Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 131–140 of 165

131

ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍۢ وَأَهْلُهَا غَٰفِلُونَ

That is because your Lord would not destroy the cities for wrongdoing while their people were unaware.

﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها غافِلُونَ﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، وهو إتْيانُ الرُّسُلِ قاصِّينَ الآياتِ ومُنْذِرِينَ بِالحَشْرِ والحِسابِ والجَزاءِ بِسَبَبِ انْتِفاءِ إهْلاكِ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها لَمْ يَنْتَهُوا بِبِعْثَةِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، والإعْذارِ إلَيْهِمْ، والتَّقَدُّمِ بِالإخْبارِ بِما يَحِلُّ بِهِمْ إذا لَمْ يَتَّبِعُوا الرُّسُلَ، وفي الحَدِيثِ: «لَيْسَ أحَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ»، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ أنْزَلَ الكِتابَ وأرْسَلَ الرُّسُلَ. وقالَ الزَّجّاجُ قَرِيبًا مِن هَذا، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ الرُّسُلِ وأمَرِ عَذابِ مَن كَذَّبَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذا، أيْ: لا يُهْلِكُهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا. وقِيلَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى السُّؤالِ وهو ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أنْ لَمْ يَكُنْ، أيْ: لِبَيانِ أنْ لَمْ يَكُنْ، حَكاهُ التِّبْرِيزِيُّ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: الإشارَةُ إلى ما وُجِدَ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ والمَعاصِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشارَ بِهِ إلى الهَلاكِ الَّذِي كانَ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ. انْتَهى. ولا يَسْتَقِيمُ هَذانِ القَوْلانِ مَعَ قَوْلِهِ ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾؛ لِأنَّ المَعاصِيَ أوِ الإهْلاكَ لَيْسَ مُعَلَّلًا بِأنْ لَمْ يَكُنْ، وجَوَّزُوا في ذَلِكَ الرَّفْعَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: ذَلِكَ الأمْرُ، وخَبَرٌ مَحْذُوفُ المُبْتَدَأِ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، والنَّصْبَ عَلى فَعَلْنا ذَلِكَ، و﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تَعْلِيلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ النّاصِبَةَ لِلْمُضارِعِ والمُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، أيْ: لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ لا يَكُونَ ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ﴾ تَعْلِيلًا فَأجازَ فِيهِ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ﴾ [الحجر: ٦٦]، فَإذا كانَ تَعْلِيلًا فَهو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ العِلَّةِ عَلى الخِلافِ أمَوْضِعُهُ نَصْبٌ أوْ جَرٌّ، وإنْ كانَ بَدَلًا فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ لِأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ لَمْ يَذْكُرْ في ذَلِكَ إلّا أنَّهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ، و”بِظُلْمٍ“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى اللَّهِ، أيْ: ظالِمًا لَهم، كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]، ومَعْنى ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ أيْ: دُونَ أنْ يَتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ بِالنِّذارَةِ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعُبَيْدٍ﴾ [فصلت: ٤٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُضافًا إلى القُرى، أيْ: ظالِمَةٌ دُونَ أنْ يُنْذِرَهم، وهَذا مَعْنى قَوْلِ القُشَيْرِيِّ: أيْ لا يُهْلِكُهم بِذُنُوبِهِمْ ما لَمْ يَبْعَثْ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وهَذا الوَجْهُ ألْيَقُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُوهِمُ أنَّهُ تَعالى لَوْ آخَذَهم قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ كانَ ظالِمًا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ لِأنَّهُ تَعالى يَحْكُمُ ما يَشاءُ ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ: لَوْ أهْلَكَهم وهم غافِلُونَ لَمْ يَنْتَهُوا بِكِتابٍ ولا رَسُولٍ لَكانَ ظالِمًا، وهو مُتَعالٍ عَنِ الظُّلْمِ وعَنْ كُلِّ قَبِيحٍ. وقِيلَ: (بِظُلْمٍ) بِشِرْكِ مَن أشْرَكَ مِنهم، فَهو مِثْلُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وقالَ الماتُرِيدِيُّ: أيْ لَمْ يَكُنْ يُهْلِكُهم بِظُلْمِ أنْفُسِهِمْ إهْلاكَ اسْتِئْصالٍ وتَعْذِيبٍ إلّا بَعْدَ تَقَدُّمِ وعِيدٍ أوْ سُؤالِهِمُ العَذابَ، ولا يُهْلِكُهم مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الظُّلْمِ والعِصْيانِ؛ …

Al-An'aam 6:131Listen in Qur'an →
132

وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

And for all are degrees from what they have done. And your Lord is not unaware of what they do.

