Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 51–60 of 165

51

وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّۭ وَلَا شَفِيعٌۭ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

And warn by the Qur'an those who fear that they will be gathered before their Lord - for them besides Him will be no protector and no intercessor - that they might become righteous.

﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يَتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيْهِ أمَرَهُ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُنْذِرَ بِهِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ أيْ بِعَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحَشْرِ، وهو مَأْمُورٌ بِإنْذارِ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ، وإنَّما خَصَّ بِالإنْذارِ هُنا مَن خافَ الحَشْرَ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإيمانِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: الكَفَرَةُ المُعْرِضُونَ دَعْهم ورَأْيَهم وأنْذِرْ بِالقُرْآنِ مَن يُرْجى إيمانُهُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَوالِي مِنهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ ومِهْجَعٌ وسَلْمانُ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ عُمُومُ مَن خافَ الحَشْرَ وآمَنَ بِالبَعْثِ مِن مُسْلِمٍ ويَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ فَلا يَتَخَصَّصُ بِالمُسْلِمِينَ المُقِرِّينَ بِالبَعْثِ إلّا أنَّهم مُفَرِّطُونَ في العَمَلِ فَيُنْذِرُهم بِما أُوحِيَ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ، أيْ يَدْخُلُونَ في زُمْرَةِ أهْلِ التَّقْوى، ولا بِأهْلِ الكِتابِ ولا بِناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ عُلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّهم يَخافُونَ إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِ البَعْثِ أنْ يَكُونَ حَقًّا فَيَهْلَكُوا، فَهم مِمَّنْ يُرْجى أنْ يَنْجَعَ فِيهِمُ الإنْذارُ دُونَ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم و﴿يَخافُونَ﴾ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ يَخافُونَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الحَشْرِ مِن مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأمّا الحَشْرُ فَمُتَحَقِّقٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَخافُونَ هُنا يَعْلَمُونَ، ومَعْنى إلى رَبِّهِمْ أيْ إلى جَزاءِ رَبِّهِمْ أيْ مَوْعُودِهِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُجَسِّمَةُ بِأنَّ اللَّهَ في حَيِّزٍ ومَكانٍ مُخْتَصٍّ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأنَّ كَلِمَةَ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ.

﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿يُحْشَرُوا﴾ بِمَعْنى يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا غَيْرَ مَنصُورِينَ ولا مَشْفُوعًا لَهم ولا بُدَّ مِن هَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّ كُلًّا مَحْشُورٌ فالخَوْفُ إنَّما هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ جَعَلْناهُ داخِلًا في الخَوْفِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا في حالِ مَن لا ولِيَّ لَهُ ولا شَفِيعَ، فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ وأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأباطِيلِ، وإنْ جَعَلْناهُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنْ صِفَةِ الحالِ يَوْمَئِذٍ فَهي عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ.

﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ تَرْجِئَةٌ لِحُصُولِ تَقْواهم إذا حَصَلَ الإنْذارُ.

﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: نَزَلَتْ فِينا سِتَّةً، فِيَّ وفي ابْنِ مَسْعُودٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ والمِقْدادِ وبِلالٍ، قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ لِهَؤُلاءِ تَبَعًا فاطْرُدْهم عَنْكَ فَنَزَلَتْ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُعَلِّمُنا بِالغَداةِ والعَشِيِّ ما يَنْفَعُنا، فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ، فَنَزَلَتْ، فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فَدَنَوْنا مِنهُ حَتّى وضَعْنا …

Al-An'aam 6:51Listen in Qur'an →
52

وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍۢ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍۢ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

And do not send away those who call upon their Lord morning and afternoon, seeking His countenance. Not upon you is anything of their account and not upon them is anything of your account. So were you to send them away, you would [then] be of the wrongdoers.

﴿وأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ لا يَتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيْهِ أمَرَهُ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُنْذِرَ بِهِ فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ بِما أُوحِيَ إلَيْكَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّهِ أيْ بِعَذابِ اللَّهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحَشْرِ، وهو مَأْمُورٌ بِإنْذارِ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ، وإنَّما خَصَّ بِالإنْذارِ هُنا مَن خافَ الحَشْرَ لِأنَّهُ مَظِنَّةُ الإيمانِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: الكَفَرَةُ المُعْرِضُونَ دَعْهم ورَأْيَهم وأنْذِرْ بِالقُرْآنِ مَن يُرْجى إيمانُهُ. ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المَوالِي مِنهم بِلالٌ وصُهَيْبٌ وخَبّابٌ وعَمّارٌ ومِهْجَعٌ وسَلْمانُ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وسالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ عُمُومُ مَن خافَ الحَشْرَ وآمَنَ بِالبَعْثِ مِن مُسْلِمٍ ويَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ فَلا يَتَخَصَّصُ بِالمُسْلِمِينَ المُقِرِّينَ بِالبَعْثِ إلّا أنَّهم مُفَرِّطُونَ في العَمَلِ فَيُنْذِرُهم بِما أُوحِيَ إلَيْهِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ، أيْ يَدْخُلُونَ في زُمْرَةِ أهْلِ التَّقْوى، ولا بِأهْلِ الكِتابِ ولا بِناسٍ مِنَ المُشْرِكِينَ عُلِمَ مِن حالِهِمْ أنَّهم يَخافُونَ إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِ البَعْثِ أنْ يَكُونَ حَقًّا فَيَهْلَكُوا، فَهم مِمَّنْ يُرْجى أنْ يَنْجَعَ فِيهِمُ الإنْذارُ دُونَ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم و﴿يَخافُونَ﴾ باقٍ عَلى حَقِيقَتِهِ أيْ يَخافُونَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الحَشْرِ مِن مُؤاخَذَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأمّا الحَشْرُ فَمُتَحَقِّقٌ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: يَخافُونَ هُنا يَعْلَمُونَ، ومَعْنى إلى رَبِّهِمْ أيْ إلى جَزاءِ رَبِّهِمْ أيْ مَوْعُودِهِ، وقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُجَسِّمَةُ بِأنَّ اللَّهَ في حَيِّزٍ ومَكانٍ مُخْتَصٍّ وجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأنَّ كَلِمَةَ إلى لِانْتِهاءِ الغايَةِ.

﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿يُحْشَرُوا﴾ بِمَعْنى يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا غَيْرَ مَنصُورِينَ ولا مَشْفُوعًا لَهم ولا بُدَّ مِن هَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّ كُلًّا مَحْشُورٌ فالخَوْفُ إنَّما هو الحَشْرُ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنْ جَعَلْناهُ داخِلًا في الخَوْفِ كانَ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا في حالِ مَن لا ولِيَّ لَهُ ولا شَفِيعَ، فَهي مُخْتَصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يَزْعُمُونَ أنَّ لَهم شُفَعاءَ وأنَّهم أبْناءُ اللَّهِ ونَحْوُ هَذا مِنَ الأباطِيلِ، وإنْ جَعَلْناهُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ عَنْ صِفَةِ الحالِ يَوْمَئِذٍ فَهي عامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ.

﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ تَرْجِئَةٌ لِحُصُولِ تَقْواهم إذا حَصَلَ الإنْذارُ.

﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: نَزَلَتْ فِينا سِتَّةً، فِيَّ وفي ابْنِ مَسْعُودٍ وصُهَيْبٍ وعَمّارٍ والمِقْدادِ وبِلالٍ، قالَتْ قُرَيْشٌ: إنّا لا نَرْضى أنْ نَكُونَ لِهَؤُلاءِ تَبَعًا فاطْرُدْهم عَنْكَ فَنَزَلَتْ. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ، كُنّا ضُعَفاءَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ يُعَلِّمُنا بِالغَداةِ والعَشِيِّ ما يَنْفَعُنا، فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ وعُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ: إنّا مِن أشْرافِ قَوْمِنا وإنّا نَكْرَهُ أنْ يَرَوْنا مَعَهم فاطْرُدْهم إذا جالَسْناكَ، فَنَزَلَتْ، فَأتَيْناهُ وهو يَقُولُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكم كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]، فَدَنَوْنا مِنهُ حَتّى وضَعْنا …

Al-An'aam 6:52Listen in Qur'an →
53

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍۢ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ

And thus We have tried some of them through others that the disbelievers might say, "Is it these whom Allah has favored among us?" Is not Allah most knowing of those who are grateful?

﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى فُتُونٍ سابِقٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ أُمَمِ رُسُلٍ وإرْسالِهِمْ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، وتَقْسِيمِ أُمَمِهِمْ إلى مُؤْمِنٍ ومُكَذِّبٍ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ أتْباعَ الرُّسُلِ مُخْتَلِفُونَ وواقِعٌ فِيهِمُ الفُتُونُ لا مَحالَةَ، كَما وقَعَ في هَذِهِ الأُمَّةِ، فَشَبَّهَ تَعالى ابْتِلاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ واخْتِبارَها بِابْتِلاءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، أيْ حالُ هَذِهِ الأُمَّةِ حالُ الأُمَمِ السّابِقَةِ في فُتُونِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، والفُتُونُ بِالغِنى والفَقْرِ، أوْ بِالشَّرَفِ والوَضاعَةِ، والقُوَّةِ والضَّعْفِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُ ذَلِكَ الفَتْنِ العَظِيمِ فَتْنُ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ، أيِ ابْتَلَيْناهم بِهِ وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْفِيقِ لِإصابَةِ الحَقِّ ولِما يُسْعِدُهم عِنْدَهُ مِن دُونِنا ونَحْنُ المُقَدَّمُونَ والرُّؤَساءُ وهُمُ العَبِيدُ والفُقَراءُ، إنْكارًا لِأنْ يَكُونَ أمْثالُهم عَلى الحَقِّ ومَمْنُونًا عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا بِالخَيْرِ، نَحْوُ: ﴿أؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا﴾ [القمر: ٢٥]، ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، ومَعْنى فَتَنّاهم لِيَقُولُوا ذَلِكَ: خِذْلانُهم فافْتَتَنُوا حَتّى كانَ افْتِتانُهم سَبَبًا لِهَذا القَوْلِ لِأنَّهُ لا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِمْ هَذا إلّا مَخْذُولٌ مُتَقَوِّلٌ، انْتَهى. وآخِرُ كَلامِهِ عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ مِن تَأْوِيلِ الفِتْنَةِ الَّتِي نَسَبَها تَعالى إلَيْهِ بِالخِذْلانِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ابْتِلاءُ المُؤْمِنِينَ بِالمُشْرِكِينَ هو ما يَلْقَوْنَ مِنهم مِنَ الأذى، وابْتِلاءُ المُشْرِكِينَ بِالمُؤْمِنِينَ هو أنْ يَرى الرَّجُلُ الشَّرِيفُ مِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمًا لا شَرَفَ لَهم قَدْ عَظَّمَهم هَذا الدِّينُ وجَعَلَ لَهم عِنْدَ نَبِيِّهِمْ قَدْرًا ومَنزِلَةً، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما ذُكِرَ مِن ظُلْمِهِمْ أنْ تَطْرُدَ الضَّعَفَةَ. انْتَهى. ولا يَنْتَظِمُ هَذا التَّشْبِيهُ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: ومِثْلُ ذَلِكَ أيْ طَلَبِ الطَّرْدِ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ، والَّذِي يَتَبادَرُ إلَيْهِ الذِّهْنُ إنَّكَ إذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، إنَّما يُفْهَمُ مِنهُ مِثْلَ ذَلِكَ الضَّرْبِ لا أنَّهُ تَقَعُ المُماثَلَةُ في غَيْرِهِ، واللّامُ في ﴿لِيَقُولُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّها لامُ كَيْ، أيْ هَذا الِابْتِلاءُ لِكَيْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِفْهامِ لِأنْفُسِهِمْ والمُناجاةِ لَها، ويَصِيرُ المَعْنى: ابْتَلَيْنا أشْرافَ الكُفّارِ بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ لِيَتَعَجَّبُوا في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ ويَكُونَ سَبَبًا لِلنَّظَرِ لِمَن هُدِيَ، ومَن أثْبَتَ أنَّ اللّامَ تَكُونُ لِلصَّيْرُورَةِ جَوَّزَ هُنا أنْ تَكُونَ لِلصَّيْرُورَةِ ويَكُونَ قَوْلُهم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِحْقاقِ، و(هَؤُلاءِ) إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ، و﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِزَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم مِنهُ تَعالى.

﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ والرَّدُّ عَلى أُولَئِكَ القائِلِينَ، أيِ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يَشْكُرُ فَيَضَعُ فِيهِ هِدايَتَهُ دُونَ مَن يَكْفُرُ فَلا يَهْدِيهِ، وجاءَ لَفْظُ الشُّكْرِ هُنا في غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ إذْ تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ …

Al-An'aam 6:53Listen in Qur'an →
54

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلْ سَلَٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And when those come to you who believe in Our verses, say, "Peace be upon you. Your Lord has decreed upon Himself mercy: that any of you who does wrong out of ignorance and then repents after that and corrects himself - indeed, He is Forgiving and Merciful."

