Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 111–120 of 165

111

۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍۢ قُبُلًۭا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allah should will. But most of them, [of that], are ignorant.

﴿ولَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣] ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤] ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥] ﴿وإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١١٦] ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿وما لَكم ألّا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ وإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩] ﴿وذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٠] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وإنَّهُ لَفِسْقٌ وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وما يَمْكُرُونَ إلّا بِأنْفُسِهِمْ وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣] ﴿وإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ وعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦]

قُبُلٌ: جَمْعُ قَبِيلٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، ومَعْناهُ جَماعَةٌ أوْ كَقَبْلَ، أوْ مُفْرَدٌ بِمَعْنى قِبَلَ، أيْ مُواجَهَةً ومُقابَلَةً، ويَكُونُ (قُبُلُ) ظَرْفًا أيْضًا. الزُّخْرُفُ: الزِّينَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كُلُّ ما حَسَّنْتَهُ وزَيَّنْتَهُ وهو باطِلٌ فَهو زُخْرُفٌ. انْتَهى. والزُّخْرُفُ: الذَّهَبُ. صَغَوْتُ وصَغَيْتُ وصَغِيتُ بِكَسْرِ الغَيْنِ، فَمَصْدَرُ الأوَّلِ صَغْوًا، والثّانِي صَغًا، والثّالِثُ صِغًا، ومُضارِعُها يَصْغى بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهي لازِمَةٌ، وأصْغى مِثْلُها لازِمٌ، ويَأْتِي …

Al-An'aam 6:111Listen in Qur'an →
112

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّۭا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًۭا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ المَعْنى: مِثْلَ ما جَعَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُقْتَرِحِينَ الآياتِ وغَيْرَهم أعْداءً لَكَ، جَعَلْنا لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ أعْداءً شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ مُتَمَرِّدِي الصِّنْفَيْنِ. (يُوحِي): يُلْقِي في ‌‌‌‌خُفْيَةٍ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ: بَعْضُ الصِّنْفِ الجِنِّيِّ إلى بَعْضِ الصِّنْفِ الإنْسِيِّ، أوْ يُوحِي شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ زُخْرُفَ القَوْلِ، أيْ مُحَسَّنَهُ ومُزَيَّنَهُ، وثَمَرَةُ هَذا الجَعْلِ الِامْتِحانُ فَيَظْهَرُ الصَّبْرُ عَلى ما مُنُّوا بِهِ مِمَّنْ يُعادِيهِمْ فَيَعْظُمُ الثَّوابُ والأجْرُ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَأسٍّ بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وأنَّكَ لَسْتَ مُنْفَرِدًا بِعَداوَةِ مَن عاصَرَكَ، بَلْ هَذِهِ سُنَّةُ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ. و(عَدُوٌّ) كَما قُلْنا قَبْلُ في مَعْنى أعْداءٍ. وقالَ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرَّهُمُ بُغْضِي

وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ هُنا كَإعْرابِهِمْ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وجَوَّزُوا في (شَياطِينَ) البَدَلِيَّةَ مِن (عَدُوًّا) كَما جَوَّزُوا هُناكَ بَدَلَيَّةَ (الجِنَّ) مِن (شُرَكاءَ) وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ”شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ“ هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ الإنْسَ والجِنَّ الشَّياطِينَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ، والشَّيْطانُ هو المُتَمَرِّدُ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، كَما شَرَحْناهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وكَذا فَهِمَ أبُو ذَرٍّ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لَهُ: «هَلْ تَعَوَّذْتَ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ ؟ ”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَلْ لِلْإنْسِ مِن شَياطِينَ ؟ قالَ:“ نَعَمْ وهم شَرٌّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ» . وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: شَيْطانُ الإنْسِ عَلَيَّ أشَدُّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ لِأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ بِاللَّهِ ذَهَبَ عَنِّي شَيْطانُ الجِنِّ، وشَيْطانُ الإنْسِ يَجِيئُنِي ويَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عِيانًا.