﴿ولِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ أيْ: ولِكُلٍّ مِنَ المُكَلَّفِينَ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ دَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ وتَفاوُتِها بِنِسْبَةِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ، أوْ بِنِسْبَةِ عَمَلِ كُلِّ عامِلٍ، فَيَكُونُ هو في دَرَجَةٍ فَيَتَرَقّى إلى أُخْرى كامِلَةٍ ثُمَّ إلى أكْمَلَ، والظّاهِرُ انْدِراجُ الجِنِّ في العُمُومِ في الجَزاءِ كَما انْدَرَجُوا في التَّكْلِيفِ وفي إرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ. قالَ الضَّحّاكُ: مُؤْمِنُو الجِنِّ في الجَنَّةِ كَمُؤْمِنِي الإنْسِ. وقِيلَ: لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا النّارَ، يُقالُ لَهم كُونُوا تُرابًا فَيَصِيرُونَ تُرابًا كالبَهائِمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَزاءُ مُؤْمِنِي الجِنِّ إجارَتُهم مِنَ النّارِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْجِنِّ ثَوابٌ لِأنَّ الثَّوابَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، فَلا يُقالُ بِهِ لَهم إلّا بِبَيانٍ مِنَ اللَّهِ، ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ في حَقِّهِمْ إلّا عُقُوبَةَ عاصِيهِمْ لا ثَوابَ طائِعِهِمْ، وخالَفَهُ صاحِباهُ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ، فَقالا: لَهم ثَوابٌ عَلى الطّاعاتِ وعِقابٌ عَلى المَعاصِي، ودَلِيلُهُما عُمُومُ الكِتابِ والسُّنَّةِ. وقِيلَ: ولِكُلٍّ مِنَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: ولِكُلٍّ مِنَ الكُفّارِ خاصَّةً ﴿دَرَجاتٌ﴾ دِرْكاتٌ، ومَراتِبُ مِنَ العِقابِ مِمّا عَمِلُوا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي؛ لِأنَّهُ جاءَ عَقِيبَ خِطابِ الكُفّارِ فَيَكُونُ راجِعًا عَلَيْهِمْ.

﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ بِساهٍ بِخَفِيٍّ عَلَيْهِ مَقادِيرُ الأعْمالِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأُجُورِ، وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: تَعْمَلُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ.

Al-An'aam 6:132Listen in Qur'an →
133

وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ

And your Lord is the Free of need, the possessor of mercy. If He wills, he can do away with you and give succession after you to whomever He wills, just as He produced you from the descendants of another people.

﴿ورَبُّكَ الغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى مَن أطاعَ ومَن عَصى والثَّوابَ والعِقابَ، ذَكَرَ أنَّهُ هو الغَنِيُّ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ لا تَنْفَعُهُ الطّاعَةُ ولا تَضُرُّهُ المَعْصِيَةُ، ومَعَ كَوْنِهِ غَنِيًّا هو ذُو الرَّحْمَةِ، أيِ: التَّفَضُّلِ التّامِّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ بِأوْلِيائِهِ وأهْلِ طاعَتِهِ. وقِيلَ: بِكُلِّ خَلْقِهِ، ومِن رَحْمَتِهِ تَأْخِيرُ الِانْتِقامِ مِنَ العُصاةِ. وقِيلَ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ جاعِلُ نَفْعِ الخَلائِقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ لِيُعَرِّضَهم لِلْمَنافِعِ الدّائِمَةِ.

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ هَذا فِيهِ إظْهارُ القُدْرَةِ التّامَّةِ والغِنى المُطْلَقِ، والخِطابُ عامٌّ لِلْخَلْقِ كُلِّهِمْ، كَما قالَ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، فالمَعْنى إنْ يَشَأْ إفْناءَ هَذا العالَمِ واسْتِخْلافَ ما يَشاءُ مِنَ الخَلْقِ غَيْرَهِمْ فَعَلَ، والإذْهابَ هُنا الإهْلاكُ، إهْلاكُ الِاسْتِئْصالٍ لا الإماتَةُ، ناسًا بَعْدَ ناسٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ فَلا يُعَلَّقُ الواقِعُ عَلى إنْ يَشَأْ. وقِيلَ: الخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ. وقالَ عَطاءٌ: يَعْنِي الأنْصارَ والتّابِعِينَ. وقِيلَ: ﴿يُذْهِبْكُمْ﴾ أيُّها العُصاةُ ﴿ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ مِنَ النَّوْعِ الطّائِعِ، و﴿كَما أنْشَأكُمْ﴾ في مَوْضِعِ مَصْدَرٍ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ: (ويَسْتَخْلِفْ) لِأنَّ مَعْناهُ ويُنْشِئْ، والمَعْنى إنْ يَشَأِ الإذْهابَ والِاسْتِخْلافَ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ، فَكُلٌّ مِنَ الإذْهابِ والِاسْتِخْلافِ مَعْذُوقٌ بِمَشِيئَتِهِ، و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وتَبِعَهُ مَكِّيٌّ: هي بِمَعْنى أخَذْتُ مِن ثَوْبِي دِينارًا بِمَعْنى عَنْهُ وعِوَضُهُ. انْتَهى. يَعْنِي أنَّها بِدَلِيَّةٌ، والمَعْنى مِن أوْلادِ قَوْمٍ مُتَقَدِّمِينَ أصْلُهم آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أوْلادِ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم، وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ. انْتَهى. ويَعْنِي أنَّكم ﴿مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ﴾ صالِحِينَ، فَلَوْ شاءَ أذَهْبَكم أيُّها العُصاةُ ويَسْتَخْلِفْ بَعْدَكم طائِعِينَ، كَما أنَّكم عُصاةٌ أنْشَأكم مِن قَوْمٍ طائِعِينَ، وما في قَوْلِهِ: ﴿ما يَشاءُ﴾ قِيلَ: بِمَعْنى مَن، والأوْلى إنْ كانَ المِقْدارُ اسْتِخْلافُهُ مِن غَيْرِ العاقِلِ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَها، وإنْ كانَ عاقِلًا فَيَكُونُ قَدْ أُرِيدَ بِها النَّوْعُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: (ذَرِّيَّةً) بِفَتْحِ الذّالِ، وكَذا في آلِ عِمْرانَ، وأبانُ بْنُ عُثْمانَ (ذَرِيَّةً) بِفَتْحِ الذّالِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ المَكْسُورَةِ، وعِنْدَ (ذَرْيَةً) عَلى وزْنِ ضَرْبَةٍ، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ التَّحْذِيرَ مَن بَطْشِ اللَّهِ في التَّعْجِيلِ بِذَلِكَ.

