Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 121–130 of 165

121

وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌۭ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ

And do not eat of that upon which the name of Allah has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قالَ السَّخاوِيُّ: قالَ مَكْحُولٌ: ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِثْلَ ذَلِكَ، وأجازَ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ ولا يَجُوزُ لَنا أنْ نَأْكُلَ مِن ذَبائِحِهِمْ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ. انْتَهى. ولا يُسَمّى هَذا نَسْخًا بَلْ هو تَخْصِيصٌ، ولَمّا أمَرَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ مَفْهُومُهُ أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أكَّدَ هَذا المَفْهُومَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ تَحْرِيمُ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمْدًا كَأنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ، أوْ نِسْيانًا، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطِيمِيُّ وابْنُ سِيرِينَ والشَّعْبِيُّ ونافِعٌ وأبُو ثَوْرٍ وداوُدُ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، وأبُو عِياضٍ وأبُو رافِعٍ وعَطاءٌ وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ وجابِرٌ وعِكْرِمَةُ وطاوُسُ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى ورَبِيعَةُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ والأصَمُّ: يَحِلُّ أكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ التُّرْكُ أوْ نِسْيانًا. وقالَ مُجاهِدٌ وطاوُسُ أيْضًا، وابْنُ شِهابٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ في رِوايَةٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وإسْحاقُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي القاسِمِ وعِيسى وأصْبُغُ: يُؤْكَلُ إنْ كانَ التَّرْكُ ناسِيًا، وإنْ كانَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ وقالَ: لا يُسَمّى فاسِقًا إذا كانَ ناسِيًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أكْلِ ذَبِيحَةِ النّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أشْهَبُ والطَّبَرِيُّ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا. وقالَ أبُو بَكْرٍ الآيِذِيُّ: يُكْرَهُ أكْلُ ذَبِيحَةِ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا. وتَحْتاجُ هَذِهِ التَّخْصِيصاتُ إلى دَلائِلَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرُهُ لِعُمُومِ الآيَةِ، وهو مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ المَيْتَةُ، وعَنْهُ أنَّهُ المَيْتَةُ والمُنْخَنِقَةُ إلى: وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَبائِحُ لِلْأوْثانِ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: صَيْدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم لا يُسَمُّونَ عِنْدَ إرْسالِ السَّهْمَ ولا هم مِن أهْلِ التَّسْمِيَةِ. قالَ الحَسَنُ: الفِسْقُ الكُفْرُ، قالَ الكِرْمانِيُّ: يُرِيدُ مَعَ الِاسْتِحْلالِ، وقالَ غَيْرُهُ: الفِسْقُ المَعْصِيَةُ، والضَّمِيرُ في (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ (تَأْكُلُوا)، أيْ: وإنَّ الأكْلَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وجَوَّزَ مَعَهُ الحَوْفِيُّ في أنْ يَعُودَ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾، وجَوَّزَ مَعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ . انْتَهى. ومَعْنى أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَنفِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ تَرْكَ الذِّكْرِ لِفِسْقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وتَضَمَّنَتْ …

