Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 21–30 of 165

21

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

And who is more unjust than one who invents about Allah a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ . والِافْتِراءُ الِاخْتِلافُ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالُوا: واللَّهِ أُمِرْنا بِها، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَسَبُوا إلَيْهِ تَحْرِيمَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وكَذَّبُوا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ، وسَمُّوها سِحْرًا، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِمَّنِ افْتَرى؛ اخْتَلَقَ، والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرِي كَذِبٍ، ولَكِنَّهُما مِنَ الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ. ونَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِ، فَدَخَلَ فِيهِ الأظْلَمُ. والظّالِمُ غَيْرُ الأظْلَمِ، وإذا كانَ هَذا لا يُفْلِحُ، فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ ؟

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قِيلَ: (يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (اذْكُرْ) مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ مُتَأخِّرٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: العامِلُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولْيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في ذَلِكَ الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في الدُّنْيا، ويَوْمَ نَحْشُرُهم، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم ثُمَّ نَقُولُ) بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ حُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ (نَحْشِرُهم)، بِكَسْرِ الشِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (نَحْشُرُهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أوْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ. وجاءَ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِمَعْنى ثُمَّ نَقُولُ لَهم، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وهم مُنْدَرِجُونَ في هَذا العُمُومِ، ثُمَّ تَفَرَّدَ بِالتَّوْبِيخِ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] مِن دُونِ اللَّهِ، وعُطِفَ بِـ (بِثُمَّ) لِلتَّراخِي الحاصِلِ بَيْنَ مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ في المَواقِفِ، فَإنَّ فِيهِ مَواقِفَ بَيْنَ كُلِّ مَوْقِفٍ ومَوْقِفٍ تَراخٍ عَلى حَسَبِ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ. و﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وظاهِرُ مَدْلُولِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ غَيْبَةُ الشُّرَكاءِ عَنْهُمْ؛ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَلا …

Al-An'aam 6:21Listen in Qur'an →
22

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

And [mention, O Muhammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allah, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ . والِافْتِراءُ الِاخْتِلافُ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالُوا: واللَّهِ أُمِرْنا بِها، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَسَبُوا إلَيْهِ تَحْرِيمَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وكَذَّبُوا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ، وسَمُّوها سِحْرًا، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِمَّنِ افْتَرى؛ اخْتَلَقَ، والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرِي كَذِبٍ، ولَكِنَّهُما مِنَ الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ. ونَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِ، فَدَخَلَ فِيهِ الأظْلَمُ. والظّالِمُ غَيْرُ الأظْلَمِ، وإذا كانَ هَذا لا يُفْلِحُ، فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ ؟

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قِيلَ: (يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (اذْكُرْ) مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ مُتَأخِّرٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: العامِلُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولْيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في ذَلِكَ الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في الدُّنْيا، ويَوْمَ نَحْشُرُهم، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم ثُمَّ نَقُولُ) بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ حُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ (نَحْشِرُهم)، بِكَسْرِ الشِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (نَحْشُرُهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أوْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ. وجاءَ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِمَعْنى ثُمَّ نَقُولُ لَهم، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وهم مُنْدَرِجُونَ في هَذا العُمُومِ، ثُمَّ تَفَرَّدَ بِالتَّوْبِيخِ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] مِن دُونِ اللَّهِ، وعُطِفَ بِـ (بِثُمَّ) لِلتَّراخِي الحاصِلِ بَيْنَ مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ في المَواقِفِ، فَإنَّ فِيهِ مَواقِفَ بَيْنَ كُلِّ مَوْقِفٍ ومَوْقِفٍ تَراخٍ عَلى حَسَبِ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ. و﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وظاهِرُ مَدْلُولِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ غَيْبَةُ الشُّرَكاءِ عَنْهُمْ؛ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَلا …

Al-An'aam 6:22Listen in Qur'an →
23

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allah, our Lord, we were not those who associated."

﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ . والِافْتِراءُ الِاخْتِلافُ، والمَعْنى لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، أوْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَمَعُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، فَكَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما لا حُجَّةَ عَلَيْهِ، وكَذَّبُوا بِما ثَبَتَ بِالحُجَّةِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ الصَّحِيحِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقالُوا: واللَّهِ أُمِرْنا بِها، وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وهَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَسَبُوا إلَيْهِ تَحْرِيمَ السَّوائِبِ والبَحائِرِ، وكَذَّبُوا القُرْآنَ والمُعْجِزاتِ، وسَمُّوها سِحْرًا، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ بِقَوْلِهِ: حَيْثُ قالُوا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِمَّنِ افْتَرى؛ اخْتَلَقَ، والمُكَذِّبُ بِالآياتِ مُفْتَرِي كَذِبٍ، ولَكِنَّهُما مِنَ الكُفْرِ، فَلِذَلِكَ نُصّا مُفَسَّرَيْنِ انْتَهى. ومَعْنى ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ لا يَظْفَرُونَ بِمَطالِبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ يَبْقَوْنَ في الحِرْمانِ والخِذْلانِ. ونَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِ، فَدَخَلَ فِيهِ الأظْلَمُ. والظّالِمُ غَيْرُ الأظْلَمِ، وإذا كانَ هَذا لا يُفْلِحُ، فَكَيْفَ يُفْلِحُ الأظْلَمُ ؟

﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ . قِيلَ: (يَوْمَ) مَعْمُولٌ لِـ (اذْكُرْ) مَحْذُوفَةٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ مُتَأخِّرٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، فَتُرِكَ لِيَبْقى عَلى الإبْهامِ الَّذِي هو أدْخَلُ في التَّخْوِيفِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: العامِلُ انْظُرْ كَيْفَ كَذَّبُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ولْيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، والعامِلُ فِيهِ العامِلُ في ذَلِكَ الظَّرْفِ، والتَّقْدِيرُ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في الدُّنْيا، ويَوْمَ نَحْشُرُهم، قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَحْشُرُهم ثُمَّ نَقُولُ) بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ حُمَيْدٌ ويَعْقُوبُ فِيهِما بِالياءِ. وقَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ (نَحْشِرُهم)، بِكَسْرِ الشِّينِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (نَحْشُرُهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، أوْ كَذَّبُوا بِآياتِهِ. وجاءَ ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ بِمَعْنى ثُمَّ نَقُولُ لَهم، ولَكِنَّهُ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَوْبِيخُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، وهم مُنْدَرِجُونَ في هَذا العُمُومِ، ثُمَّ تَفَرَّدَ بِالتَّوْبِيخِ المُشْرِكُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُشْرِكِينَ وأصْنامِهِمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] مِن دُونِ اللَّهِ، وعُطِفَ بِـ (بِثُمَّ) لِلتَّراخِي الحاصِلِ بَيْنَ مَقاماتِ يَوْمِ القِيامَةِ في المَواقِفِ، فَإنَّ فِيهِ مَواقِفَ بَيْنَ كُلِّ مَوْقِفٍ ومَوْقِفٍ تَراخٍ عَلى حَسَبِ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ. و﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ. وظاهِرُ مَدْلُولِ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ غَيْبَةُ الشُّرَكاءِ عَنْهُمْ؛ أيْ تِلْكَ الأصْنامُ قَدِ اضْمَحَلَّتْ، فَلا …

Al-An'aam 6:23Listen in Qur'an →
24

ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ . الخِطابُ لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، والنَّظَرُ قَلْبِيٌّ. و(كَيْفَ) مَنصُوبٌ بِـ (كَذَبُوا) . والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالنَّظَرِ؛ لِأنَّ (انْظُرْ) مُعَلَّقَةٌ. و(كَذَبُوا) ماضٍ، وهو في أمْرٍ لَمْ يَقَعْ، لَكِنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، ولا إشْكالَ في اسْتِعْمالِ الماضِي فِيها مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ؛ تَحْقِيقًا لِوُقُوعِهِ ولا بُدَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَصِحُّ أنْ يَكْذِبُوا حِينَ يَطَّلِعُونَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ ؟ عَلى أنَّ الكَذِبَ والجُحُودَ لا وجْهَ لِمَنفَعَتِهِ، قُلْتُ: المُمْتَحِنُ يَنْطِقُ بِما يَنْفَعُهُ وبِما لا يَنْفَعُهُ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ بَيْنَهُما حَيْرَةً ودَهْشًا، ألا تَراهم يَقُولُونَ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧] ؟ وقَدْ أيْقَنُوا بِالخُلُودِ، ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ، ﴿ونادَوْا يامالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقْضِي عَلَيْهِمْ. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ مَعْنى ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] عِنْدَ أنْفُسِنا، أوْ ما عَلِمْنا أنّا عَلى خَطَأٍ في مُعْتَقَدِنا، وحَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا، فَتَحَمُّلٌ وتَعَسُّفٌ وتَحْرِيفٌ لِأفْصَحِ الكَلامِ إلى ما هو عَيٌّ وإفْحامٌ؛ لِأنَّ المَعْنى الَّذِي ذَهَبُوا إلَيْهِ لَيْسَ هَذا الكَلامُ بِمُتَرْجِمٍ عَنْهُ، ولا بِمُنْطَبِقٍ عَلَيْهِ، وهو نابٍ عَنْهُ أشَدَّ النُّبُوِّ، وما أدْرِي ما يَصْنَعُ مَن ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَشَبَّهَ كَذِبَهم في الآخِرَةِ بِكَذِبِهِمْ في الدُّنْيا انْتَهى قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ، فَهو إشارَةٌ إلى أبِي عَلِيٍّ الجِبائِيِّ والقاضِي عَبْدِ الجَبّارِ ومَن وافَقَهُما؛ أنَّ أهْلَ القِيامَةِ لا يَجُوزُ إقْدامُهم عَلى الكَذِبِ، واسْتَدَلُّوا بِأشْياءَ تَئُولُ إلى مَسْألَةِ القُبْحِ والحُسْنِ، وبِناءُ ما قالُوهُ عَلَيْها، ذَكَرَها أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ، فَتُطالَعُ هُناكَ، إذْ مَسْألَةُ التَّقْبِيحِ والتَّحْسِينِ خالَفُوا فِيها أهْلَ السُّنَّةِ. وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الكُفّارَ يَكْذِبُونَ في الآخِرَةِ، وظَواهِرُ القُرْآنِ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ. وقَدْ خالَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا أصْحابَهُ المُعْتَزِلَةَ، ووافَقَ أهْلَ السُّنَّةِ.

﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ . يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وإلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: مَعْناهُ ذَهَبَ افْتِراؤُهم في الدُّنْيا وكُفْرُهم، بِادِّعائِهِمْ لِلَّهِ الشُّرَكاءَ. وقِيلَ: مِنَ اليَمِينِ الفاجِرَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ. وقِيلَ: عَزَبَ عَنْهُمُ افْتِراؤُهم لِلْحَيْرَةِ الَّتِي لَحِقَتْهم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وإلَيْهِ ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: وغابَ ﴿عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أُلُوهِيَّتَهُ وشَفاعَتَهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ وأبِي عَلِيٍّ، قالا: لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ في الدُّنْيا. وقِيلَ: هو قَوْلُهم ما كُنّا ﴿نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] فَذَهَبَ عَنْهم حَيْثُ عَلِمُوا أنْ لا تَقْرِيبَ مِنهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (وضَلَّ) عُطِفَ عَلى …

Al-An'aam 6:24Listen in Qur'an →
25

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًۭا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍۢ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ

And among them are those who listen to you, but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ . رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أبا سُفْيانَ والوَلِيدَ والنَّضْرَ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ وأُمِيَّةَ وأُبَيًّا، اسْتَمَعُوا لِلرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ ! ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَقالَ: ما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ، مِثْلُ ما أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ صاحِبَ أشْعارٍ، جَمَعَ أقاصِيصَ في دِيارِ العَجَمِ، مِثْلَ قِصَّةِ رُسْتُمٍ وأسْفِنْدِيارَ، فَكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا، فَيَسْتَمِعُونَ لَهُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُ حَقًّا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا، لا تُقِرَّ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وقالَ: المَوْتُ أهْوَنُ مِن هَذا، فَنَزَلَتْ. والضَّمِيرُ في (ومِنهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في (يَسْتَمِعُ) حَمْلًا عَلى لَفْظِ (مِن)، وجَمَعَهُ في ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَمْلًا عَلى مَعْناها. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وجَعَلْنا) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، عَطْفَ فِعْلِيَّةٍ عَلى اسْمِيَّةٍ، فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ كَذا. وقِيلَ: الواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ وقَدْ جَعَلْنا أيْ نُنْصِتُ إلى سَماعِكَ، وهم مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ مَن قَلْبُهُ في كِنانٍ، وأُذُنُهُ صَمّاءُ، وجَعَلَ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ألْقى، فَتَتَعَلَّقَ (عَلى) بِها، وبِمَعْنى صَيَّرَ، فَتَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ نَعْتٍ، لَوْ تَأخَّرَتْ، فَلَمّا تَقَدَّمَتْ صارَتْ حالًا. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، كَعِنانٍ وأعِنَّةٍ. والكِنانُ الغِطاءُ الجامِعُ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها

و﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهم كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ. وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا يَفْقَهُوهُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، (وِقْرًا)، بِكَسْرِ الواوِ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ (آذانِهِمْ) وُقِرَتْ بِالصَّمَمِ، كَما تُوقَرُ الدّابَّةُ مِنَ الحَمْلِ. والظّاهِرُ أنَّ الغِطاءَ والصَّمَمَ هُنا لَيْسا حَقِيقَةً، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ، حَتّى يَسْتَقِرَّ في النَّفْسِ. اسْتَعارَ الأكِنَّةَ لِصَرْفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ، والثِّقَلَ في الأُذُنِ لِتَرْكِهِمُ الإصْغاءَ إلى سَماعِهِ، ألا تَراهم قالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ؟ فَلَمّا لَمْ يَتَدَبَّرُوا، ولَمْ يُصْغُوا كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن عَلى قَلْبِهِ غِطاءٌ، وفي أُذُنِهِ وقْرٌ. وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ، كَمُداخَلَةِ الشَّيْطانِ باطِنَ الإنْسانِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ. ونَحا الجِبائِيُّ في فَهْمِ هَذِهِ الآيَةِ مَنحًى آخَرَ غَيْرَ هَذا، فَقالَ: كانُوا يَسْتَمِعُونَ القِراءَةَ لِيَتَوَصَّلُوا بِسَماعِها إلى مَعْرِفَةِ مَكانِ الرَّسُولِ ﷺ، بِاللَّيْلِ، فَيَقْصِدُوا قَتْلَهُ وإيذاءَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كانَ اللَّهُ يُلْقِي عَلى قُلُوبِهِمُ النَّوْمَ، وهو المُرادُ مِنَ الأكِنَّةِ، وتَثْقُلُ أسْماعُهم عَنِ اسْتِماعِ تِلْكَ القِراءَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّوْمِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: (في آذانِهِمْ وقْرًا) . وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، يَسِمُ …