Al-An'aam 6:133Listen in Qur'an →
134

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَءَاتٍۢ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ

Indeed, what you are promised is coming, and you will not cause failure [to Allah].

﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ ظاهِرُ ”ما“ العُمُومُ في كُلِّ ما يُوعَدُ بِهِ. وقالَ الحَسَنُ: مِن مَجِيءِ السّاعَةِ لِأنَّهم كانُوا يُكَذِّبُونَ بِها. وقِيلَ: مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. وقِيلَ: مِنَ النَّصْرِ لِلرَّسُولِ لَكائِنٌ. وقِيلَ: مِنَ العَذابِ ﴿لِآتٍ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: مِنَ الوَعْدِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ لِقَرِينَةِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، والإشارَةُ إلى هَذا الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ خُصُوصًا، وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ مُطْلَقًا فَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْفاذَ الوَعِيدِ، والعَقائِدُ تَرُدُّ ذَلِكَ. انْتَهى. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: الوَعْدُ مَخْصُوصٌ بِالإخْبارِ عَنِ الثَّوابِ فَهو آتٍ لا مَحالَةَ، فَتَخْصِيصُ الوَعْدِ بِهَذا الجَزْمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الوَعِيدِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويُقَوِّي هَذا الوَجْهَ أنَّهُ قالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أيْ: لا تَخْرُجُونَ عَنْ قُدْرَتِنا وحِكْمَتِنا، فَلَمّا ذَكَرَ الوَعْدَ جَزَمَ، ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ ما زادَ عَلى ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ، فَتَلَخَّصَ في قَوْلِهِ: ﴿ما تُوعَدُونَ﴾ العُمُومُ، ويَخْرُجُ مِنهُ ما خَرَجَ بِالدَّلِيلِ، أوْ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ مِنَ الحَشْرِ أوِ النَّصْرِ أوِ الوَعِيدِ أوِ الوَعْدِ، أيْ: بِلازِمِهِما مِنَ الثَّوابِ أوِ العِقابِ أوْ مَجْمُوعِهِما، سِتَّةُ أقْوالٍ. وكُتِبَتْ ) أنَّ ) مَفْصُولَةً مِن (ما)، وما بِمَعْنى الَّذِي، وفي هَذِهِ الجُمْلَةِ إشْعارٌ بِقَصْرِ الأمَلِ وقُرْبِ الأجَلِ والمُجازاةِ عَلى العَمَلِ.

﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: فائِتِينَ، أعْجَزَنِي الشَّيْءُ: فاتَنِي، أيْ: لا يَفُوتُنا عَنْ ما أرَدْنا بِكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ بِناجِينَ، وهُنا تَفْسِيرٌ بِاللّازِمِ.

Al-An'aam 6:134Listen in Qur'an →
135

قُلْ يَٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌۭ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ

Say, "O my people, work according to your position; [for] indeed, I am working. And you are going to know who will have succession in the home. Indeed, the wrongdoers will not succeed.

﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ: عَلى مَكاناتِكم، عَلى الجَمْعِ حَيْثُ وقَعَ، فَمَن جَمَعَ قابَلَ جَمْعَ المُخاطَبِينَ بِالجَمْعِ، ومَن أفْرَدَ فَعَلى الجِنْسِ، والمَكانَةُ مَصْدَرُ مَكَّنَ، فالمِيمُ أصْلِيَّةٌ، وبِمَعْنى المَكانِ، ويُقالُ: المَكانُ والمَكانَةُ مُفْعَلٌ ومُفْعَلَةٌ مِنَ الكَوْنِ فالمِيمُ زائِدَةٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى تَمَكُّنِكم مِن أمْرِكم وأقْصى اسْتِطاعَتِكم وإمْكانِكم، قالَ مَعْناهُ الزَّجّاجُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، يُقالُ: عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ، إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالِهِ، أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ لا تَنْحَرِفْ عَنْهُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى ناحِيَتِكم، والمَعْنى ما تَنْحُونَ أيْ: ما تَقْصِدُونَ مِن صالِحٍ وطالِحٍ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عَلى حالِكم. وقالَ يَمانٌ: عَلى مَذاهِبِكم. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: عَلى دِينِكم في مَنازِلِكم لِهَلاكِي، خِطابًا لِكُفّارِ مَكَّةَ، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ لِهَلاكِكم. انْتَهى. وهي ألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ، وهَذا الأمْرُ أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وهي التَّخْلِيَةُ والتَّسْجِيلُ عَلى المَأْمُورِ بِأنَّهُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ، فَكَأنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وهو واجِبٌ عَلَيْهِ حَتْمًا لَيْسَ لَهُ أنْ يَتَفَصّى عَنْهُ ويَعْمَلَ بِخِلافِهِ، ومَعْنى ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي الَّتِي أنا عَلَيْها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم وعَداوَتِكم فِيَّ، فَإنِّي ثابِتٌ عَلى الإسْلامِ وعَلى مُصابِرَتِكم. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) مَفْعُولٌ بِـ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، وأجازُوا أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً اسْمَ اسْتِفْهامٍ، وخَبَرُهُ ﴿تَكُونُ﴾، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ إنْ كانَ (يَعْلَمُونَ) مُعَدّى إلى واحِدٍ، أوْ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ إنْ كانَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، و﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ مَآلُها وما تَنْتَهِي إلَيْهِ، والدّارُ يَظْهَرُ مِنهُ أنَّها دارُ الآخِرَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَآلُ الدُّنْيا بِالنَّصْرِ والظُّهُورِ، فَفي الآيَةِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الدّارَ لَها، وهَذا طَرِيقٌ مِنَ الإنْذارِ لِطَيْفُ المَسْلَكِ فِيهِ إنْصافٌ في المَقالِ وأدَبٌ حَسَنٌ مَعَ تَضَمُّنِ شِدَّةِ الوَعِيدِ والوُثُوقِ بِأنَّ المُنْذِرَ مُحِقٌّ وأنَّ المُنْذَرَ مُبْطِلٌ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ: مِن لَهُ النُّصْرَةُ في دارِ الإسْلامِ ومَن لَهُ الدّارُ الآخِرَةُ، أيْ: الجَنَّةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، كَقَوْلِهِ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّها الثَّقَلانِ﴾ [الرحمن: ٣١]، ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎إذا ما التَقَيْنا والتَقى الرُّسْلُ بَيْنَنا فَسَوْفَ تَرى يا عَمْرُو ما اللَّهُ صانِعُ

وقالَ آخَرُ:

؎سَتَعْلَمُ لَيْلى أيُّ دَيْنٍ تَدايَنَتْ ∗∗∗ وأيُّ غَرِيمٍ لِلتَّقاضِي غَرِيمُها

﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لا يَفُوزُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: لا يَبْقَوْنَ. وقالَ عَطاءٌ: لا يَسْعَدُ مَن كَفَرَ نِعْمَتِي. وقِيلَ: لا يَأْمَنُونَ ولا يَنْجُونَ مِنَ العَذابِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ الَّذِينَ لا …

Al-An'aam 6:135Listen in Qur'an →
136

وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًۭا فَقَالُوا۟ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ

And the polytheists assign to Allah from that which He created of crops and livestock a share and say, "This is for Allah," by their claim, "and this is for our partners [associated with Him]." But what is for their "partners" does not reach Allah, while what is for Allah - this reaches their "partners." Evil is that which they rule.

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَجْعَلُ مِن غَلّاتِها وزُرُوعِها وأثْمارِها وأنْعامِها جُزْءًا تُسَمِّيهِ لِلَّهِ، وجُزْءًا تُسَمِّيهِ لِأصْنامِها، وكانَتْ عادَتُها تُبالِغُ وتَجْتَهِدُ في إخْراجِ نَصِيبِ الأصْنامِ أكْثَرَ مِنها في نَصِيبِ اللَّهِ، إذْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأصْنامَ بِها فَقْرٌ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاللَّهِ، فَكانُوا إذا جَمَعُوا الزَّرْعَ فَهَبَّتِ الرِّيحُ فَحَمَلَتْ مِنَ الَّذِي لِلَّهِ إلى الَّذِي لِشُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ ولَمْ يَرُدُّوهُ إلى نَصِيبِ اللَّهِ، ويَفْعَلُونَ عَكْسَ هَذا، وإذا تَفَجَّرَ مِن سَقْيِ ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ شُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ، وبِالعَكْسِ سَدُّوهُ، وإذا لَمْ يَنْجَحُ شَيْءٌ مِن نَصِيبِ آلِهَتِهِمْ جَعَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ لَها، وكَذا في الأنْعامِ. وإذا أجْدَبُوا أكَلُوا نَصِيبَ اللَّهِ وتَرَكُوا نَصِيبَها. لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُبْحَ طَرِيقَةِ مُشْرِكِي العَرَبِ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، ذَكَرَ أنْواعًا مِن جَهالاتِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ أنَّهُ تَعالى كانَ أوْلى أنْ يُجْعَلَ لَهُ الأحْسَنُ والأجْوَدُ، وأنْ يَكُونَ جانِبُهُ تَعالى هو الأرْجَحَ، إذْ كانَ تَعالى هو المُوجِدَ لِما جَعَلُوا لَهُ مِنهُ نَصِيبًا، والقادِرُ عَلى تَنْمِيَتِهِ دُونَ أصْنامِهِمُ العاجِزَةِ عَنْ ما يَحِلُّ بِها، فَضْلًا عَنْ أنْ تَخْلُقَ شَيْئًا أوْ تُنَمِّيَهُ، وفي قَوْلِهِ (مِمّا) بِمِنِ التَّبْعِيضِيَّةِ دَلِيلٌ عَلى قِسْمٍ ثالِثٍ وهو ما بَقِيَ لَهم مِن غَيْرِ النَّصِيبَيْنِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ التَّقْسِيمُ، أيْ: ونَصِيبًا ﴿لِشُرَكائِهِمْ﴾، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ . و﴿الحَرْثِ﴾ قِيلَ هُنا: الزَّرْعُ. وقِيلَ: الزَّرْعُ والأشْجارُ وما يَكُونُ مِنَ الأرْضِ.