Al-An'aam 6:121Listen in Qur'an →
122

أَوَمَن كَانَ مَيْتًۭا فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًۭا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍۢ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ قالَ السَّخاوِيُّ: قالَ مَكْحُولٌ: ورُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِثْلَ ذَلِكَ، وأجازَ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْها، وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ ولا يَجُوزُ لَنا أنْ نَأْكُلَ مِن ذَبائِحِهِمْ إلّا ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ. انْتَهى. ولا يُسَمّى هَذا نَسْخًا بَلْ هو تَخْصِيصٌ، ولَمّا أمَرَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ مَفْهُومُهُ أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِمّا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، أكَّدَ هَذا المَفْهُومَ بِالنَّصِّ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ تَحْرِيمُ أكْلِ ما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَمْدًا كَأنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ، أوْ نِسْيانًا، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطِيمِيُّ وابْنُ سِيرِينَ والشَّعْبِيُّ ونافِعٌ وأبُو ثَوْرٍ وداوُدُ في رِوايَةٍ، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا في رِوايَةٍ، وأبُو عِياضٍ وأبُو رافِعٍ وعَطاءٌ وابْنُ المُسَيِّبِ والحَسَنُ وجابِرٌ وعِكْرِمَةُ وطاوُسُ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي لَيْلى ورَبِيعَةُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، والشّافِعِيُّ والأصَمُّ: يَحِلُّ أكْلُ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا كانَ التُّرْكُ أوْ نِسْيانًا. وقالَ مُجاهِدٌ وطاوُسُ أيْضًا، وابْنُ شِهابٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ في رِوايَةٍ، وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ حُيَيٍّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ وإسْحاقُ ومالِكٌ في رِوايَةٍ، وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وابْنُ أبِي القاسِمِ وعِيسى وأصْبُغُ: يُؤْكَلُ إنْ كانَ التَّرْكُ ناسِيًا، وإنْ كانَ عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلْ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ وقالَ: لا يُسَمّى فاسِقًا إذا كانَ ناسِيًا، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ جَوازُ أكْلِ ذَبِيحَةِ النّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ أشْهَبُ والطَّبَرِيُّ: تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا إلّا أنْ يَكُونَ مُسْتَخِفًّا. وقالَ أبُو بَكْرٍ الآيِذِيُّ: يُكْرَهُ أكْلُ ذَبِيحَةِ تارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا. وتَحْتاجُ هَذِهِ التَّخْصِيصاتُ إلى دَلائِلَ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرُهُ لِعُمُومِ الآيَةِ، وهو مَتْرُوكُ التَّسْمِيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: إنَّهُ المَيْتَةُ، وعَنْهُ أنَّهُ المَيْتَةُ والمُنْخَنِقَةُ إلى: وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَبائِحُ لِلْأوْثانِ كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: صَيْدُ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم لا يُسَمُّونَ عِنْدَ إرْسالِ السَّهْمَ ولا هم مِن أهْلِ التَّسْمِيَةِ. قالَ الحَسَنُ: الفِسْقُ الكُفْرُ، قالَ الكِرْمانِيُّ: يُرِيدُ مَعَ الِاسْتِحْلالِ، وقالَ غَيْرُهُ: الفِسْقُ المَعْصِيَةُ، والضَّمِيرُ في (وإنَّهُ) عائِدٌ إلى المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ (تَأْكُلُوا)، أيْ: وإنَّ الأكْلَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وجَوَّزَ مَعَهُ الحَوْفِيُّ في أنْ يَعُودَ عَلى ”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾، وجَوَّزَ مَعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَعُودَ عَلى الذِّكْرِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ﴿لَمْ يُذْكَرِ﴾ . انْتَهى. ومَعْنى أنَّهُ عائِدٌ عَلى المَصْدَرِ المَنفِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ تَرْكَ الذِّكْرِ لِفِسْقٌ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وتَضَمَّنَتْ …

Al-An'aam 6:122Listen in Qur'an →
123

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ فَسادَ حالِ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهم حالُ مَن تَقَدَّمَهم مِن نُظَرائِهِمُ الكُفّارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ، يَعْنِي أنَّ التَّمْثِيلَ لَهم، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، فَتَكُونُ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، و(جَعَلْنا) بِمَعْنى صَيَّرْنا، ومَفْعُولُها الأوَّلُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾، وفي كُلِّ قَرْيَةٍ المَفْعُولُ الثّانِي، و(أكابِرَ) عَلى هَذا مُضافٌ إلى (مُجْرِمِيها)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلًا مِن ﴿أكابِرَ﴾، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ المَفْعُولَ الأوَّلَ، و﴿أكابِرَ﴾ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والتَّقْدِيرُ: مُجْرِمِيها أكابِرَ، وما أجازاهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ، وهو أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ بِمِن مَلْفُوظًا بِها أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كانَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا دائِمًا سَواءً كانَ لِمُذَكَّرٍ أوْ مُؤَنَّثٍ، مُفْرَدٍ أوْ مُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ، فَإذا أُنِّثَ أوْ ثُنِّيَ أوْ جُمِعَ طابَقَ ما هو لَهُ في ذَلِكَ ولَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالقَوْلُ بِأنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أكابِرَ﴾ أوْ أنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ، خَطَأٌ لِالتِزامِهِ أنْ يَبْقى ﴿أكابِرَ﴾ مَجْمُوعًا ولَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، ولا هو مُضافٌ إلى مَعْرِفَةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقَدْ تَنَبَّهَ الكِرْمانِيُّ لِهَذِهِ القاعِدَةِ فَقالَ: أضافَ الأكابِرَ إلى مُجْرِمِيها لِأنَّ أفْعَلُ لا يُجْمَعُ إلّا مَعَ الألِفِ واللّامِ أوْ مَعَ الإضافَةِ. انْتَهى. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ: أوْ مَعَ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، أيْ: فُسّاقًا ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُقالُ أكابِرَةٌ كَما قالُوا أحْمَرَ وأحامِرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَةَ أهْلَكَتْ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قَدَمًا مُولَعًا