وقالَ عَطاءٌ: أمّا أعْداءُ النَّبِيِّ ﷺ مِن شَياطِينِ الإنْسِ فالوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنُ وائِلٍ وأبُو جَهْلِ ابْنُ هِشامٍ والعاصِي بْنُ عَمْرٍو وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأُبِيٌّ وأُمَيَّةُ ابْنا خَلَفٍ، ونَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ، وعُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ العُزّى ومَعَتَّبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى.

وفِي الحَدِيثِ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ ”قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ ولا أنا، إلّا أنَّ اللَّهَ عافانِي وأعانَنِي عَلَيْهِ فَأُسْلِمُ، فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ» .

وقِيلَ: الإضافَةُ لَيْسَتْ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، بَلْ هي مِن بابِ غُلامِ زَيْدٍ، أيْ: شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ: مُتَمَرِّدِينَ مُغْوِينَ لَهم. وعَلى هَذا فَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ، قالُوا: لَيْسَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ، والمَعْنى: شَياطِينُ الإنْسِ الَّتِي مَعَ الإنْسِ، وشَياطِينُ الجِنِّ الَّتِي مَعَ الجِنِّ، قَسَّمَ إبْلِيسُ …

Al-An'aam 6:112Listen in Qur'an →
113

وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ المَعْنى: مِثْلَ ما جَعَلَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ المُقْتَرِحِينَ الآياتِ وغَيْرَهم أعْداءً لَكَ، جَعَلْنا لِمَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ أعْداءً شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ مُتَمَرِّدِي الصِّنْفَيْنِ. (يُوحِي): يُلْقِي في ‌‌‌‌خُفْيَةٍ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ: بَعْضُ الصِّنْفِ الجِنِّيِّ إلى بَعْضِ الصِّنْفِ الإنْسِيِّ، أوْ يُوحِي شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ زُخْرُفَ القَوْلِ، أيْ مُحَسَّنَهُ ومُزَيَّنَهُ، وثَمَرَةُ هَذا الجَعْلِ الِامْتِحانُ فَيَظْهَرُ الصَّبْرُ عَلى ما مُنُّوا بِهِ مِمَّنْ يُعادِيهِمْ فَيَعْظُمُ الثَّوابُ والأجْرُ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَأسٍّ بِمَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وأنَّكَ لَسْتَ مُنْفَرِدًا بِعَداوَةِ مَن عاصَرَكَ، بَلْ هَذِهِ سُنَّةُ مَن قَبْلَكَ مِنَ الأنْبِياءِ. و(عَدُوٌّ) كَما قُلْنا قَبْلُ في مَعْنى أعْداءٍ. وقالَ تَعالى: ﴿وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوِدِّهِ فَإنَّ عَدُوِّي لَنْ يَضُرَّهُمُ بُغْضِي

وأعْرَبَ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ هُنا كَإعْرابِهِمْ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]، وجَوَّزُوا في (شَياطِينَ) البَدَلِيَّةَ مِن (عَدُوًّا) كَما جَوَّزُوا هُناكَ بَدَلَيَّةَ (الجِنَّ) مِن (شُرَكاءَ) وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ”شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ“ هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، أيِ الإنْسَ والجِنَّ الشَّياطِينَ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ ومِنَ الجِنِّ شَياطِينُ، والشَّيْطانُ هو المُتَمَرِّدُ مِنَ الصِّنْفَيْنِ، كَما شَرَحْناهُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ، وكَذا فَهِمَ أبُو ذَرٍّ مِن قَوْلِ الرَّسُولِ لَهُ: «هَلْ تَعَوَّذْتَ مِن شَياطِينِ الجِنِّ والإنْسِ ؟ ”قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَلْ لِلْإنْسِ مِن شَياطِينَ ؟ قالَ:“ نَعَمْ وهم شَرٌّ مِن شَياطِينِ الجِنِّ» . وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: شَيْطانُ الإنْسِ عَلَيَّ أشَدُّ مِن شَيْطانِ الجِنِّ لِأنِّي إذا تَعَوَّذْتُ بِاللَّهِ ذَهَبَ عَنِّي شَيْطانُ الجِنِّ، وشَيْطانُ الإنْسِ يَجِيئُنِي ويَجُرُّنِي إلى المَعاصِي عِيانًا.