﴿والأنْعامِ﴾ الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، يَتَقَرَّبُونَ بِذَبْحِ ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامِي. وقِيلَ: النَّصِيبُ مِنَ الأنْعامِ هو النَّفَقَةُ عَلَيْها، وفي قَوْلِهِ: (فَقالُوا) تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو الجَعْلُ بِالقَوْلِ لِيَتَطابَقَ ويَتَظافَرَ الفِعْلُ بِالقَوْلِ، ثُمَّ إنَّهم أخْلَفُوا ذَلِكَ، واعْتَرَضَ أثْناءَ الكَلامِ قَوْلُهُ: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ وجاءَ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا لِلَّهِ﴾ لِأنَّهُ إخْبارُ كَذِبٍ، حَيْثُ أخْلَفَ ما جَعَلُوهُ وأكَّدُوهُ بِالقَوْلِ، ولَمْ يَأْتِ ذَلِكَ إثْرَ قَوْلِهِمْ: ﴿وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ لِتَحْقِيقِ ما لِشُرَكائِهِمْ أنَّهُ لَهم، والزَّعْمُ في أكْثَرِ كَلامِ العَرَبِ أقْرَبُ إلى غَيْرِ اليَقِينِ، والحَقُّ نَبَّهَ عَلى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ ولا أنْ يُشَرِّعَهُ لَهم، وذَلِكَ جَرْيٌ عَلى عادَتِهِمْ في شَرْعِ أحْكامٍ لَمْ يَأْذَنْ فِيها ولَمْ يُشَرِّعْها. وقَرَأ الكِسائِيُّ: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ فِيهِما بِضَمِّ الزّايِ، وهي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، والفَتْحُ لُغَةُ الحِجازِ، وبِهِ قَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، وهُما مَصْدَرانِ. وقِيلَ: الفَتْحُ في المَصْدَرِ والضَّمُّ في الِاسْمِ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ الزّايِ والعَيْنِ فِيهِما. والكَسْرُ لُغَةٌ لِبَعْضِ قَيْسٍ وتَمِيمٍ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ويَتَعَلَّقُ ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ بِقالُوا. وقِيلَ: بِما تَعَلَّقَ …

Al-An'aam 6:136Listen in Qur'an →
137

وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍۢ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And likewise, to many of the polytheists their partners have made [to seem] pleasing the killing of their children in order to bring about their destruction and to cover them with confusion in their religion. And if Allah had willed, they would not have done so. So leave them and that which they invent.

