والجُزْءِ ظاهِرٌ وإنْ كانَ المَجْمُوعُ فَلِتَحَقُّقِهِ جُعِلَ كالماضِي واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ ومَن وافَقَهُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ هُنا السُّورَةُ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لا يَخْفى إنْ قُلْنا: إنَّهُ لَمْ يُطْلَقْ عَلى البَعْضِ وإذا قُلْنا بِإطْلاقِهِ عَلى ذَلِكَ كَما في قَوْلِهِمْ: ثَبَتَ هَذا الحُكْمُ بِالكِتابِ فالأمْرُ واضِحٌ ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ جَعْلَ ﴿كِتابٌ﴾ مُبْتَدَأً والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ عَلى مَعْنى كِتابٍ أيْ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ أوْلى لِأنَّ هَذا خِلافُ الأصْلِ وحَذْفُ المُبْتَدَأِ أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ أيْ شَكٌّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ وأصْلُهُ الضِّيقُ واسْتِعْمالُهُ في ذَلِكَ مَجازٌ كَما في الأساسِ عَلاقَتُهُ اللُّزُومُ فَإنَّ الشّاكَّ يَعْتَرِيهِ ضِيقُ الصَّدْرِ كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ يَعْتَرِيهِ انْشِراحُهُ وانْفِساحُهُ والقَرِينَةُ المانِعَةُ هو امْتِناعُ حَقِيقَةِ الحَرَجِ والضِّيقُ مِنَ الكِتابِ وإنْ جَوَّزْتُها فَهي كِنايَةٌ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو قَدْ صارَ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً في ذَلِكَ كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى حَقِيقَتِهِ لَكِنْ في الكَلامِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ كَخَوْفِ عَدَمِ القَبُولِ والتَّكْذِيبِ فَإنَّهُ ﷺ كانَ يَخافُ قَوْمَهُ وتَكْذِيبَهم وإعْراضَهم عَنْهُ وأذاهم لَهُ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ الآيَةَ ولِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الخَوْفِ والخَوْفُ كَما يَقَعُ عَلى المَكْرُوهِ يَقَعُ عَلى سَبَبِهِ.

وتَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى الحَرَجِ بِمَعْنى الشِّرْكِ مَعَ أنَّ المُرادَ نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ ذَلِكَ قِيلَ إمّا لِلْمُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الشَّكِّ فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مِمّا يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَنِ المَنهِيِّ وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ فَإنَّ وُقُوعَ الشَّكِّ في صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِاتِّصافِهِ وحاشاهُ بِهِ والنَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ نَهْيٌ عَنِ المُسَبَّبِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ لا أرَيَنَّكَ ها هُنا فَإنَّ النَّهْيَ هُناكَ وارِدٌ عَلى المُسَبَّبِ مُرادًا بِهِ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ فَيَكُونُ المَآلُ نَهْيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ تَعاطِي ما يُورِثُ الحَرَجَ فَتَأمَّلْ. انْتَهى.

والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ نَهْيُ المُخاطَبِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْحَرَجِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ وأنَّهُ مِن قَبِيلِ لا أرَيَنَّكَ ها هُنا في ذَلِكَ لِما …

3

ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُكَلَّفِينَ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ الكِتابُ المُنَزَّلُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ إلّا أنَّهُ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وجُعِلَ مُنَزَّلًا إلَيْهِمْ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِاتِّباعِ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يَعُمُّ الكِتابَ والسَّنَةَ فَلَيْسَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ وإيثارُهُ لِفائِدَةِ التَّعْمِيمِ وتَشْمِيمٌ مِن أُسْلُوبِ قَوْلِ الأنْمارِيَّةِ هم كالحَلْقَةِ المُفْرَغَةِ لا يُدْرى أيْنَ طَرَفاها وتَتْمِيمٌ لِشَرْحِ الصَّدْرِ فَإنَّهُ لَمّا شَجَّعَ أمْرُ الجَمِيعِ بِاتِّباعِ جَمِيعِ ما يَرْسُمُهُ لِيَكُونَ أدْعى لِانْشِراحِ صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ورَحْبَ ذِراعِهِ.

