Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 71–80 of 165

71

قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَٰبٌۭ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

Say, "Shall we invoke instead of Allah that which neither benefits us nor harms us and be turned back on our heels after Allah has guided us? [We would then be] like one whom the devils enticed [to wander] upon the earth confused, [while] he has companions inviting him to guidance, [calling], 'Come to us.' " Say, "Indeed, the guidance of Allah is the [only] guidance; and we have been commanded to submit to the Lord of the worlds.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ المُبْدِعِ لِلْأشْياءِ القادِرِ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْفَعَ ولا يَضُرَّ؛ إذْ هي أصْنامٌ: خَشَبٌ، وحِجارَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، (ونُرَدُّ) إلى الشِّرْكِ ﴿عَلى أعْقابِنا﴾ أيْ رَدَّ القَهْقَرى إلى وراءٍ وهي المِشْيَةُ الدَّنِيَّةُ بَعْدَ هِدايَةِ اللَّهِ إيّانا إلى طَرِيقِ الحَقِّ وإلى المِشْيَةِ السُّجُحِ الرَّفِيعَةِ، (ونُرَدُّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أنَدْعُو) أيْ أيَكُونُ هَذا، وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ: لا يَقَعُ شَيْءٌ مِن هَذا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الواوُ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ: ونَحْنُ نُرَدُّ أيْ: أيَكُونُ هَذا الأمْرُ في هَذِهِ الحالِ، وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ لِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، ولِأنَّها تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً، واسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ. قالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: الرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا فَخابَ.

﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كالَّذِي) ذَهَبَ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ والغِيلانُ في الأرْضِ في المَهْمَهِ حَيْرانَ تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ (لَهُ) أيْ لِهَذا المُسْتَهْوى (أصْحابٌ) رُفْقَةٌ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ أيْ إلى أنْ يَهْدُوهُ الطَّرِيقَ المُسْتَوِيَ، أوْ سُمِّيَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ بِالهُدى، يَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنا، وقَدِ اعْتَسَفَ المَهْمَهَ تابِعًا لِلْجِنِّ لا يُجِيبُهم ولا يَأْتِيهِمْ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما تَزْعُمُهُ العَرَبُ وتَعْتَقِدُهُ مِن أنَّ الجِنَّ تَسْتَهْوِي الإنْسانَ، والغِيلانَ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَشُبِّهَ بِهِ الضّالُّ عَنْ طَرِيقِ الإسْلامِ التّابِعُ لِخُطُواتِ الشَّيْطانِ، والمُسْلِمُونَ يَدْعُونَهُ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ. انْتَهى. وأصْلُ كَلامِهِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّهُ طَوَّلَهُ وجَوَّدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَثَلُ عابِدِ الصَّنَمِ مَثَلُ مَن دَعاهُ الغُولُ فَيَتْبَعُهُ فَيُصْبِحُ وقَدْ ألْقَتْهُ في مَهْمَهٍ ‌‌ومَهْلَكَةٍ، فَهو حائِرٌ في تِلْكَ المَهامِهِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى أنَّهُ مِنَ الهَوى الَّذِي هو المَوَدَّةُ والمَيْلُ، كَأنَّهُ قِيلَ كالَّذِي أمالَتْهُ الشَّياطِينُ عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ إلى المَهْمَهِ القَفْرِ، وحَمَلَهُ غَيْرُهُ كَأبِي عَلِيٍّ عَلى أنَّهُ مِنَ الهُوِيِّ، أيْ: ألْقَتْهُ في هُوَّةٍ، ويَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ نَحْوَ اسْتَزَلَّ وأزَلَّ، تَقُولُ العَرَبُ: هَوى الرَّجُلُ وأهْواهُ غَيْرُهُ، واسْتَهْواهُ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ، هَوى ويَهْوِي شَيْئًا، والهُوِيُّ السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ. قالَ الشّاعِرُ:

؎هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ

ويُسْتَعْمَلُ الهُوِيُّ أيْضًا في رُكُوبِ الرَّأْسِ في النُّزُوعِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ”﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]“ . وقالَ:

؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها

وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا المَثَلُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ كانَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ …

Al-An'aam 6:71Listen in Qur'an →
72

وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

And to establish prayer and fear Him." And it is He to whom you will be gathered.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ المُبْدِعِ لِلْأشْياءِ القادِرِ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْفَعَ ولا يَضُرَّ؛ إذْ هي أصْنامٌ: خَشَبٌ، وحِجارَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، (ونُرَدُّ) إلى الشِّرْكِ ﴿عَلى أعْقابِنا﴾ أيْ رَدَّ القَهْقَرى إلى وراءٍ وهي المِشْيَةُ الدَّنِيَّةُ بَعْدَ هِدايَةِ اللَّهِ إيّانا إلى طَرِيقِ الحَقِّ وإلى المِشْيَةِ السُّجُحِ الرَّفِيعَةِ، (ونُرَدُّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أنَدْعُو) أيْ أيَكُونُ هَذا، وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ: لا يَقَعُ شَيْءٌ مِن هَذا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الواوُ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ: ونَحْنُ نُرَدُّ أيْ: أيَكُونُ هَذا الأمْرُ في هَذِهِ الحالِ، وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ لِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، ولِأنَّها تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً، واسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ. قالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: الرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا فَخابَ.

﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كالَّذِي) ذَهَبَ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ والغِيلانُ في الأرْضِ في المَهْمَهِ حَيْرانَ تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ (لَهُ) أيْ لِهَذا المُسْتَهْوى (أصْحابٌ) رُفْقَةٌ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ أيْ إلى أنْ يَهْدُوهُ الطَّرِيقَ المُسْتَوِيَ، أوْ سُمِّيَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ بِالهُدى، يَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنا، وقَدِ اعْتَسَفَ المَهْمَهَ تابِعًا لِلْجِنِّ لا يُجِيبُهم ولا يَأْتِيهِمْ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما تَزْعُمُهُ العَرَبُ وتَعْتَقِدُهُ مِن أنَّ الجِنَّ تَسْتَهْوِي الإنْسانَ، والغِيلانَ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَشُبِّهَ بِهِ الضّالُّ عَنْ طَرِيقِ الإسْلامِ التّابِعُ لِخُطُواتِ الشَّيْطانِ، والمُسْلِمُونَ يَدْعُونَهُ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ. انْتَهى. وأصْلُ كَلامِهِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّهُ طَوَّلَهُ وجَوَّدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَثَلُ عابِدِ الصَّنَمِ مَثَلُ مَن دَعاهُ الغُولُ فَيَتْبَعُهُ فَيُصْبِحُ وقَدْ ألْقَتْهُ في مَهْمَهٍ ‌‌ومَهْلَكَةٍ، فَهو حائِرٌ في تِلْكَ المَهامِهِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى أنَّهُ مِنَ الهَوى الَّذِي هو المَوَدَّةُ والمَيْلُ، كَأنَّهُ قِيلَ كالَّذِي أمالَتْهُ الشَّياطِينُ عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ إلى المَهْمَهِ القَفْرِ، وحَمَلَهُ غَيْرُهُ كَأبِي عَلِيٍّ عَلى أنَّهُ مِنَ الهُوِيِّ، أيْ: ألْقَتْهُ في هُوَّةٍ، ويَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ نَحْوَ اسْتَزَلَّ وأزَلَّ، تَقُولُ العَرَبُ: هَوى الرَّجُلُ وأهْواهُ غَيْرُهُ، واسْتَهْواهُ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ، هَوى ويَهْوِي شَيْئًا، والهُوِيُّ السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ. قالَ الشّاعِرُ:

؎هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ

ويُسْتَعْمَلُ الهُوِيُّ أيْضًا في رُكُوبِ الرَّأْسِ في النُّزُوعِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ”﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]“ . وقالَ:

؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها

وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا المَثَلُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ كانَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ …

Al-An'aam 6:72Listen in Qur'an →
73

وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And it is He who created the heavens and earth in truth. And the day He says, "Be," and it is, His word is the truth. And His is the dominion [on] the Day the Horn is blown. [He is] Knower of the unseen and the witnessed; and He is the Wise, the Acquainted.

﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ النّافِعِ الضّارِّ المُبْدِعِ لِلْأشْياءِ القادِرِ ما لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَنْفَعَ ولا يَضُرَّ؛ إذْ هي أصْنامٌ: خَشَبٌ، وحِجارَةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، (ونُرَدُّ) إلى الشِّرْكِ ﴿عَلى أعْقابِنا﴾ أيْ رَدَّ القَهْقَرى إلى وراءٍ وهي المِشْيَةُ الدَّنِيَّةُ بَعْدَ هِدايَةِ اللَّهِ إيّانا إلى طَرِيقِ الحَقِّ وإلى المِشْيَةِ السُّجُحِ الرَّفِيعَةِ، (ونُرَدُّ) مَعْطُوفٌ عَلى (أنَدْعُو) أيْ أيَكُونُ هَذا، وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ، أيْ: لا يَقَعُ شَيْءٌ مِن هَذا، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ تَكُونَ الواوُ فِيهِ لِلْحالِ، أيْ: ونَحْنُ نُرَدُّ أيْ: أيَكُونُ هَذا الأمْرُ في هَذِهِ الحالِ، وهَذا فِيهِ ضَعْفٌ لِإضْمارِ المُبْتَدَأِ، ولِأنَّها تَكُونُ حالًا مُؤَكِّدَةً، واسْتُعْمِلَ المَثَلُ بِها فِيمَن رَجَعَ مِن خَيْرٍ إلى شَرٍّ. قالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: الرَّدُّ عَلى العَقِبِ يُسْتَعْمَلُ فِيمَن أمَّلَ أمْرًا فَخابَ.

﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كالَّذِي) ذَهَبَ بِهِ مَرَدَةُ الجِنِّ والغِيلانُ في الأرْضِ في المَهْمَهِ حَيْرانَ تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ (لَهُ) أيْ لِهَذا المُسْتَهْوى (أصْحابٌ) رُفْقَةٌ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ أيْ إلى أنْ يَهْدُوهُ الطَّرِيقَ المُسْتَوِيَ، أوْ سُمِّيَ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ بِالهُدى، يَقُولُونَ لَهُ: ائْتِنا، وقَدِ اعْتَسَفَ المَهْمَهَ تابِعًا لِلْجِنِّ لا يُجِيبُهم ولا يَأْتِيهِمْ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى ما تَزْعُمُهُ العَرَبُ وتَعْتَقِدُهُ مِن أنَّ الجِنَّ تَسْتَهْوِي الإنْسانَ، والغِيلانَ تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَشُبِّهَ بِهِ الضّالُّ عَنْ طَرِيقِ الإسْلامِ التّابِعُ لِخُطُواتِ الشَّيْطانِ، والمُسْلِمُونَ يَدْعُونَهُ إلَيْهِ فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ. انْتَهى. وأصْلُ كَلامِهِ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ولَكِنَّهُ طَوَّلَهُ وجَوَّدَهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَثَلُ عابِدِ الصَّنَمِ مَثَلُ مَن دَعاهُ الغُولُ فَيَتْبَعُهُ فَيُصْبِحُ وقَدْ ألْقَتْهُ في مَهْمَهٍ ‌‌ومَهْلَكَةٍ، فَهو حائِرٌ في تِلْكَ المَهامِهِ، وحَمَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ عَلى أنَّهُ مِنَ الهَوى الَّذِي هو المَوَدَّةُ والمَيْلُ، كَأنَّهُ قِيلَ كالَّذِي أمالَتْهُ الشَّياطِينُ عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ إلى المَهْمَهِ القَفْرِ، وحَمَلَهُ غَيْرُهُ كَأبِي عَلِيٍّ عَلى أنَّهُ مِنَ الهُوِيِّ، أيْ: ألْقَتْهُ في هُوَّةٍ، ويَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ نَحْوَ اسْتَزَلَّ وأزَلَّ، تَقُولُ العَرَبُ: هَوى الرَّجُلُ وأهْواهُ غَيْرُهُ، واسْتَهْواهُ: طَلَبَ مِنهُ أنْ يَهْوِيَ، هَوى ويَهْوِي شَيْئًا، والهُوِيُّ السُّقُوطُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ. قالَ الشّاعِرُ:

؎هَوى ابْنِي مِن ذُرى شَرَفٍ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهْ

ويُسْتَعْمَلُ الهُوِيُّ أيْضًا في رُكُوبِ الرَّأْسِ في النُّزُوعِ إلى الشَّيْءِ، ومِنهُ ”﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]“ . وقالَ:

؎تَهْوِي إلى مَكَّةَ تَبْغِي الهُدى ∗∗∗ ما مُؤْمِنُو الجِنِّ كَكُفّارِها

وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا المَثَلُ في غايَةِ الحُسْنِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَهْوِي مِنَ المَكانِ العالِي إلى الوَهْدَةِ العَمِيقَةِ يَهْوِي إلَيْها مَعَ الِاسْتِدارَةِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الحَجَرَ كانَ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ …

Al-An'aam 6:73Listen in Qur'an →
74

۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَٰلٍۢ مُّبِينٍۢ

And [mention, O Muhammad], when Abraham said to his father Azar, "Do you take idols as deities? Indeed, I see you and your people to be in manifest error."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي فَلَمّا أفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧] ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذا رَبِّي هَذا أكْبَرُ فَلَمّا أفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٨٠] ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨١] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وهم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢] ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣] ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا ونُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ ومِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى وإلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥] ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ ويُونُسَ ولُوطًا وكُلًّا فَضَّلْنا عَلى العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٦] ﴿ومِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ولَوْ أشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هو إلّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠] ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ولِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] …

Al-An'aam 6:74Listen in Qur'an →
75

وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ

And thus did We show Abraham the realm of the heavens and the earth that he would be among the certain [in faith]