﴿وكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهم لِيُرْدُوهم ولِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ أيْ: ومِثْلُ تَزْيِينِ قِسْمَةِ القُرْبانِ بَيْنَ اللَّهِ وآلِهَتِهِمْ وجَعْلِهِمْ آلِهَتَهم شُرَكاءَ لِلَّهِ في ذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ الَّذِي عُلِمَ مِنَ الشَّياطِينِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (وكَذَلِكَ) مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُشارٍ بِهِ إلى ما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى وهَكَذا زَيَّنَ. انْتَهى. و(كَثِيرٍ) يُرادُ بِهِ مَن كانَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ. قالَ مُجاهِدٌ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ شَياطِينُهم، أمَرُوهم أنْ يَدْفِنُوا بَناتِهِمْ أحْياءً خَشْيَةِ العَيْلَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ سَدَنَتُهم وخَزَنَتُهُمُ الَّتِي لِآلِهَتِهِمْ، كانُوا يُزَيِّنُونَ لَهم دَفْنَ البَناتِ أحْياءً. وقِيلَ: رُؤَساؤُهم كانُوا يَقْتُلُونَ الإناثَ تَكَبُّرًا والذُّكُورَ خَوْفَ الفَقْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ بِالوَأْدِ أوْ بِنَحْرِهِمْ لِلْآلِهَةِ، وكانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ في الجاهِلِيَّةِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا غُلامًا لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المَطْلَبِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿زَيَّنَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ونَصْبَ ﴿قَتْلَ﴾ مُضافًا إلى ﴿أوْلادِهِمْ﴾، ورَفْعَ ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ فاعِلًا بِزَيَّنَ، وإعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ السُّلَمِيُّ والحَسَنُ وأبُو عَبْدِ المَلِكِ قاضِي الجُنْدِ صاحِبُ ابْنِ عامِرٍ: (زُيِّنَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (قَتْلُ) مَرْفُوعًا مُضافًا إلى ﴿أوْلادِهِمْ﴾ ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم، هَكَذا خَرَّجَهُ سِيبَوَيْهِ، أوْ فاعِلًا بِالمَصْدَرِ، أيْ: ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾، كَما تَقُولُ: حُبِّبَ لِي رُكُوبُ الفَرَسِ زِيدٌ، هَكَذا خَرَّجَهُ قُطْرُبٌ. فَعَلى تَوْجِيهِ سِيبَوَيْهِ الشُّرَكاءُ مُزَيِّنُونَ لا قاتِلُونَ، كَما ذَلِكَ في القِراءَةِ الأُولى، وعَلى تَوْجِيهِ قُطْرُبٍ الشُّرَكاءُ قاتِلُونَ. ومَجازُهُ أنَّهم لَمّا كانُوا مُزَيِّنِينَ القَتْلَ جُعِلُوا هُمُ القاتِلِينَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مُباشَرِي القَتْلِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم خَفَضُوا شُرَكائِهِمْ، وعَلى هَذا الشُّرَكاءُ هُمُ المَوْؤِدُونَ لِأنَّهم شُرَكاءُ في النَّسَبِ والمَوارِيثِ، أوْ لِأنَّهم قَسِيمُو أنْفُسِهِمْ وأبْعاضٌ مِنها. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (كَذَلِكَ) إلّا أنَّهُ نَصَبَ ﴿أوْلادِهِمْ﴾ وجَرَّ ”﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾“، فَصَلَ بَيْنَ المَصْدَرِ المُضافِ إلى الفاعِلِ بِالمَفْعُولِ، وهي مَسْألَةٌ مُخْتَلَفٌ في جَوازِها، فَجُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُونَها مُتَقَدِّمُوهم ومُتَأخَّرُوهم، ولا يُجِيزُونَ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أجازَها، وهو الصَّحِيحُ لِوُجُودِها في هَذِهِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ المَنسُوبَةِ إلى العَرَبِيِّ الصَّرِيحِ المَحْضِ ابْنِ عامِرٍ الآخِذِ القُرْآنِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قَبْلَ أنْ يَظْهَرَ اللَّحْنُ في لِسانِ العَرَبِ، ولِوُجُودِها أيْضًا في لِسانِ العَرَبِ في عِدَّةِ أبْياتٍ قَدْ ذَكَرْناها في كِتابِ (مَنهَجِ السّالِكِ) مِن تَأْلِيفِنا، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وهَذِهِ قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، وذَلِكَ أنَّهُ أضافَ الفِعْلَ إلى الفاعِلِ وهو الشُّرَكاءُ، ثُمَّ فَصَلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ، ورُؤَساءُ العَرَبِيَّةِ لا يُجِيزُونَ الفَصْلَ بِالظُّرُوفِ في مِثْلِ هَذا إلّا في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ:

؎كَما خُطَّ …

Al-An'aam 6:137Listen in Qur'an →
138

وَقَالُوا۟ هَٰذِهِۦٓ أَنْعَٰمٌۭ وَحَرْثٌ حِجْرٌۭ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَٰمٌۭ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ

And they say, "These animals and crops are forbidden; no one may eat from them except whom we will," by their claim. And there are those [camels] whose backs are forbidden [by them] and those upon which the name of Allah is not mentioned - [all of this] an invention of untruth about Him. He will punish them for what they were inventing.

﴿وقالُوا هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إلّا مَن نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ أعْلَمَ تَعالى بِأشْياءَ مِمّا شَرَعُوها وتَقْسِيماتٍ ابْتَدَعُوها والتَزَمُوها عَلى جِهَةِ الفِرْيَةِ والكَذِبِ مِنهم عَلى اللَّهِ، أفْرَدُوا مِن أنْعامِهِمْ وزُرُوعِهِمْ وثِمارِهِمْ شَيْئًا وقالُوا: هَذا حِجْرٌ، أيْ: حَرامٌ مَمْنُوعٌ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ: ”نَعَمٌ“ عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ، والحِجْرُ بِمَعْنى المَحْجُورِ، كالذِّبْحِ والطِّحْنِ يَسْتَوِي في الوَصْفِ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرَ الصِّفاتِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ والأعْرَجُ بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ الجِيمِ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: قَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ بِفَتْحِ الحاءِ وإسْكانِ الجِيمِ، وعَنِ الحَسَنِ أيْضًا: (حِجْرٌ) بِضَمِّ الحاءِ. وقَرَأ أبانُ بْنُ عُثْمانَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، وقالَ هارُونُ: كانَ الحَسَنُ يَضُمُّ الحاءَ مِن (حِجْرٌ)، حَيْثُ وقَعَ إلّا (حِجْرًا مَحْجُورًا) فَيَكْسِرُها، وقَرَأ أبِيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ وعِكْرِمَةُ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ والأعْمَشُ: حِرْجٌ بِكَسْرِ الحاءِ وتَقْدِيمِ الرّاءِ عَلى الجِيمِ وسُكُونِها، وخَرَجَ عَلى القَلْبِ، فَمَعْناهُ مَعْنى (حِجْرٌ)، أوْ مِنَ الحَرَجِ وهو التَّضْيِيقُ. ”لا يَطْعَمُها“: لا يَأْكُلُها إلّا مَن نَشاءُ وهُمُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، أوْ سَدَنَةُ الأصْنامِ، ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمُ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الباطِلِ مِنهُ إلى الحَقِّ.