ولا يَخْفى أنَّ هَذا الحَمْلَ بَعِيدٌ نَعَمْ يَعُمُّ السُّنَّةَ بِأقْسامِها الحُكْمُ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لا بِطْرِيقِ العِبارَةِ و( مِن ) مُتَعَلِّقَةٌ بِأُنْزِلَ عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ وتَرْغِيبٌ لَهم في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ وتَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ إثْرَ تَأْكِيدٍ ﴿ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ عائِدٌ إلى ( رَبِّكم ) والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ فِعْلِ النَّهْيِ أيْ لا تَتَّبِعُوا مُتَجاوِزِينَ رَبَّكُمُ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكم ما يَهْدِيكم إلى الحَقِّ ( أوْلِياءَ ) مِنَ الشَّياطِينِ والكُهّانِ بِأنْ تَقْبَلُوا مِنهم ما يُلْقُونَهُ إلَيْكم مِنَ الأباطِيلِ لِيُضِلُّوكم عَنِ الحَقِّ بَعْدَ إذْ جاءَكم ويَحْمِلُوكم عَلى البِدَعِ والأهْواءِ الزّائِغَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ( أوْلِياءَ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً أيْ أوْلِياءَ كائِنَةً غَيْرَهُ تَعالى وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالفِعْلِ قَبْلَهُ أيْ تَعْدِلُوا عَنْهُ سُبْحانَهُ إلى غَيْرِهِ ولَمّا كانَ اتِّباعُ ما أنْزَلَهُ سُبْحانَهُ جَلَّ وعَلا اتِّباعًا لَهُ عَزَّ شَأْنُهُ عَقَّبَ الأمْرَ السّابِقَ بِهَذا النَّهْيِ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لَمّا أُنْزِلَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ في أوْلِياءَ أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ ما أُنْزِلَ أباطِيلَ أوْلِياءَ وكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ دِينِ رَبِّكم دِينَ أوْلِياءَ وذَلِكَ التَّقْدِيرُ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ وصْفُ المُنْزَلِ بِكَوْنِهِ دُونَهم وجُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمَصْدَرِ أيْ لا تَتَّبِعُوا أوْلِياءَ اتِّباعًا مِن دُونِ اتِّباعِكم ما أُنْزِلَ إلَيْكم وفِيهِ بُعْدٌ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ ( تَبْتَغُوا ) بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ مِنَ الِابْتِغاءِ ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ (3) أيْ تَذَكُّرًا قَلِيلًا أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَذَكَّرُونَ لا كَثِيرًا حَيْثُ لا تَتَأثَّرُونَ بِذَلِكَ ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ وتَتْرُكُونَ الحَقَّ وتَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ فَقَلِيلًا

صفحة 78

نَعْتُ مَصْدَرٍ أوْ زَمانٍ مَحْذُوفٍ أُقِيمَ مَقامَهُ ونَصَبَهُ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ و( ما ) مَزِيدٌ لِتَأْكِيدِ القِلَّةِ لِأنَّها تُفِيدُها في نَحْوِ أكَلْتُ أكْلًا ما فَهي ها هُنا قِلَّةٌ عَلى قِلَّةٍ والظّاهِرُ مِنَ القِلَّةِ مَعْناها وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِها العَدَمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ وأُجِيزَ أنْ يَكُونَ قَلِيلًا نَعْتَ مَصْدَرٍ لِتَتَّبِعُوا أيِ اتِّباعًا قَلِيلًا قِيلَ: …