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ [الأنعام: ٧٤] مُنْكِرًا عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيْنَ جُمْلَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِإفْرادِ المَعْبُودِ، وكَوْنِهِ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾، (ونُرِي) بِمَعْنى أرَيْناهُ، وهي حِكايَةُ حالٍ وهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، فالظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإمّا مِن أُرِيَ الَّتِي بِمَعْنى عَرَفَ. انْتَهى. ويَحْتاجُ كَوْنُ رَأى بِمَعْنى عَرَفَ ثُمَّ تَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ إلى نَقْلِ ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، والَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ رَأى إذا كانَتْ بَصْرِيَّةً تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى عَلِمَ النّاصِبَةِ لِمَفْعُولَيْنِ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، وعَلى كَوْنِها بَصْرِيَّةً، فَقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: فُرِجَتْ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ فَرَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ ورَأى مَقامَهُ في الجَنَّةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. انْتَهى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى العَرْشِ وأسْفَلِ الأرَضِينَ»، وإذا كانَتْ إبْصارًا فَلَيْسَ المَعْنى مُجَرَّدَ الإبْصارِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُ مَعَها مِن الِاعْتِبارِ والعِلْمِ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمانِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وفي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّقْيِيدِ بِأهْلِ زَمانِهِ وكَوْنِها مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأى بِها مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ بِفِكْرَتِهِ ونَظَرِهِ، وذَلِكَ لا بُدَّ مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ بِبَصَرِهِ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ والتَّبْصِيرِ نُعَرِّفُ إبْراهِيمَ ونُبَصِّرُهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، يَعْنِي الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ، ونُوَفِّقُهُ لِمَعْرِفَتِهِما ونُرْشِدُهُ بِما شَرَحْنا صَدْرَهُ وسَدَّدْنا نَظَرَهُ لِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، ونُرِي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. انْتَهى. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الهِدايَةِ، أوْ ومِثْلَ هِدايَتِهِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعالى - ودُعاءِ أبِيهِ وقَوْمِهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ - تَعالى - ورَفْضِ الأصْنامِ، أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: وكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ أرَيْنا إبْراهِيمَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ وكَذَلِكَ الإنْكارُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ زَمانَ ادِّعاءِ غَيْرِ اللَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ فَصارَ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَلائِلَ الأُمُورِ سِرَّها وعَلانِيَتَها، فَلَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُّنُوبِ، قالَ اللَّهُ: إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم. انْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: المَلَكُوتُ المُلْكُ كالرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، ومِن كَلامِهِمْ: لَهُ مَلَكُوتُ اليَمَنِ والعِراقِ، قالَ مُجاهِدٌ: ويَعْنِي بِهِ آياتِ …

Al-An'aam 6:75Listen in Qur'an →
76

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًۭا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ

So when the night covered him [with darkness], he saw a star. He said, "This is my lord." But when it set, he said, "I like not those that disappear."

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ [الأنعام: ٧٤] مُنْكِرًا عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيْنَ جُمْلَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِإفْرادِ المَعْبُودِ، وكَوْنِهِ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾، (ونُرِي) بِمَعْنى أرَيْناهُ، وهي حِكايَةُ حالٍ وهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، فالظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإمّا مِن أُرِيَ الَّتِي بِمَعْنى عَرَفَ. انْتَهى. ويَحْتاجُ كَوْنُ رَأى بِمَعْنى عَرَفَ ثُمَّ تَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ إلى نَقْلِ ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، والَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ رَأى إذا كانَتْ بَصْرِيَّةً تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى عَلِمَ النّاصِبَةِ لِمَفْعُولَيْنِ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، وعَلى كَوْنِها بَصْرِيَّةً، فَقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: فُرِجَتْ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ فَرَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ ورَأى مَقامَهُ في الجَنَّةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. انْتَهى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى العَرْشِ وأسْفَلِ الأرَضِينَ»، وإذا كانَتْ إبْصارًا فَلَيْسَ المَعْنى مُجَرَّدَ الإبْصارِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُ مَعَها مِن الِاعْتِبارِ والعِلْمِ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمانِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وفي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّقْيِيدِ بِأهْلِ زَمانِهِ وكَوْنِها مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأى بِها مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ بِفِكْرَتِهِ ونَظَرِهِ، وذَلِكَ لا بُدَّ مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ بِبَصَرِهِ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ والتَّبْصِيرِ نُعَرِّفُ إبْراهِيمَ ونُبَصِّرُهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، يَعْنِي الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ، ونُوَفِّقُهُ لِمَعْرِفَتِهِما ونُرْشِدُهُ بِما شَرَحْنا صَدْرَهُ وسَدَّدْنا نَظَرَهُ لِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، ونُرِي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. انْتَهى. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الهِدايَةِ، أوْ ومِثْلَ هِدايَتِهِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعالى - ودُعاءِ أبِيهِ وقَوْمِهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ - تَعالى - ورَفْضِ الأصْنامِ، أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: وكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ أرَيْنا إبْراهِيمَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ وكَذَلِكَ الإنْكارُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ زَمانَ ادِّعاءِ غَيْرِ اللَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ فَصارَ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَلائِلَ الأُمُورِ سِرَّها وعَلانِيَتَها، فَلَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُّنُوبِ، قالَ اللَّهُ: إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم. انْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: المَلَكُوتُ المُلْكُ كالرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، ومِن كَلامِهِمْ: لَهُ مَلَكُوتُ اليَمَنِ والعِراقِ، قالَ مُجاهِدٌ: ويَعْنِي بِهِ آياتِ …