وقالَ عَطاءٌ: أمّا أعْداءُ النَّبِيِّ ﷺ مِن شَياطِينِ الإنْسِ فالوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنُ وائِلٍ وأبُو جَهْلِ ابْنُ هِشامٍ والعاصِي بْنُ عَمْرٍو وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الأسَدِ، وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وأُبِيٌّ وأُمَيَّةُ ابْنا خَلَفٍ، ونَبِيهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنا الحَجّاجِ، وعُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ العُزّى ومَعَتَّبُ بْنُ عَبْدِ العُزّى.

وفِي الحَدِيثِ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ ”قِيلَ: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“ ولا أنا، إلّا أنَّ اللَّهَ عافانِي وأعانَنِي عَلَيْهِ فَأُسْلِمُ، فَلا يَأْمُرُنِي إلّا بِخَيْرٍ» .

وقِيلَ: الإضافَةُ لَيْسَتْ مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، بَلْ هي مِن بابِ غُلامِ زَيْدٍ، أيْ: شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، أيْ: مُتَمَرِّدِينَ مُغْوِينَ لَهم. وعَلى هَذا فَسَّرَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ، قالُوا: لَيْسَ مِنَ الإنْسِ شَياطِينُ، والمَعْنى: شَياطِينُ الإنْسِ الَّتِي مَعَ الإنْسِ، وشَياطِينُ الجِنِّ الَّتِي مَعَ الجِنِّ، قَسَّمَ إبْلِيسُ …

Al-An'aam 6:113Listen in Qur'an →
114

أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًۭا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَٰبَ مُفَصَّلًۭا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌۭ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ

[Say], "Then is it other than Allah I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: (﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ …

Al-An'aam 6:114Listen in Qur'an →
115

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًۭا وَعَدْلًۭا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: (﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ …

Al-An'aam 6:115Listen in Qur'an →
116

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allah. They follow not except assumption, and they are not but falsifying.

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: (﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ …

Al-An'aam 6:116Listen in Qur'an →
117

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا﴾ «قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِلرَّسُولِ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ، فَنَزَلَتْ» . ووَجْهُ نَظْمِها بِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا حَكى حَلِفَ الكُفّارِ، وأجابَ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ في إظْهارِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ لَهم أنَّهم لا يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ بَيَّنَ الدَّلِيلُ عَلى نُبُوَّتِهِ بِإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ، وقَدْ عَجَزَ الخَلْقُ عَنْ مُعارَضَتِهِ، وحَكَمَ فِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، وبِاشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ حَقٌّ، وأنَّ القُرْآنَ كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ العَداوَةَ وتَهَدَّدَهم قالُوا ما ذَكَرْناهُ في سَبَبِ النُّزُولِ. وكانَ مِن عادَتِهِمْ إذا التَبَسَ عَلَيْهِمْ أمْرٌ واخْتَلَفُوا فِيهِ جَعَلُوا بَيْنَهم كاهِنًا حَكَمًا، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَقُولَ: (﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾)، وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ النَّفْيُ، أيْ: لا أبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ. قالَ الكِرْمانِيُّ: والحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ لِأنَّهُ مَن عُرِفَ مِنهُ الحُكْمُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، والحاكِمُ اسْمُ فاعِلٍ يَصْدُقُ عَلى المَرَّةِ الواحِدَةِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الحَكَمَ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، والحاكِمُ يَحْكُمُ بِالحَقِّ وبِغَيْرِ الحَقِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَحْوَهُ، قالَ: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ، إذْ هي صِيغَةٌ لِلْعَدْلِ مِنَ الحُكّامِ، والحاكِمُ جارٍ عَلى الفِعْلِ، وقَدْ يُقالُ لِلْجائِرِ. انْتَهى. وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كُلَّ الآياتِ، أوْ حُكْمِهِ بِأنْ جَعَلَ لِلْأنْبِياءِ أعْداءً، وحَكَمًا أيْ فاصِلًا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وجَوَّزُوا في إعْرابِ (غَيْرَ) أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِـ (أبْتَغِي) وحَكَمًا حالٌ، وعَكْسُهُ، وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ عَنْ غَيْرِهِمْ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، وهو مُتَّجِهٌ، وحَكاهُ أبُو البَقاءِ، فالكِتابُ القُرْآنُ، ومَفَصَّلًا مُوَضَّحًا مُزالَ الإشْكالِ، أوْ مُفَضَّلًا بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، أوْ مُفَصَّلًا مُفَرَّقًا عَلى حَسَبِ المَصالِحِ أيْ لَمْ يُنْزِلْهُ مَجْمُوعًا أوْ مُفَصَّلًا فِيهِ الأحْكامُ مِنَ النَّهْيِ والأمْرِ والحَلالِ والحَرامِ والواجِبِ والمَندُوبِ والضَّلالِ والهُدى، أوْ مُفَصَّلًا مُبَيَّنًا فِيهِ الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والشَّهادَةُ لِي بِالصِّدْقِ وعَلَيْكم بِالِافْتِراءِ، أقْوالٌ خَمْسَةٌ، وبِهَذِهِ الآيَةِ خاصَمَتِ الخَوارِجُ عَلِيًّا في تَكْفِيرِهِ بِالتَّحْكِيمِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ.