4

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ شُرُوعٌ في تَذْكِيرِهِمْ وإنْذارِهِمْ ما نَزَلَ بِمَن قَبْلَهم مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعالى وإصْرارِهِمْ عَلى أباطِيلِ أوْلِيائِهِمْ و( كَمْ ) خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والجُمْلَةُ بَعْدَها خَبَرُها و﴿مِن﴾ سَيْفُ خَطِيبٍ و﴿قَرْيَةٍ﴾ تَمْيِيزٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّ ( كَمْ ) نَصْبًا عَلى الِاشْتِغالِ وضَمِيرُ ﴿أهْلَكْناها﴾ راجِعٌ إلى مَعْنى كَمْ فَإنَّ المَعْنى قُرًى كَثِيرَةٌ أهْلَكْناها والمُرادُ بِإهْلاكِها إرادَةُ إهْلاكِها مَجازًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ فَلا إشْكالَ في التَّعْقِيبِ الَّذِي تُفْهِمُهُ الفاءُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا﴾ أيْ عَذابُنا واعْتَرَضَ هَذا الجَوابَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ بِأنَّ فِيهِ إشْكالًا أُصُولِيًّا وهو أنَّ الإرادَةَ إنْ كانَتْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها التَّنْجِيزِيِّ فَمَجِيءُ البَأْسِ مُقارِنٌ لَها لا مُتَعَقِّبٌ لَها وبَعْدَها وإنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَهي قَدِيمَةٌ فَإنْ كانَ البَأْسُ يَعْقُبُها لَزِمَ قِدَمُ العالَمِ وإنْ تَأخَّرَ عَنْها لَزِمَ العَطْفُ بِثُمَّ.

وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ قَبْلَ الوُقُوعِ أيْ قَصَدْنا إهْلاكَها فَتَدَبَّرْ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالإهْلاكِ الخِذْلانُ وعَدَمُ التَّوْفِيقِ فَهو اسْتِعارَةٌ أوْ مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ وإلى هَذا يُشِيرُ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ اعْتِزالِيٌّ وأنَّ الصَّوابَ أنْ يُقالَ: مَعْناهُ خَلَقْنا في أهْلِها الفِسْقَ والمُخالَفَةَ فَجاءَها بَأْسُنا وقِيلَ: المُرادُ حُكْمُنا بِإهْلاكِها فَجاءَها وقِيلَ: الفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ نَحْوَ تَوَضَّأ فَغَسَلَ وجْهَهُ .. إلَخْ. وقِيلَ: إنَّ الفاءَ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وقالَ ابْنُ عُصْفُورٍ: إنَّ المُرادَ أهْلَكْناها هَلاكًا مِن غَيْرِ اسْتِئْصالٍ فَجاءَها هَلاكُ الِاسْتِئْصالِ وقالَ الفَرّاءُ: الفاءُ بِمَعْنى الواوِ أوِ المُرادُ فَظَهَرَ مَجِيءُ بَأْسِنا واشْتَهَرَ وقِيلَ: الكَلامُ عَلى القَلْبِ وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ أيْ أهْلَكْناها ﴿بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾ (4) فَجاءَها بَأْسُنا فالإهْلاكُ في الدُّنْيا ومَجِيءُ البَأْسِ

صفحة 79

فِي الآخِرَةِ فَيَشْمَلُ الكَلامُ عَذابَ الدّارَيْنِ ويَأْباهُ ما بَعْدُ إباءً ظاهِرًا فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ في الدُّنْيا وقَدَّرَ غَيْرُ واحِدٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ مُضافًا أيْ فَجاءَ أهْلُها.

وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الحَمْلَ عَلى الِاسْتِخْدامِ لِأنَّ القَرْيَةَ تُطْلَقُ عَلى أهْلِها مَجازًا ومِنَ النّاسِ مَن قَدَّرَ في الأوَّلِ المُضافَ أيْضًا مَعَ أنَّ القَرْيَةَ تَتَّصِفُ بِالهَلاكِ وهو الخَرابُ والبَياتُ في الأصْلِ مَصْدَرُ باتَ يَبِيتُ بَيْتًا وبِيتَةً وبَياتًا وبَيْتُوتَةً وذَكَرَ الرّاغِبُ: إنَّ البَياتَ وكَذا التَّبْيِيتُ قَصْدُ العَدُوِّ لَيْلًا وقالَ اللَّيْثُ: البَيْتُوتَةُ الدُّخُولُ في اللَّيْلِ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِهِ بِبائِتِينَ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ واحْتِمالُ النَّصْبِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لَهُ كَما زَعَمَ أبُو البَقاءِ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وأوْ لِلتَّنْوِيعِ وما بَعْدَها عَطْفٌ عَلى الحالِ وهو في مَوْضِعِ الحالِ أيْضًا وأُضْمِرَتْ فِيهِ الواوُ كَما قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ لِوُضُوحِ المَعْنى ومِن أجْلِ أنْ أوْ حَرْفِ عَطْفٍ والواوِ كَذَلِكَ فاسْتَثْقَلُوا الجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيْنِ مِن حُرُوفِ العَطْفِ فَحَذَفُوا الثّانِي ونُقِلَ ذَلِكَ عَنِ الفَرّاءِ أيْضًا …