Al-An'aam 6:25Listen in Qur'an →
26

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ . رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أبا سُفْيانَ والوَلِيدَ والنَّضْرَ وعُتْبَةَ وشَيْبَةَ وأُمِيَّةَ وأُبَيًّا، اسْتَمَعُوا لِلرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ: يا أبا قُتَيْلَةَ ! ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ، فَقالَ: ما يَقُولُ إلّا أساطِيرَ الأوَّلِينَ، مِثْلُ ما أُحَدِّثُكم عَنِ القُرُونِ الماضِيَةِ، وكانَ صاحِبَ أشْعارٍ، جَمَعَ أقاصِيصَ في دِيارِ العَجَمِ، مِثْلَ قِصَّةِ رُسْتُمٍ وأسْفِنْدِيارَ، فَكانَ يُحَدِّثُ قُرَيْشًا، فَيَسْتَمِعُونَ لَهُ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأرى بَعْضَ ما يَقُولُ حَقًّا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا، لا تُقِرَّ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وقالَ: المَوْتُ أهْوَنُ مِن هَذا، فَنَزَلَتْ. والضَّمِيرُ في (ومِنهم) عائِدٌ عَلى الَّذِينَ أشْرَكُوا، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ في (يَسْتَمِعُ) حَمْلًا عَلى لَفْظِ (مِن)، وجَمَعَهُ في ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حَمْلًا عَلى مَعْناها. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (وجَعَلْنا) مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، عَطْفَ فِعْلِيَّةٍ عَلى اسْمِيَّةٍ، فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ كَذا. وقِيلَ: الواوُ واوُ الحالِ؛ أيْ وقَدْ جَعَلْنا أيْ نُنْصِتُ إلى سَماعِكَ، وهم مِنَ الغَباوَةِ في حَدِّ مَن قَلْبُهُ في كِنانٍ، وأُذُنُهُ صَمّاءُ، وجَعَلَ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى ألْقى، فَتَتَعَلَّقَ (عَلى) بِها، وبِمَعْنى صَيَّرَ، فَتَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، إذْ هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خَلَقَ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّها في مَوْضِعِ نَعْتٍ، لَوْ تَأخَّرَتْ، فَلَمّا تَقَدَّمَتْ صارَتْ حالًا. والأكِنَّةُ جَمْعُ كِنانٍ، كَعِنانٍ وأعِنَّةٍ. والكِنانُ الغِطاءُ الجامِعُ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا ما انْتَضَوْها في الوَغى مِن أكِنَّةٍ حَسِبْتَ بُرُوقَ الغَيْثِ هاجَتْ غُيُومُها

و﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَهم كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ. وقِيلَ: المَعْنى أنْ لا يَفْقَهُوهُ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، (وِقْرًا)، بِكَسْرِ الواوِ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ (آذانِهِمْ) وُقِرَتْ بِالصَّمَمِ، كَما تُوقَرُ الدّابَّةُ مِنَ الحَمْلِ. والظّاهِرُ أنَّ الغِطاءَ والصَّمَمَ هُنا لَيْسا حَقِيقَةً، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ، حَتّى يَسْتَقِرَّ في النَّفْسِ. اسْتَعارَ الأكِنَّةَ لِصَرْفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ آياتِ اللَّهِ، والثِّقَلَ في الأُذُنِ لِتَرْكِهِمُ الإصْغاءَ إلى سَماعِهِ، ألا تَراهم قالُوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ؟ فَلَمّا لَمْ يَتَدَبَّرُوا، ولَمْ يُصْغُوا كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن عَلى قَلْبِهِ غِطاءٌ، وفي أُذُنِهِ وقْرٌ. وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ حَقِيقَةٌ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ، كَمُداخَلَةِ الشَّيْطانِ باطِنَ الإنْسانِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ. ونَحا الجِبائِيُّ في فَهْمِ هَذِهِ الآيَةِ مَنحًى آخَرَ غَيْرَ هَذا، فَقالَ: كانُوا يَسْتَمِعُونَ القِراءَةَ لِيَتَوَصَّلُوا بِسَماعِها إلى مَعْرِفَةِ مَكانِ الرَّسُولِ ﷺ، بِاللَّيْلِ، فَيَقْصِدُوا قَتْلَهُ وإيذاءَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كانَ اللَّهُ يُلْقِي عَلى قُلُوبِهِمُ النَّوْمَ، وهو المُرادُ مِنَ الأكِنَّةِ، وتَثْقُلُ أسْماعُهم عَنِ اسْتِماعِ تِلْكَ القِراءَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ النَّوْمِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: (في آذانِهِمْ وقْرًا) . وقِيلَ: إنَّ الإنْسانَ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ، وأنَّهُ يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ، يَسِمُ …

