Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 11–20 of 165

11

قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ . هَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلى ما كانَ يَلْقى مِن قَوْمِهِ، وتَأسٍّ بِمَن سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ، وهو نَظِيرُ ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] لِأنَّ ما كانَ مَشْتَرَكًا مِن ما لا يَلِيقُ أهْوَنُ عَلى النَّفْسِ مِمّا يَكُونُ فِيهِ الِانْفِرادُ، وفي التَّسْلِيَةِ والتَّأسِّي مِنَ التَّخْفِيفِ ما لا يَخْفى؛ وقالَتِ الخَنْساءُ:

؎ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

؎وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي

وقالَ بَعْضُ المُوَلِّدِينَ:

؎ولا بُدَّ مِن شَكْوى إلى ذِي مُرُوءَةٍ ∗∗∗ يُواسِيكَ أوْ يُسَلِّيكَ أوْ يَتَوَجَّعُ

ولَمّا كانَ الكُفّارُ لا يَنْفَعُهُمُ الِاشْتِراكُ في العَذابِ، ولا يَتَسَلَّوْنَ بِذَلِكَ، نَفى ذَلِكَ تَعالى عَنْهم، فَقالَ: ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، قِيلَ: كانَ قَوْمٌ يَقُولُونَ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ، عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، فَيَضِيقُ قَلْبُ الرَّسُولِ عِنْدَ سَماعِ ذَلِكَ، فَسَلّاهُ اللَّهُ تَعالى بِإخْبارِهِ أنَّهُ قَدْ سَبَقَ لِلرُّسُلِ قَبْلَكَ اسْتِهْزاءُ قَوْمِهِمْ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنِ القَلْبِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: (فَحاقَ) إلى آخِرِهِ إخْبارٌ بِما جَرى لِلْمُسْتَهْزِئِينَ بِالرُّسُلِ قَبْلَكَ، ووَعِيدٌ مُتَيَقِّنٌ لِمَنِ اسْتَهْزَأ بِالرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِهِ بِهِمْ؛ لِأنَّ مَآلَهم إلى التَّلَفِ، والعِقابِ الشَّدِيدِ المُرَتَّبِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، وأنَّهُ تَعالى يَكْفِيهِ شَرَّهم وإذايَتَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] . ومَعْنى (سَخِرُوا) اسْتَهْزَءُوا، إلّا أنَّ (اسْتَهْزَأ) تَعَدّى بِالباءِ، وسَخِرَ بِـ (مِن)، كَما قالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨] وبِالباءِ تَقُولُ: سَخِرْتُ بِهِ، وتَكَرَّرَ الفِعْلُ هُنا لِخِفَّةِ الثُّلاثِيِّ، ولَمْ يَتَكَرَّرْ في ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ﴾ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ لِثِقَلِ (اسْتَفْعَلَ) . والظّاهِرُ في (ما) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، وجَوَّزُوا أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (مِنهم) عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ؛ أيْ ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾، مِنَ الرُّسُلِ، وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى غَيْرِ الرُّسُلِ. قالَ الحَوْفِيُّ: في أُمَمِ الرُّسُلِ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى المُسْتَهْزِئِينَ، ويَكُونُ (مِنهم) حالًا مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في (سَخِرُوا) . وما قالاهُ وجَوَّزاهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، أمّا قَوْلُ الحَوْفِيِّ فَإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وهو خِلافُ الأصْلِ، وأمّا قَوْلُ أبِي البَقاءِ، فَهو أبْعَدُ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا﴾ كائِنِينَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَلا حاجَةَ لِهَذِهِ الحالِ؛ لِأنَّها مَفْهُومَةٌ مِن قَوْلِهِ: (سَخِرُوا) . وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ، بِكَسْرِ دالِ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، بِالضَّمِّ إتْباعًا، ومُراعاةً لِضَمِّ التّاءِ، إذِ الحاجِزُ بَيْنَهُما ساكِنٌ، وهو حاجِزٌ غَيْرُ حَصِينٍ.

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ …

Al-An'aam 6:11Listen in Qur'an →
12

قُل لِّمَن مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قُل لِّلَّهِ ۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allah." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَصْرِيفَهُ فِيمَن أهْلَكَهم بِذُنُوبِهِمْ، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِسُؤالِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُهم بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى هو المالِكُ المُهْلِكُ لَهم. وهَذا السُّؤالُ سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن بادَرَ إلى الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا لَمْ يُجِيبُوا ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ . وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِالسُّؤالِ، فَكَأنَّهُ لَمّا لَمْ يُجِيبُوا سَألُوا فَقِيلَ لَهم: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، ولِلَّهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ قُلْ ذَلِكَ، أوْ هو لِلَّهِ.

﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِما يُرِيدُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى نَفاذِ قُدْرَتِهِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ، وظاهِرُ كَتَبَ أنَّهُ بِمَعْنى سَطَّرَ، وخَطَّ، وقالَ بِهِ قَوْمٌ هُنا، وأنَّهُ أُرِيدَ حَقِيقَةُ الكَتْبِ، والمَعْنى أمَرَ بِالكَتْبِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: (كَتَبَ) هُنا بِمَعْنى وعَدَ بِها فَضْلًا وكَرَمًا. وقِيلَ: بِمَعْنى أخْبَرَ. وقِيلَ: أوْجَبَ إيجابَ فَضْلٍ وكَرَمٍ، لا إيجابَ لُزُومٍ. وقِيلَ: قَضاها وأنْفَذَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ في هِدايَتِكم إلى مَعْرِفَتِهِ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ لَكم عَلى تَوْحِيدِ ما أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ انْتَهى. و(الرَّحْمَةَ) هُنا الظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ، فَتَعُمُّ المُحْسِنَ والمُسِيءَ في الدُّنْيا، وهي عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّصالِ إلَيْهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الرَّحْمَةِ لِمَن هي، فَتَعُمُّ كَما ذَكَرْنا. وقِيلَ: الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، فَيُرادُ بِها الرَّحْمَةُ الواحِدَةُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِنَ المِائَةِ (الرَّحْمَةَ) الَّتِي خَلَقَها، وأخَّرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ يَرْحَمُ بِها عِبادَهُ في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (الرَّحْمَةَ) إمْهالُ الكُفّارِ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا، فَلَمْ يُعاجِلْهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: (الرَّحْمَةَ) لِمَن آمَنَ وصَدَّقَ الرُّسُلَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتابٍ عَلى نَفْسِهِ، فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ؛ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي.

﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى رَحِمَ عِبادَهُ ذَكَرَ الحَشْرَ، وأنَّ فِيهِ المُجازاةَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقْسَمٌ عَلَيْها، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها كَما ذَكَرْنا. وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: إنَّها تَفْسِيرٌ لِلرَّحْمَةِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يَجْمَعَكم، فَتَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن (الرَّحْمَةَ) وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] المَعْنى أنْ يَسْجُنُوهُ. ورَدَّ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، بِأنَّ النُّونَ الثَّقِيلَةَ تَكُونُ قَدْ دَخَلَتْ في الإيجابِ، قالَ: وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَحْصُرُ مَواضِعَ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ألا تَرى دُخُولَها في الشَّرْطِ ؟ ولَيْسَ واحِدًا مِمّا ذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِهِ …

Al-An'aam 6:12Listen in Qur'an →
13

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

﴿قُلْ لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ قُلْ لِلَّهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى تَصْرِيفَهُ فِيمَن أهْلَكَهم بِذُنُوبِهِمْ، أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِسُؤالِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى، فَيَلْزَمُهم بِذَلِكَ أنَّهُ تَعالى هو المالِكُ المُهْلِكُ لَهم. وهَذا السُّؤالُ سُؤالُ تَبْكِيتٍ وتَقْرِيرٍ، ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى بِنِسْبَةِ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ أوَّلَ مَن بادَرَ إلى الِاعْتِرافِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا لَمْ يُجِيبُوا ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ . وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أنَّهُ أُمِرَ بِالسُّؤالِ، فَكَأنَّهُ لَمّا لَمْ يُجِيبُوا سَألُوا فَقِيلَ لَهم: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، ولِلَّهِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، التَّقْدِيرُ قُلْ ذَلِكَ، أوْ هو لِلَّهِ.

﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ مُوجِدُ العالَمِ المُتَصَرِّفُ فِيهِمْ بِما يُرِيدُ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى نَفاذِ قُدْرَتِهِ، أرْدَفَهُ بِذِكْرِ رَحْمَتِهِ وإحْسانِهِ إلى الخَلْقِ، وظاهِرُ كَتَبَ أنَّهُ بِمَعْنى سَطَّرَ، وخَطَّ، وقالَ بِهِ قَوْمٌ هُنا، وأنَّهُ أُرِيدَ حَقِيقَةُ الكَتْبِ، والمَعْنى أمَرَ بِالكَتْبِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. وقِيلَ: (كَتَبَ) هُنا بِمَعْنى وعَدَ بِها فَضْلًا وكَرَمًا. وقِيلَ: بِمَعْنى أخْبَرَ. وقِيلَ: أوْجَبَ إيجابَ فَضْلٍ وكَرَمٍ، لا إيجابَ لُزُومٍ. وقِيلَ: قَضاها وأنْفَذَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ أوْجَبَها عَلى ذاتِهِ في هِدايَتِكم إلى مَعْرِفَتِهِ، ونَصَبَ الأدِلَّةَ لَكم عَلى تَوْحِيدِ ما أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ انْتَهى. و(الرَّحْمَةَ) هُنا الظّاهِرُ أنَّها عامَّةٌ، فَتَعُمُّ المُحْسِنَ والمُسِيءَ في الدُّنْيا، وهي عِبارَةٌ عَنِ الِاتِّصالِ إلَيْهِمْ والإحْسانِ إلَيْهِمْ، ولَمْ يَذْكُرْ مُتَعَلِّقَ الرَّحْمَةِ لِمَن هي، فَتَعُمُّ كَما ذَكَرْنا. وقِيلَ: الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، فَيُرادُ بِها الرَّحْمَةُ الواحِدَةُ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِنَ المِائَةِ (الرَّحْمَةَ) الَّتِي خَلَقَها، وأخَّرَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ يَرْحَمُ بِها عِبادَهُ في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: (الرَّحْمَةَ) إمْهالُ الكُفّارِ وتَعْمِيرُهم لِيَتُوبُوا، فَلَمْ يُعاجِلْهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: (الرَّحْمَةَ) لِمَن آمَنَ وصَدَّقَ الرُّسُلَ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ، كَتَبَ في كِتابٍ عَلى نَفْسِهِ، فَهو مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ؛ إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي.

﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى رَحِمَ عِبادَهُ ذَكَرَ الحَشْرَ، وأنَّ فِيهِ المُجازاةَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقْسَمٌ عَلَيْها، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلَها كَما ذَكَرْنا. وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ جَماعَةً مِنَ النَّحْوِيِّينَ قالُوا: إنَّها تَفْسِيرٌ لِلرَّحْمَةِ، تَقْدِيرُهُ: أنْ يَجْمَعَكم، فَتَكُونَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِن (الرَّحْمَةَ) وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ [يوسف: ٣٥] المَعْنى أنْ يَسْجُنُوهُ. ورَدَّ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ، بِأنَّ النُّونَ الثَّقِيلَةَ تَكُونُ قَدْ دَخَلَتْ في الإيجابِ، قالَ: وإنَّما تَدْخُلُ في الأمْرِ والنَّهْيِ وبِاخْتِصاصٍ مِنَ الواجِبِ في القَسَمِ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ لا يَحْصُرُ مَواضِعَ دُخُولِ نُونِ التَّوْكِيدِ، ألا تَرى دُخُولَها في الشَّرْطِ ؟ ولَيْسَ واحِدًا مِمّا ذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِهِ …

Al-An'aam 6:13Listen in Qur'an →
14

قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّۭا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ

Say, "Is it other than Allah I should take as a protector, Creator of the heavens and the earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muhammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allah] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.' "

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . فَطَرَ: خَلَقَ وابْتَدَأ مِن غَيْرِ مِثالٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى (فَطَرَ)، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيِ اخْتَرَعْتُها وأنْشَأْتُها، وفَطَرَ أيْضًا شَقَّ يُقالُ فَطَرَ نابَ البَعِيرِ ومِنهُ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ؟ وقَوْلُهُ: يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ. كَشَفَ الضُّرَّ: أزالَهُ، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها؛ أزالَتْ ما يَسْتُرُهُما. القَهْرُ: الغَلَبَةُ والحَمْلُ عَلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ. الوَقْرُ: الثِّقَلُ في السَّمْعِ، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وسُمِعَ أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ، فالفِعْلُ عَلى هَذا وقَرَتْ. …