5

فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾ أيْ دُعاؤُهم واسْتِغاثَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآخِرُ دَعْواهُمْ﴾ وقَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ فِيما حَكاهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ اللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دَعْوى المُسْلِمِينَ أوِ ادِّعاءَهم كَما هو المَشْهُورُ في مَعْنى الدَّعْوى ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا﴾ عَذابُنا وشاهَدُوا أماراتِهِ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ جَمِيعًا ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (5) أيْ إلّا اعْتِرافُهم بِظُلْمِهِمْ فِيما كانُوا عَلَيْهِ وشَهادَتُهم بِبُطْلانِهِ تَحَسُّرًا أوْ نَدامَةً وطَمَعًا في الخَلاصِ وهَيْهاتَ ولا حِينَ نَجاةٍ وفي جَعْلِ هَذا الِاعْتِرافِ عَيْنَ ذَلِكَ مُبالَغَةً عَلى حَدِّ قَوْلِهِ:

تَحِيَّةٌ بَيْنَهم ضَرْبٌ وجِيعٌ

و﴿دَعْواهُمْ﴾ يَجُوزُ فِيهِ كَما قالَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ اسْمَ كانَ والخَبَرُ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ وأنْ يَكُونَ هو الخَبَرُ و﴿إلا أنْ قالُوا﴾ الِاسْمَ ورَجَّحَ الثّانِي بِأنَّ جَعْلَ الأعْرَفِ اسْمًا هو المَعْرُوفُ في كَلامِهِمْ والمَصْدَرُ هُنا يُشْبِهُ المُضْمَرَ لِأنَّهُ يُوصَفُ وهو أعْرَفُ مِنَ المُضافِ وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ الِاسْمَ والخَبَرَ إذا كانا مَعْرِفَتَيْنِ وإعْرابُهُما غَيْرَ

صفحة 81

ظاهِرٍ يَجُوزُ تَقْدِيمُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ فَتَعَيَّنَ الأوَّلُ وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ القَرِينَةِ والقَرِينَةُ هُنا كَوْنُ الثّانِي أعْرَفَ وتَرْكُ التَّأْنِيثِ وأيْضًا ذاكَ إذا لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ فَإنْ كانَ يُلاحَظُ ما يَقْتَضِيهِ ورَجَّحَ في الكَشْفِ الثّانِيَ بِأنَّهُ الوَجْهُ المُطابِقُ لِنَظائِرِهِ في القُرْآنِ.

والمَعْنى عَلَيْهِ أشَدُّ مُلاءَمَةً لِأنَّ الفَرْضَ أنَّ قَوْلًا آخَرَ لَمْ يَقَعْ هَذا المَوْقِعَ فالمَقْصُودُ الحُكْمُ عَلى القَوْلِ المَخْصُوصِ بِأنَّهُ هو الدُّعاءُ وزِيدَ تَأْكِيدًا بِإدْخالِ أداةِ القَصْرِ ولَيْسَ مِنَ التَّقْدِيمِ في شَيْءٍ لِأنَّ حَقَّ المَقْصُورِ عَلَيْهِ التَّأْخِيرُ أبَدًا فَتَأمَّلْ وتَذَكَّرْ

6

فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ بَيانٌ كَما قالَهُ الطَّبَرْسِيُّ لِعَذابِهِمُ الأُخْرَوِيِّ إثْرَ بَيانِ عَذابِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ خَلا أنَّهُ تَعَرَّضَ كَما قِيلَ لِبَيانِ مَبادِئِ أحْوالِ المُكَلَّفِينَ جَمِيعًا لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّهْوِيلِ والفاءُ عِنْدَ البَعْضِ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الدُّنْيَوِيَّةِ ذِكْرًا حَسَبَ تَرَتُّبِها عَلَيْها وجُودًا وذَكَرَ العَلّامَةُ الطَّيِّبِيُّ أنَّ الفاءَ فَصِيحَةٌ عَلى مَعْنى فَما كانَ دَعْواهم في الدُّنْيا إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا فَقَطَعْنا دابِرَهم ثُمَّ لَنَحْشُرَنَّهم فَلْنَسْألَنَّهم ووُضِعَ عَلى هَذا الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّقْرِيرِ.

