Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 41–50 of 165

41

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ

No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكاءَ. قالَ الكِرْمانِيُّ: (أرَأيْتَكم) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ، وتَعَجُّبٍ، ولَيْسَ لَها نَظِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى: أرَأيْتَكم إنْ خِفْتُمْ عَذابَ اللَّهِ، أوْ خِفْتُمْ هَلاكًا، أوْ خِفْتُمُ السّاعَةَ، أتَدْعُونَ أصْنامَكم، وتَلْجَأُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ، إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم إنَّها آلِهَةٌ ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللَّهَ الخالِقَ الرّازِقَ، فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ إنْ شاءَ، وتَنْسَوْنَ أصْنامَكُمْ؛ أيْ تَتْرُكُونَهم، فَعَبَّرَ عَنِ التَّرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ الَّذِي هو مَعَ التَّرْكِ، ذُهُولٌ وإغْفالٌ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَّدائِدِ ؟ و﴿أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أتاكم خَوْفُهُ وأماراتُهُ، وأوائِلُهُ، مِثْلُ الجَدْبِ والبَأْساءِ والأمْراضِ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ، كالقُولَنْجِ. ويَدْعُو إلى هَذا التَّأْوِيلِ، أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ وحُلُولَهُ، لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسّاعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ساعَةَ مَوْتِ الإنْسانِ انْتَهى. ولا يُضْطَرُّ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ، بَلْ إذا حَلَّ بِالإنْسانِ العَذابُ، واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، لا يَدْعُو إلّا اللَّهَ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ ما صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ العَذابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالإنْسانِ، هو جِنْسٌ مِنهُ ما مَرَّ وانْقَضى، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، ومِنهُ ما هو مُلْتَبِسٌ بِالإنْسانِ في الحالِ، فَيَصِحُّ كَشْفُهُ وإزالَتُهُ، بِقَطْعِ اللَّهِ ذَلِكَ عَنِ الإنْسانِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُنْظِرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]، فَما انْقَضى مِنَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، وما هو مُلْتَبِسٌ بِهِ، كَشَفَهُ اللَّهُ تَعالى، فالضُّرُّ جِنْسٌ كَما أنَّ العَذابَ هُنا جِنْسٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَذابُ اللَّهِ هو العَذابُ الَّذِي كانَ يَأْتِي الأُمَمَ الخالِيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَوْتُ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ مُقَدِّماتِهِ مِنَ الشَّدائِدِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ (السّاعَةُ) هي القِيامَةُ، وأرَأيْتَ: الهَمْزَةُ فِيها لِلِاسْتِفْهامِ، فَإنْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ، أوِ الَّتِي لِإصابَةِ الرُّؤْيَةِ، أوِ العِلْمِيَّةَ الباقِيَةَ عَلى بابِها، لَمْ يَجُزْ فِيها إلّا تَحْقِيقُ الهَمْزَةِ، أوْ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها. وتَخْتَلِفُ التّاءُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، ولا يَجُوزُ إلْحاقُ الكافِ بِها، وإنْ كانَتِ العِلْمِيَّةَ الَّتِي هي بِمَعْنى أخْبَرَنِي، جازَ أنْ تُحَقَّقَ الهَمْزَةُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ في ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾، وأرَأيْتُمْ وأرَأيْتَ، وجازَ أنْ تُسَهَّلَ بَيْنَ بَيْنَ، وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، ورُوِيَ عَنْهُ إبْدالُها ألِفًا مَحْضَةً، ويَطُولُ مَدُّها لِسُكُونِها وسُكُونِ ما بَعْدَها. وهَذا البَدَلُ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، إلّا أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ، حَكاهُ قُطْرُبُ وغَيْرُهُ، وجازَ حَذْفُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الرّاجِزُ:

؎أرَيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودا

بَلْ قَدْ زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّها لُغَةُ …

Al-An'aam 6:41Listen in Qur'an →
42

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ

And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muhammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا.

﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ.

﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ.

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ.

﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ …

Al-An'aam 6:42Listen in Qur'an →
43

فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا.

﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ.

﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ.

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ.

﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ …

Al-An'aam 6:43Listen in Qur'an →
44

فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَٰهُم بَغْتَةًۭ فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ

So when they forgot that by which they had been reminded, We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا.

﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ.

﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ.

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ.

﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ …

Al-An'aam 6:44Listen in Qur'an →
45

فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ

So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allah, Lord of the worlds.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا.

﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ.

﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ.

﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ.

﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ …

Al-An'aam 6:45Listen in Qur'an →
46

قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ

Say, "Have you considered: if Allah should take away your hearing and your sight and set a seal upon your hearts, which deity other than Allah could bring them [back] to you?" Look how we diversify the verses; then they [still] turn away.

﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أوَّلًا تَهْدِيدَهم بِإتْيانِ العَذابِ أوِ السّاعَةِ كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ مِن هَذا التَّهْدِيدِ، فَأكَّدَ خِطابَ الضَّمِيرِ بِحَرْفِ الخِطابِ فَقِيلَ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] ولَمّا كانَ هَذا التَّهْدِيدُ أخَفَّ مِن ذَلِكَ لَمْ يُؤَكَّدْ بِهِ، بَلِ اكْتُفِيَ بِخِطابِ الضَّمِيرِ فَقِيلَ أرَأيْتُمْ، وفي تِلْكَ وهَذِهِ الِاسْتِدْلالُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - تَعالى - وأنَّهُ المُتَصَرِّفُ في العالَمِ الكاشِفُ لِلْعَذابِ والرّادُّ لِما شاءَ بَعْدَ الذَّهابِ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ ﴿أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ أنَّهُ ذَهابُ الحاسَّةِ السَّمْعِيَّةِ والبَصَرِيَّةِ فَيَكُونُ أخْذًا حَقِيقِيًّا. وقِيلَ: هو أخْذٌ مَعْنَوِيٌّ والمُرادُ إذْهابُ نُورِ البَصَرِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ العَمى، وإذْهابُ سَمْعِ الأُذُنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ الصَّمَمُ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إفْرادِ السَّمْعِ وجَمْعِ الأبْصارِ وعَلى الخَتْمِ عَلى القُلُوبِ في أوَّلِ البَقَرَةِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ. ومَفْعُولُ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: قُلْ أرَأيْتُمْ سَمْعَكم وأبْصارَكم إنْ أخَذَها اللَّهُ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ كَما تَقُولُ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما يَصْنَعُ، وقَدْ قَرَّرْنا أنَّ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ، أعْمَلَ الثّانِيَ وحَذَفَ مِنَ الأوَّلِ، وأوْضَحْنا كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ في الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) أفْرَدَهُ إجْراءً لَهُ مَجْرى اسْمِ الإشارَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَأْتِيكم بِذَلِكَ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى السَّمْعِ بِالتَّصْرِيحِ وتَدْخُلُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الهُدى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى لِأنَّ أخْذَ السَّمْعِ والبَصَرِ والخَتْمَ عَلى القُلُوبِ سَبَبُ الضَّلالِ وسَدٌّ لِطُرُقِ الهِدايَةِ، و(مَن إلَهٌ) اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ تَوْقِيفُهم عَلى أنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ سِواهُ، فالتَّعَلُّقُ بِغَيْرِهِ لا يَنْفَعُ. قالَ الحَوْفِيُّ: وحَرْفُ الشَّرْطِ وما اتَّصَلَ بِهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ في الحالِ أرَأيْتُمْ كَقَوْلِهِ: اضْرِبْهُ إنْ خَرَجَ، أيْ خارِجًا، وجَوابُ الشَّرْطِ ما تَقَدَّمَ مِمّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ. انْتَهى. وهَذا الإعْرابُ تَخْلِيطٌ.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ رَوى أبُو قُرَّةَ المُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ: بِهُ انْظُرْ، بِضَمِّ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ. وانْظُرْ خِطابٌ لِلسّامِعِ، وتَصْرِيفُ الآياتِ، قالَ مُقاتِلٌ: نُخَوِّفُهم بِأخْذِ الأسْماعِ والأبْصارِ والقُلُوبِ وبِما صُنِعَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ. وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: تَصْرِيفُها: مَرَّةٌ تَأْتِي بِالنِّقْمَةِ ومَرَّةٌ تَأْتِي بِالنِّعْمَةِ ومَرَّةٌ بِالتَّرْغِيبِ ومَرَّةٌ بِالتَّرْهِيبِ. وقِيلَ: نُتابِعُ لَهُمُ الحُجَجَ ونَضْرِبُ لَهُمُ الأمْثالَ. وقِيلَ: نُوَجِّهُها إلى الإنْشاءِ والإفْناءِ والإهْلاكِ. وقِيلَ: الآياتُ عَلى صِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وصِدْقِ نَبِيِّهِ، والصَّدْفُ والصُّدُوفُ الإعْراضُ والنُّفُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: يَصْدِفُونَ: يُعْرِضُونَ ولا يَعْتَبِرُونَ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: كَيْفَ نَصْرِفُ، مِن صَرَفَ ثُلاثِيًّا.