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ أيْ: والَّذِينَ أعْطَيْناهم عِلْمَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والصُّحُفِ، والمُرادُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، فَهو عامٌّ بِمَعْنى الخُصُوصِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَكُونُ اسْتِئْنافًا، وتَتَضَمَّنُ الِاسْتِشْهادَ بِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ والطَّعْنَ عَلى مُشْرِكِيهِمْ وحَسَدَتِهِمْ، والعَضُدُ في الدِّلالَةِ بِأنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، يَعْلَمُ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُ حَقٌّ لِتَصْدِيقِهِ كُتُبَهم ومُوافَقَتِهِ لَها.

﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ خِطابٌ لِأُمَّتِهِ. وقِيلَ: لِكُلِّ سامِعٍ، أيْ إذا ظَهَرَتِ …

Al-An'aam 6:117Listen in Qur'an →
118

فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ

So eat of that [meat] upon which the name of Allah has been mentioned, if you are believers in His verses.

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّ السَّبَبَ في نُزُولِها أنَّهم قالُوا لِلرَّسُولِ: «مَن قَتَلَ الشّاةَ الَّتِي ماتَتْ ؟ قالَ: ”اللَّهُ“، قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ» . «وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا أُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ كَتَبَ مَجُوسُ فارِسَ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَهم مُكاتَبَةٌ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ فَهو حَرامٌ، فَوَقَعَ فِي أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا﴾ [الأنعام: ١٢١]»، ولَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها الإنْكارَ عَلى اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وكانُوا يُسَمُّونَ في كَثِيرٍ مِمّا يُذَكِّرُونَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ عَلى ذَكاتِهِ اسْمُ اللَّهِ لا غَيْرِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أمْرَ إباحَةٍ، وما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهو المُذَكّى لا ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ، وعُلِّقَ أكْلُ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلى ذَكاتِهِ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: أطِعْنِي إنْ كُنْتَ ابْنِي، أيْ: أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَلا تُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ وهو حَثٌّ عَلى أكْلِ ما أحَلَّ وتَرْكِ ما حَرَّمَ.