وقالَ في الكَشْفِ: لَعَلَّ الأوْجَهَ أنْ يُجْعَلَ هَذا مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ( اتَّبِعُوا. ولا تَتَّبِعُوا ) ويُجْعَلُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ﴾ .. إلَخْ. مُعْتَرِضًا حَثًّا عَلى الِاعْتِبارِ بِحالِ السّابِقِينَ لِيَتَشَمَّرُوا في الِاتِّباعِ. اهـ. والأمْرُ عِنْدَ مَن جَعَلَ الكَلامَ السّابِقَ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ وادَّعى أنَّ مَجِيءَ البَأْسِ في الآخِرَةِ سَهْلٌ كَما لا يَخْفى أيْ لَنَسْألَنَّ الأُمَمَ قاطِبَةً أوْ هَؤُلاءِ قائِلِينَ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ﴿ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ (6) ماذا أُجِيبُوا والمُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ تَوْبِيخُ الكَفَرَةِ وتَقْرِيعُهم والمَنفِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ( يَوْمَ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ) سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ وجَمَعَ آخَرُونَ بَيْنَهُما بِأنَّ لِلْمُثْبَتِ مَوْقِفًا ولِلْمَنفِيِّ آخَرَ وقالَ الإمامُ: إنَّهم لا يُسْألُونَ عَنِ الأعْمالِ أيْ ما فَعَلْتُمْ ولَكِنْ يُسْألُونَ عَنِ الدَّواعِي الَّتِي دَعَتْهم إلى الأعْمالِ والصَّوارِفِ الَّتِي صَرَفَتْهم عَنْها أيْ لِمَ كانَ كَذا وقِيلَ: مَعْنى ﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لا يُعاقَبُ بِذَنْبِهِ غَيْرُهُ وقِيلَ: المُرادُ مِنَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ ومِنَ المُرْسَلِينَ المَلائِكَةُ الَّذِينَ بَلَّغُوهم رِسالاتِ رَبِّهِمْ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ فَرَقَدٍ وهو كَما تَرى وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّوْفِيقِ فَإنَّ المَنفِيَّ هو السُّؤالُ عَنِ الذَّنْبِ لا مُطْلَقَ السُّؤالِ ورُدَّ بِأنَّ عَدَمَ قَبُولِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِما ذَكَرْنا هو الَّذِي يَشْهَدُ بِهِ الأخْبارُ وتَدُلُّ عَلَيْهِ الآثارُ وفي القُرْآنِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ وتَخْصِيصُ سُؤالِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ بِما تَقَدَّمَ هو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ يُقالُ لِلَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ: هَلْ بَلَّغَكُمُ الرُّسُلُ ويُقالُ: لِلْمُرْسَلِينَ ما رَدُّوا عَلَيْكم وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ القاسِمِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: يُسْألُ العَبْدُ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ أرْبَعِ خِصالٍ يَقُولُ رَبُّكَ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ جَسَدًا فَفِيمَ أبْلَيْتَهُ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ عِلْمًا فَفِيمَ عَمِلْتَ بِما عَلِمْتَ ألَمْ أجْعَلْ لَكَ مالًا فَفِيمَ أنْفَقْتَهُ في طاعَتِي أمْ في مَعْصِيَتِي ألَمْ أجْعَلْ لَكَ عُمُرًا فَفِيمَ أفْنَيْتَهُ وأخْرَجَ هو وغَيْرُهُ عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ فَقالَ الإمامُ: يُسْألُ عَنِ النّاسِ والرَّجُلُ يُسْألُ عَنْ أهْلِهِ والمَرْأةُ تُسْألُ عَنْ بَيْتِ زَوْجِها