﴿وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الجُمْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ نَهى اللَّهُ عَنْ طَرْدِهِمْ فَكانَ إذا رَآهم بَدَأهم بِالسَّلامِ وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ في أُمَّتِي مَن أبْدَأُهم بِالسَّلامِ. وقِيلَ: الَّذِينَ صَوَّبُوا رَأْيَ أبِي طالِبٍ في طَرْدِ الضَّعَفَةِ. وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: قالَ قَوْمٌ: قَدْ أصَبْنا ذُنُوبًا فاسْتَغْفِرْ لَنا فَأعْرَضَ عَنْهم فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُمَرَ حِينَ أشارَ بِإجابَةِ الكَفَرَةِ ولَمْ يَعْلَمْ أنَّها مَفْسَدَةٌ، وعَلى هَذِهِ الأسْبابِ يَكُونُ تَفْسِيرُ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ فَإنْ كانَ عَنى بِهِمُ السِّتَّةَ الَّذِينَ نَهى عَنْ طَرْدِهِمْ فَيَكُونُ مِن بابِ العامِّ أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمْرًا بِإكْرامِهِمْ وتَنْبِيهًا عَلى خُصُوصِيَّةِ تَشْرِيفِهِمْ بِهَذا النَّوْعِ مِنَ الإكْرامِ، وإنْ كانَ عَنى عُمَرَ حِينَ اعْتَذَرَ واسْتَغْفَرَ وقالَ: ما أرَدْتُ بِذَلِكَ إلّا الخَيْرَ، كانَ مِن إطْلاقِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ المُعَظَّمِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لا بِالسِّتَّةِ ولا بِغَيْرِهِمْ، وإنَّها اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - بَعْدَ تَقَصِّي خَبَرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهى عَنْ طَرْدِهِمْ، ولَوْ كانُوا إيّاهم لَكانَ التَّرْكِيبُ الأحْسَنُ: وإذا جاءُوكَ، والآياتُ هُنا آياتُ القُرْآنِ وعَلاماتُ النُّبُوَّةِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: آياتُ اللَّهِ آياتُ وُجُودِهِ وآياتُ صِفاتِ جَلالِهِ وإكْرامِهِ وكِبْرِيائِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وما سِوى اللَّهِ لا نِهايَةَ لَهُ، ولا سَبِيلَ لِلْعُقُولِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْهِ عَلى التَّفْصِيلِ التّامِّ، إلّا أنَّ المُمْكِنَ هو أنْ يَطَّلِعَ عَلى بَعْضِ الآياتِ ثُمَّ يُؤْمِنَ بِالبَقِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ثُمَّ يَكُونُ مُدَّةَ حَيّاتِهِ كالسّابِحِ في تِلْكَ البِحارِ وكالسّائِحِ في تِلْكَ القِفارِ، ولَمّا كانَ لا نِهايَةَ لَها فَكَذَلِكَ لا نِهايَةَ في تَرَقِّي العَبْدِ في مَعارِجِ تِلْكَ الآياتِ، وهَذا مَشْرَعٌ جُمْلِيٌّ لا نِهايَةَ لِتَفاصِيلِهِ، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ إذا كانَ مَوْصُوفًا بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَعِنْدَها أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم: سَلامٌ عَلَيْكم، فَيَكُونُ هَذا التَّسْلِيمُ بِشارَةً بِحُصُولِ الكَرامَةِ عَقِيبَ تِلْكَ السَّلامَةِ والنَّجاةِ مِن بَحْرِ عالَمِ الظُّلُماتِ ومَرْكَزِ الجُسْمانِيّاتِ ومَعْدِنِ الآفاتِ والمَخافاتِ ومَوْضِعِ التَّغْيِيراتِ والتَّبْدِيلاتِ، وأمّا الكَرامَةُ بِالوُصُولِ إلى الباقِياتِ الصّالِحاتِ المُجَرَّداتِ المُقَدَّساتِ والوُصُولِ إلى فُسْحَةِ عالَمِ الأنْوارِ والتَّرَقِّي إلى مَعارِجِ سُرادِقاتِ الجَلالِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو تَكْثِيرٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ طافِحٌ بِإشاراتِ أهْلِ الفَلْسَفَةِ بَعِيدٌ مِن مَناهِجِ المُتَشَرِّعِينَ وعَنْ مَناحِي كَلامِ العَرَبِ ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى في غَيْرِ مَظانِّهِ، ولِلَّهِ دَرُّ القائِلِ يُغْرِي مَنصُورَ المُوَحِّدِينَ بِأهْلِ الفَلْسَفَةِ مِن قَصِيدَةٍ:

؎وحَرِّقْ كُتْبَهم شَرْقًا وغَرْبًا فَفِيها كامِنٌ شَرُّ العُلُومِ

؎يَدُبُّ إلى العَقائِدِ مِن أذاها ∗∗∗ سُمُومٌ والعَقائِدُ كالجُسُومِ

وقالَ المُبَرِّدُ: السَّلامُ في اللُّغَةِ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - وجَمْعُهُ سَلامَةٌ ومَصْدَرٌ واسْمُ شَجَرٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَصْدَرٌ لِسَلَّمَ تَسْلِيمًا وسَلامًا كالسَّراحِ مِن سَرَّحَ والأداءِ مِن أدّى. وقالَ عِكْرِمَةُ والحَسَنُ: أُمِرَ بِابْتِداءِ السَّلامِ …

Al-An'aam 6:54Listen in Qur'an →
55

وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ

And thus do We detail the verses, and [thus] the way of the criminals will become evident.

﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى التَّفْصِيلِ الواقِعِ في هَذِهِ السُّورَةِ، أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَيِّنِ نُفَصِّلُ آياتِ القُرْآنِ ونُلَخِّصُها في صِفَةِ أحْوالِ المُجْرِمِينَ: مَن هو مَطْبُوعٌ عَلى قَلْبِهِ لا يُرْجى إسْلامُهُ، ومَن تَرى فِيهِ أمارَةَ القَبُولِ وهو الَّذِي يَخافُ إذا سَمِعَ ذِكْرَ القِيامَةِ، ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ إلّا أنَّهُ لا يَحْفَظُ حُدُودَهُ. وقِيلَ: المَعْنى: كَما فَصَّلْنا في هَذِهِ السُّورَةِ دَلِيلَ صِحَّةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والقَضاءِ والقَدَرِ نُفَصِّلُ لَكَ دَلِيلَنا وحُجَجَنا في تَقْرِيرِ كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أهْلُ الباطِلِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى التَّفْصِيلِ لِلْأُمَمِ السّابِقَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ لِمَن كانَ قَبْلَكم نُفَصِّلُ لَكم. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: مَعْناهُ: كَما بَيَّنّا لِلشّاكِرِينَ والكافِرِينَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَفْصِيلُها: إتْيانُها مُتَفَرِّقَةً شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. وقالَ تاجُ القُرّاءِ: الفَصْلُ: بَوْنُ ما بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والتَّفْصِيلُ: التَّبْيِينُ بَيْنَ المَعانِي المُلْتَبِسَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وكَذَلِكَ) إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طَرْدِ المُؤْمِنِينَ وبَيانِ فَسادِ مَنزَعِ المُعارِضِينَ لِذَلِكَ، وتَفْصِيلُ الآياتِ: تَبْيِينُها وشَرْحُها وإظْهارُها. انْتَهى. واسْتَبانَ يَكُونُ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، وتَمِيمٌ وأهْلُ نَجْدٍ يُذَكِّرُونَ السَّبِيلَ، وأهْلُ الحِجازِ يُؤَنِّثُونَها. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ: (ولِتَسْتَبِينَ) بِالتّاءِ (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (ولِيَسْتَبِينَ) بِالياءِ (سَبِيلُ) بِالرَّفْعِ، فاسْتَبانَ هُنا لازِمَةٌ، أيْ: ولِتَظْهَرَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ. وقَرَأ نافِعٌ: (ولِتَسْتَبِينَ) بِتاءِ الخِطابِ (سَبِيلَ) بِالنَّصْبِ، فاسْتَبانَ هُنا مُتَعَدِّيَةٌ. فَقِيلَ: هو خِطابٌ لِلرَّسُولِ، ﷺ . وقِيلَ: لَهُ ظاهِرًا، والمُرادُ أُمَّتُهُ لِأنَّهُ ﷺ كانَ اسْتَبانَها. وخُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنِ اسْتِبانَتِها اسْتِبانَةُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مَعْطُوفٍ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: سَبِيلُ المُجْرِمِينَ والمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: خُصَّ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أثارُوا ما تَقَدَّمَ مِنَ الأقْوالِ، وهم أهَمُّ في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّها آياتُ رَدٍّ عَلَيْهِمْ، وظاهِرُ ﴿المُجْرِمِينَ﴾ العُمُومُ، وتَأوَّلَهُ ابْنُ زَيْدٍ عَلى أنَّهُ عَنى بِالمُجْرِمِينَ الآمِرِينَ بِطَرْدِ الضَّعَفَةِ، واللّامُ في (لِتَسْتَبِينَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ أيْ: ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ فَصَّلْناها لَكم، أوْ قَبْلَها عِلَّةٌ مَحْذُوفَةٌ وهو قَوْلُ الكُوفِيِّينَ، التَّقْدِيرُ: لِنُبَيِّنَ لَكم ولِتَسْتَبِينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِتَسْتَوْضِحَ سَبِيلَهم فَتُعامِلَ كُلًّا مِنهم بِما يَجِبُ أنْ يُعامَلَ بِهِ فَصَّلْنا ذَلِكَ التَّفْصِيلَ.

Al-An'aam 6:55Listen in Qur'an →
56

قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًۭا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ

Say, "Indeed, I have been forbidden to worship those you invoke besides Allah." Say, "I will not follow your desires, for I would then have gone astray, and I would not be of the [rightly] guided."

﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجاهِرَهم بِالتَّبَرِّي مِن عِبادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ، ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَفْصِيلَ الآياتِ لِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُبْطِلِ مِنَ المُحِقِّ نَهاهُ عَنْ سُلُوكِ سَبِيلِهِمْ. ومَعْنى ﴿نُهِيتُ﴾ زُجِرْتُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِما رَكَّبَ فِيَّ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ وبِما أُوتِيتُ مِن أدِلَّةِ السَّمْعِ.

والَّذِينَ يَدْعُونَ: الأصْنامُ. عَبَّرَ عَنْها بِالَّذِينِ عَلى زَعْمِ الكُفّارِ حِينَ أنْزَلُوها مَنزِلَةَ مَن يَعْقِلُ.

و﴿تَدْعُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تَعْبُدُونَ. وقِيلَ: تُسَمُّونَهم آلِهَةً. مِن دَعَوْتُ ولَدِي زَيْدًا: سَمَّيْتُهُ. وقِيلَ: تَدْعُونَ في أُمُورِكم وحَوائِجِكم.

وفِي قَوْلِهِ: ﴿تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اسْتِجْهالٌ لَهم ووَصْفٌ بِالِاقْتِحامِ فِيما كانُوا مِنهُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، ولَفْظَةُ ﴿نُهِيتُ﴾ أبْلَغُ مِنَ النَّفْيِ بِـ (لا أعْبُدُ) إذْ فِيهِ وُرُودُ تَكْلِيفٍ.

﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ أيْ ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُكم مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولَمّا كانَتْ أصْنامُهم مُخْتَلِفَةً كانَ لِكُلِّ عابِدِ صَنَمُ هَوًى يَخُصُّهُ فَلِذَلِكَ جُمِعَ، وأهْواءَكم عامٌّ، وغالِبُ ما يُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الخَيْرِ ويَعُمُّ عِبادَةَ الأصْنامِ وما أُمِرُوا بِهِ مِن طَرْدِ المُؤْمِنِينَ الضُّعَفاءِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لَيْسَ بِحَقٍّ وهي أعَمُّ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وأنَصُّ عَلى مُخالَفَتِهِمْ، وفي قَوْلِهِ ﴿أهْواءَكُمْ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى السَّبَبِ الَّذِي حَصَلَ مِنهُ الضَّلالُ وتَنْبِيهٌ لِمَن أرادَ اتِّباعَ الحَقِّ ومُجانَبَةَ الباطِلِ كَما قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ:

؎وآفَةُ العَقْلِ الهَوى فَمَن عَلا عَلى هَواهُ عَقْلُهُ فَقَدْ نَجا.

﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ المَعْنى إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم ضَلَلْتُ وما اهْتَدَيْتُ والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ وجاءَتْ تِلْكَ فِعْلِيَّةً لِتَدُلَّ عَلى التَّجَدُّدِ وهَذِهِ اسْمِيَّةٌ لِتَدُلَّ عَلى الثُّبُوتِ فَحَصَلَ نَفْيُ تَجَدُّدِ الضَّلالِ وثُبُوتِهِ، وجاءَتْ رَأْسَ آيَةٍ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وابْنُ وثّابٍ وطَلْحَةُ (ضَلِلْتُ) بِكَسْرِ فَتْحَةِ اللّامِ وهي لُغَةٌ، وفي التَّحْرِيرِ: قَرَأ يَحْيى وابْنُ أبِي لَيْلى هُنا وفي السَّجْدَةِ في (أئِذا صَلَلْنا) بِالصّادِّ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ ويُقالُ صَلَّ اللَّحْمُ: أنْتَنَ. ويُرْوى (صَلَلْنا) أيْ دُفِنّا في الصَّلَّةِ وهي الأرْضُ الصُّلْبَةُ. رَواهُ أبُو العَبّاسِ عَنْ مُجاهِدِ بْنِ الفُراتِ في كِتابِ الشَّواذِلَةِ.

Al-An'aam 6:56Listen in Qur'an →
57

قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَٰصِلِينَ

Say, "Indeed, I am on clear evidence from my Lord, and you have denied it. I do not have that for which you are impatient. The decision is only for Allah. He relates the truth, and He is the best of deciders."

﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ عَلى شَرِيعَةٍ واضِحَةٍ ومِلَّةٍ صَحِيحَةٍ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ هي المُعْجِزَةُ الَّتِي تُبَيِّنُ صِدْقِي وهي القُرْآنُ، قالُوا: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التّاءُ في (بَيِّنَةٍ) لِلْمُبالَغَةِ، والمَعْنى عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ. لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لِلْهَوى نَبَّهَ عَلى ما يَجِبُ اتِّباعُهُ وهو الأمْرُ الواضِحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ إخْبارٌ مِنهُ عَنْهم أنَّهم كَذَّبُوا بِهِ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى اللَّهِ أيْ وكَذَّبْتُمْ بِاللَّهِ. وقِيلَ: عائِدٌ عَلى (بَيِّنَةٍ) لِأنَّ مَعْناهُ عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ. وقِيلَ: عَلى البَيانِ الدّالِّ عَلَيْهِ (بَيِّنَةٍ) وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ.

﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ الَّذِي اسْتَعْجَلُوا بِهِ قِيلَ الآياتُ المُقْتَرَحَةُ. قالَهُ الزَّجّاجُ. وقِيلَ: العَذابُ، ورُجِّحَ بِأنَّ الِاسْتِعْجالَ لَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ إلّا لِلْعَذابِ لِأنَّهم لَمْ يَسْتَعْجِلُوا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ وبِأنَّ لَفْظَ ﴿وكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ يَتَضَمَّنُ أنَّكم واقَعْتُمْ ما أنْتُمْ تَسْتَحِقُّونَ بِهِ العَذابَ إلّا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِي. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي العَذابَ الَّذِي اسْتَعْجَلُوهُ في قَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] .

﴿إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ﴾ أيِ الحُكْمُ لِلَّهِ عَلى الإطْلاقِ وهو الفَصْلُ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ بِإيجابِ الثَّوابِ والعِقابِ. وقِيلَ: القَضاءُ بِإنْزالِ العَذابِ وفِيهِ التَّفْوِيضُ العامُّ لِلَّهِ تَعالى.

”يَقْضِي الحَقَّ“ هي قِراءَةُ العَرَبِيَّيْنِ والأخَوَيْنِ أيْ يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ في كُلِّ ما يَقْضِي فِيهِ مِن تَأْخِيرٍ أوْ تَعْجِيلٍ، وضَمَّنَ بَعْضُهم (يَقْضِي) مَعْنى: يُنْفِذُ، فَعَدّاهُ إلى مَفْعُولٍ بِهِ. وقِيلَ: (يَقْضِي) بِمَعْنى: يَصْنَعُ. أيْ كُلُّ ما يَصْنَعُهُ فَهو حَقٌّ، قالَ الهُذَلِيُّ:

؎وعَلَيْهِما مَسْدُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ.

أيْ صَنَعَهُما وقِيلَ حُذِفَ الباءُ والأصْلُ بِالحَقِّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ وابْنِ وثّابٍ والنَّخَعِيِّ وطَلْحَةَ والأعْمَشِ (يَقْضِي بِالحَقِّ) بِباءِ الجَرِّ وسَقَطَتِ الياءُ خَطًّا لِسُقُوطِها لَفْظًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ يَقْضِي بِالحَقِّ.

(وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ) وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ وهو أسْرَعُ الفاصِلِينَ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ (يَقُصُّ الحَقَّ) مِن قَصَّ الحَدِيثَ كَقَوْلِهِ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] أوْ مِن قَّصَ الأثَرَ أيِ اتَّبَعَهُ. وحُكِيَ أنَّ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ سُئِلَ أهْوَ يَقُصُّ الحَقَّ أوْ يَقْضِي الحَقَّ ؟ فَقالَ: لَوْ كانَ يَقُصُّ لَقالَ وهو خَيْرُ القاصِّينَ أقَرَأ أحَدٌ بِهَذا ؟ وحَيْثُ قالَ (وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ) فَإنَّما يَكُونُ الفَصْلُ في القَضاءِ. انْتَهى. ولَمْ يَبْلُغْ أبا عَمْرٍو أنَّهُ قُرِئَ بِها ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: أقَرَأ بِها أحَدٌ، ولا يَلْزَمُ ما قالَ، فَقَدْ جاءَ الفَصْلُ في القَوْلِ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] وقالَ: (أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) وقالَ: ﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ٥٥] فَلا يَلْزَمُ مِن ذِكْرِ الفاصِلِينَ أنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِـ (يَقْضِيَ) .

و(خَيْرُ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ عَلى بابِها. وقِيلَ: لَيْسَتْ عَلى بابِها لِأنَّ قَضاءَهُ تَعالى لا يُشْبِهُ قَضاءً ولا يَفْصِلُ كَفَصْلِهِ أحَدٌ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ يَدُلُّ عَلى أنَّها عَلى بابِها.

Al-An'aam 6:57Listen in Qur'an →
58

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ

Say, "If I had that for which you are impatient, the matter would have been decided between me and you, but Allah is most knowing of the wrongdoers."

﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ لَوْ كانَ في قُدْرَتِي الوُصُولُ إلى ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنِ اقْتِراحِ الآياتِ أوْ مِن حُلُولِ العَذابِ لَبادَرْتُ إلَيْهِ ووَقَعَ الِانْفِصالُ بَيْنِي وبَيْنَكم. ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ في ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ لَقامَتِ القِيامَةُ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِن أنَّ المَعْنى لَذُبِحَ المَوْتُ، لا يَصِحُّ ولا لَهُ هُنا مَعْنًى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ و﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ [الأنعام: ٥٧] مِنَ العَذابِ لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي وامْتِعاضًا مِن تَكْذِيبِكم بِهِ ولَتَخَلَّصْتُ مِنكم سَرِيعًا. انْتَهى. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ أُمْهِلْكم ساعَةً ولَأهْلَكْتُكم.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - بِكم. فَوُضِعَ الظّاهِرُ المُشْعِرُ بِوَصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ. ومَعْنى (أعْلَمُ) بِهِمْ أيْ بِمُجازاتِهِمْ فَفِيهِ وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ. وقِيلَ: بِتَوْقِيتِ عِقابِهِمْ وقِيلَ: بِمَآلِ أمْرِهِمْ مِن هِدايَةِ بَعْضٍ واسْتِمْرارِ بَعْضٍ. وقِيلَ: بِمَن يَنْبَغِي أنْ يُؤْخَذَ وبِمَن يُمْهَلُ. وقِيلَ: بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن عَذابِهِمْ.

Al-An'aam 6:58Listen in Qur'an →
59

۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍۢ فِى ظُلُمَٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍۢ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَٰبٍۢ مُّبِينٍۢ

And with Him are the keys of the unseen; none knows them except Him. And He knows what is on the land and in the sea. Not a leaf falls but that He knows it. And no grain is there within the darknesses of the earth and no moist or dry [thing] but that it is [written] in a clear record.

﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هو ويَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦٠] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ ألا لَهُ الحُكْمُ وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢] ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٦٤] ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ٦٦] ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨] ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ وإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنها أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠] ﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا ونُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ حَيْرانَ لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٢] ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ ويَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ٧٣]

السُّقُوطُ: الوُقُوعُ مِن عُلُوٍّ. الوَرَقَةُ: واحِدَةُ الوَرَقِ مِنَ النَّباتِ والكاغِدِ وهي مَعْرُوفَةٌ. الرَّطْبُ واليابِسُ مَعْرُوفانِ، يُقالُ: رَطْبٌ فَهو رَطِبٌ ورَطِيبٌ ويَبِسٌ ويَبِيسٌ، وشَذَّ فِيهِ يَبِسٌ بِحَذْفِ الياءِ وكَسْرِ الباءِ. الكَرْبُ: الغَمُّ يَأْخُذُ بِالنَّفْسِ، كَرَبَ الرَّجُلُ فَهو مَكْرُوبٌ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ومَكْرُوبٌ كَشَفْتُ الكَرْبَ عَنْهُ بِطَعْنَةِ فَيْصَلٍ لَمّا دَعانِي

الشِّيعَةُ: الفِرْقَةُ تَتْبَعُ الأُخْرى ويُجْمَعُ عَلى أشْياعٍ، وشَيَّعْتُ فُلانًا: اتَّبَعْتُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: شاعَكُمُ السَّلامُ أيِ اتَّبَعَكم، وأشاعَكُمُ اللَّهُ السَّلامَ أيْ أتْبَعَكم. الإبْسالُ: تَسْلِيمُ المَرْءِ نَفْسَهُ لِلْهَلاكِ، ويُقالُ: …

Al-An'aam 6:59Listen in Qur'an →
60

وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

And it is He who takes your souls by night and knows what you have committed by day. Then He revives you therein that a specified term may be fulfilled. Then to Him will be your return; then He will inform you about what you used to do.