Al-An'aam 6:26Listen in Qur'an →
27

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ فِيهِما، وهَذا النَّصْبُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، هو بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الواوِ، فَهو يَنْسَبِكُ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ، والفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ مَعْطُوفٌ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا لَيْتَنا يَكُونُ لَنا رَدٌّ وانْتِفاءُ تَكْذِيبٍ، وكَوْنٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وكَثِيرًا ما يُوجَدُ في كُتُبِ النَّحْوِ أنَّ هَذِهِ الواوَ المَنصُوبُ بَعْدَها، هو عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، ومَعْناهُ إنْ رُدِدْنا لَمْ نُكَذِّبْ، ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ ) انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، فَإنَّ نَصْبَ الفِعْلِ بَعْدَ الواوِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الجَوابِ؛ لِأنَّ الواوَ لا تَقَعُ في جَوابِ الشَّرْطِ، فَلا يَنْعَقِدُ مِمّا قَبْلَها، ولا مِمّا بَعْدَها شَرْطٌ وجَوابٌ، وإنَّما هي واوُ الجَمْعِ يُعْطَفُ ما بَعْدَها عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ قَبْلَها، وهي واوُ العَطْفِ يَتَعَيَّنُ مَعَ النَّصْبِ أحَدُ مَحامِلِها الثَّلاثَةِ، وهي المَعِيَّةُ، ويُمَيِّزُها مِنَ الفاءِ تَقْدِيرُ شَرْطٍ قَبْلَها، أوْ حالٌ مَكانَها. وشُبْهَةُ مَن قالَ: إنَّها جَوابٌ، أنَّها تَنْصِبُ في المَواضِعِ الَّتِي تَنْصِبُ فِيها الفاءُ، فَتَوَهَّمَ أنَّها جَوابٌ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: والواوُ تَنْصِبُ ما بَعْدَها مِن حَيْثُ انْتَصَبَ ما بَعْدَ الفاءِ والواوِ، ومَعْناها، ومَعْنى الفاءِ مُخْتَلِفانِ، ألا تَرى، لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ، وتَأْتِيَ مِثْلَهُ. لَوْ أُدْخِلَتِ الفاءُ هُنا لَأفْسَدَتِ المَعْنى، وإنَّما أرادَ لا يَجْتَمِعُ النَّهْيُ والإتْيانُ، وتَقُولُ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ، وتَشْرَبِ اللَّبَنَ، لَوْ أدْخَلْتَ الفاءَ فَسَدَ المَعْنى انْتَهى كَلامُ سِيبَوَيْهِ مُلَخَّصًا وبِلَفْظِهِ. ويُوَضِّحُ لَكَ أنَّها لَيْسَتْ بِجَوابٍ انْفِرادُ الفاءِ دُونَها بِأنَّها إذا حُذِفَتِ انْجَزَمَ الفِعْلُ بَعْدَها بِما قَبْلَها؛ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، إلّا إذا نَصَبَتْ بَعْدَ النَّفْيِ، وسَقَطَتِ الفاءُ، فَلا يَنْجَزِمُ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا، فالأفْعالُ الثَّلاثَةُ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَمَنّاةٌ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ بَيْنَها، لا أنَّ كُلَّ واحِدٍ مُتَمَنًّى وحْدَهُ، إذِ التَّقْدِيرُ كَما قُلْنا يا لَيْتَنا يَكُونُ لَنا رَدٌّ مَعَ انْتِفاءِ التَّكْذِيبِ، وكَوْنٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ هِشامِ بْنِ عَمّارٍ عَنْ أصْحابِهِ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (ولا نُكَذِّبُ) بِالرَّفْعِ (ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ ويَتَوَجَّهُ ذَلِكَ عَلى ما تَقَدَّمَ انْتَهى. وكانَ قَدْ قَدَّمَ أنَّ رَفْعَ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) في قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما؛ العَطْفُ عَلى (نُرَدُّ) فَيَكُونانِ داخِلَيْنِ في التَّمَنِّي، والثّانِي؛ الِاسْتِئْنافُ والقَطْعُ، فَهَذانِ الوَجْهانِ يَسُوغانِ في رَفْعِ (ولا نُكَذِّبَ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلا نُكَذِّبَ بِالفاءِ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ (فَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا أبَدًا ونَكُونَ) . وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ونَحْنُ (نَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ) وجَوَّزُوا في رَفْعِ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، فَتَلَخَّصَ في الرَّفْعِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.

أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (نُرَدُّ) فَيَكُونَ …

Al-An'aam 6:27Listen in Qur'an →
28

بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ . (بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ لِما سَبَقَ، وهَكَذا يَجِيءُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، إذا كانَ ما بَعْدَها مِن إخْبارِ اللَّهِ تَعالى، لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنْ قَوْمٍ، تَكُونُ (بَلْ) فِيهِ لِلْإضْرابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، ومَعْنى (بَدا) ظَهَرَ. وقالَ الزَّجّاجُ: (بَلْ) هُنا اسْتِدْراكٌ وإيجابُ نَفْيٍ، كَقَوْلِهِمْ: ما قامَ زَيْدٌ، بَلْ قامَ عَمْرٌو انْتَهى. ولا أدْرِي ما النَّفْيُ الَّذِي سَبَقَ حَتّى تُوجِبَهُ (بَلْ) . وقالَ غَيْرُهُ: (بَلْ) رَدٌّ لِما تَمَنَّوْهُ؛ أيْ لَيْسَ الأمْرُ عَلى ما قالُوهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ رَغْبَةً في الإيمانِ، بَلْ قالُوهُ إشْفاقًا مِنَ العَذابِ، وطَمَعًا في الرَّحْمَةِ انْتَهى. ولا أدْرِي ما هَذا الكَلامُ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهم) عائِدٌ عَلى مَن عادَ عَلَيْهِ في وُقِفُوا. قالَ أبُو رَوْقٍ: وهم جَمِيعُ الكافِرِينَ يَجْمَعُهُمُ اللَّهُ، ويَقُولُ: (أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ) الآيَةَ، فَيَقُولُونَ: (واللَّهِ رَبِّنا) الآيَةَ، فَتَنْطِقُ جَوارِحُهم، وتَشْهَدُ بِأنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ في الدُّنْيا وبِما كَتَمُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (بَلْ بَدا لَهم) فَعَلى هَذا يَكُونُ مِن قَبْلُ راجِعًا إلى الآخِرَةِ؛ أيْ مِن قَبْلِ بُدُوِّهِ في الآخِرَةِ. وقالَ قَتادَةُ: يَظْهَرُ ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ مِن شِرْكِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وذَلِكَ أنَّهم لَوْ سُئِلُوا في الدُّنْيا، هَلْ تُعاقَبُونَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ؟ قالُوا: لا، ثُمَّ ظَهَرَ لَهم عُقُوبَةُ شِرْكِهِمْ في الآخِرَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: كُفّارُ مَكَّةَ، ظَهَرَ لَهم ما أخْفَوْهُ مِن أمْرِ البَعْثِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٧] بَعْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ كانُوا يُخْفُونَ الكُفْرَ، فَظَهَرَ لَهم وبالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: الكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا إذا وعَظَهُمُ الرَّسُولُ، خافُوا، وأخْفَوْا ذَلِكَ الخَوْفَ؛ لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِمْ أتْباعُهم، فَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى وسائِرُ الكُفّارِ، ويَكُونُ الَّذِي يُخْفُونَهُ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأحْوالَهُ، والمَعْنى بَدا لَهم صِدْقُكَ في النُّبُوَّةِ وتَحْذِيرُكَ مِن عِقابِ اللَّهِ، وهَذِهِ الأقْوالُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في (لَهم)، و(يُخْفُونَ) عائِدٌ عَلى جِنْسٍ واحِدٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ مُخْتَلِفٌ؛ أيْ بَدا لِلْأتْباعِ ما كانَ الرُّؤَساءُ يُخْفُونَهُ عَنْهم مِنَ الفَسادِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوُ هَذا. وقِيلَ: بَدا لِمُشْرِكِي العَرَبِ ما كانَ أهْلُ الكِتابِ يُخْفُونَهُ عَنْهم مِنَ البَعْثِ، وأمْرِ النّارِ؛ لِأنَّهُ سَبَقَ ذِكْرُ أهْلِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام: ٢٠] . وقِيلَ: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ﴾ أيْ لِبَعْضِهِمْ ما كانَ يُخْفِيهِ عَنْهُ بَعْضُهم، فَأطْلَقَ كُلًّا عَلى بَعْضٍ مَجازًا. وقالَ الزَّهْراوِيُّ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الآيَةِ الإخْبارَ عَنْ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهم ظَهَرَتْ لَهم مَسْتُوراتُهم في الدُّنْيا مِن مَعاصٍ وغَيْرِها، فَكَيْفَ الظَّنُّ عَلى هَذا بِما كانُوا يُعْلِنُونَ بِهِ مِن كُفْرٍ ونَحْوِهِ، ويُنْظَرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ تَعالى في تَعْظِيمِ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ما …

