Muslim99Muslim99
← Tafsir library

7. Al-A'raaf

The Heights · Meccan · 206 ayahs

سُورَةُ الأَعۡرَافِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 1–10 of 206

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

الٓمٓصٓ

Alif, Lam, Meem, Sad.

هي مَكِّيَّةٌ إلّا ثَمانِ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم﴾ ( الأعْرافِ: ١٦٣ - ١٧١ ) .

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضَّرِيسِ والنَّحّاسُ، في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: سُورَةُ الأعْرافِ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ،: قالَ: آيَةٌ مِنَ الأعْرافِ مَدَنِيَّةٌ، وهي ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾ ( الأعْرافِ: ١٦٣ ) إلى آخِرِ الآيَةِ، وسائِرُها مَكِّيَّةٌ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقْرَأُ بِها في المَغْرِبِ يُفَرِّقُها في الرَّكْعَتَيْنِ. وآياتُها مِائَتانِ وسِتُّ آياتٍ.

2

كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌۭ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ

[This is] a Book revealed to you, [O Muhammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ.

قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ.

وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ.

قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ.

ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ …

3

ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ

Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ.

قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ.

وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ.

قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ.

ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ …

4

وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ

And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ.

قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ.

وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ.

قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ.

ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ …

5

فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ

And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ.

قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ.

وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ.

قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ.

ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ …

6

فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ

Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ.

قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ.

وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ.

قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ.

ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ …

7

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍۢ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ

Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

قَوْلُهُ: ﴿المص﴾ قَدْ تَقَدَّمَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ، وهو إمّا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ كِتابٌ: أيْ المص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ أوْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذا المص أيِ المُسَمّى بِهِ، وأمّا إذا كانَتْ هَذِهِ الفَواتِحُ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ، وكِتابٌ خَبَرُ المُبْتَدَأِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ عَلى الثّانِي أيْ هو كِتابٌ.

قالَ الكِسائِيُّ: أيْ هَذا كِتابٌ، وأُنْزِلَ إلَيْكَ صِفَةٌ لَهُ ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الحَرَجُ: الضِّيقُ: أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِك ضِيقٌ مِنهُ مِن إبْلاغِهِ إلى النّاسِ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ ويُؤْذُوكَ فَإنَّ اللَّهَ حافِظُكَ وناصِرُكَ.

وقِيلَ: المُرادُ لا يَضِقْ صَدْرُكَ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ ولَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَرَجُ هُنا الشَّكُّ، لِأنَّ الشّاكَّ ضَيِّقُ الصَّدْرِ: أيْ لا تَشُكَّ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وعَلى هَذا يَكُونُ النَّهْيُ لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِن بابِ التَّعْرِيضِ، والمُرادُ أُمَّتُهُ: أيْ لا يَشُكَّ أحَدٌ مِنهم في ذَلِكَ، والضَّمِيرُ في مِنهُ راجِعٌ إلى الكِتابِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ مِن إبْلاغِهِ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ التَّقْدِيرُ مِن إنْزالِهِ، والضَّمِيرُ في ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ: أيْ لِتُنْذِرَ النّاسَ بِالكِتابِ الَّذِي أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ: أيْ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِإنْذارِكَ لِلنّاسِ بِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، لِأنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ أوِ انْتِفاءَ الخَوْفِ مَن قَوْمِهِ يُقَوِّيهِ عَلى الإنْذارِ ويُشَجِّعُهُ، لِأنَّ المُتَيَقِّنَ يُقْدِمُ عَلى بَصِيرَةٍ ويُباشِرُ بِقُوَّةِ نَفْسٍ.

قَوْلُهُ: ﴿وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الذِّكْرى التَّذْكِيرُ.

قالَ البَصْرِيُّونَ: الذِّكْرى في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ.

وقالَ الكِسائِيُّ: هي في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى " كِتابٌ "، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ: أيْ وذَكِّرْ بِهِ ذِكْرى قالَهُ البَصْرِيُّونَ.

ويَجُوزُ الجَرُّ حَمْلًا عَلى مَوْضِعِ لِتُنْذِرَ أيْ لِلْإنْذارِ والذِّكْرى، وتَخْصِيصُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُنْجَعُ فِيهِمْ ذَلِكَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَخْصِيصِ الإنْذارِ بِالكافِرِينَ.

قَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم﴾ يَعْنِي الكِتابَ ومِثْلُهُ السُّنَّةُ لِقَوْلِهِ: ﴿وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ ( الحَشْرِ: ٧ ) ونَحْوِها مِنَ الآياتِ، وهو أمْرٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ولِأُمَّتِهِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لِلْأُمَّةِ بَعْدَ أمْرِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - بِالتَّبْلِيغِ، وهو مُنَزَّلٌ إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ عَنْ أنْ يَتَّبِعُوا أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَعْبُدُونَهم ويَجْعَلُونَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فالضَّمِيرُ عَلى هَذا في " مِن دُونِهِ " يَرْجِعُ إلى رَبِّ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى " ما " في " ما أنْزِلُ إلَيْكم ": أيْ لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ كِتابِ اللَّهِ أوْلِياءَ تُقَلِّدُونَهم في دِينِكم كَما كانَ يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن طاعَةِ الرُّؤَساءِ …

8

وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ

And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» .

وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ.

قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى.

والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ.

وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ.

وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، …

9

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَظْلِمُونَ

And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» .

وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ.

قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى.

والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ.

وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ.

وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، …

10

وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَٰيِشَ ۗ قَلِيلًۭا مَّا تَشْكُرُونَ

And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.

قَوْلُهُ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ الوَزْنُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الحَقُّ: أيِ الوَزْنُ في هَذا اليَوْمِ العَدْلُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، أوِ الخَبَرُ يَوْمَئِذٍ، والحَقُّ وصْفٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أيِ الوَزْنُ العَدْلُ كائِنٌ في هَذا اليَوْمِ، وقِيلَ: إنَّ الحَقَّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَيْفِيَّةِ هَذا الوَزْنِ الكائِنِ في هَذا اليَوْمِ، فَقِيلَ: المُرادُ بِهِ وزْنُ صَحائِفِ أعْمالِ العِبادِ بِالمِيزانِ وزْنًا حَقِيقِيًّا، وهَذا هو الصَّحِيحُ، وهو الَّذِي قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ، وقِيلَ: تُوزَنُ نَفْسُ الأعْمالِ وإنْ كانَتْ أعْراضًا فَإنَّ اللَّهَ يَقْلِبُها يَوْمَ القِيامَةِ أجْسامًا كَما جاءَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ: «إنَّ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ يَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أوْ غَيابَتانِ أوْ فِرْقانِ مِن طَيْرٍ صَوّافٍ» .

وكَذَلِكَ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ «يَأْتِي القُرْآنُ في صُورَةِ شابٍّ شاحِبِ اللَّوْنِ» ونَحْوَ ذَلِكَ، وقِيلَ: المِيزانُ الكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وقِيلَ: الوَزْنُ والمِيزانُ بِمَعْنى العَدْلِ والقَضاءِ، وذَكَرَهُما مِن بابِ ضَرْبِ المَثَلِ كَما تَقُولُ: هَذا الكَلامُ في وزْنِ هَذا.

قالَ الزَّجّاجُ: هَذا سائِغٌ مِن جِهَةِ اللِّسانِ، والأوْلى أنْ نَتَّبِعَ ما جاءَ في الأسانِيدِ الصِّحاحِ مِن ذِكْرِ المِيزانِ.

قالَ القُشَيْرِيُّ: وقَدْ أحْسَنَ الزَّجّاجُ فِيما قالَ، إذْ لَوْ حُمِلَ الصِّراطُ عَلى الدِّينِ الحَقِّ، والجَنَّةُ والنّارُ عَلى ما يَرِدُ عَلى الأرْواحِ دُونَ الأجْسادِ، والشَّياطِينُ والجِنُّ عَلى الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ والمَلائِكَةُ عَلى القُوى المَحْمُودَةِ، ثُمَّ قالَ: وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ في الصَّدْرِ الأوَّلِ عَلى الأخْذِ بِهَذِهِ الظَّواهِرِ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ وإذا أجْمَعُوا عَلى مَنعِ التَّأْوِيلِ وجَبَ الأخْذُ بِالظّاهِرِ صارَتْ هَذِهِ الظَّواهِرُ نُصُوصًا انْتَهى.

والحَقُّ هو القَوْلُ الأوَّلُ.

وأمّا المُسْتَبْعِدُونَ لِحَمْلِ هَذِهِ الظَّواهِرِ عَلى حَقائِقِها فَما يَأْتُونَ في اسْتِبْعادِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرْعِ يُرْجَعُ إلَيْهِ، بَلْ غايَةُ ما تَشَبَّثُوا بِهِ مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعاداتِ العَقْلِيَّةِ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلى أحَدٍ، فَهَذا إذا لَمْ تَقْبَلْهُ عُقُولُهم فَقَدْ قَبِلَتْهُ عُقُولُ قَوْمٍ هي أقْوى مِن عُقُولِهِمْ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ وتابِعِيهِمْ حَتّى جاءَتِ البِدَعُ كاللَّيْلِ المُظْلِمِ وقالَ كُلٌّ ما شاءَ، وتَرَكُوا الشَّرْعَ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ ولَيْتَهم جاءُوا بِأحْكامٍ عَقْلِيَّةٍ يَتَّفِقُ العُقَلاءُ عَلَيْها، ويَتَّحِدُ قَبُولُهم لَها، بَلْ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي عَلى العَقْلِ ما يُطابِقُ هَواهُ، ويُوافِقُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ هو أوْ مَن هو تابِعٌ لَهُ، فَتَتَناقَضُ عُقُولُهم عَلى حَسَبِ ما تَناقَضَتْ مَذاهِبُهم، يَعْرِفُ هَذا كُلُّ مُنْصِفٍ، ومَن أنْكَرَهُ فَلْيُصَفِّ فَهْمَهُ وعَقْلَهُ عَنْ شَوائِبِ التَّعَصُّبِ والتَّمَذْهُبِ فَإنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ أسْفَرَ الصُّبْحُ لِعَيْنَيْهِ.

وقَدْ ورَدَ ذِكْرُ الوَزْنِ والمَوازِينِ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ ( الأنْبِياءِ: ٤٧ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠١ )، وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ( المُؤْمِنُونَ: ١٠٢، ١٠٣ )، …

Al-A'raaf 7:10Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.