﴿وأنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ هي البَحائِرُ والسَّوائِبُ والحَوامِي، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في المائِدَةِ.

﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ أيْ عِنْدَ الذَّبْحِ. وقالَ أبُو وائِلٍ وجَماعَةٌ: لا يَحُجُّونَ عَلَيْها ولا يُلَبُّونَ، كانَتْ تُرْكَبُ في كُلِّ وجْهٍ إلّا في الحَجِّ.

﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ اخْتِلاقًا وكَذِبًا عَلى اللَّهِ، حَيْثُ قَسَّمُوا هَذِهِ الأنْعامَ هَذا التَّقْسِيمَ ونَسَبُوا ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وانْتَصَبَ ﴿افْتِراءً﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ أوْ مَصْدَرٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، أيْ يَفْتَرُونَ، أوْ مَصْدَرٌ عَلى مَعْنى وقالُوا؛ لِأنَّهُ في مَعْنى افْتَرَوْا، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعِيدٌ.

Al-An'aam 6:138Listen in Qur'an →
139

وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلْأَنْعَٰمِ خَالِصَةٌۭ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةًۭ فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And they say, "What is in the bellies of these animals is exclusively for our males and forbidden to our females. But if it is [born] dead, then all of them have shares therein." He will punish them for their description. Indeed, He is Wise and Knowing.

﴿وقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ الَّذِي في بُطُونِها هو الأجِنَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كانُوا يَقُولُونَ في أجِنَّةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ: ما وُلِدَ مِنها حَيّا فَهو خالِصٌ لِذُكُورِنا ولا تَأْكُلُ مِنهُ الإناثُ، وما وُلِدَ مَيِّتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الذُّكُورُ والإناثُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والشَّعْبِيُّ: الَّذِي في بُطُونِها هو اللَّبَنُ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: اللَّفْظُ يَعُمُّ الأجِنَّةَ واللَّبَنَ. انْتَهى. والظّاهِرُ الأجِنَّةُ لِأنَّها الَّتِي في البَطْنِ حَقِيقَةً، وأمّا اللَّبَنُ: فَفي الضَّرْعِ لا في البَطْنِ إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةَ والضَّحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: خالِصٌ بِالرَّفْعِ بِغَيْرِ تاءٍ وهو خَبَرُ ما، و(لِذُكُورِنا) مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ فِيما ذَكَرَ ابْنُ جِنِّيٍّ: خالِصًا بِالنَّصْبِ بِغَيْرِ تاءٍ، وانْتَصَبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ، أوْ عَلى الحالِ مِن ما عَلى مَذْهَبِ أبِي الحَسَنِ في إجازَتِهِ تَقْدِيمَ الحالِ عَلى العامِلِ فِيها، انْتَهى مُلَخَّصًا. ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: عَلى الحالِ مِن (ما) أيْ: مِن ضَمِيرِ (ما) الَّذِي تَضَمَّنَهُ خَبَرُ (ما) وهو (لِذُكُورِنا)، ويَعْنِي بِقَوْلِهِ: في إجازَتِهِ إلى آخِرِهِ عَلى العامِلِ فِيها إذا كانَ ظَرْفًا أوْ مَجْرُورًا نَحْوَ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، وخَبَرُ (ما) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ هو (لِذُكُورِنا) . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والأعْرَجُ وقَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: (خالِصَةٌ) بِالنَّصْبِ، وإعْرابُها كَإعْرابِ (خالِصًا) بِالنَّصْبِ، وخَرَّجَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كالعافِيَةِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو رَزِينٍ وعِكْرِمَةُ وابْنُ يَعْمُرَ وأبُو حَيْوَةَ والزَّهْرِيُّ: (خالِصَةٌ) عَلى الإضافَةِ، وهو بَدَلٌ مِن (ما)، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لِذُكُورِنا)، والجُمْلَةُ خَبَرُ ما. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (خالِصَةٌ) بِالرَّفْعِ وبِالتّاءِ، وهَلِ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَراوِيَةٍ، أوْ حَمْلًا عَلى مَعْنى ما لِأنَّها أجِنَّةٌ والعامُّ، أوْ هو مَصْدَرٌ يُبْنى عَلى فاعِلَةٍ كالعافِيَةِ والعاقِبَةِ أيْ: ذُو خُلُوصٍ، أقْوالٌ. وكانَ قَدْ سَبَقَ لَنا أنَّ شَيْخَنا عَلَمَ الدِّينِ العِراقِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في القُرْآنِ حَمْلٌ عَلى المَعْنى أوَّلًا ثُمَّ حَمْلٌ عَلى اللَّفْظِ بَعْدَهُ، إلّا في هَذِهِ الآيَةِ، ووَعَدَنا أنْ نُحَرِّرَ ذَلِكَ في مَكانٍ، وما ذَكَرَهُ قالَهُ مَكِّيٌّ، قالَ: الآيَةُ في قِراءَةِ الجَماعَةِ أتَتْ عَلى خِلافِ نَظائِرِها في القُرْآنِ لِأنَّ كُلَّ ما يُحْمَلُ عَلى اللَّفْظِ مَرَّةً وعَلى المَعْنى مَرَّةً إنَّما يُبْتَدَأُ أوَّلًا بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ يَلِيهِ الحَمْلُ عَلى مَعْنًى نَحْوَ (مَن آمَنَ بِاللَّهِ)، ثُمَّ قالَ: (فَلَهم أجْرُهم) هَكَذا يَأْتِي في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقَدَّمَ فِيها الحَمْلُ عَلى المَعْنى فَقالَ: (خالِصَةٌ)، ثُمَّ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ فَقالَ: ﴿ومُحَرَّمٌ﴾، ومِثْلُهُ ”كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً“ في قِراءَةِ نافِعٍ ومَن تابَعَهُ فَأنَّثَ عَلى مَعْنى (كُلُّ)؛ لِأنَّها اسْمٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ مِنَ الخَطايا، ثُمَّ قالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] فَذَكَّرَ عَلى لَفْظِ (كُلُّ)، وكَذَلِكَ (ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ) حَمْلًا عَلى ما، ووَحَّدَ الهاءَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ما. وحُكِيَ عَنِ …

Al-An'aam 6:139Listen in Qur'an →
140

قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ

Those will have lost who killed their children in foolishness without knowledge and prohibited what Allah had provided for them, inventing untruth about Allah. They have gone astray and were not [rightly] guided.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ كانَ جُمْهُورُ العَرَبِ لا يَئِدُونَ بَناتِهِمْ وكانَ بَعْضُ رَبِيعَةَ ومُضَرَ يَئِدُوهُنَّ وهو دَفْنُهُنَّ أحْياءً، فَبَعْضُهم يَئِدُ خَوْفَ العَيْلَةِ والإقْتارِ وبَعْضُهم خَوْفَ السَّبْيِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ إخْبارًا بِخُسْرانِ فاعِلِ ذَلِكَ ولَمّا تَقَدَّمَ تَزْيِينُ قَتْلِ الأوْلادِ وتَحْرِيمُ ما حَرَّمُوهُ في قَوْلِهِمْ: هَذِهِ أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ. جاءَ هُنا تَقْدِيمُ قَتْلِ الأوْلادِ وتَلاهُ التَّحْرِيمُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عَلَمٍ﴾ إشارَةٌ إلى خِفَّةِ عُقُولِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ والمُقَدَّرُ السَّبْيَ وغَيْرَهُ، ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ إظْهارًا لِإباحَتِهِ لَهم فَقابَلُوا إباحَةَ اللَّهِ بِتَحْرِيمِهِمْ هم وما رَزَقَهُمُ اللَّهُ يَعُمُّ السَّوائِبَ والبَحائِرَ والزُّرُوعَ، وتَرَتَّبَ عَلى قَتْلِهِمْ أوْلادَهُمُ الخُسْرانُ مُعَلَّلًا بِالسَّفَهِ والجَهْلِ وعَلى تَحْرِيمِ ما رَزَقَهُمُ الخُسْرانُ مُعَلَّلًا بِالِافْتِراءِ ثُمَّ الإخْبارِ بِالضَّلالِ وانْتِفاءِ الهِدايَةِ؛ وكُلُّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ سَبَبٌ تامٌّ في حُصُولِ الذَّمِّ، فَأمّا الخُسْرانُ فَلِأنَّ الوَلَدَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ فَإذا سَعى في إبْطالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ والهِبَةِ فَقَدْ خَسِرَ واسْتَحَقَّ الذَّمَّ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِمْ: قَتَلَ ولَدَهُ خَوْفَ أنْ يَأْكُلَ مَعَهُ وفي الآخِرَةِ العِقابَ لِأنَّ ثَمَرَةَ الوَلَدِ المَحَبَّةُ، ومَعَ حُصُولِها ألْحَقَ بِهِ أعْظَمَ المَضارِّ وهو القَتْلُ كانَ أعْظَمَ الذُّنُوبِ فَيَسْتَحِقُّ أعْظَمَ العِقابِ، وأمّا السَّفَهُ وهي الخِفَّةُ المَذْمُومَةُ فَقَتْلُ الوَلَدِ لِخَوْفِ الفَقْرِ وإنْ كانَ ضَرَرًا فالقَتْلُ أعْظَمُ مِنهُ؛ وأيْضًا فالقَتْلُ ناجِزٌ والفَقْرُ مَوْهُومٌ، وأمّا الجَهْلُ فَيَتَوَلَّدُ عَنْهُ السَّفاهَةُ والجَهْلُ أعْظَمُ القَبائِحِ، وأمّا تَحْرِيمٌ ما أحِلَّ اللَّهُ فَهو مِن أعْظَمِ الجِناياتِ، وأمّا الِافْتِراءُ فَجَراءَةٌ عَلى اللَّهِ وهو مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، وأمّا الضَّلالُ فَهو أنْ لا يَرْشُدُوا في مَصالِحِ الدُّنْيا ولا الآخِرَةِ، وأمّا انْتِفاءُ الهِدايَةِ فَتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَطُّ فِيما سَلَكُوهُ مِن ذَلِكَ ذَوِي هِدايَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والسُّلَمِيُّ وأهْلُ مَكَّةَ والشّامِ ومِنهُما ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: (قَتَّلُوا) بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ اليَمانِيُّ: سُفَهاءُ عَلى الجَمْعِ.

Al-An'aam 6:140Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.