انْتَهى. ولا أعْلَمَ أحَدًا أجازَ في الأفاضِلِ أنْ يُقالَ الأفاضِلَةَ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُجْمَعُ لِلْمُذَكَّرِ عَلى الأفْضَلِينَ أوِ الأفاضِلِ، وخَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ والتَّحَيُّلِ والمَكْرِ لِرِئاسَتِهِمْ وسِعَةِ أرْزاقِهِمْ واسْتِتْباعِهِمُ الضُّعَفاءَ والمَحاوِيجَ. قالَ البَغَوِيُّ: سُنَّةُ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَ أتْباعَ الرُّسُلِ الضُّعَفاءَ كَما قالَ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وجَعَلَ فُسّاقَهم أكابِرَهم، وكانَ قَدْ جَلَسَ عَلى طَرِيقِ مَكَّةَ أرْبَعَةٌ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنِ الأيْمانِ بِالرَّسُولِ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَن يَقْدَمُ: إيّاكَ وهَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ ساحِرٌ كاهِنٌ كَذّابٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهُ في أنْ كانَ رُؤَساءُ قَوْمِهِ يُعادُونَهُ، كَما كانَ في قَرْيَةِ مَن يُعانِدُ الأنْبِياءَ، وقَرَأ ابْنُ مُسْلِمٍ: أكْبَرَ مُجْرِمِيها، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ وكانَ لِمُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ جازَ أنْ يُطابِقَ وجازَ أنْ يُفْرَدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، …

Al-An'aam 6:123Listen in Qur'an →
124

وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌۭ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allah." Allah is most knowing of where He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allah and severe punishment for what they used to conspire.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ صَنادِيدَها لِيَمْكُرُوا فِيها جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ فَسادَ حالِ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهم حالُ مَن تَقَدَّمَهم مِن نُظَرائِهِمُ الكُفّارِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في المُسْتَهْزِئِينَ، يَعْنِي أنَّ التَّمْثِيلَ لَهم، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، فَتَكُونُ الإشارَةُ فِيهِ إلى ما أُشِيرُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (كَذَلِكَ زَيَّنَ)، و(جَعَلْنا) بِمَعْنى صَيَّرْنا، ومَفْعُولُها الأوَّلُ ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾، وفي كُلِّ قَرْيَةٍ المَفْعُولُ الثّانِي، و(أكابِرَ) عَلى هَذا مُضافٌ إلى (مُجْرِمِيها)، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلًا مِن ﴿أكابِرَ﴾، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ ﴿مُجْرِمِيها﴾ المَفْعُولَ الأوَّلَ، و﴿أكابِرَ﴾ المَفْعُولَ الثّانِيَ، والتَّقْدِيرُ: مُجْرِمِيها أكابِرَ، وما أجازاهُ خَطَأٌ وذُهُولٌ عَنْ قاعِدَةٍ نَحْوِيَّةٍ، وهو أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا كانَ بِمِن مَلْفُوظًا بِها أوْ مُقَدَّرَةً أوْ مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كانَ مُفْرَدًا مُذَكَّرًا دائِمًا سَواءً كانَ لِمُذَكَّرٍ أوْ مُؤَنَّثٍ، مُفْرَدٍ أوْ مُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ، فَإذا أُنِّثَ أوْ ثُنِّيَ أوْ جُمِعَ طابَقَ ما هو لَهُ في ذَلِكَ ولَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْنِ: إمّا الألِفُ واللّامُ أوِ الإضافَةُ إلى مَعْرِفَةٍ، وإذا تَقَرَّرَ هَذا فالقَوْلُ بِأنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ بَدَلٌ مِن ﴿أكابِرَ﴾ أوْ أنَّ ﴿مُجْرِمِيها﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ، خَطَأٌ لِالتِزامِهِ أنْ يَبْقى ﴿أكابِرَ﴾ مَجْمُوعًا ولَيْسَ فِيهِ ألِفٌ ولامٌ، ولا هو مُضافٌ إلى مَعْرِفَةٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقَدْ تَنَبَّهَ الكِرْمانِيُّ لِهَذِهِ القاعِدَةِ فَقالَ: أضافَ الأكابِرَ إلى مُجْرِمِيها لِأنَّ أفْعَلُ لا يُجْمَعُ إلّا مَعَ الألِفِ واللّامِ أوْ مَعَ الإضافَةِ. انْتَهى. وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ: أوْ مَعَ الإضافَةِ إلى مَعْرِفَةٍ. وقَدَّرَ بَعْضُهُمُ المَفْعُولَ الثّانِيَ مَحْذُوفًا، أيْ: فُسّاقًا ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا لا يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُقالُ أكابِرَةٌ كَما قالُوا أحْمَرَ وأحامِرَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎إنَّ الأحامِرَةَ الثَّلاثَةَ أهْلَكَتْ مالِي وكُنْتُ بِهِنَّ قَدَمًا مُولَعًا

