Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–10 of 165

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[All] praise is [due] to Allah, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

سُورَةُ الأنْعامِ مِائَةٌ وسِتٌّ وسَبْعُونَ آيَةً مَكِّيَّةٌ، أوْ مَدَنِيَّةٌ

﷽

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢] ﴿وهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥] ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦] ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧] ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠] ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] .

الطِّينُ: مَعْرُوفٌ يُقالُ مِنهُ طانَ الكَتّانَ يَطِينُهُ وطِنْهُ يا هَذا. القَرْنُ: الأُمَّةُ المُقْتَرِنَةُ في مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ، ومِنهُ خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي، وأصْلُهُ الِارْتِفاعُ عَنِ الشَّيْءِ، ومِنهُ قَرْنُ الجَبَلِ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ لِارْتِفاعِ السِّنِّ. وقِيلَ: هو مِن قَرَنْتُ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ؛ جَعَلْتُهُ بِجانِبِهِ، أوْ مُواجِهًا لَهُ، فَسُمُّوا بِذَلِكَ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ يُقْرَنُ بِبَعْضٍ. وقِيلَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم جَمَعَهم زَمانٌ لَهُ مِقْدارٌ، هو أكْثَرُ ما يُقْرَنُ فِيهِ أهْلُ ذَلِكَ الزَّمانِ، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ. ومُدَّةُ القَرْنِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، قالَهُ زُرارَةُ بْنُ أوْفى وإياسُ بْنُ مُعاوِيَةَ، أوْ مِائَةُ سَنَةٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ، وقَدِ احْتَجُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ: «تَعِيشُ قَرْنًا، فَعاشَ مِائَةً، وقالَ: أرَأيْتَكم لَيْلَتَكم هَذِهِ، فَإنَّ عَلى رَأْسِ مِائَةٍ لا يَبْقى مِمَّنْ هو اليَوْمَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ» . قالَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَيِّدُ أنَّها انْحِزامُ ذَلِكَ القَرْنِ، أوْ ثَمانُونَ سَنَةً، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ سَبْعُونَ سَنَةً، حَكاهُ الفَرّاءُ، أوْ سِتُّونَ سَنَةً، لِقَوْلِهِ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «مُعْتَرَكُ المَنايا ما بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ، أوْ أرْبَعُونَ» . قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ، ورَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وكَذا حَكاهُ الزَّهْراوِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ ثَلاثُونَ. رُوِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قالَ: يَرَوْنَ أنَّ ما بَيْنَ القَرْنَيْنِ ثَلاثُونَ، وحَكاهُ النَّقّاشُ، أوْ عِشْرُونَ، حَكاهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ عامًا، أوِ المِقْدارُ الوَسَطُ في أعْمارِ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ، وهَذا حَسَنٌ؛ لِأنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ كانَ فِيهِمْ مَن يَعِيشُ أرْبَعَمِائَةِ عامٍ وثَلاثَمِائَةٍ، وما بَقِيَ عامٌّ، …

2

هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍۢ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًۭا ۖ وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ

It is He who created you from clay and then decreed a term and a specified time [known] to Him; then [still] you are in dispute.

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .

قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ …

3

وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

And He is Allah, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .

قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ …

4

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .

قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ …

5

فَقَدْ كَذَّبُوا۟ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ ۖ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنۢبَٰٓؤُا۟ مَا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.

﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، (قَضى)، إنْ كانَتْ هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ وكَتَبَ، كانَتْ (ثُمَّ) هُنا لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، لا في الزَّمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سابِقٌ عَلى خَلْقِنا، إذْ هي صِفَةُ ذاتٍ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى (أظْهَرَ)، كانَتْ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ عَلى أصْلِ وضْعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِنا، فَهي صِفَةُ فِعْلٍ. والظّاهِرُ مِن تَنْكِيرِ الأجَلَيْنِ، أنَّهُ تَعالى أبْهَمَ أمْرَهُما. وقالَ الحَسَنُ: ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وخَصِيفٌ وقَتادَةُ: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا مِن وقْتِ الخَلْقِ إلى المَوْتِ، والثّانِي أجَلُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ الحَياةَ في الآخِرَةِ، لا انْقِضاءَ لَها، ولا يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ الحالِ في هَذا الأجَلِ، إلّا اللَّهُ تَعالى. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الأوَّلَ، هو وفاتُهُ بِالنَّوْمِ، والثّانِي بِالمَوْتِ. وقالَ أيْضًا: الأوَّلُ أجَلُ الدُّنْيا، والثّانِي الآخِرَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: الأوَّلُ الآخِرَةُ، والثّانِي الدُّنْيا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأوَّلُ، هو في وقْتِ أخْذِ المِيثاقِ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ آدَمَ، والمُسَمّى في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الأوَّلُ أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي أجَلُ الباقِينَ، ووَصَفَهُ بِأنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِهِ بِخِلافِ الماضِينَ، فَإنَّهم لَمّا ماتُوا عُلِمَتْ آجالُهم. وقِيلَ: الأوَّلُ ما بَيْنَ أنْ يُخْلَقَ إلى أنْ يَمُوتَ، والثّانِي ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ، وهو البَرْزَخُ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِقْدارُ ما انْقَضى مِن عُمْرِ كُلِّ إنْسانٍ، والثّانِي مِقْدارُ ما بَقِيَ. وقِيلَ: الأوَّلُ أجَلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والثّانِي أجَلُ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَلِمْناهُ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ، والثّانِي مِنَ الآخِرَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما عَرَفَ النّاسُ مِن آجالِ الأهِلَّةِ والسِّنِينَ والكَوائِنِ، والثّانِي قِيامُ السّاعَةِ. وقِيلَ: الأوَّلُ مِن أوْقاتِ الأهِلَّةِ وما أشْبَهَها، والثّانِي مَوْتُ الإنْسانِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا ﴿قَضى أجَلًا﴾ بِانْقِضاءِ الدُّنْيا، والثّانِي لِابْتِداءِ الآخِرَةِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: لِكُلِّ أحَدٍ أجَلانِ، فَإنْ كانَ تَقِيًّا وصُوَلًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمْرِ، وإنْ كانَ بِالعَكْسِ، نُقِصَ مِن أجَلِ العُمْرِ، وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: لِكُلِّ إنْسانٍ أجَلانِ الطَّبِيعِيُّ والِاخْتَرامِيُّ. فالطَّبِيعِيُّ؛ هو الَّذِي لَوْ بَقِيَ ذَلِكَ المِزاجُ مَصُونًا عَنِ العَوارِضِ الخارِجَةِ، لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقائِهِ إلى الأوْقاتِ الفَلَكِيَّةِ. والِاخْتَرامِيُّ؛ هو الَّذِي يَحْصُلُ بِسَبَبِ الأسْبابِ الخارِجِيَّةِ، كالحَرْقِ والغَرَقِ، ولَدْغِ الحَشَراتِ وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ المُنْفَصِلَةِ انْتَهى. وهَذا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وهو نَقَلَهُ عَنْهم وقالَ: هَذا قَوْلُ حُكَماءِ الإسْلامِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ، أوْ مَذْكُورٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وعِنْدَهُ مَجازٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يُرادُ بِهِ المَكانُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: المُبْتَدَأُ النَّكِرَةُ إذا كانَ خَبَرُهُ ظَرْفًا، وجَبَ تَقْدِيمُهُ فَلَمّا جازَ تَقْدِيمُهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ .

قُلْتُ: لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالصِّفَةِ فَقارَبَ المَعْرِفَةَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١] انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ مِن مُسَوِّغِ …

6

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍۢ مَّكَّنَّٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًۭا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي …

7

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

And even if We had sent down to you, [O Muhammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي …

8

وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌۭ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًۭا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?" But if We had sent down an angel, the matter would have been decided; then they would not be reprieved.

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي …

9

وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكًۭا لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلًۭا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ

And if We had made him an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves.