﴿وهو الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكم ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالعِلْمِ التّامِّ لِلْكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ ذَكَرَ اسْتِئْثارَهُ بِالقُدْرَةِ التّامَّةِ تَنْبِيهًا عَلى ما تَخْتَصُّ بِهِ الإلَهِيَّةُ وذَكَرَ شَيْئًا مَحْسُوسًا قاهِرًا لِلْأنامِ وهو التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وكِلاهُما لَيْسَ لِلْإنْسانِ فِيهِ قُدْرَةٌ، بَلْ هو أمْرٌ يُوقِعُهُ اللَّهُ - تَعالى - بِالإنْسانِ، والتَّوَفِّي عِبارَةٌ في العُرْفِ عَنِ المَوْتِ، وهُنا المَعْنى بِهِ النَّوْمُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ لِلْعَلاقَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وبَيْنَ المَوْتِ وهي زَوالُ إحْساسِهِ ومَعْرِفَتِهِ وفِكْرِهِ. ولَمّا كانَ التَّوَفِّي المُرادُ بِهِ النَّوْمُ سَبَبًا لِلرّاحَةِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ، وما كانَ بِمَعْنى المَوْتِ مُؤْلِمًا قالَ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١]، و﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾، و﴿تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨]، والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ سامِعٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخِطابُ لِلْكَفَرَةِ، وخُصَّ اللَّيْلُ بِالنَّوْمِ والبَعْثُ بِالنَّهارِ وإنْ كانَ قَدْ يُنامُ بِالنَّهارِ ويُبْعَثُ بِاللَّيْلِ حَمْلًا عَلى الغالِبِ،، ومَعْنى جَرَحْتُمْ كَسَبْتُمْ، ومِنهُ جَوارِحُ الطَّيْرِ أيْ كَواسِبُها واجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ اكْتَسَبُوها، والمُرادُ مِنها أعْمالُ الجَوارِحِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْضاءِ جَوارِحُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَرْحِ كَأنَّ الذَّنْبَ جُرْحٌ في الدِّينِ، والعَرَبُ تَقُولُ: وجُرْحُ اللِّسانِ كَجُرْحِ اليَدِ. وقالَ مَكِّيٌّ: أصْلُ الِاجْتِراحِ عَمَلُ الرَّجُلِ بِجارِحَةٍ مِن جَوارِحِهِ يَدِهِ أوْ رِجْلِهِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ مُكْتَسِبٍ مُجْتَرِحٌ وجارِحٌ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ العُمُومُ في المُكْتَسَبِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما كَسَبْتُمْ مِنَ الآثامِ. انْتَهى. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: ما عَمِلْتُمْ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما كَسَبْتُمْ، والبَعْثُ هُنا هو التَّنَبُّهُ مِنَ النَّوْمِ، والضَّمِيرُ في (فِيهِ) عائِدٌ عَلى النَّهارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ، عادَ عَلَيْهِ لَفْظًا، والمَعْنى في يَوْمٍ آخَرَ كَما تَقُولُ: عِنْدِي دِرْهَمٌ ونِصْفُهُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ يَعُودُ عَلى التَّوَفِّي أيْ يُوقِظُكم في التَّوَفِّي أيْ في خِلالِهِ وتَضاعِيفِهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى اللَّيْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ يَبْعَثُكم مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ذَلِكَ الَّذِي قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ ومِن أجْلِهِ، كَقَوْلِكَ: فِيمَ دَعَوْتَنِي، فَتَقُولُ: في أمْرِ كَذا. انْتَهى. وحَمْلُهُ عَلى البَعْثِ مِنَ القُبُورِ يَنْبُو عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ لِأنَّ المَعْنى، واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّهُ تَعالى يُحْيِيهِمْ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ النَّوْمِ واليَقَظَةِ لِيَسْتَوْفُوا ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الآجالِ والأعْمالِ المَكْتُوبَةِ، وقَضاءُ الأجَلِ فَصْلُ مُدَّةِ العُمُرِ مِن غَيْرِها ومُسَمًّى في عِلْمِ اللَّهِ أوْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ عِنْدَ تَكامُلِ الخَلْقِ ونَفْخِ الرُّوحِ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّ المَلَكَ يَقُولُ عِنْدَ كَمالِ ذَلِكَ: فَما الرِّزْقُ فَما الأجَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو الأجَلُ الَّذِي سَمّاهُ …

Al-An'aam 6:60Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.