﴿وما لَكَمَ ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في الِامْتِناعِ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الإنْكارَ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ، أيْ: لا شَيْءَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها - عَلى ما نُقِلَ - مَكِّيَّةٌ، ونَزَلَتْ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ راجِعًا إلى تَفْصِيلِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ لِتَأْخِيرِهِما في النُّزُولِ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكم، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . انْتَهى. وذَكَرْنا أنَّ تَفْصِيلَ التَّحْرِيمِ بِما في البَقَرَةِ والمائِدَةِ لا يُناسِبُ، ودَعْوى زِيادَةِ (لا) هُنا لا حاجَةَ إلَيْها، والمَعْنى عَلى كَوْنِها نافِيَةً صَحِيحٌ واضِحٌ، و﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ أصْلُهُ: في أنْ لا تَأْكُلُوا، فَحَذَفَ (في) المُتَعَلِّقَةَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمُ) الواقِعُ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ونَفْيُ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾، عَلى الخِلافِ أهْوَ مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أُنَّ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تارِكِينَ الأكْلَ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (أنْ) ومَعْمُولَها لا يَقَعُ حالًا، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِن سِيبَوَيْهِ، ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لَهُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، ولَهُ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (فُصِّلَ) و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: (فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (فَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَطِيَّةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ …

Al-An'aam 6:118Listen in Qur'an →
119

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ

And why should you not eat of that upon which the name of Allah has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled. And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّ السَّبَبَ في نُزُولِها أنَّهم قالُوا لِلرَّسُولِ: «مَن قَتَلَ الشّاةَ الَّتِي ماتَتْ ؟ قالَ: ”اللَّهُ“، قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ» . «وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا أُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ كَتَبَ مَجُوسُ فارِسَ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَهم مُكاتَبَةٌ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ فَهو حَرامٌ، فَوَقَعَ فِي أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا﴾ [الأنعام: ١٢١]»، ولَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها الإنْكارَ عَلى اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وكانُوا يُسَمُّونَ في كَثِيرٍ مِمّا يُذَكِّرُونَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ عَلى ذَكاتِهِ اسْمُ اللَّهِ لا غَيْرِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أمْرَ إباحَةٍ، وما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهو المُذَكّى لا ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ، وعُلِّقَ أكْلُ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلى ذَكاتِهِ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: أطِعْنِي إنْ كُنْتَ ابْنِي، أيْ: أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَلا تُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ وهو حَثٌّ عَلى أكْلِ ما أحَلَّ وتَرْكِ ما حَرَّمَ.

﴿وما لَكَمَ ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في الِامْتِناعِ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الإنْكارَ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ، أيْ: لا شَيْءَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها - عَلى ما نُقِلَ - مَكِّيَّةٌ، ونَزَلَتْ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ راجِعًا إلى تَفْصِيلِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ لِتَأْخِيرِهِما في النُّزُولِ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكم، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . انْتَهى. وذَكَرْنا أنَّ تَفْصِيلَ التَّحْرِيمِ بِما في البَقَرَةِ والمائِدَةِ لا يُناسِبُ، ودَعْوى زِيادَةِ (لا) هُنا لا حاجَةَ إلَيْها، والمَعْنى عَلى كَوْنِها نافِيَةً صَحِيحٌ واضِحٌ، و﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ أصْلُهُ: في أنْ لا تَأْكُلُوا، فَحَذَفَ (في) المُتَعَلِّقَةَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمُ) الواقِعُ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ونَفْيُ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾، عَلى الخِلافِ أهْوَ مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أُنَّ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تارِكِينَ الأكْلَ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (أنْ) ومَعْمُولَها لا يَقَعُ حالًا، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِن سِيبَوَيْهِ، ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لَهُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، ولَهُ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (فُصِّلَ) و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: (فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (فَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَطِيَّةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ …

Al-An'aam 6:119Listen in Qur'an →
120

وَذَرُوا۟ ظَٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ

And leave what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ ذُكِرَ أنَّ السَّبَبَ في نُزُولِها أنَّهم قالُوا لِلرَّسُولِ: «مَن قَتَلَ الشّاةَ الَّتِي ماتَتْ ؟ قالَ: ”اللَّهُ“، قالُوا: فَتَزْعُمُ أنَّ ما قَتَلْتَ أنْتَ وأصْحابُكَ وما قَتَلَهُ الصَّقْرُ والكَلْبُ حَلالٌ، وما قَتَلَهُ اللَّهُ حَرامٌ» . «وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا أُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ كَتَبَ مَجُوسُ فارِسَ إلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وكانُوا أوْلِياءَهم في الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَهم مُكاتَبَةٌ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما ذَبَحُوا فَهو حَلالٌ، وما ذَبَحَ اللَّهُ فَهو حَرامٌ، فَوَقَعَ فِي أنْفُسِ ناسٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا﴾ [الأنعام: ١٢١]»، ولَمّا تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها الإنْكارَ عَلى اتِّباعِ المُضِلِّينَ الَّذِينَ يُحِلُّونَ الحَرامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ، وكانُوا يُسَمُّونَ في كَثِيرٍ مِمّا يُذَكِّرُونَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأكْلِ ما سُمِّيَ عَلى ذَكاتِهِ اسْمُ اللَّهِ لا غَيْرِهِ مِن آلِهَتِهِمْ أمْرَ إباحَةٍ، وما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَهو المُذَكّى لا ما ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبٌ عَنْ إنْكارِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ، وعُلِّقَ أكْلُ ما سُمِّيَ اللَّهُ عَلى ذَكاتِهِ بِالإيمانِ، كَما تَقُولُ: أطِعْنِي إنْ كُنْتَ ابْنِي، أيْ: أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَلا تُخالِفُوا أمْرَ اللَّهِ وهو حَثٌّ عَلى أكْلِ ما أحَلَّ وتَرْكِ ما حَرَّمَ.

﴿وما لَكَمَ ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكم إلّا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: وأيُّ غَرَضٍ لَكم في الِامْتِناعِ مِن أكْلِ ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ يَتَضَمَّنُ الإنْكارَ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ، أيْ: لا شَيْءَ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ﴾ في هَذِهِ السُّورَةِ لِأنَّها - عَلى ما نُقِلَ - مَكِّيَّةٌ، ونَزَلَتْ في مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَلا يُناسِبُ أنْ تَكُونَ ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ راجِعًا إلى تَفْصِيلِ البَقَرَةِ والمائِدَةِ لِتَأْخِيرِهِما في النُّزُولِ عَنْ هَذِهِ السُّورَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ مِمّا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْكم، وهو قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . انْتَهى. وذَكَرْنا أنَّ تَفْصِيلَ التَّحْرِيمِ بِما في البَقَرَةِ والمائِدَةِ لا يُناسِبُ، ودَعْوى زِيادَةِ (لا) هُنا لا حاجَةَ إلَيْها، والمَعْنى عَلى كَوْنِها نافِيَةً صَحِيحٌ واضِحٌ، و﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ أصْلُهُ: في أنْ لا تَأْكُلُوا، فَحَذَفَ (في) المُتَعَلِّقَةَ بِما تَعَلَّقَ بِهِ (لَكُمُ) الواقِعُ خَبَرًا لِما الِاسْتِفْهامِيَّةِ، ونَفْيُ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾، عَلى الخِلافِ أهْوَ مَنصُوبٌ أوْ مَجْرُورٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أُنَّ ﴿ألّا تَأْكُلُوا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: تارِكِينَ الأكْلَ، فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ (أنْ) ومَعْمُولَها لا يَقَعُ حالًا، وهَذا مَنصُوصٌ عَلَيْهِ مِن سِيبَوَيْهِ، ولا نَعْلَمُ مُخالِفًا لَهُ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ، ولَهُ عِلَّةٌ مَذْكُورَةٌ في النَّحْوِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (فُصِّلَ) و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ونافِعٌ وحَفْصٌ: (فَصَّلَ) و(حَرَّمَ) عَلى بِنائِهِما لِلْفاعِلِ، والأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ: (فَصَّلَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ و(حُرِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَطِيَّةُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ خَفَّفَ …

Al-An'aam 6:120Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.