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكَّنّاهم في الأرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكم وأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ لَمّا هَدَّدَهم، وأوْعَدَهم عَلى إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُجْرى مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، وحَضَّ عَلى الِاعْتِبارِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ. و(يَرَوْا) هُنا بِمَعْنى يَعْلَمُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُبْصِرُوا هَلاكَ القُرُونِ السّالِفَةِ. و(كَمْ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِـ (أهْلَكْنا) . و(يَرَوْا) مُعَلَّقَةٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِها. و(مِن) الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، و(مِن) الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ، والمُفْرَدُ بَعْدَها واقِعٌ مَوْقِعَ الجَمْعِ. ووَهِمَ الحَوْفِيُّ في جَعْلِهِ (مِن) الثّانِيَةَ بَدَلًا مِنَ الأُولى، وظاهِرُ الإهْلاكِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ، كَما أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وعادًا وثَمُودَ وغَيْرَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، والضَّمِيرُ في (يَرَوْا) عائِدٌ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ المُكَذِّبِينَ المُسْتَهْزِئِينَ. و(لَكم) خِطابٌ لَهم، فَهو التِفاتٌ، والمَعْنى أنَّ القُرُونَ المُهْلَكَةَ أُعْطُوا مِنَ البَسْطَةِ في الدُّنْيا، والسَّعَةِ في الأمْوالِ، ما لَمْ يُعْطَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ حُضُّوا عَلى الِاعْتِبارِ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ وما جَرى لَهم. وفي هَذا الِالتِفاتِ تَعْرِيضٌ بِقِلَّةِ تَمْكِينِ هَؤُلاءِ، ونَقَصِهِمْ عَنْ أحْوالِ مَن سَبَقَ، ومَعَ تَمْكِينِ أُولَئِكَ في الأرْضِ فَقَدْ حَلَّ بِهِمُ الهَلاكُ فَكَيْفَ لا يَحِلُّ بِكم عَلى قِلَّتِكم وضِيقِ خُطَّتِكم ؟ فالهَلاكُ إلَيْكم أسْرَعُ مِنَ الهَلاكِ إلَيْهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمُخاطَبَةُ في (لَكُمُ) هي لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِجَمِيعِ المُعاصِرِينَ لَهم، وسائِرِ النّاسِ كافَّةً، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ يا أهْلَ هَذا العَصْرِ لَكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ مَعْنى القَوْلِ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ قُلْ لَهم ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ. وإذا أخْبَرْتَ أنَّكَ قُلْتَ: لَوْ قِيلَ: لَهُ، أوْ أمَرْتَ أنْ يُقالَ لَهُ، فَلَكَ في فَصِيحِ كَلامِ العَرَبِ أنْ تَحْكِيَ الألْفاظَ المَقُولَةَ بِعَيْنِها، فَتَجِيءُ بِلَفْظِ المُخاطَبَةِ، ولَكَ أنْ تَأْتِيَ بِالمَعْنى في الألْفاظِ، كَذِكْرِ غائِبٍ دُونَ مُخاطَبَةٍ انْتَهى. فَتَقُولُ: قُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَكَ !، وقُلْتُ لِزَيْدٍ ما أكْرَمَهُ ! . والضَّمِيرُ في (مَكَّنّاهم) عائِدٌ عَلى (كَمْ) مُراعاةً لِمَعْناها؛ لِأنَّ مَعْناها جَمْعٌ، والمُرادُ بِها الأُمَمُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَعُودَ عَلى (قَرْنٍ)، وذَلِكَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ تَمْيِيزٌ (لَكم)، فَكَمْ هي المُحَدَّثُ عَنْها بِالإهْلاكِ، فَتَكُونُ هي المُحَدَّثَ عَنْها بِالتَّمْكِينِ فَما بَعْدَهُ، إذْ ﴿مِن قَرْنٍ﴾ جَرى مَجْرى التَّبْيِينِ، ولَمْ يُحَدَّثْ عَنْهُ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (كَمْ) هُنا ظَرْفًا، وأنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ أيْ: كَمْ أزْمِنَةً أهْلَكْنا ؟ أوْ كَمْ إهْلاكًا أهْلَكْنا ؟ ومَفْعُولُ (أهْلَكْنا مِن قَرْنٍ) عَلى زِيادَةِ (مِن)، وهَذا الَّذِي أجازَهُ لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إذْ ذاكَ المُفْرَدُ مَوْقِعَ الجَمْعِ، بَلْ تَدُلُّ عَلى المُفْرَدِ، لَوْ قُلْتَ: كَمْ أزْمانًا ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ أوْ كَمْ مَرَّةً ضَرَبْتُ رَجُلًا ؟ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ رِجالٍ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنْ عَدَدِ الأزْمانِ، أوِ المَرّاتِ الَّتِي …