انْتَهى. ولا أعْلَمَ أحَدًا أجازَ في الأفاضِلِ أنْ يُقالَ الأفاضِلَةَ، بَلِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ يُجْمَعُ لِلْمُذَكَّرِ عَلى الأفْضَلِينَ أوِ الأفاضِلِ، وخَصَّ الأكابِرَ لِأنَّهم أقْدَرُ عَلى الفَسادِ والتَّحَيُّلِ والمَكْرِ لِرِئاسَتِهِمْ وسِعَةِ أرْزاقِهِمْ واسْتِتْباعِهِمُ الضُّعَفاءَ والمَحاوِيجَ. قالَ البَغَوِيُّ: سُنَّةُ اللَّهِ أنَّهُ جَعَلَ أتْباعَ الرُّسُلِ الضُّعَفاءَ كَما قالَ: ﴿واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وجَعَلَ فُسّاقَهم أكابِرَهم، وكانَ قَدْ جَلَسَ عَلى طَرِيقِ مَكَّةَ أرْبَعَةٌ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنِ الأيْمانِ بِالرَّسُولِ، يَقُولُونَ لِكُلِّ مَن يَقْدَمُ: إيّاكَ وهَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ ساحِرٌ كاهِنٌ كَذّابٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ، إذْ حالُهُ في أنْ كانَ رُؤَساءُ قَوْمِهِ يُعادُونَهُ، كَما كانَ في قَرْيَةِ مَن يُعانِدُ الأنْبِياءَ، وقَرَأ ابْنُ مُسْلِمٍ: أكْبَرَ مُجْرِمِيها، وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى مَعْرِفَةٍ وكانَ لِمُثَنّى أوْ مَجْمُوعٍ أوْ مُؤَنَّثٍ جازَ أنْ يُطابِقَ وجازَ أنْ يُفْرَدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، …

Al-An'aam 6:124Listen in Qur'an →
125

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًۭا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

So whoever Allah wants to guide - He expands his breast to [contain] Islam; and whoever He wants to misguide - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allah place defilement upon those who do not believe.

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الرَّسُولِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ، والهِدايَةُ هُنا مُقابِلَةُ الضَّلالَةِ، والشَّرْحُ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِ قابِلًا لِلْإسْلامِ مُتَوَسِّعًا لِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى صَدْرِهِ مَجازٌ عَنْ ذاتِ الشَّخْصِ، ولِذَلِكَ قالُوا: فُلانٌ واسِعُ الصَّدْرِ إذا كانَ الشَّخْصُ مُحْتَمِلًا ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والتَّكالِيفِ، ونِسْبَةُ إرادَةِ الهُدى والضَّلالِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ ذَلِكَ والمُوجِدُ لَهُ والمُرِيدُ لَهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ تَسْهِيلُ قَبُولِ الإيمانِ عَلَيْهِ وتَحْسِينُهُ وإعْدادُهُ لِقَبُولِهِ، وضَمِيرُ فاعِلِ الهُدى عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أيْ: يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الهُدى المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾، أيْ: يَشْرَحُ الهُدى صَدْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأعْمالِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذا الشَّرْحِ، وأنَّهُ إذا وقَعَ النُّورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ الصَّدْرُ، وأمارَتُهُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ. والضِّيقُ والحَرَجُ كِنايَةٌ عَنْ ضِدِّ الشَّرْحِ، واسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ، والحَرِجُ الشَّدِيدُ الضِّيقِ، والضَّمِيرُ في (يَجْعَلْ) عائِدٌ عَلى (اللَّهُ)، ومَعْنى يَجْعَلُ يُصَيِّرُ لِأنَّ الإنْسانَ يُخْلَقُ أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ، وهي كَوْنُهُ مُهَيَّئًا لِما يُلْقى إلَيْهِ ولِما يُجْعَلُ فِيهِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ إضْلالَهُ أضَلَّهُ وجَعَلَهُ لا يَقْبَلُ الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَجْعَلْ) بِمَعْنى يَخْلُقُ، ويَنْتَصِبُ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ عَلى الحالِ، أيْ: يَخْلُقُهُ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلا يَسْمَعُ الإيمانَ ولا يَقْبَلُهُ. ولِاعْتِزالِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ ذَهَبَ إلى أنَّ (يَجْعَلْ) هُنا بِمَعْنى يُسَمِّي، قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] قالَ: أيْ سَمُّوهم، أوْ بِمَعْنى يُحْكَمُ لَهُ بِالضِّيقِ، كَما تَقُولُ: هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا، أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها فِرارًا مِن نِسْبَةِ خَلْقِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - أوْ تَصْيِيرُهُ وُجُوبًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ونَحْوٌ مِنهُ في خُرُوجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أنْ يَلْطُفَ بِهِ، ولا يُرِيدُ أنْ يَلْطُفَ إلّا بِمَن لَهُ لُطْفٌ، ”يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ“: يَلْطُفْ بِهِ حَتّى يَرْغَبَ في الإسْلامِ وتَسْكُنَ إلَيْهِ نَفْسُهُ ويُحِبَّ الدُّخُولَ فِيهِ، ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾: أنْ يَخْذُلَهُ ويُخَلِّيَهُ وشَأْنَهُ، وهو الَّذِي لا لُطْفَ لَهُ، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: يَمْنَعُهُ ألْطافَهُ حَتّى يَقْسُوَ قَلْبُهُ ويَنْبُوَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ويَنْسَدُّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ وتَأْوِيلٌ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مَعْناها أنَّهُ كَما يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ ويَمْتَنِعُ مِن الِاسْتِطاعَةِ ويَضِيقُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهو قَرِيبٌ مِن تَأْوِيلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والسُّدِّيِّ، قالُوا: …

Al-An'aam 6:125Listen in Qur'an →
126

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًۭا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَذَّكَّرُونَ

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الرَّسُولِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ، والهِدايَةُ هُنا مُقابِلَةُ الضَّلالَةِ، والشَّرْحُ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِ قابِلًا لِلْإسْلامِ مُتَوَسِّعًا لِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى صَدْرِهِ مَجازٌ عَنْ ذاتِ الشَّخْصِ، ولِذَلِكَ قالُوا: فُلانٌ واسِعُ الصَّدْرِ إذا كانَ الشَّخْصُ مُحْتَمِلًا ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والتَّكالِيفِ، ونِسْبَةُ إرادَةِ الهُدى والضَّلالِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ ذَلِكَ والمُوجِدُ لَهُ والمُرِيدُ لَهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ تَسْهِيلُ قَبُولِ الإيمانِ عَلَيْهِ وتَحْسِينُهُ وإعْدادُهُ لِقَبُولِهِ، وضَمِيرُ فاعِلِ الهُدى عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أيْ: يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الهُدى المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾، أيْ: يَشْرَحُ الهُدى صَدْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأعْمالِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذا الشَّرْحِ، وأنَّهُ إذا وقَعَ النُّورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ الصَّدْرُ، وأمارَتُهُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ. والضِّيقُ والحَرَجُ كِنايَةٌ عَنْ ضِدِّ الشَّرْحِ، واسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ، والحَرِجُ الشَّدِيدُ الضِّيقِ، والضَّمِيرُ في (يَجْعَلْ) عائِدٌ عَلى (اللَّهُ)، ومَعْنى يَجْعَلُ يُصَيِّرُ لِأنَّ الإنْسانَ يُخْلَقُ أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ، وهي كَوْنُهُ مُهَيَّئًا لِما يُلْقى إلَيْهِ ولِما يُجْعَلُ فِيهِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ إضْلالَهُ أضَلَّهُ وجَعَلَهُ لا يَقْبَلُ الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَجْعَلْ) بِمَعْنى يَخْلُقُ، ويَنْتَصِبُ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ عَلى الحالِ، أيْ: يَخْلُقُهُ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلا يَسْمَعُ الإيمانَ ولا يَقْبَلُهُ. ولِاعْتِزالِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ ذَهَبَ إلى أنَّ (يَجْعَلْ) هُنا بِمَعْنى يُسَمِّي، قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] قالَ: أيْ سَمُّوهم، أوْ بِمَعْنى يُحْكَمُ لَهُ بِالضِّيقِ، كَما تَقُولُ: هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا، أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها فِرارًا مِن نِسْبَةِ خَلْقِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - أوْ تَصْيِيرُهُ وُجُوبًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ونَحْوٌ مِنهُ في خُرُوجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أنْ يَلْطُفَ بِهِ، ولا يُرِيدُ أنْ يَلْطُفَ إلّا بِمَن لَهُ لُطْفٌ، ”يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ“: يَلْطُفْ بِهِ حَتّى يَرْغَبَ في الإسْلامِ وتَسْكُنَ إلَيْهِ نَفْسُهُ ويُحِبَّ الدُّخُولَ فِيهِ، ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾: أنْ يَخْذُلَهُ ويُخَلِّيَهُ وشَأْنَهُ، وهو الَّذِي لا لُطْفَ لَهُ، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: يَمْنَعُهُ ألْطافَهُ حَتّى يَقْسُوَ قَلْبُهُ ويَنْبُوَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ويَنْسَدُّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ وتَأْوِيلٌ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مَعْناها أنَّهُ كَما يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ ويَمْتَنِعُ مِن الِاسْتِطاعَةِ ويَضِيقُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهو قَرِيبٌ مِن تَأْوِيلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والسُّدِّيِّ، قالُوا: …

Al-An'aam 6:126Listen in Qur'an →
127

۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

For them will be the Home of Peace with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَهُمُ الجَنَّةُ، و(السَّلامُ) اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - كَما قِيلَ في الكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وأُضِيفَتْ إلَيْهِ تَشْرِيفًا، أوْ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، والسَّلامُ والسَّلامَةُ بِمَعْنًى، كاللَّذادِ واللَّذاذَةِ والضَّلالِ والضَّلالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ ﴿دارُ السَّلامِ﴾ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ لِأنَّ تَحِيَّةَ أهْلِها فِيها سَلامٌ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في نُزُلِهِ وضِيافَتِهِ، كَما تَقُولُ: نَحْنُ اليَوْمَ عِنْدَ فُلانٍ، أيْ: في كَرامَتِهِ وضِيافَتِهِ، قالَهُ قَوْمٌ، أوْ في الآخِرَةِ بَعْدَ الحَشْرِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ في ضَمانِهِ، كَما تَقُولُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ حَقٌّ لا يُنْسى، أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم لا يَعْلَمُونَ كُنْهَها، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، قالَهُ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِمْ، قالَهُ قَوْمٌ، أوْ في جِوارِهِ كَما جاءَ في جِوارِ الرَّحْمَنِ في جَنَّةِ عَدْنٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الرُّتْبَةِ والمَنزِلَةِ، كَما قالَهُ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وكَما قالَ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وكَما قالَ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ”وهو ولِيُّهم“ أيْ: مُوالِيهِمْ ومُحِبُّهم، أوْ ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، أوْ مُتَوَلَّيْهِمْ بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ.

Al-An'aam 6:127Listen in Qur'an →
128

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًۭا يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍۢ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌۭ

And [mention, O Muhammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term, which you appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allah wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في الثِّقَلَيْنِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الشَّياطِينِ وهُمُ الجِنُّ والكَفَرَةُ أوْلِياؤُهم، والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ العامُّ بِقَوْلِهِ ﴿جَمِيعًا﴾ . وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: وهَذا النِّداءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في يَحْشُرُهم دَخَلَ فِيهِ الجِنُّ حِينَ حَشَرَهم ثُمَّ ناداهم، أمّا الثِّقْلانِ فَحَسْبُ، أوْ هُما وغَيْرُهُما مِنَ الخَلائِقِ. انْتَهى. ومَن جَعَلَ ”ويَوْمَ“ مَعْطُوفًا عَلى ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ”ويَوْمَ يَحْشُرُهم“ فالعامِلُ في الظَّرْفِ ولِيُّهم، وكانَ الضَّمِيرُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، وهو بَعِيدٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مَعْمُولًا لِفِعْلِ القَوْلِ المَحْكِيِّ بِهِ النِّداءُ، أيْ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم نَقُولُ يا مَعْشَرَ الجِنِّ، وهو أوْلى مِمّا أجازَ بَعْضُهم مِن نَصْبِهِ بِاذْكُرْ مَفْعُولًا بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، ومِمّا أجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن نَصْبِهِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ غَيْرِ فِعْلِ القَوْلِ واذْكُرْ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ: (﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٢]) وقُلْنا ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾، كانَ ما لا يُوصَفُ لِفَظاعَتِهِ لِاسْتِلْزامِهِ حَذْفُ جُمْلَتَيْنِ مِنَ الكَلامِ، جُمْلَةُ وقُلْنا وجُمْلَةُ العامِلِ، وقَدَّرَ الزَّجّاجُ فِعْلَ القَوْلِ المَحْذُوفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، التَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُكَلِّمَهُمُ اللَّهُ شِفاهًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]، ونِداؤُهم نِداءُ شُهْرَةٍ وتَوْبِيخٍ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ، ويُجْمَعُ عَلى المُعاشِرِ، كَما جاءَ «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» . وقالَ الأفْوَهُ:

؎فِينا مُعاشِرُ لَنْ يَبْنُوا لِقَوْمِهِمُ وإنْ بَنى قَوْمُهم ما أفْسَدُوا عادُوا

ومَعْنى الِاسْتِكْثارِ هُنا إضْلالُهم مِنهم كَثِيرًا وجَعْلُهم أتْباعَهم، كَما تَقُولُ: اسْتَكْثَرَ فُلانٌ مِنَ الجُنُودِ واسْتَكْثَرَ فُلانٌ مِنَ الأشْياعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أفْرَطْتُمْ في إضْلالِهِمْ وإغْوائِهِمْ. وقَرَأ حَفْصٌ: (يَحْشُرُهم) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ.

﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وقالَ أوْلِياءُ الجِنَّ، أيِ الكُفّارُ مِنَ الإنْسِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ﴾ انْتَفَعَ ﴿بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾، فانْتِفاعُ الإنْسِ بِالشَّياطِينِ حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وعَلى التَّوَصُّلاتِ إلَيْها، وانْتِفاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ حَيْثُ أطاعُوهم وساعَدُوهم عَلى مُرادِهِمْ في إغْوائِهِمْ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: أعُوذُ بِعَظِيمِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ أهْلِهِ، إذا باتَ بِالوادِي في سَفَرِهِ، واسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ افْتِخارُهم عَلى قَوْمِهِمْ وقَوْلُهم: قَدْ سُدْنا الإنْسَ حَتّى صارُوا يَعُوذُونَ بِنا. قالَ الكِرْمانِيُّ: كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأرْضَ مَمْلُوءَةٌ جِنًّا وأنَّ مَن لَمْ يُدْخِلْهُ جِنِّيٌّ في جِوارِهِ خَبَلَهُ الآخَرُونَ، وكَذَلِكَ كانُوا إذا قَتَلُوا صَيْدًا اسْتَعاذُوا بِهِمْ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذِهِ البَهائِمَ لِلْجِنِّ مِنها مَراكِبُهم. وقِيلَ: في كَوْنِ …

Al-An'aam 6:128Listen in Qur'an →
129

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.

﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِمَعْنى أنَّهُ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم عَلى أنَّ الكافِرِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الظُّلْمِ والخِزْيِ. قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ في الكُفْرِ والظُّلْمِ، يُرِيدُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الجِنِّ والإنْسِ واسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا في دُخُولِ النّارِ، أيْ: يَجْعَلُ بَعْضَهم يَلِي بَعْضًا في الدُّخُولِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ نُسَلِّطُ ﴿بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ عَلى بَعْضٍ ونَجْعَلُهم أوْلِياءَ النِّقْمَةِ مِنهم، وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، وحِينَ قَتَلَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الأشْدَقَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وصَعِدَ المِنبَرَ: إنَّ فَمَ الذِّئابِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَّيْطانِ، وتَلا ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَفْسِيرُها أنَّ اللَّهَ إذا أرادَ بِقَوْمٍ شَرًّا ولّى عَلَيْهِمْ شِرارَهم، أوْ خَيْرًا ولّى عَلَيْهِمْ خِيارَهم، وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: ”أفْنى أعْدائِي بِأعْدائِي ثُمَّ أُفْنِيهِمْ بِأوْلِيائِي“ . وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: نَتْرُكُ المُشْرِكِينَ إلى بَعْضِهِمْ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والحاجَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُخَلِّيهِمْ حَتّى يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، كَما فَعَلَ الشَّياطِينُ وغُواةُ الإنْسِ، أوْ يَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ وقُرَناءَهم كَما كانُوا في الدُّنْيا ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. انْتَهى. وقَوْلُهُ نُخَلِّيهِمْ هو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ.