صفحة 82

والعَبْدُ يُسْألُ عَنْ مالِ …

7

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾ قِيلَ أيْ عَلى الرُّسُلِ حِينَ يَكِلُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِهِ تَعالى ويَقُولُونَ ﴿لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أوْ عَلَيْهِمْ وعَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا جَمِيعَ أحْوالِهِمْ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَنْطِقُ عَلَيْهِمْ كِتابُ أعْمالِهِمْ بِعِلْمٍ أيْ عالِمِينَ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ أوْ بِمَعْلُومِنا مِنهم والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلْمُلابَسَةِ والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مِن فاعِلِ ( نَقُصُّ ) وعَلى الثّانِي الباءُ مُتَعَلِّقٌ بِنَقُصُّ ﴿وما كُنّا غائِبِينَ﴾ (7) عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ والمُرادُ الإحاطَةُ التّامَّةُ بِأحْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنها عَنْ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ والجُمْلَةُ إمّا حالٌ أوِ اسْتِئْنافٌ لِتَأْكِيدِ ما قَبْلَهُ.

8

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

﴿والوَزْنُ﴾ أيْ وزْنُ الأعْمالِ والتَّمْيِيزُ بَيْنَ الرّاجِحِ مِنها والخَفِيفِ والجَيِّدِ والرَّدِيءِ وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ﴾ صِفَتُهُ أيْ والوَزْنُ الحَقُّ الثّابِتُ يَوْمَ إذْ يَكُونُ السُّؤالُ والقَصُّ واخْتارَ هَذا بَعْضٌ مِنَ المُعْرِبِينَ وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ ( الحَقُّ ) خَبَرٌ و( يَوْمَئِذٍ ) ظَرْفٌ لِلْوَزْنِ لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ.

ولَعَلَّ وجْهَ عَدَمِ اخْتِيارِ هَذا أنَّ فِيهِ إعْمالَ المَصْدَرِ المُعَرَّفِ وهو قَلِيلٌ وفي الكَشْفِ لَيْسَ المَعْنى عَلى أنَّ الوَزْنَ هو الحَقُّ بَلْ أنَّ الوَزْنَ الحَقَّ يَكُونُ يَوْمَئِذٍ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ وذَكَرَ الأصْفَهانِيُّ في شَرْحِ اللُّمْعِ لِابْنِ جِنِّيٍّ أنَّ ( الحَقُّ ) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الظَّرْفِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ إلّا أنَّ الأوَّلَ رَجَّحَ جانِبَ المَعْنى ولَمْ يُبالِ بِالفَصْلِ بِالخَبَرِ لِاتِّحادِهِ مِن وجْهٍ بِالمُبْتَدَأِ لا سِيَّما والظَّرْفُ يَتَوَسَّعُ فِيهِ وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( الحَقُّ ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ الوَزْنُ فَقِيلَ: هو الحَقُّ أيِ العَدْلُ السَّوِيُّ وأنْ يَكُونَ ( الوَزْنُ ) خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْضًا أيْ هَذا الوَزْنُ وهو كَما تَرى وقُرِئَ ( القِسْطَ ) والوَزْنُ كَما قالَ الرّاغِبُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الشَّيْءِ يُقالُ وزَنْتُهُ وزْنًا وزِنَةً والمُتَعارَفُ فِيهِ عِنْدَ العامَّةِ ما يُقَدَّرُ بِالقِسْطاسِ والقَبّانِ واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ والجُمْهُورُ كَما قالَ القاضِي عَلى أنَّ صَحائِفَ الأعْمالِ هي الَّتِي تُوزَنُ بِمِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ الخَلائِقُ إظْهارًا لِلْمَعْدَلَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ كَما يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ فَتَعْتَرِفُ بِها ألْسِنَتُهم وجَوارِحُهم ولا تُعْرَضُ لَهم لِماهِيَّةِ هاتِيكَ الصَّحائِفِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَتِها.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُصاحُ بِرَجُلٍ مِن أُمَّتِي عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِنها مَدُّ البَصَرِ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ: أتُنْكِرُ مِن هَذا شَيْئًا أظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحافِظُونَ فَيَقُولُ: لا يا رَبِّ فَيَقُولُ سُبْحانَهُ أفَلَكَ عُذْرٌ أوْ حَسَنَةٌ فَيَهابُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ لا يا رَبِّ فَيَقُولُ جَلَّ شَأْنُهُ: بَلى إنَّ لَكَ عِنْدَنا حَسَنَةً وإنَّهُ لا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ فَتَخْرُجُ لَهُ بِطاقَةٌ فِيها أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ ما هَذِهِ البِطاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلّاتِ فَيُقالُ: إنَّكَ لا تُظْلَمُ فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ

صفحة 83

والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ فَطاشَتِ السِّجِلّاتُ وثَقُلَتِ البِطاقَةُ ولا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ» وهَذِهِ الشَّهادَةُ عَلى ما قالَهُ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنِ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ لَيْسَتْ شَهادَةَ التَّوْحِيدِ لِأنَّ مِن شَأْنِ المِيزانِ أنْ يُوضَعَ في إحْدى كِفَّتَيْهِ شَيْءٌ وفي الأُخْرى ضِدُّهُ فَتُوضَعُ الحَسَناتُ في كِفَّةٍ والسَّيِّئاتُ في كِفَّةٍ ومِنَ المُسْتَحِيلِ أنْ يُؤْتى لِعَبْدٍ واحِدٍ بِكُفْرٍ وإيمانٍ مَعًا …

9

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَضْيِيعِ فِطْرَةِ الإسْلامِ الَّتِي ما مِن مَوْلُودٍ إلّا يُولَدُ عَلَيْها أوْ فِطْرَةِ الخَيْرِ الَّذِي هو أصْلُ الجِبِلَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (9) مُتَعَلِّقٌ بِخَسِرُوا وما مَصْدَرِيَّةٌ و﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَظْلِمُونَ وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْفاصِلَةِ وعُدِّيَ الظُّلْمُ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّكْذِيبِ أوِ الجُحُودِ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الظُّلْمِ في الدُّنْيا وظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ الوَزْنَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُسْلِمِينَ بَلِ الكُفّارُ أيْضًا تُوزَنُ أعْمالُهُمُ الَّتِي لا تَوَقُّفَ لَها عَلى الإسْلامِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ البَعْضُ وادَّعى القُرْطُبِيُّ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّهُ يُخَفَّفُ بِها عَذابُهم وإنْ لَمْ تَكُنْ راجِحَةً كَما ورَدَ في حَقِّ أبِي طالِبٍ وذَهَبَ الكَثِيرُ إلى أنَّ الوَزْنَ مُخْتَصٌّ بِالمُسْلِمِينَ وأمّا الكُفّارُ فَتُحْبَطُ أعْمالُهم كَيْفَما كانَتْ وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ ولا يُخَفَّفُ بِها عَنْهم مِنَ العَذابِ شَيْءٌ وما ورَدَ مِنَ التَّخْفِيفِ عَنِ أبِي طالِبٍ فَقَدْ قالَ السَّخاوِيُّ إنَّ المُعْتَمَدَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهِ وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِنَ ارْتِكابِ خِلافِ الظّاهِرِ في الآيَةِ وهي عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ساكِتَةٌ عَنْ بَيانِ حالِ مَن تَساوَتْ حَسَناتُهُ وسَيِّئاتُهُ وهم أهْلُ الأعْرافِ عَلى قَوْلٍ ومِن هُنا اسْتَدَلَّ بِها بَعْضُهم عَلى عَدَمِ وُجُودِ هَذا القِسْمِ ورُدَّ بِأنَّهُ قَدْ يُدْرَجُ في القِسْمِ الأوَّلِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وعَسى مِنَ اللَّهِ تَعالى تَحْقِيقٌ كَما صَرَّحُوا بِهِ وفِيهِ نَظَرٌ

10

وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

﴿ولَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ تَرْغِيبٌ في قَبُولِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَذْكِيرِ النِّعَمِ إثْرَ تَرْغِيبٍ.

وذَكَرَ الطَّيِّبِيُّ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الإنْذارِ فَإنَّهُ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ عَلى تَقْدِيرِ قُلِ اتَّبِعُوا وقُلْ واللَّهِ لَقَدْ مَكَّنّاكم والمَعْنى جَعَلْنا لَكم في الأرْضِ مَكانًا وقَرارًا.

