وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ
And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ . والِافْتِراءُ الِاخْتِلافُ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالُوا: واللَّهِ أُمِرْنا بِها، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَسَبُوا إلَيْهِ تَحْرِيمَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وكَذَّبُوا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ، وسَمُّوها سِحْرًا، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِمَّنِ افْتَرى؛ اخْتَلَقَ، والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرِي كَذِبٍ، ولَكِنَّهُما مِنَ الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ. ونَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِ، فَدَخَلَ فِيهِ الأظْلَمُ. والظّالِمُ غَيْرُ الأظْلَمِ، وإذا كانَ هَذا لا يُفْلِحُ، فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ ؟
﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قِيلَ: (يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (اذْكُرْ) مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ مُتَأخِّرٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: العامِلُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولْيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في ذَلِكَ الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في الدُّنْيا، ويَوْمَ نَحْشُرُهم، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم ثُمَّ نَقُولُ) بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ حُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ (نَحْشِرُهم)، بِكَسْرِ الشِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (نَحْشُرُهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أوْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ. وجاءَ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِمَعْنى ثُمَّ نَقُولُ لَهم، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وهم مُنْدَرِجُونَ في هَذا العُمُومِ، ثُمَّ تَفَرَّدَ بِالتَّوْبِيخِ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] مِن دُونِ اللَّهِ، وعُطِفَ بِـ (بِثُمَّ) لِلتَّراخِي الحاصِلِ بَيْنَ مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ في المَواقِفِ، فَإنَّ فِيهِ مَواقِفَ بَيْنَ كُلِّ مَوْقِفٍ ومَوْقِفٍ تَراخٍ عَلى حَسَبِ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ. و﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وظاهِرُ مَدْلُولِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ غَيْبَةُ الشُّرَكاءِ عَنْهُمْ؛ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَلا …