Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 151–160 of 165

151

۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًۭٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَٰنًۭا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَٰدَكُم مِّنْ إِمْلَٰقٍۢ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

Say, "Come, I will recite what your Lord has prohibited to you. [He commands] that you not associate anything with Him, and to parents, good treatment, and do not kill your children out of poverty; We will provide for you and them. And do not approach immoralities - what is apparent of them and what is concealed. And do not kill the soul which Allah has forbidden [to be killed] except by [legal] right. This has He instructed you that you may use reason."

﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمُوهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أباحَهُ تَعالى لَهم مِنَ الحُبُوبِ والفَواكِهِ والحَيَوانِ، ذَكَرَ ما حَرَّمَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ نَهاهم عَنْها وما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ أمَرَهم بِها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ ﴿تَعالَوْا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، والخِطابُ في قُلْ لِلرَّسُولِ، وفي تَعالَوْا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِمَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن مُؤْمِنٍ وكِتابِيٍّ ومُشْرِكٍ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وإنْ كانَ حُكْمُ غَيْرِهِمْ في ذَلِكَ حُكْمَهم، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ ما حَرَّمَ اللَّهُ بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ. وأتْلُ: أسْرُدُ وأقُصُّ مِنَ التِّلاوَةِ، وهي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَّوْراةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أجْمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ كَلِماتٍ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - و(ما) بِمَعْنى الَّذِي وهي مُفَعْوِلَةٌ بِأتْلُ، أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَحْرِيمَ رَبِّكم. وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِحَرَّمَ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم، ويَكُونُ قَدْ عَلَّقَ أتْلُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أتْلُ لَيْسَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا تَعَلُّقَ. و﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ لا بِأتْلُ، فَهو مِن إعْمالِ الثّانِي. وقالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنْ عَلَّقْتَهُ بِأتْلُ فَهو جَيِّدٌ لِأنَّهُ أسْبَقُ، وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ، فالتَّقْدِيرُ: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم.

* *

﴿أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، و(لا) ناهِيَةٌ؛ لِأنَّ (أتْلُ) فِعْلٌ بِمَعْنى القَوْلِ، وما بَعْدَ (أنْ) جُمْلَةٌ، فاجْتَمَعَ في أنْ شَرْطا التَّفْسِيرِيَّةِ وهي أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ وأنْ يَكُونَ بَعْدَها جُمْلَةٌ، وذَلِكَ بِخِلافِ أيْ فَإنَّها حَرْفُ تَفْسِيرٍ يَكُونُ قَبْلَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ يَكُونُ فِيها مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُها، وبَعْدَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ، وجَعْلُها تَفْسِيرِيَّةً هو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ أنْ مُفَسِّرَةً لِفِعْلِ التِّلاوَةِ وهو مُعَلَّقٌ بِـ ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مَنهِيًّا عَنْهُ مُحَرَّمًا كُلُّهُ، كالشِّرْكِ، وما بَعْدَهُ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّهْيِ، فَما يُصْنَعُ بِالأوامِرِ ؟ (قُلْتُ): لَمّا ورَدَتْ هَذِهِ الأوامِرُ مَعَ النَّواهِي وتَقَدَّمَهُنَّ جَمِيعًا فِعْلُ التَّحْرِيمِ واشْتَرَكْنَ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، عُلِمَ أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها، وهي الإشارَةُ إلى الوالِدَيْنِ وبِخَسِ الكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ العَدْلِ في القَوْلِ ونَكْثِ عَهْدِ اللَّهِ. انْتَهى. وكَوْنُ هَذِهِ الأشْياءِ اشْتَرَكَتْ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، وكَوْنُ التَّحْرِيمِ راجِعًا إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ …

Al-An'aam 6:151Listen in Qur'an →
152

وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

And do not approach the orphan's property except in a way that is best until he reaches maturity. And give full measure and weight in justice. We do not charge any soul except [with that within] its capacity. And when you testify, be just, even if [it concerns] a near relative. And the covenant of Allah fulfill. This has He instructed you that you may remember.

﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما حَرَّمُوهُ افْتِراءً عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أباحَهُ تَعالى لَهم مِنَ الحُبُوبِ والفَواكِهِ والحَيَوانِ، ذَكَرَ ما حَرَّمَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ نَهاهم عَنْها وما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِن أشْياءَ أمَرَهم بِها. وتَقَدَّمَ شَرْحُ ﴿تَعالَوْا﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، والخِطابُ في قُلْ لِلرَّسُولِ، وفي تَعالَوْا قِيلَ لِلْمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: لِمَن بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ مِن مُؤْمِنٍ وكِتابِيٍّ ومُشْرِكٍ. وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ، وإنْ كانَ حُكْمُ غَيْرِهِمْ في ذَلِكَ حُكْمَهم، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَدْعُوَ جَمِيعَ الخَلْقِ إلى سَماعِ ما حَرَّمَ اللَّهُ بِشَرْعِ الإسْلامِ المَبْعُوثِ بِهِ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ. وأتْلُ: أسْرُدُ وأقُصُّ مِنَ التِّلاوَةِ، وهي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: هَذِهِ الآياتُ مُفْتَتَحُ التَّوْراةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآياتُ هي المُحْكَماتُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، أجْمَعَتْ عَلَيْها شَرائِعُ الخَلْقِ ولَمْ تُنْسَخْ قَطُّ في مِلَّةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّها العَشْرُ كَلِماتٍ المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - و(ما) بِمَعْنى الَّذِي وهي مُفَعْوِلَةٌ بِأتْلُ، أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم عَلَيْكم. وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَحْرِيمَ رَبِّكم. وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِحَرَّمَ، أيْ: أيَّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم، ويَكُونُ قَدْ عَلَّقَ أتْلُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أتْلُ لَيْسَ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا تَعَلُّقَ. و﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ لا بِأتْلُ، فَهو مِن إعْمالِ الثّانِي. وقالَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ: إنْ عَلَّقْتَهُ بِأتْلُ فَهو جَيِّدٌ لِأنَّهُ أسْبَقُ، وهو اخْتِيارُ الكُوفِيِّينَ، فالتَّقْدِيرُ: أتْلُ عَلَيْكُمُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم.

* *

﴿أنْ لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ (أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ، و(لا) ناهِيَةٌ؛ لِأنَّ (أتْلُ) فِعْلٌ بِمَعْنى القَوْلِ، وما بَعْدَ (أنْ) جُمْلَةٌ، فاجْتَمَعَ في أنْ شَرْطا التَّفْسِيرِيَّةِ وهي أنْ يَتَقَدَّمَها مَعْنى القَوْلِ وأنْ يَكُونَ بَعْدَها جُمْلَةٌ، وذَلِكَ بِخِلافِ أيْ فَإنَّها حَرْفُ تَفْسِيرٍ يَكُونُ قَبْلَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ يَكُونُ فِيها مَعْنى القَوْلِ وغَيْرُها، وبَعْدَها مُفْرَدٌ وجُمْلَةٌ، وجَعْلُها تَفْسِيرِيَّةً هو اخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ، (فَإنْ قُلْتَ): إذا جَعَلْتَ أنْ مُفَسِّرَةً لِفِعْلِ التِّلاوَةِ وهو مُعَلَّقٌ بِـ ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مَنهِيًّا عَنْهُ مُحَرَّمًا كُلُّهُ، كالشِّرْكِ، وما بَعْدَهُ مِمّا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّهْيِ، فَما يُصْنَعُ بِالأوامِرِ ؟ (قُلْتُ): لَمّا ورَدَتْ هَذِهِ الأوامِرُ مَعَ النَّواهِي وتَقَدَّمَهُنَّ جَمِيعًا فِعْلُ التَّحْرِيمِ واشْتَرَكْنَ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِهِ، عُلِمَ أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى أضْدادِها، وهي الإشارَةُ إلى الوالِدَيْنِ وبِخَسِ الكَيْلِ والمِيزانِ وتَرْكِ العَدْلِ في القَوْلِ ونَكْثِ عَهْدِ اللَّهِ. انْتَهى. وكَوْنُ هَذِهِ الأشْياءِ اشْتَرَكَتْ في الدُّخُولِ تَحْتَ حُكْمِ التَّحْرِيمِ، وكَوْنُ التَّحْرِيمِ راجِعًا إلى أضْدادِ الأوامِرِ بِعِيدٌ جِدًّا وألْغازٌ في المَعانِي ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى ذَلِكَ، وأمّا عَطْفُ هَذِهِ الأوامِرِ …

Al-An'aam 6:152Listen in Qur'an →
153

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًۭا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

And, [moreover], this is My path, which is straight, so follow it; and do not follow [other] ways, for you will be separated from His way. This has He instructed you that you may become righteous.

﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ قَرَأ الأخَوانِ: (وإنَّ هَذا) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ النُّونِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ المُسْتَأْنَفَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، وخَفَّفَ ابْنُ عامِرٍ النُّونَ، وشَدَّدَها الباقُونَ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ: (وإنَّ) كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ، فَأمّا تَخْفِيفُ النُّونِ فَعَلى أنَّهُ حُذِفَ اسْمُ إنَّ وهو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَرَجَتْ قِراءَةُ فَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى وُجُوهٍ: أحَدُها: أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا حُذِفَ مِنها اللّامُ، تَقْدِيرُهُ: ولِأنَّ هَذا ﴿صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، وقَدْ صَرَّحَ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ﴿إيلافِهِمْ﴾ [قريش: ٢]، (فَلْيَعْبُدُوا) . قالَ الفارِسِيَّ: قِياسُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ في فَتْحِ الهَمْزَةِ أنْ تَكُونَ الفاءُ زائِدَةً بِمَنزِلَتِها في زَيْدٌ فَقامَ. الوَجْهُ الثّانِي: أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى (أنْ لا تُشْرِكُوا)، أيْ: أتْلُ عَلَيْكم نَفْيَ الإشْراكِ والتَّوْحِيدَ وأتْلُ عَلَيْكم أنَّ هَذا صِراطِي، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ (أنْ) في (أنْ لا تُشْرِكُوا) مَصْدَرِيَّةٌ، قالَهُ الحَوْفِيُّ، هَكَذا قَرَّرُوا هَذا الوَجْهَ فَجَعَلُوهُ مَعْطُوفًا عَلى البَدَلِ مِمّا حَرَّمَ، وهو ”أنْ لا تُشْرِكُوا“ . وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُبْدَلِ مِنهُ، أيْ: أتْلُ الَّذِي حَرَّمَ وأتْلُ أنَّ هَذا ﴿صِراطِي مُسْتَقِيمًا﴾، وهو تَخْرِيجٌ سائِغٌ في الكَلامِ، وعَلى هَذا فالصِّراطُ مُضافٌ لِلْمُتَكَلِّمِ وهو الرَّسُولُ ﷺ وصِراطُهُ هو صِراطُ اللَّهِ. الوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ في بِهِ، قالَهُ الفَرّاءُ، أيْ: وصّاكم بِهِ، وبِأنَّ حُذِفَتِ الباءُ لِطُولِ أنَّ بِالصِّلَةِ. قالَ الحَوْفِيُّ: وهي مُرادَّةٌ، ولا يَكُونُ في هَذا عَطْفُ مُظْهَرٍ عَلى مُضْمَرٍ لِإرادَتِها. وقالَ أبُو البَقاءِ: هَذا فاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَطْفُ المُظْهَرِ عَلى المُضْمَرِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، والثّانِي أنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى: وصّاكم بِاسْتِقامَةِ الصِّراطِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: و﴿هَذا صِراطِي﴾، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، ولَمّا فَصَلَ في الآيَتَيْنِ قَبْلُ أجْمَلَ في هَذِهِ إجْمالًا يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ وجَمِيعُ شَرِيعَتِهِ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الإسْلامِ أوِ القُرْآنِ أوْ ما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ لِأنَّها كُلَّها في التَّوْحِيدِ وأدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وإثْباتِ الدِّينِ وإلى هَذِهِ الآياتِ الَّتِي أعْقَبَتْها هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّها المُحْكَماتُ الَّتِي لَمْ تُنْسَخْ في مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ، أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. (فاتَّبِعُوهُ) أمْرٌ بِاتِّباعِهِ كُلِّهِ، والمَعْنى: فاعْمَلُوا بِمُقْتَضاهُ مِن تَحْرِيمٍ وتَحْلِيلٍ وأمْرٍ ونَهْيٍ وإباحَةٍ.

﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الضَّلالاتُ، قالَ مُجاهِدٌ: البِدَعُ والأهْواءُ والشُّبَهاتُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ما حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والحَرْثِ. وقِيلَ: سُبُلُ الكُفْرِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ وما يَجْرِي مُجْراهم في الكُفْرِ والشِّرْكِ، وفي مُسْنَدِ الدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَطَّ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا خَطًّا ثُمَّ قالَ: ”هَذا سَبِيلُ اللَّهِ“، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ ويَسارِهِ ثُمَّ قالَ: ”هَذِهِ سُبُلٌ عَلى كُلِّ سَبِيلٍ مِنها شَيْطانٌ يَدْعُو …

Al-An'aam 6:153Listen in Qur'an →
154

ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًۭا لِّكُلِّ شَىْءٍۢ وَهُدًۭى وَرَحْمَةًۭ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

Then We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in [the matter of] the meeting with their Lord they would believe.

﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (ثُمَّ) تَقْتَضِي المُهْلَةَ في الزَّمانِ، هَذا أصْلُ وضْعِها، ثُمَّ تَأْتِي لِلْمُهْلَةِ في الإخْبارِ. فَقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى أتْلُ تَقْدِيرُهُ: أتْلُ ما حَرَّمَ ثُمَّ أتْلُ ﴿آتَيْنا﴾ . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى (قُلْ) عَلى إضْمارِ قُلْ، أيْ: ثُمَّ قُلْ ﴿آتَيْنا﴾ . وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ثُمَّ إنِّي أُخْبِرُكم أنّا آتَيْنا. وقالَ الحَوْفِيُّ: رَتَّبَتْ ”ثُمَّ“ التِّلاوَةَ، أيْ: تَلَوْنا عَلَيْكم قِصَّةَ مُحَمَّدٍ ثُمَّ نَتْلُو عَلَيْكم قِصَّةَ مُوسى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَهَّلَتْها في تَرْتِيبِ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ مِمّا وصَّيْنا أنّا ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾، ويَدْعُو إلى ذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَقَدِّمٌ بِالزَّمانِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ كُنّا قَدْ ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ قَبْلَ إنْزالِنا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفٌ عَلى ﴿وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ بِثُمَّ والإيتاءُ قَبْلَ التَّوْصِيَةِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ ؟ (قُلْتُ): هَذِهِ التَّوْصِيَةُ قَدِيمَةٌ لَمْ تَزَلْ تَواصاها كُلُّ أُمَّةٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّها، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يا بَنِي آدَمَ قَدِيمًا وحَدِيثًا ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ المُبارَكَ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ قَبْلَ شَطْرِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] . انْتَهى. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ أنَّها اسْتُعْمِلَتْ لِلْعَطْفِ كالواوِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مُهْلَةٍ، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُ النُّحاةِ. و﴿الكِتابُ﴾ [الأنعام: ١٥٦] هُنا التَّوْراةُ بِلا خِلافٍ، وانْتَصَبَ تَمامًا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أتْمَمْناهُ تَمامًا مَصْدَرٌ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، أوْ عَلى الحالِ إمّا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، وكُلٌّ قَدْ قِيلَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿تَمامًا﴾ أيْ: دُفْعَةً واحِدَةً لَمْ نُفَرِّقْ إنْزالَهُ كَما فَرَّقْنا إنْزالَ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والَّذِي أحْسَنَ جِنْسٌ أيْ عَلى مَن كانَ مُحْسِنًا مِن أهْلِ مِلَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أيْ: إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عِنْدَهم. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِي أحْسَنَ مَخْصُوصٌ. فَقالَ الماوَرْدِيُّ: إبْراهِيمُ، كانَتْ نُبُوَّةُ مُوسى نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِهِ، والإحْسانُ لِلْأبْناءِ إحْسانٌ لِلْآباءِ. وقِيلَ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَتِمَّةً لِلْكَرامَةِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أحْسَنَ الطّاعَةَ في التَّبْلِيغِ وفي كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ، والَّذِي في هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ مُوسى مِنَ العِلْمِ وكُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ، ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قالَ: مَعْنى الآيَةِ ﴿تَمامًا﴾ عَلى ما كانَ أحْسَنَ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مِنَ العِلْمِ، والحِكْمَةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُحْسِنُ كَذا أيْ يَعْلَمُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا التَّأْوِيلِ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ مُوسى مِنَ العِلْمِ …

Al-An'aam 6:154Listen in Qur'an →
155

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ مُبَارَكٌۭ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

And this [Qur'an] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allah that you may receive mercy.

﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، و﴿أنْزَلْناهُ﴾ و﴿مُبارَكٌ﴾ صِفَتانِ لِ ﴿كِتابٌ﴾، أوْ خَبَرانِ عَنْ هَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ وكانَ الوَصْفُ بِالإنْزالِ آكَدَ مِنَ الوَصْفِ بِالبَرَكَةِ فَقُدِّمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مَن يُنْكِرُ رِسالَةَ الرَّسُولِ ﷺ ويُنْكِرُ إنْزالَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وكَوْنَهُ مُبارَكًا عَلَيْهِمْ هو وصْفٌ حاصِلٌ لَهم مِنهُ مُتَراخٍ عَنِ الإنْزالِ؛ فَلِذَلِكَ تَأخَّرَ الوَصْفُ بِالبَرَكَةِ، وتَقَدَّمَ الوَصْفُ بِالإنْزالِ، وكانَ الوَصْفُ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلى نُونِ العَظَمَةِ أوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالِاسْمِ لِما يَدُلُّ الإسْنادُ إلى اللَّهِ - تَعالى - مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الِاسْمِ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ: مُنَزَّلٌ، أوْ مُنَزَّلٌ مِنّا، وبِرْكَةُ القُرْآنِ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ والنَّماءِ بِجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ بِهِ، والمَواعِظِ والحِكَمِ، والإعْلامِ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والأُجُورِ التّالِيَةِ، والشِّفاءِ مِنَ الأدْواءِ، والشَّفاعَةِ لِقارِئِهِ، وعَدِّهِ مِن أهْلِ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مَعَ المُكْرَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَرَكاتِ الَّتِي لا تُحْصى، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - بِاتِّباعِهِ وهو العَمَلُ بِما فِيهِ والِانْتِهاءُ إلى ما تَضَمَّنَهُ والرُّجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ المُشْكِلاتِ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا﴾ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَّقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ. وقِيلَ: واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ لِرَجاءِ الرَّحْمَةِ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: اتَّقُوا غَيْرَهُ فَإنَّهُ مَنسُوخٌ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: في الكَلامِ إشارَةٌ وهو وصْفُ اللَّهِ التَّوْراةَ بِالتَّمامِ، والتَّمامُ يُؤْذِنُ بِالِانْصِرامِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا تَمَّ أمَرٌ بَدا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ

فَنَسَخَها اللَّهُ بِالقُرْآنِ ودَيَّنَها بِالإسْلامِ، ووَصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ مُبارَكٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمُبارَكُ هو الثّابِتُ الدّائِمُ في ازْدِيادٍ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِبَقائِهِ ودَوامِهِ.

Al-An'aam 6:155Listen in Qur'an →
156

أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَٰفِلِينَ

[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"

﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، فَقَدَّرَهُ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا تَقُولُوا، ولِأجْلِ أنْ لا تَقُولُوا، وقَدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، والعامِلُ في كِلا المَذْهَبَيْنِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ قَبْلُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥]، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] هَذِهِ المَلْفُوظَ بِها لِلْفاصِلِ بَيْنَهُما، وهو مُبارَكٌ الَّذِي هو وصْفٌ لِـ”﴿كِتابٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]“، أوْ خَبَرٌ عَنْ هَذا فَهو أجْنَبِيٌّ مِنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] المَلْفُوظُ بِها. وقِيلَ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مَفْعُولٌ، والعامِلُ فِيهِ ﴿واتَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٥]، أيْ: واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ، والكِتابُ هُنا جِنْسٌ، والطّائِفَتانِ هُما أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ اليَهُودُ والنَّصارى بِلا خِلافٌ، والخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى كَفّارِ قُرَيْشٍ بِإثْباتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ لِئَلّا يَحْتَجُّوا هم وكُفّارُ العَرَبِ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ، فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكم مَعَ رَجُلٍ مِنكم. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أنْ يَقُولُوا، بِياءِ الغَيْبَةِ ويَعْنِيَ كُفّارَ قُرَيْشٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: المَعْنى إنَّما ظَهَرَ نُزُولُ الكِتابِ عِنْدَ الخَلْقِ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا ولَمْ يَكُونُوا وقْتَ نُزُلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَهُودًا ولا نَصارى، وإنَّما حَدَثَ لَهُما هَذانِ الِاسْمانِ لِما حَدَثَ مِنهُما. و﴿دِراسَتِهِمْ﴾ قِراءَتُهم ودَرْسُهم، والمَعْنى عَنْ مِثْلِ ﴿دِراسَتِهِمْ﴾، وأعادَ الضَّمِيرَ جَمْعًا لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنهم جَمْعٌ كَما أعادَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وإنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، والتَّقْدِيرُ: وما كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ. وقالَ قُطْرُبٌ: في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إنْ بِمَعْنى قَدْ، واللّامُ زائِدَةٌ، ولَيْسَ هَذا الخِلافُ مَقْصُورًا عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو جارٍ في شَخْصِيّاتِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْرِيرُهُ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنْ كُنّا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والأصْلُ ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ غافِلِينَ، عَلى أنَّ الهاءَ ضَمِيرٌ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ أصْلَهُ ﴿وإنْ كُنّا﴾ والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ عامِلَةٌ في مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ حالَةَ التَّخْفِيفِ، كَما قالَ النَّحْوِيُّونَ في أنَّ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والَّذِي نَصَّ النّاسُ عَلَيْهِ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ إذا لَزِمَتِ اللّامَ في أحَدِ الجُزَءَيْنِ بَعْدَها أوْ في أحَدِ مَعْمُولَيِ الفِعْلِ النّاسِخِ الَّذِي يَلِيها أنَّها مُهْمِلَةٌ لا تَعْمَلُ في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرَ لا مُثْبَتَ ولا مَحْذُوفَ، فَهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُخالِفٌ لِلنُّصُوصِ، ولَيْسَتْ إذا ولِيَها النّاسِخُ داخِلَةً في الأصْلِ عَلى …

Al-An'aam 6:156Listen in Qur'an →
157

أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًۭى وَرَحْمَةٌۭ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ

Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allah and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.

﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ انْتِقالٌ مِنَ الإخْبارِ لِحَصْرِ إنْزالِ الكِتابِ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ إلى الإخْبارِ بِحُكْمٍ عَلى تَقْدِيرٍ، والكِتابُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكِتابُ السّابِقُ ذِكْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الكِتابُ الَّذِي تَمَنَّوْا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ﴿أهْدى مِنهُمْ﴾ أرْشَدَ وأسْرَعَ اهْتِداءً لِكَوْنِهِ نَزَلَ عَلَيْنا بِلِسانِنا، فَنَحْنُ نَتَفَهَّمُهُ ونَتَدَبَّرُهُ ونُدْرِكُ ما تَضَمَّنَهُ مِن غَيْرِ إكْدادِ فِكْرٍ ولا تَعَلُّمِ لِسانٍ، بِخِلافِ الكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ، فَإنَّهُ بِغَيْرِ لِسانِنا، فَنَحْنُ لا نَعْرِفُهُ ولا نَغْفُلُ عَنْ دِراسَتِهِ، أوْ ﴿أهْدى مِنهُمْ﴾ لِكَوْنِ اليَهُودِ والنَّصارى قَدِ افْتَرَقَتْ فِرَقًا مُتَبايِنَةً فَلا نَعْرِفُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ.

﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ هَذا قَطْعٌ لِاعْتِذارِهِمْ بِانْحِصارِ إنْزالِ الكِتابِ عَلى الطّائِفَتَيْنِ وبِكَوْنِهِمْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ولَوْ نَزَلَ لَكانُوا أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّ البَيِّنَةَ هي القُرْآنُ وهو الحُجَّةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ النَّيِّرَةُ، حَيْثُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ وألْزَمَ العالَمَ أحْكامَهُ وشَرِيعَتَهُ، وإنَّ الهُدى والنُّورَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: حُجَّةٌ وهو النَّبِيُّ ﷺ والقُرْآنُ. وقِيلَ: آياتُ اللَّهِ الَّتِي أظْهَرَها في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ. وقِيلَ: دِينُ اللَّهِ، والهُدى والنُّورُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِن صِفاتِ ما فُسِّرَتِ البَيِّنَةُ بِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعُدُّونَ مِن أنْفُسِكم ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، فَحُذِفَ الشَّرْطُ وهو مِن أحاسِنِ الحُذُوفِ. انْتَهى. وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: إنْ كُنْتُمْ كَما تَزْعُمُونَ إذا نَزَلَ عَلَيْكم كِتابٌ تَكُونُونَ أهْدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ . وأطْبَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الغَرَضَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ وقَطْعُ احْتِجاجِهِمْ.

* *

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ أيْ: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ والهُدى والنُّورِ لا يَكُونُ أحَدٌ أشَدَّ ظُلْمًا مِنَ المُكَذِّبِ بِالأمْرِ الواضِحِ النَّيِّرِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ والمُعْرِضِ عَنْهُ بَعْدَما لاحَتْ لَهُ صِحَّتُهُ وصِدْقُهُ وعَرَفَهُ أوْ تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِهِ، وتَأخَّرَ الإعْراضُ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ هو بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وظُهُورِهِ. وقِيلَ: قَبْلَ الفاءِ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنْ كَذَّبْتُمْ فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم، وآياتُ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرْآنُ والرَّسُولُ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى العُمُومِ.

﴿وصَدَفَ﴾ لازِمٌ بِمَعْنى أعْرَضَ، وقَدْ شَرَحْناهُ عَلى هَذا المَعْنى، ومُتَعَدٍّ، أيْ: صَدَفَ عَنْها غَيْرَهُ، بِمَعْنى صَدَّهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ حَيْثُ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وجَعَلَ غَيْرَهُ يُعْرِضُ عَنْها ويُكَذِّبُ بِها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ بِتَخْفِيفِ الذّالِ.

﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ عَلَّقَ الجَزاءَ …

Al-An'aam 6:157Listen in Qur'an →
158

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَٰنِهَا خَيْرًۭا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ

Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿يَنْظُرُونَ﴾ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وهُمُ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ مَضى أكْثَرُ السُّورَةِ في جِدالِهِمْ، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَبْضِ أرْواحِهِمْ وتَعْذِيبِها، وهو وقْتٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ تَوْبَتُهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: ﴿أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الَّذِينَ يَنْصَرِفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ”يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ“ . وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ: ”أوْ تَأْتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا“ أيْ: رُسُلًا مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ كَما تَمَنَّوْا، أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ بِلا أيْنَ ولا كَيْفَ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ في المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ يَأْتِيَ إهْلاكُ رَبِّكَ إيّاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّما هو بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرُ رَبِّكَ وبَطْشُ وحِسابُ رَبِّكَ، وإلّا فالإتْيانُ المَفْهُومُ مِنَ اللُّغَةِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - ألا تَرى أنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]، فَهَذا إتْيانٌ قَدْ وقَعَ وهو عَلى المَجازِ وحُذِفَ المُضافُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أوْ يَأْتِيَ﴾ كُلُّ آياتِ رَبِّكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ يُرِيدُ آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ، و﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أشْراطُ السّاعَةِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وغَيْرِها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: إنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْها، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيما رَوى عَنْهُ مَسْرُوقٌ: طُلُوعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِن مَغْرِبِهِما. وقِيلَ: إحْدى الآياتِ الثَّلاثِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها والدّابَّةُ وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، رَواهُ القاسِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: طُلُوعُها والدَّجّالُ والدّابَّةُ وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وقِيلَ: العَشْرُ الآياتِ الَّتِي في حَدِيثِ البَراءِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالُ، والدّابَّةُ، وخَسْفٌ بِالمُشْرِقِ، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، ونُزُولُ عِيسى، وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ. والظّاهِرُ أنَّهم تَوَعَّدُوا بِالشَّيْءِ العَظِيمِ مِن أشْراطِ السّاعَةِ لِيَذْهَبَ الفِكْرُ في ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ، لَكِنْ أتى بَعْدَ ذَلِكَ الإخْبارُ عَنْهُ عَنْ هَذا البَعْضِ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ فِيهِ إذا أتى، وتَصْرِيحُ الرَّسُولِ بِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وقْتٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ فَيَظْهَرُ أنَّهُ هَذا البَعْضُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا البَعْضُ غَرْغَرَةَ الإنْسانِ عِنْدَ المَوْتِ، فَإنَّها تَكُونُ في …

Al-An'aam 6:158Listen in Qur'an →
159

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًۭا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

Indeed, those who have divided their religion and become sects - you, [O Muhammad], are not [associated] with them in anything. Their affair is only [left] to Allah; then He will inform them about what they used to do.

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّ صِراطَهُ مُسْتَقِيمٌ، ونَهى عَنِ اتِّباعِ السُّبُلِ، وذَكَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما أنْزَلَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ القُرْآنَ وأمَرَ بِاتِّباعِهِ، وذَكَرَ ما يَنْتَظِرُ الكُفّارُ مِمّا هو كائِنٌ بِهِمُ، انْتَقَلَ إلى ذِكْرِ مَنِ اتَّبَعَ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَتْ بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِيُنَبِّهَ المُؤْمِنِينَ عَلى الِائْتِلافِ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ، ولِئَلّا يَخْتَلِفُوا كَما اخْتَلَفَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُتَّفِقِينَ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي بُعِثَ أنْبِياؤُهم بِها، والَّذِينَ فَرَّقُوا دَيْنَهُمُ الحَرُورِيَّةُ أوْ أهْلُ الضَّلالَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أوْ أصْحابُ البِدَعِ أوِ الأهْواءِ مِنهم، وهو قَوْلُ الأحْوَصِ وأُمِّ سَلَمَةَ، أوِ اليَهُودُ أوْ هم والنَّصارى، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ، أيْ: فَرَّقُوا دِينَ إبْراهِيمَ الحَنِيفَ، أوْ هم مُشْرِكُو العَرَبِ أوِ الكُفّارُ وأهْلُ البِدَعِ، أقْوالٌ سِتَّةٌ. وافْتِراقُ النَّصارى إلى مِلْكِيَّةٍ ويَعْقُوبِيَّةٍ ونَسْطُورِيَّةٍ، وتَشَعَّبُوا إلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وافْتِراقُ اليَهُودِ إلى مُوسَوِيَّةٍ وهارُونِيَّةٍ وداوُدِيَّةٍ وسامِرِيَّةٍ، وتَشَعَّبُوا إلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وافْتِراقُ هَذِهِ الأُمَّةِ إلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّها في النّارِ إلّا مَن كانَ عَلى ما عَلَيْهِ الرَّسُولُ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وأضافَ الدِّينَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَلْتَزِمُوهُ، إذْ هو دِينُ اللَّهِ الَّذِي ألْزَمَهُ العِبادَ، فَهو دِينُ جَمِيعِ النّاسِ بِهَذا الوَجْهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ والأخَوانِ: (فارَقُوا) هُنا، وفي الرُّومِ بِألِفٍ، ومَعْناها قَرِيبٌ مِن قِراءَةِ باقِي السَّبْعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، تَقُولُ: ضاعَفَ وضَعَّفَ. وقِيلَ: تَرَكُوهُ وبايِنُوهُ، ومَن فَرَّقَ دِينَهُ فَآمَنَ بِبَعْضٍ وكَفَرَ بِبَعْضٍ فَقَدْ فارَقَ دِينَهُ المَطْلُوبَ مِنهُ. وقَرَأ إبْراهِيمُ والأعْمَشُ وأبُو صالِحٍ: (فَرَقُوا) بِتَخْفِيفِ الرّاءِ.

﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ أيْ: أحْزابًا كُلٌّ مِنهم تابِعٌ لِشَخْصٍ لا يَتَعَدّاهُ.

﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ أيْ: لَسْتَ مِن تَفْرِيقِ دَيْنِهِمْ أوْ مِن عِقابِهِمْ أوْ مِن قِتالِهِمْ، أوْ هو إخْبارٌ عَنِ المُبايَنَةِ التّامَّةِ والمُباعَدَةِ، كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

؎إذا حاوَلَتَ في أسَدٍ فُجُورًا فَإنِّي لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي

احْتِمالاتٌ أرْبَعَةٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ لا تَشْفَعُ لَهم، ولا لَهم بِكَ تَعَلُّقٌ، وهَذا عَلى الإطْلاقِ في الكُفّارِ، وعَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ في العُصاةِ والمُتَنَطِّعِينَ في الشَّرْعِ، إذْ لَهم حَظٌّ مِن تَفْرِيقِ الدِّينِ، ولَمّا نَفى كَوْنَهُ مِنهم في شَيْءٍ حَصَرَ مَرْجِعَ أمْرِهِمْ مِن هَلاكٍ أوِ اسْتِقامَةِ إلَيْهِ تَعالى، وأخْبَرَ أنَّهُ مُجازِيهِمْ بِأفْعالِهِمْ، وذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: هَذِهِ آيَةٌ لَمْ يُؤْمَرْ فِيها بِقِتالٍ، وهي مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كَلامٌ غَيْرُ مُتْقَنٍ، فَإنَّ الآيَةَ خَبَرٌ لا يَدْخُلُهُ نَسْخٌ، ولَكِنَّها تَضَمَّنَتْ بِالمَعْنى أمْرًا بِمُوادَعَةٍ، فَيُشْبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّسْخُ وقَعَ في ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي قَدْ تَقَرَّرَ في آياتٍ أُخَرَ.

Al-An'aam 6:159Listen in Qur'an →
160

مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

Whoever comes [on the Day of Judgement] with a good deed will have ten times the like thereof [to his credit], and whoever comes with an evil deed will not be recompensed except the like thereof; and they will not be wronged.

﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: رَوى الخُدْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ أنَّها نَزَلَتْ في الأعْرابِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ ضُوعِفَتْ لَهُمُ الحَسَنَةُ بِعَشْرٍ وضُوعِفَ لِلْمُهاجِرِينَ تِسْعَمِائَةٍ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ: يُحْتاجُ إلى إسْنادٍ يَقْطَعُ العُذْرَ؛ انْتَهى. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ يُنَبِّئُهم بِفِعْلِهِمْ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ المُجازاةِ، ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٩] مُشْعِرًا بِقِسْمَيْهِ مِمَّنْ ثَبَتَ عَلى دِينِهِ قَسَّمَ المُجازِينَ إلى جاءَ بِحَسَنَةٍ وجاءَ بِسَيِّئَةٍ، وفُسِّرَتِ الحَسَنَةُ بِالإيمانِ، وعَشْرُ أمْثالِها تَضْعِيفُ أُجُورِهِ أيْ ثَوابُ عَشْرِ أمْثالِها في الجَنَّةِ، وفُسِّرَتِ السَّيِّئَةُ بِالكُفْرِ ومِثْلُها النّارُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الخُدْرِيِّ، وابْنِ عُمَرَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ والقاسِمُ بْنُ أبِي بَزَّةَ وغَيْرُهم: الحَسَنَةُ هُنا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والسَّيِّئَةُ الكُفْرُ، والظّاهِرُ أنَّ العَدَدَ مُرادٌ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: لَيْسَ عَلى التَّحْدِيدِ حَتّى لا يُزادَ عَلَيْهِ ولا يُنْقَصَ مِنهُ، بَلْ عَلى التَّعْظِيمِ لِذَلِكَ، إذْ هَذا العَدَدُ لَهُ خَطَرٌ عِنْدَ النّاسِ، أوْ عَلى التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ: ﴿كَعَرْضِ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] . وقالَ: ﴿مَن جاءَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مَن عَمِلَ لِيُعْلَمَ أنَّ النَّظَرَ إلى ما خُتِمَ بِهِ وقُبِضَ عَلَيْهِ دُونَ ما وُجِدَ مِنهُ مِنَ العَمَلِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مَن خُتِمَ لَهُ بِالحَسَنَةِ وكَذَلِكَ السَّيِّئَةُ. انْتَهى. وأنَّثَ عَشْرًا وإنْ كانَ مُضافًا إلى جَمْعٍ مُفْرَدٍ (مِثْلٌ) وهو مُذَكَّرٌ رَعْيًا لِلْمَوْصُوفِ المَحْذُوفِ، إذْ مُفْرَدُهُ مُؤَنَّثٌ، والتَّقْدِيرُ: فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالِها، ونَظِيرُهُ في التَّذْكِيرِ مَرَرْتُ بِثَلاثَةِ نَسّاباتٍ راعى المَوْصُوفَ المَحْذُوفَ، أيْ بِثَلاثَةِ رِجالٍ نَسّاباتٍ. وقِيلَ: أنَّثَ عَشْرًا وإنْ كانَ مُضافًا إلى ما مُفْرَدُهُ مُذَكَّرٌ لِإضافَةِ أمْثالٍ إلى مُؤَنَّثٍ وهو ضَمِيرُ الحَسَنَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] . قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ. وقِيلَ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ عامّانِ وهو الظّاهِرُ ولَيْسا مَخْصُوصَيْنِ بِالكُفْرِ والإيمانِ ويَكُونُ ﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ مَخْصُوصًا بِمَن أرادَ اللَّهُ تَعالى وقَضى بِمُجازاتِهِ عَلَيْها، ولَمْ يَقَضِ أنْ يَغْفِرَ لَهُ، وكَوْنُهُ لَهُ عَشْرُ أمْثالِها لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُزادُ إنْ كانَ مَفْهُومُ العَدَدِ قَوِيًّا في الدَّلالَةِ إذْ تَكُونُ العَشْرَ هي الجَزاءُ عَلى الحَسَنَةِ وما زادَ فَهو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] .

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ والأعْمَشُ ويَعْقُوبُ والقَزّازُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ عَشْرٌ بِالتَّنْوِينِ. أمْثالُها بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِعَشْرٍ ولا يَلْزَمُ مِنَ المِثْلِيَّةِ أنْ يَكُونَ في النَّوْعِ، بَلْ يُكْتَفى أنْ يَكُونَ في قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ، إذِ النَّعِيمُ السَّرْمَدِيُّ والعَذابُ المُؤَبَّدُ لَيْسا مُشْتَرِكَيْنِ في نَوْعِ ما كانَ مَثَلًا لَهُما، لَكِنَّ النَّعِيمَ مُشْتَرِكٌ مَعَ الحَسَنَةِ في كَوْنِهِما حَسَنَتَيْنِ، والعَذابَ مُشْتَرِكٌ مَعَ السَّيِّئَةِ في كَوْنِهِما يَسُوءانِ، وظاهِرُ مَن جاءَ العُمُومُ. وقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالأعْرابِ الَّذِينَ أسْلَمُوا كَما ذُكِرَ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقِيلَ: بِمَن آمَنَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم. وقِيلَ: …

Al-An'aam 6:160Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.