Al-An'aam 6:76Listen in Qur'an →
77

فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًۭا قَالَ هَٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ

And when he saw the moon rising, he said, "This is my lord." But when it set, he said, "Unless my Lord guides me, I will surely be among the people gone astray."

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ [الأنعام: ٧٤] مُنْكِرًا عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيْنَ جُمْلَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِإفْرادِ المَعْبُودِ، وكَوْنِهِ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾، (ونُرِي) بِمَعْنى أرَيْناهُ، وهي حِكايَةُ حالٍ وهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، فالظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإمّا مِن أُرِيَ الَّتِي بِمَعْنى عَرَفَ. انْتَهى. ويَحْتاجُ كَوْنُ رَأى بِمَعْنى عَرَفَ ثُمَّ تَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ إلى نَقْلِ ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، والَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ رَأى إذا كانَتْ بَصْرِيَّةً تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى عَلِمَ النّاصِبَةِ لِمَفْعُولَيْنِ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، وعَلى كَوْنِها بَصْرِيَّةً، فَقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: فُرِجَتْ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ فَرَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ ورَأى مَقامَهُ في الجَنَّةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. انْتَهى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى العَرْشِ وأسْفَلِ الأرَضِينَ»، وإذا كانَتْ إبْصارًا فَلَيْسَ المَعْنى مُجَرَّدَ الإبْصارِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُ مَعَها مِن الِاعْتِبارِ والعِلْمِ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمانِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وفي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّقْيِيدِ بِأهْلِ زَمانِهِ وكَوْنِها مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأى بِها مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ بِفِكْرَتِهِ ونَظَرِهِ، وذَلِكَ لا بُدَّ مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ بِبَصَرِهِ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ والتَّبْصِيرِ نُعَرِّفُ إبْراهِيمَ ونُبَصِّرُهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، يَعْنِي الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ، ونُوَفِّقُهُ لِمَعْرِفَتِهِما ونُرْشِدُهُ بِما شَرَحْنا صَدْرَهُ وسَدَّدْنا نَظَرَهُ لِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، ونُرِي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. انْتَهى. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الهِدايَةِ، أوْ ومِثْلَ هِدايَتِهِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعالى - ودُعاءِ أبِيهِ وقَوْمِهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ - تَعالى - ورَفْضِ الأصْنامِ، أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: وكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ أرَيْنا إبْراهِيمَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ وكَذَلِكَ الإنْكارُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ زَمانَ ادِّعاءِ غَيْرِ اللَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ فَصارَ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَلائِلَ الأُمُورِ سِرَّها وعَلانِيَتَها، فَلَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُّنُوبِ، قالَ اللَّهُ: إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم. انْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: المَلَكُوتُ المُلْكُ كالرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، ومِن كَلامِهِمْ: لَهُ مَلَكُوتُ اليَمَنِ والعِراقِ، قالَ مُجاهِدٌ: ويَعْنِي بِهِ آياتِ …

Al-An'aam 6:77Listen in Qur'an →
78

فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةًۭ قَالَ هَٰذَا رَبِّى هَٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

And when he saw the sun rising, he said, "This is my lord; this is greater." But when it set, he said, "O my people, indeed I am free from what you associate with Allah.

﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةُ اعْتِراضٍ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ [الأنعام: ٧٤] مُنْكِرًا عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ، وبَيْنَ جُمْلَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِإفْرادِ المَعْبُودِ، وكَوْنِهِ لا يُشْبِهُ المَخْلُوقِينَ وهي قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾، (ونُرِي) بِمَعْنى أرَيْناهُ، وهي حِكايَةُ حالٍ وهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى اثْنَيْنِ، فالظّاهِرُ أنَّها بَصَرِيَّةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وإمّا مِن أُرِيَ الَّتِي بِمَعْنى عَرَفَ. انْتَهى. ويَحْتاجُ كَوْنُ رَأى بِمَعْنى عَرَفَ ثُمَّ تَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ إلى نَقْلِ ذَلِكَ عَنِ العَرَبِ، والَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ رَأى إذا كانَتْ بَصْرِيَّةً تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى عَلِمَ النّاصِبَةِ لِمَفْعُولَيْنِ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، وعَلى كَوْنِها بَصْرِيَّةً، فَقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ: فُرِجَتْ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ فَرَأى بِبَصَرِهِ المَلَكُوتَ الأعْلى والمَلَكُوتَ الأسْفَلَ ورَأى مَقامَهُ في الجَنَّةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ صَحَّ هَذا النَّقْلُ فَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِإبْراهِيمَ بِما لَمْ يُدْرِكْهُ غَيْرُهُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ. انْتَهى. ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كَشَفَ اللَّهُ لَهُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى العَرْشِ وأسْفَلِ الأرَضِينَ»، وإذا كانَتْ إبْصارًا فَلَيْسَ المَعْنى مُجَرَّدَ الإبْصارِ، ولَكِنْ وقَعَ لَهُ مَعَها مِن الِاعْتِبارِ والعِلْمِ ما لَمْ يَقَعْ لِأحَدٍ مِن أهْلِ زَمانِهِ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. وفي ذَلِكَ تَخْصِيصٌ لَهُ عَلى جِهَةِ التَّقْيِيدِ بِأهْلِ زَمانِهِ وكَوْنِها مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَأى بِها مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ بِفِكْرَتِهِ ونَظَرِهِ، وذَلِكَ لا بُدَّ مُتَرَكِّبٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن رُؤْيَتِهِ بِبَصَرِهِ وإدْراكِهِ في الجُمْلَةِ بِحَواسِّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ والتَّبْصِيرِ نُعَرِّفُ إبْراهِيمَ ونُبَصِّرُهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، يَعْنِي الرُّبُوبِيَّةَ والإلَهِيَّةَ، ونُوَفِّقُهُ لِمَعْرِفَتِهِما ونُرْشِدُهُ بِما شَرَحْنا صَدْرَهُ وسَدَّدْنا نَظَرَهُ لِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ، ونُرِي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ. انْتَهى. والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الهِدايَةِ، أوْ ومِثْلَ هِدايَتِهِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعالى - ودُعاءِ أبِيهِ وقَوْمِهِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ - تَعالى - ورَفْضِ الأصْنامِ، أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ. وحَكى الَمَهْدَوِيُّ أنَّ المَعْنى: وكَما هَدَيْناكَ يا مُحَمَّدُ أرَيْنا إبْراهِيمَ، وهَذا بَعِيدٌ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ أيْ وكَذَلِكَ الإنْكارُ والدُّعاءُ إلى اللَّهِ زَمانَ ادِّعاءِ غَيْرِ اللَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ أشْهَدْناهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ فَصارَ لَهُ بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَلائِلَ الأُمُورِ سِرَّها وعَلانِيَتَها، فَلَمْ يُخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِ الخَلائِقِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ جَعَلَ يَلْعَنُ أصْحابَ الذُّنُوبِ، قالَ اللَّهُ: إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا فَرَدَّهُ لا يَرى أعْمالَهم. انْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ: المَلَكُوتُ المُلْكُ كالرَّغَبُوتِ والرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، وهو بِناءُ مُبالِغَةٍ، ومِن كَلامِهِمْ: لَهُ مَلَكُوتُ اليَمَنِ والعِراقِ، قالَ مُجاهِدٌ: ويَعْنِي بِهِ آياتِ …

Al-An'aam 6:78Listen in Qur'an →
79

إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًۭا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Indeed, I have turned my face toward He who created the heavens and the earth, inclining toward truth, and I am not of those who associate others with Allah."

﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي وعِبادَتِي وتَوْحِيدِي وإيمانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عَنْهُ (بِوَجْهِي) لِلَّذِي ابْتَدَعَ العالَمَ مَحِلَّ هَذِهِ النَّيِّراتِ المُحْدَثاتِ وغَيْرِها، واكْتَفى بِالظَّرْفِ عَنِ المَظْرُوفِ لِعُمُومِهِ، إذْ هَذِهِ النَّيِّراتُ مَظْرُوفُ السَّماواتِ، ولَمّا كانَتِ الأصْنامُ الَّتِي يَعْبُدُها قَوْمُهُ مِن خَشَبٍ وحِجارَةٍ، وذَكَرَ ظَرْفَ النَّيِّراتِ، عَطَفَ عَلَيْهِ الأرْضَ الَّتِي هي ظَرْفُ الخَشَبِ والحِجارَةِ، و(حَنِيفًا) مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ، تَعالى ”مُسْلِمًا“ أيْ: مُنْقادًا إلَيْهِ مُسْتَسْلِمًا لَهُ، ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، ولَمّا أنْكَرَ عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ وضَلَّلَهُ وقَوْمَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى ضَلالِهِمْ بِقَضايا العُقُولِ، إذْ لا يُذْعِنُونَ لِلدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِتَوَقُّفِهِ في الثُّبُوتِ عَلى مُقَدَّماتٍ كَثِيرَةٍ، وأبْدى تِلْكَ القَضايا مَنُوطَةً بِالحِسِّ الصّادِقِ - تَبَرَّأ مِن عِبادَتِهِمْ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِـ (إنَّ) ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ وجَّهَ عِبادَتَهُ لِمُبْدِعِ العالَمِ الَّتِي هَذِهِ النَّيِّراتُ المُسْتَدَلُّ بِها بَعْضُهُ، ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ مُبالَغَةً في التَّبَرُّؤِ مِنهم.

﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ﴾ المُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ مِنِ اثْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في حُكْمَيْنِ يُدْلِي كُلٌّ مِنهُما بِحُجَّتِهِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ، والمَعْنى: وحاجَّهُ قَوْمُهُ في تَوْحِيدِ اللَّهِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، ومُحاجَّةُ مِثْلِ هَؤُلاءِ إنَّما هي بِالتَّمَسُّكِ بِاقْتِفاءِ آبائِهِمْ تَقْلِيدًا، وبِالتَّخْوِيفِ مِن ما يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، فَأجابَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ هَداهُ بِالبُرْهانِ القاطِعِ عَلى تَوْحِيدِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ وأنَّهُ لا يَخافُ مِن آلِهَتِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْ هِشامٍ: (أتْحاجُّونِي) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وأصْلُهُ بِنُونَيْنِ، الأُولى عَلامَةُ الرَّفْعِ والثّانِيَةُ نُونُ الوِقايَةِ، والخِلافُ في المَحْذُوفِ مِنهُما مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقَدْ لَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ وأخْطَأ في ذَلِكَ، وقالَ مَكِّيٌّ: الحَذْفُ بَعِيدٌ في العَرَبِيَّةِ قَبِيحٌ مَكْرُوهٌ، وإنَّما يَجُوزُ في الشِّعْرِ لِلْوَزْنِ، والقُرْآنُ لا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِيهِ، إذْ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وقَوْلُ مَكِّيٍّ لَيْسَ بِالمُرْتَضى، وقِيلَ: التَّخْفِيفُ لُغَةٌ لِغَطَفانَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، أصْلُهُ أتُحاجُّونَنِي، فَأُدْغِمَ هُرُوبًا مِنَ اسْتِثْقالِ المِثْلَيْنِ مُتَحَرِّكَيْنِ فَخُفِّفَ بِالإدْغامِ، ولَمْ يُقْرَأْ هُناكَ بِالفَكِّ، وإنْ كانَ هو الأصْلَ، ويَجُوزُ في الكَلامِ.

و(في اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أتُحاجُّونِّي“ لا بِقَوْلِهِ ”وحاجَّهُ قَوْمُهُ“ . والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ، إعْمالِ الثّانِي، فَلَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِالأوَّلِ لَأُضْمِرَ في الثّانِي، ونَظِيرُهُ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وقَدْ هَدانِ﴾ حالِيَّةٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ تَقَعَ مِنهم مُحاجَّةٌ لَهُ، وقَدْ حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ لَهُ الهِدايَةُ لِتَوْحِيدِهِ، فَمُحاجَّتُهم لا تُجْدِي لِأنَّها داحِضَةٌ.

﴿ولا أخافُ ما …

Al-An'aam 6:79Listen in Qur'an →
80

وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًۭٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

And his people argued with him. He said, "Do you argue with me concerning Allah while He has guided me? And I fear not what you associate with Him [and will not be harmed] unless my Lord should will something. My Lord encompasses all things in knowledge; then will you not remember?

﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾ أيْ: أقْبَلْتُ بِقَصْدِي وعِبادَتِي وتَوْحِيدِي وإيمانِي وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعُمُّهُ المَعْنى المُعَبَّرُ عَنْهُ (بِوَجْهِي) لِلَّذِي ابْتَدَعَ العالَمَ مَحِلَّ هَذِهِ النَّيِّراتِ المُحْدَثاتِ وغَيْرِها، واكْتَفى بِالظَّرْفِ عَنِ المَظْرُوفِ لِعُمُومِهِ، إذْ هَذِهِ النَّيِّراتُ مَظْرُوفُ السَّماواتِ، ولَمّا كانَتِ الأصْنامُ الَّتِي يَعْبُدُها قَوْمُهُ مِن خَشَبٍ وحِجارَةٍ، وذَكَرَ ظَرْفَ النَّيِّراتِ، عَطَفَ عَلَيْهِ الأرْضَ الَّتِي هي ظَرْفُ الخَشَبِ والحِجارَةِ، و(حَنِيفًا) مائِلًا عَنْ كُلِّ دِينٍ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ، تَعالى ”مُسْلِمًا“ أيْ: مُنْقادًا إلَيْهِ مُسْتَسْلِمًا لَهُ، ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، ولَمّا أنْكَرَ عَلى أبِيهِ عِبادَةَ الأصْنامِ وضَلَّلَهُ وقَوْمَهُ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى ضَلالِهِمْ بِقَضايا العُقُولِ، إذْ لا يُذْعِنُونَ لِلدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ لِتَوَقُّفِهِ في الثُّبُوتِ عَلى مُقَدَّماتٍ كَثِيرَةٍ، وأبْدى تِلْكَ القَضايا مَنُوطَةً بِالحِسِّ الصّادِقِ - تَبَرَّأ مِن عِبادَتِهِمْ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِـ (إنَّ) ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ وجَّهَ عِبادَتَهُ لِمُبْدِعِ العالَمِ الَّتِي هَذِهِ النَّيِّراتُ المُسْتَدَلُّ بِها بَعْضُهُ، ثُمَّ نَفى عَنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ مُبالَغَةً في التَّبَرُّؤِ مِنهم.

﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ وقَدْ هَدانِ﴾ المُحاجَّةُ مُفاعَلَةٌ مِنِ اثْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ في حُكْمَيْنِ يُدْلِي كُلٌّ مِنهُما بِحُجَّتِهِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ، والمَعْنى: وحاجَّهُ قَوْمُهُ في تَوْحِيدِ اللَّهِ ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، ومُحاجَّةُ مِثْلِ هَؤُلاءِ إنَّما هي بِالتَّمَسُّكِ بِاقْتِفاءِ آبائِهِمْ تَقْلِيدًا، وبِالتَّخْوِيفِ مِن ما يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، كَقَوْلِ قَوْمِ هُودٍ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، فَأجابَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ هَداهُ بِالبُرْهانِ القاطِعِ عَلى تَوْحِيدِهِ ورَفْضِ ما سِواهُ وأنَّهُ لا يَخافُ مِن آلِهَتِهِمْ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِخِلافٍ عَنْ هِشامٍ: (أتْحاجُّونِي) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وأصْلُهُ بِنُونَيْنِ، الأُولى عَلامَةُ الرَّفْعِ والثّانِيَةُ نُونُ الوِقايَةِ، والخِلافُ في المَحْذُوفِ مِنهُما مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وقَدْ لَحَّنَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ وأخْطَأ في ذَلِكَ، وقالَ مَكِّيٌّ: الحَذْفُ بَعِيدٌ في العَرَبِيَّةِ قَبِيحٌ مَكْرُوهٌ، وإنَّما يَجُوزُ في الشِّعْرِ لِلْوَزْنِ، والقُرْآنُ لا يُحْتَمَلُ ذَلِكَ فِيهِ، إذْ لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، وقَوْلُ مَكِّيٍّ لَيْسَ بِالمُرْتَضى، وقِيلَ: التَّخْفِيفُ لُغَةٌ لِغَطَفانَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، أصْلُهُ أتُحاجُّونَنِي، فَأُدْغِمَ هُرُوبًا مِنَ اسْتِثْقالِ المِثْلَيْنِ مُتَحَرِّكَيْنِ فَخُفِّفَ بِالإدْغامِ، ولَمْ يُقْرَأْ هُناكَ بِالفَكِّ، وإنْ كانَ هو الأصْلَ، ويَجُوزُ في الكَلامِ.

و(في اللَّهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أتُحاجُّونِّي“ لا بِقَوْلِهِ ”وحاجَّهُ قَوْمُهُ“ . والمَسْألَةُ مِن بابِ الإعْمالِ، إعْمالِ الثّانِي، فَلَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِالأوَّلِ لَأُضْمِرَ في الثّانِي، ونَظِيرُهُ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿وقَدْ هَدانِ﴾ حالِيَّةٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أنْ تَقَعَ مِنهم مُحاجَّةٌ لَهُ، وقَدْ حَصَلَتْ مِنَ اللَّهِ لَهُ الهِدايَةُ لِتَوْحِيدِهِ، فَمُحاجَّتُهم لا تُجْدِي لِأنَّها داحِضَةٌ.

﴿ولا أخافُ ما …

Al-An'aam 6:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.