Al-An'aam 6:129Listen in Qur'an →
130

يَٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌۭ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ

"O company of jinn and mankind, did there not come to you messengers from among you, relating to you My verses and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "We bear witness against ourselves"; and the worldly life had deluded them, and they will bear witness against themselves that they were disbelievers.

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ هَذا النِّداءُ أيْضًا يَوْمَ القِيامَةِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، حَيْثُ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِمْ بِإرْسالِ الرُّسُلِ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهم، والظّاهِرُ أنَّ مِنَ الجِنِّ رُسُلًا إلَيْهِمْ كَما أنَّ مِنَ الإنْسِ رُسُلًا لَهم، فَقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا واحِدًا مِنَ الجِنِّ إلَيْهِمُ اسْمُهُ يُوسُفُ. وقِيلَ: رُسُلُ الجِنِّ هم رُسُلُ الإنْسِ، فَهم رُسُلُ اللَّهِ بِواسِطَةٍ، إذْ هم رُسُلُ رُسُلِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. ورُوِيَ أنْ قَوْمًا مِنَ الجِنِّ اسْتَمَعُوا إلى الأنْبِياءِ ثُمَّ عادُوا إلى قَوْمِهِمْ فَأخْبَرُوهم كَما جَرى لَهم مَعَ الرَّسُولِ، فَيُقالُ لَهم رُسُلُ اللَّهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا رُسُلَهُ حَقِيقَةً، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى ﴿الجِنِّ والإنْسِ﴾، وقَدْ تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِهَذا الظّاهِرِ فَزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - بَعَثَ إلى الجِنِّ رُسُلًا مِنهم، ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مُكَلَّفِينَ ومُكَلَّفِينَ أنْ يُبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مِن جِنْسِهِمْ لِأنَّهم بِهِ آنَسُ وآلَفُ. وقالَ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ: والرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ دُونَ الجِنِّ، ولَكِنْ لَمّا كانَ النِّداءُ لَهُما والتَّوْبِيخُ مَعًا جَرى الخِطابُ عَلَيْهِما عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ، المَعْهُودُ في كَلامِ العَرَبِ تَغْلِيبًا لِلْإنْسِ لِشَرَفِهِمْ، وتَأوَّلَهُ الفَرّاءُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أحَدِكم، كَقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، أيْ: مِن أحَدِهِما وهو المِلْحُ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] أيْ: في إحْداهُنَّ وهِيَ سَماءُ الدُّنْيا، ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحج: ٢٨] أرادَ بِالذِّكْرِ التَّكْبِيرَ، وبِالأيّامِ المَعْلُوماتِ العَشْرَ، أيْ: في أحَدِ أيّامٍ وهو يَوْمُ النَّحْرِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ الرُّسُلُ يُبْعَثُونَ إلى الإنْسِ، وبُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ إلى الجِنِّ والإنْسِ. ورُوِيَ هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْنى قَصَصِ الآياتِ الإخْبارُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مَواضِعِ الحَجِّ، والتَّعْرِيفِ بِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، والِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ والِاجْتِنابِ بِمَناهِيهِ. والإنْذارُ الإعْلامُ بِالمَخُوفِ، و﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، والإنْذارُ بِما يَكُونُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والمَخاوِفِ وصَيْرُورَةُ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ. وقَرَأ الأعْرَجُ: ألَمْ تَأْتِكم، عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الرُّسُلِ بِالتّاءِ.

﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ حِكايَةٌ لِتَصْدِيقِهِمْ، وإلْجائِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ لِأنَّ الهَمْزَةَ الدّاخِلَةَ عَلى نَفْيِ إتْيانِ الرُّسُلِ لِلْإنْكارِ فَكانَ تَقْرِيرًا لَهم، والمَعْنى قالُوا: شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا وإنْذارِهِمْ إيّانا هَذا اليَوْمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ نابَتْ مَنابَ بَلى هُنا، وقَدْ صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى﴾ [الزمر: ٧١]، أقَرُّوا بِأنَّ حُجَّةَ اللَّهِ لازِمَةٌ لَهم وأنَّهم مَحْجُوجُونَ بِها. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (شَهِدْنا) إقْرارٌ مِنهم بِالكُفْرِ واعْتِرافٌ، أيْ: ﴿شَهِدْنا عَلى …

Al-An'aam 6:130Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.