Al-An'aam 6:28Listen in Qur'an →
29

وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وقالُوا) عَطْفٌ عَلى (لَعادُوا) أيْ لَوْ رُدُّوا لَكَفَرُوا، ولَقالُوا (إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا) كَما كانُوا يَقُولُونَ قَبْلَ مُعايَنَةِ القِيامَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: (وإنَّهم لَكاذِبُونَ) عَلى مَعْنى وإنَّهم لَقَوْمٌ كاذِبُونَ في كُلِّ شَيْءٍ، وهُمُ الَّذِينَ ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِمُ انْتَهى. والقَوْلُ الأوَّلُ الَّذِي قَدَّمَهُ مِن كَوْنِهِ داخِلًا في جَوابِ (لَوْ)، هو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَوْقِيفُ اللَّهِ لَهم في الآيَةِ بَعْدَها عَلى البَعْثِ والإشارَةِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ [الأنعام: ٣٠] رَدٌّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ انْتَهى. ولا يَرُدُّهُ ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ لِاخْتِلافِ المَوْطِنَيْنِ؛ لِأنَّ إقْرارَهم بِحَقِّيَةِ البَعْثِ، هو في الآخِرَةِ، وإنْكارَهم ذَلِكَ هو في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِهِمْ، وهو إنْكارُ عِنادٍ، فَإقْرارُهم بِهِ في الآخِرَةِ، لا يُنافِي إنْكارَهم لَهُ في الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ العَوْدِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] ؟ وقَوْلِ أبِي جَهْلٍ. وقَدْ عَلِمَ أنَّ ما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَقٌّ ما مَعْناهُ أنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، هَذا وذَلِكَ فِي مَوْطِنٍ واحِدٍ، وهي الدُّنْيا، والقَوْلُ الثّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] كَلامًا مُنْقَطِعًا عَمّا قَبْلَهُ، وقالُوا: إخْبارٌ عَنْ ما صَدَرَ مِنهم في حالَةِ الدُّنْيا. قالَ مُقاتِلٌ: لَمّا أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ، كُفّارَ مَكَّةَ بِالبَعْثِ، قالُوا: هَذا، ومَعْنى الآيَةِ إنْكارُ الحَشْرِ والمَعادِ. وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي كانُوا يَخافُونَهُ، هو الحَشْرُ والمَعادُ عَلى بَعْضِ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمَةِ. و(إنْ) هُنا نافِيَةٌ. ولَمْ يَكْتَفُوا بِالإخْبارِ عَنِ المَحْصُورِ، فَيَقُولُوا هي حَياتُنا الدُّنْيا حَتّى أتَوْا بِالنَّفْيِ والحَصْرِ؛ أيْ لا حَياةَ إلّا هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا فَقَطْ، وهي ضَمِيرُ الحَياةِ، وفَسَّرَهُ الخَبَرُ بَعْدَهُ. والتَّقْدِيرُ وما الحَياةُ إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، هَكَذا قالَ بَعْضُ أصْحابِنا أنَّهُ يَتَقَدَّمُ الضَّمِيرُ، ولا يُنْوى بِهِ التَّأْخِيرُ، إذا جُعِلَ الظّاهِرُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ المُضْمَرِ، وعَدَّهُ مَعَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِـ (رُبَّ)، نَحْوَ: رُبَّهُ رَجُلًا أكْرَمْتَ، والمَرْفُوعِ بِـ (نِعْمَ) عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، نَحْوَ نِعْمَ رَجُلٌ زَيْدٌ، أوْ بِأوَّلِ المُتَنازِعَيْنِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، نَحْوَ ضَرَبانِي وضَرَبْتُ الزَّيْدَيْنِ، أوْ أُبْدِلَ مِنهُ المُفَسَّرُ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، نَحْوَ مَرَرْتُ بِهِ زِيدٍ، قالَ: أوْ جُعِلَ خَبَرَهُ، ومَثَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ التَّقْدِيرانِ الحَياةُ، إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، فَإظْهارُ الخَبَرِ يَدُلُّ عَلَيْها ويُبَيِّنُها، ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُ مِن أصْحابِنا هَذا القِسْمَ، أوْ كانَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وضَمِيرَ المَجْهُولِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، نَحْوَ هَذا زِيدٌ قائِمٌ، خِلافًا لِابْنِ الطَّراوَةِ في إنْكارِ هَذا القِسْمِ. وتَوْضِيحُ هَذِهِ المُضْمَراتِ مَذْكُورٌ في كُتُبِ النَّحْوِ. والدُّنْيا صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (حَياتُنا)، ولَمْ يُؤْتَ بِها عَلى أنَّها صِفَةٌ تُزِيلُ اشْتِراكًا عارِضًا في مَعْرِفَةٍ؛ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ …

Al-An'aam 6:29Listen in Qur'an →
30

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment because you used to disbelieve."

﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا﴾ جَوابُ (لَوْ) مَحْذُوفٌ، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: (ولَوْ تَرى) أوَّلًا، وذَلِكَ مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ والتَّوْبِيخِ والسُّؤالِ، كَما يَقِفُ العَبْدُ الجانِي بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ لِيُعاقِبَهُ، وقَدْ تَعَلَّقَ بَعْضُ المُشَبِّهَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: ظاهِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ في حَيِّزٍ ومَكانٍ؛ لِأنَّ أهْلَ القِيامَةِ يَقِفُونَ عِنْدَهُ، وبِالقُرْبِ مِنهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ، بِحَيْثُ يَحْضُرُ في مَكانٍ تارَةً، ويَغِيبُ عَنْهُ أُخْرى. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِمْ واقِفِينَ عَلى اللَّهِ، كَما يَقِفُ أحَدُنا عَلى الأرْضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُسْتَعْلِيًا عَلى ذاتِ اللَّهِ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وأنَّهُ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ، فَيَكُونُ المُرادُ، إذا وُقِفُوا عَلى ما وعَدَهم رَبُّهم مِن عَذابِ الكافِرِينَ، وثَوابِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن أمْرِ الآخِرَةِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ وُقُوفَ المَعْرِفَةِ انْتَهى. وهَذانِ التَّأْوِيلانِ ذَكَرَهُما الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى حُكْمِهِ وأمْرِهِ انْتَهى. وقِيلَ: عَلى مَسْألَةِ رَبِّهِمْ إيّاهم عَنْ أعْمالِهِمْ. وقِيلَ: لِمَسْألَةِ مَلائِكَةِ رَبِّهِمْ، وقِيلَ: عَلى حِسابِ رَبِّهِمْ قالَ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بَقالَ هو اللَّهُ فَيَكُونُ السُّؤالُ مِنهُ تَعالى لَهم، وقِيلَ: السُّؤالُ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَأنَّهُ عائِدٌ عَلى مَن وقَفَهم عَلى اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ أيْ قالَ: مَن وقَفَهم مِنَ المَلائِكَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قالَ: مَرْدُودٌ عَلى مَن قالَ قائِلٌ قالَ ماذا قالَ لَهم رَبُّهم إذْ وقَفُوا عَلَيْهِ ؟ فَقِيلَ: ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ وهَذا تَعْيِيرٌ مِنَ اللَّهِ لَهم عَلى التَّكْذِيبِ وقَوْلِهِمْ لَمّا كانُوا يَسْمَعُونَ مِن حَدِيثِ البَعْثِ والجَزاءِ ما هو بِحَقٍّ وما هو إلّا باطِلٌ انْتَهى. ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً، التَّقْدِيرُ ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ قائِلًا لَهم ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ والإشارَةُ بِهَذا إلى البَعْثِ ومُتَعَلِّقاتِهِ. وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: ألَيْسَ هَذا العَذابُ بِالحَقِّ وكَأنَّهُ لاحَظَ قَوْلَهُ قالَ: ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ قالُوا: (بَلى ورَبِّنا) تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بَلى؛ وأكَّدُوا جَوابَهم بِاليَمِينِ في قَوْلِهِمْ (ورَبِّنا) وهو إقْرارٌ بِالإيمانِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ وناسَبَ التَّوْكِيدُ بِقَوْلِهِمْ (ورَبِّنا) صَدْرَ الآيَةِ في ﴿وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تِذْكارٌ لَهم في أنَّهُ كانَ يُرَبِّيهِمْ ويُصْلِحُ حالَهم إذا كانَ سَيِّدُهم وهم عَبِيدُهُ لَكِنَّهم عَصَوْهُ وخالَفُوا أمْرَهُ.

* *

﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ بِكَفْرِكم بِالعَذابِ والباءُ سَبَبِيَّةٌ فَقِيلَ مُتَعَلِّقُ الكُفْرِ البَعْثُ أيْ بِكُفْرِكم بِالبَعْثِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقُهُ العَذابُ أيْ بِكُفْرِكم بِالعَذابِ، والذَّوْقُ في العَذابِ اسْتِعارَةٌ بَلِيغَةٌ والمَعْنى باشِرُوهُ مُباشَرَةَ الذّائِقِ إذْ هي أشَدُّ المُباشَراتِ.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا ياحَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ [الأنعام: ٣١] هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ أحْوالِ مُنْكِرِي البَعْثِ وخُسْرانِهِمْ أنَّهُمُ اسْتَعاضُوا الكُفْرَ عَنِ …

Al-An'aam 6:30Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.