Al-An'aam 6:46Listen in Qur'an →
47

قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "Have you considered: if the punishment of Allah should come to you unexpectedly or manifestly, will any be destroyed but the wrongdoing people?"

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، فالأوَّلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: العَذابُ والسّاعَةُ، والثّانِي: بِالأخْذِ والخَتْمِ، والثّالِثُ: بِالعَذابِ فَقَطْ. قِيلَ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً لا يَتَقَدَّمُ لَكم بِهِ عِلْمٌ. و﴿جَهْرَةً﴾ تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ ثُمَّ يَنْزِلُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بَغْتَةً﴾ لَيْلًا و﴿جَهْرَةً﴾ نَهارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً آمِنِينَ و﴿جَهْرَةً﴾ وهم يَنْظُرُونَ، ولَمّا كانَتِ البَغْتَةُ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الخِفْيَةِ صَحَّ مُقابَلَتُها لِلْجَهْرَةِ وبُدِئَ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مَعْناها النَّفْيُ أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَكم، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ هَلْ يُهْلَكُ بِهِ، والأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ مِن بابِ الإعْمالِ لِما قَرَّرْناهُ، ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ شَدِيدًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أداتَيِ الخِطابِ. والخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وفي ذِكْرِ الظُّلْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ الإهْلاكِ، والمَعْنى: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ لِظُلْمِكم ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (هَلْ يَهْلِكُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ عَلى الحالِ وفِيهِما مَعْنى العِلِّيَّةِ، أيْ أرْسَلْناهم لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ لا لِأنْ تُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ وُضُوحِ ما جاءُوا بِهِ وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ.

﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ مَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وأصْلَحَ في عَمَلِهِ.

﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا كَأنَّهُ ذُو حَياةٍ يَفْعَلُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ الآلامِ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ: (نُمِسُّهُمُ العَذابَ) بِالنُّونِ مِن أمَسَّ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ العَذابَ بِما كَأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (يَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ.

Al-An'aam 6:47Listen in Qur'an →
48

وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. So whoever believes and reforms - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، فالأوَّلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: العَذابُ والسّاعَةُ، والثّانِي: بِالأخْذِ والخَتْمِ، والثّالِثُ: بِالعَذابِ فَقَطْ. قِيلَ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً لا يَتَقَدَّمُ لَكم بِهِ عِلْمٌ. و﴿جَهْرَةً﴾ تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ ثُمَّ يَنْزِلُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بَغْتَةً﴾ لَيْلًا و﴿جَهْرَةً﴾ نَهارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً آمِنِينَ و﴿جَهْرَةً﴾ وهم يَنْظُرُونَ، ولَمّا كانَتِ البَغْتَةُ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الخِفْيَةِ صَحَّ مُقابَلَتُها لِلْجَهْرَةِ وبُدِئَ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مَعْناها النَّفْيُ أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَكم، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ هَلْ يُهْلَكُ بِهِ، والأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ مِن بابِ الإعْمالِ لِما قَرَّرْناهُ، ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ شَدِيدًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أداتَيِ الخِطابِ. والخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وفي ذِكْرِ الظُّلْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ الإهْلاكِ، والمَعْنى: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ لِظُلْمِكم ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (هَلْ يَهْلِكُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ عَلى الحالِ وفِيهِما مَعْنى العِلِّيَّةِ، أيْ أرْسَلْناهم لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ لا لِأنْ تُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ وُضُوحِ ما جاءُوا بِهِ وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ.

﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ مَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وأصْلَحَ في عَمَلِهِ.

﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا كَأنَّهُ ذُو حَياةٍ يَفْعَلُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ الآلامِ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ: (نُمِسُّهُمُ العَذابَ) بِالنُّونِ مِن أمَسَّ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ العَذابَ بِما كَأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (يَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ.

Al-An'aam 6:48Listen in Qur'an →
49

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ

But those who deny Our verses - the punishment will touch them for their defiant disobedience.

﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ثالِثٌ، فالأوَّلُ بِأحَدِ أمْرَيْنِ: العَذابُ والسّاعَةُ، والثّانِي: بِالأخْذِ والخَتْمِ، والثّالِثُ: بِالعَذابِ فَقَطْ. قِيلَ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً لا يَتَقَدَّمُ لَكم بِهِ عِلْمٌ. و﴿جَهْرَةً﴾ تَبْدُو لَكم مَخايِلُهُ ثُمَّ يَنْزِلُ. وقالَ الحَسَنُ: ﴿بَغْتَةً﴾ لَيْلًا و﴿جَهْرَةً﴾ نَهارًا. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً آمِنِينَ و﴿جَهْرَةً﴾ وهم يَنْظُرُونَ، ولَمّا كانَتِ البَغْتَةُ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الخِفْيَةِ صَحَّ مُقابَلَتُها لِلْجَهْرَةِ وبُدِئَ بِها لِأنَّها أرْدَعُ مِنَ الجَهْرَةِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مَعْناها النَّفْيُ أيْ ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ إلّا وهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتَكم، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ هَلْ يُهْلَكُ بِهِ، والأوَّلُ مِن مَفْعُولَيْ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ مَحْذُوفٌ مِن بابِ الإعْمالِ لِما قَرَّرْناهُ، ولَمّا كانَ التَّهْدِيدُ شَدِيدًا جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ أداتَيِ الخِطابِ. والخِطابُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ، وفي ذِكْرِ الظُّلْمِ تَنْبِيهٌ عَلى عِلَّةِ الإهْلاكِ، والمَعْنى: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ لِظُلْمِكم ؟ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (هَلْ يَهْلِكُ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ.

﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ أيْ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ، وانْتَصَبَ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ عَلى الحالِ وفِيهِما مَعْنى العِلِّيَّةِ، أيْ أرْسَلْناهم لِلتَّبْشِيرِ والإنْذارِ لا لِأنْ تُقْتَرَحَ عَلَيْهِمُ الآياتُ بَعْدَ وُضُوحِ ما جاءُوا بِهِ وتَبْيِينِ صِحَّتِهِ.

﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ مَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وأصْلَحَ في عَمَلِهِ.

﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ العَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جَعَلَ العَذابَ ماسًّا كَأنَّهُ ذُو حَياةٍ يَفْعَلُ بِهِمْ ما شاءَ مِنَ الآلامِ. وقَرَأ عَلْقَمَةُ: (نُمِسُّهُمُ العَذابَ) بِالنُّونِ مِن أمَسَّ، وأدْغَمَ الأعْمَشُ العَذابَ بِما كَأبِي عَمْرٍو. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: (يَفْسِقُونَ) بِكَسْرِ السِّينِ.

Al-An'aam 6:49Listen in Qur'an →
50

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

Say, [O Muhammad], "I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allah or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel. I only follow what is revealed to me." Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Then will you not give thought?"

﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ لا أدَّعِي ما يُسْتَبْعَدُ في العُقُولِ أنْ يَكُونَ لِبَشَرٍ مِن مِلْكِ خَزائِنِ اللَّهِ - وهي قَسْمُهُ بَيْنَ الخَلْقِ وأرْزاقُهُ - وعِلْمِ الغَيْبِ وأنِّي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم أشْرَفُ جِنْسٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وأفْضَلُهُ وأقْرَبُهُ مَنزِلَةً مِنهُ، أيْ لَمْ أدَّعِ الأُلُوهِيَّةَ ولا المَلَكِيَّةَ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإلَهِيَّةِ مَنزِلَةٌ أرْفَعُ مِن مَنزِلَةِ المَلائِكَةِ حَتّى تَسْتَبْعِدُونَ دَعْوايَ وتَسْتَنْكِرُونَها، وإنَّما أدَّعِي ما كانَ مِثْلُهُ لِكَثِيرٍ مِنَ البَشَرِ وهو النُّبُوَّةُ. انْتَهى. وما قالَهُ مِن أنَّ المَعْنى إنِّي أقُولُ لَكم: إنِّي لَسْتُ بِإلَهٍ فَأتَّصِفُ بِصِفاتِهِ مِن كَيْنُونَةِ خَزائِنِهِ عِنْدِي وعِلْمِ الغَيْبِ، وهو قَوْلُ الطَّبَرِيِّ، والأظْهَرُ أنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ بَشَرٌ لا شَيْءَ عِنْدَهُ مِن خَزائِنِ اللَّهِ ولا مِن قُدْرَتِهِ ولا يَعْلَمُ شَيْئًا مِمّا غابَ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في المَلائِكَةِ: هم أشْرَفُ جِنْسٍ خَلَقَهُ اللَّهُ وأفْضَلُهُ وأقْرَبُهُ مَنزِلَةً فَهو جارٍ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ مِن أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ الجُبّائِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ قالَ: لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ لا أدَّعِي مَنزِلَةً فَوْقَ مَنزِلَتِي، فَلَوْلا أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ. قالَ القاضِي: إنْ كانَ الغَرَضُ مِمّا نَفى طَرِيقَةَ التَّواضُعِ فالأقْرَبُ أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ، وإنْ كانَ نَفْيُ قُدْرَتِهِ عَنْ أفْعالٍ لا يَقْوى عَلَيْها إلّا المَلائِكَةُ لَمْ يَدُلَّ عَلى كَوْنِهِمْ أفْضَلَ. انْتَهى. وقَدْ تَكَلَّمْنا عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتُعْطِي قُوَّةُ اللَّفْظِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِلازِمٍ مِن هَذا المَوْضِعِ، وإنَّما الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ المَلَكَ أعْظَمُ مَوْقِعًا في أنْفُسِهِمْ وأقْرَبُ إلى اللَّهِ، والتَّفْضِيلُ يُعْطِيهِ المَعْنى عَطاءً خَفِيًّا وهو ظاهِرٌ مِن آياتٍ أُخَرَ، وهي مَسْألَةُ خِلافٍ، و﴿ما يُوحى﴾ يُرِيدُ بِهِ القُرْآنَ وسائِرَ ما يَأْتِي بِهِ المَلَكُ أيْ في ذَلِكَ عِبَرٌ وآياتٌ لِمَن تَأمَّلَ ونَظَرَ. انْتَهى. وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾ مَقْدُوراتُهُ مِن إغْناءِ الفَقِيرِ وإفْقارِ الغَنِيِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: الرَّحْمَةُ والعَذابُ. وقِيلَ: آياتُهُ. وقِيلَ: مَجْمُوعُ هَذا لِقَوْلِهِ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ [الحجر: ٢١] . قِيلَ: وهَذِهِ الثَّلاثُ جَوابٌ لِما سَألَهُ المُشْرِكُونَ، فالأوَّلُ جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: إنْ كُنْتَ رَسُولًا فاسْألِ اللَّهَ حَتّى يُوَسِّعَ عَلَيْنا خَزائِنَ الدُّنْيا، والثّانِي: جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ إنْ كُنْتَ رَسُولًا فَأخْبِرْنا بِما يَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ مِنَ المَصالِحِ والمَضارِّ فَنَسْتَعِدَّ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ ودَفْعِ هَذِهِ، والثّالِثُ: جَوابُ قَوْلِهِمْ: مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ ؟ انْتَهى.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (فَإنْ قُلْتَ): أعْلَمُ الغَيْبَ ما مَحَلُّهُ مِنَ الإعْرابِ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ قَوْلِهِ: ﴿خَزائِنُ اللَّهِ﴾؛ لِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، كَأنَّهُ قالَ: لا أقُولُ لَكم هَذا القَوْلَ ولا هَذا القَوْلَ، انْتَهى. ولا …

Al-An'aam 6:50Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.