10

وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍۢ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُوا۟ مِنْهُم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلى ما كانَ يَلْقى مِن قَوْمِهِ، وتَأسٍّ بِمَن سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ، وهو نَظِيرُ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] لِأنَّ ما كانَ مَشْتَرَكًا مِن ما لا يَلِيقُ أهْوَنُ عَلى النَّفْسِ مِمّا يَكُونُ فِيهِ الِانْفِرادُ، وفي التَّسْلِيَةِ والتَّأسِّي مِنَ التَّخْفِيفِ ما لا يَخْفى؛ وقالَتِ الخَنْساءُ:

؎ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

؎وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي

وقالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ:

؎ولا بُدَّ مِن شَكْوى إلى ذِي مُرُوءَةٍ ∗∗∗ يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ

ولَمّا كانَ الكُفّارُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاشْتِراكُ في العَذابِ، ولا يَتَسَلَّوْنَ بِذَلِكَ، نَفى ذَلِكَ تَعالى عَنْهم، فَقالَ: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، قِيلَ: كانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَضِيقُ قَلْبُ الرَّسُولِ عِنْدَ سَماعِ ذَلِكَ، فَسَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِإخْبارِهِ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ لِلرُّسُلِ قَبْلَكَ اسْتِهْزاءُ قَوْمِهِمْ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ القَلْبِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: (فَحاقَ) إلى آخِرِهِ إخْبارٌ بِما جَرى لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِالرُّسُلِ قَبْلَكَ، ووَعِيدٌ مُتَيَقِّنٌ لِمَنِ اسْتَهْزَأ بِالرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِهِ بِهِمْ؛ لِأنَّ مَآلَهم إلى التَّلَفِ، والعِقابِ الشَّدِيدِ المُرَتَّبِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وأنَّهُ تَعالى يَكْفِيهِ شَرَّهم وإذايَتَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] . ومَعْنى (سَخِرُوا) اسْتَهْزَءُوا، إلّا أنَّ (اسْتَهْزَأ) تَعَدّى بِالباءِ، وسَخِرَ بِـ (مِن)، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] وبِالباءِ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِهِ، وتَكَرَّرَ الفِعْلُ هُنا لِخِفَّةِ الثُّلاثِيِّ، ولَمْ يَتَكَرَّرْ في ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ لِثِقَلِ (اسْتَفْعَلَ) . والظّاهِرُ في (ما) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (مِنهم) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ؛ أيْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾، مِنَ الرُّسُلِ، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ الرُّسُلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: في أُمَمِ الرُّسُلِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى المُسْتَهْزِئِينَ، ويَكُونُ (مِنهم) حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) . وما قالاهُ وجَوَّزاهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، أمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو خِلافُ الأصْلِ، وأمّا قَوْلُ أبِي البَقاءِ، فَهو أبْعَدُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَلا حاجَةَ لِهَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّها مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: (سَخِرُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ دالِ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، بِالضَّمِّ إتْباعًا، ومُراعاةً لِضَمِّ التّاءِ، إذِ الحاجِزُ بَيْنَهُما ساكِنٌ، وهو حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ.

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ …

Al-An'aam 6:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.