وقِيلَ: أقَدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها فَهو حِينَئِذٍ كِنايَةٌ ورُجِّحَتْ هُنا الحَقِيقَةُ ﴿وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ أيْ ما تَعِيشُونَ بِهِ وتَحْيَوْنَ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ ونَحْوِها أوْ ما تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى ذَلِكَ وهو في الأصْلِ مَصْدَرُ عاشَ يَعِيشُ وعِيشَةً ومَعاشًا ومَعِيشَةً بِوَزْنِ مَفْعَلَةٍ والجُمْهُورُ عَلى التَّصْرِيحِ بِالياءِ فِيها ورُوِيَ عَنْ نافِعٍ مَعائِشَ بِالهَمْزَةِ وغَلَّطَهُ النَّحْوِيُّونَ ومِنهم سِيبَوَيْهِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يُهْمَزُ عِنْدَهم بَعْدَ ألِفِ الجَمْعِ إلّا الياءُ الزّائِدَةُ كَصَحِيفَةٍ وصَحائِفَ وأمّا مَعايِشُ فَياؤُهُ أصْلِيَّةٌ هي عَيْنُ الكَلِمَةِ لِأنَّها مِنَ العَيْشِ وبالَغَ أبُو عُثْمانَ فَقالَ إنَّ نافِعًا لَمْ يَكُنْ يَدْرِي بِالعَرَبِيَّةِ وتُعُقِّبَ ذَلِكَ بِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ وإنْ كانَتْ شاذَّةً غَيْرَ مُتَواتِرَةٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفُصَحاءِ الثِّقاتِ والعَرَبُ قَدْ تُشَبِّهُ الأصْلِيَّ بِالزّائِدِ لِكَوْنِهِ عَلى صُورَتِهِ وقَدْ سُمِعَ هَذا عَنْهم فِيما ذُكِرَ وفي مَصائِبَ ومَنائِرَ أيْضًا.

وقالَ سِيبَوَيْهِ إنَّها غَلَطٌ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ الجادَّةِ والقِياسِ وكَثِيرًا ما يُسْتَعْمَلُ الغَلَطُ في كِتابَهِ بِهَذا المَعْنى والجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ المُنَكَّرِ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ وتَقْدِيمُها عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُما التَّأْخِيرُ عَنْهُ كَما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ

صفحة 86

مُنْبِئًا عَنْ مَنفَعَةِ السّامِعِ تَبْقى مُتَرَقَّبَةً لِوُرُودِ المُؤَخَّرِ فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ الوُرُودِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ وأمّا تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى في فَلِما أنَّهُ المُنْبِئُ عَمّا ذَكَرَ مِنَ المَنفَعَةِ والِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أتَمُّ والمُسارَعَةُ إلى ذِكْرِهِ أهَمُّ وقِيلَ: إنَّ الجَعْلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ ثانِيهِما أحَدُ الظَّرْفَيْنِ عَلى أنَّهُ مُسْتَقِرُّ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ والظَّرْفُ إمّا لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ أوْ بِالمَحْذُوفِ الواقِعِ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما مَرَّ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ يُعْتَدُّ بِها في الإخْبارِ بِجَعْلِ المَعايِشِ حاصِلَةً لَهم أوْ حاصِلَةً في الأرْضِ ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ (10) تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَسِيمَةَ وهو تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ سُوءِ المُخاطَبِينَ وتَحْذِيرِهِمْ قالَ الطَّيِّبِيُّ: والتَّذْيِيلُ بِذَلِكَ لِأنَّ الشُّكْرَ مُناسِبٌ لِتَمْكِينِهِمْ في البِلادِ والتَّصَرُّفِ فِيها كَما أنَّ التَّذَكُّرَ في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ مُوافِقٌ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ اتِّباعِ دِينِ الحَقِّ ودِينِ الباطِلِ وبَقِيَّةُ الكَلامِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى طُرُزِ ما مَرَّ في نَظِيرِها فَتَذَكَّرْ.

Al-A'raaf 7:10Listen in Qur'an →

Commentary: Ruh al-Ma'ani by Al-Alusi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.