Al-An'aam 6:14Listen in Qur'an →
15

قُلْ إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍۢ

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . فَطَرَ: خَلَقَ وابْتَدَأ مِن غَيْرِ مِثالٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى (فَطَرَ)، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيِ اخْتَرَعْتُها وأنْشَأْتُها، وفَطَرَ أيْضًا شَقَّ يُقالُ فَطَرَ نابَ البَعِيرِ ومِنهُ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ؟ وقَوْلُهُ: يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ. كَشَفَ الضُّرَّ: أزالَهُ، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها؛ أزالَتْ ما يَسْتُرُهُما. القَهْرُ: الغَلَبَةُ والحَمْلُ عَلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ. الوَقْرُ: الثِّقَلُ في السَّمْعِ، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وسُمِعَ أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ، فالفِعْلُ عَلى هَذا وقَرَتْ. …

Al-An'aam 6:15Listen in Qur'an →
16

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍۢ فَقَدْ رَحِمَهُۥ ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ

He from whom it is averted that Day - [Allah] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وذَلِكَ الفَوْزُ المُبِينُ﴾ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧] ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨] ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ أئِنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أشْهَدُ قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٤] ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٦] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩] ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٠] ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] . فَطَرَ: خَلَقَ وابْتَدَأ مِن غَيْرِ مِثالٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى (فَطَرَ)، حَتّى أتانِي أعْرابِيّانِ يَخْتَصِمانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيِ اخْتَرَعْتُها وأنْشَأْتُها، وفَطَرَ أيْضًا شَقَّ يُقالُ فَطَرَ نابَ البَعِيرِ ومِنهُ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ؟ وقَوْلُهُ: يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ. كَشَفَ الضُّرَّ: أزالَهُ، وكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها؛ أزالَتْ ما يَسْتُرُهُما. القَهْرُ: الغَلَبَةُ والحَمْلُ عَلى الشَّيْءِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ. الوَقْرُ: الثِّقَلُ في السَّمْعِ، يُقالُ: وقَرَتْ أُذُنُهُ، بِفَتْحِ القافِ وكَسْرِها، وسُمِعَ أُذُنٌ مَوْقُورَةٌ، فالفِعْلُ عَلى هَذا وقَرَتْ. …

Al-An'aam 6:16Listen in Qur'an →
17

وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّۢ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍۢ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

And if Allah should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ إنْ يُصِبْكَ ويَنَلْكَ بِضُرٍّ، وحَقِيقَةُ المَسِّ تَلاقِي جِسْمَيْنِ، ويَظْهَرُ أنَّ الباءَ في (بِضُرٍّ)، وفي (بِخَيْرٍ) لِلْمُتَعَدِّيَةِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ لِضُرٍّ)، فَقَدْ مَسَّكَ. والتَّعْدِيَةُ بِالباءِ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي قَلِيلَةٌ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقَوْلُ العَرَبِ: صَكَكْتُ أحَدَ الحَجَرَيْنِ بِالآخَرِ، والضُّرُّ بِالضَّمِّ سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ وغَيْرِهِ، وبِالفَتْحِ ضِدُّ النَّفْعِ، وفَسَّرَ السُّدِّيُّ الضُّرَّ هُنا، بِالسَّقَمِ، والخَيْرَ بِالعافِيَةِ. وقِيلَ: الضُّرُّ؛ الفَقْرُ، والخَيْرُ الغِنى، والأحْسَنُ العُمُومُ في الضُّرِّ مِنَ المَرَضِ، والفَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الخَيْرِ مِنَ الغِنى والصِّحَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، فَلَوْ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم جَمِيعًا أرادُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. والَّذِي يُقابِلُ الخَيْرَ، هو الشَّرُّ، ونابَ عَنْهُ هُنا الضُّرُّ، وعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ؛ لِأنَّ الشَّرَّ أعَمُّ مِنَ الضُّرِّ، فَأْتِي بِلَفْظِ الضُّرِّ الَّذِي هو أخَصُّ، وبِلَفْظِ الخَيْرِ الَّذِي هو عامٌّ، مُقابِلٌ لِعامٍّ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نابَ الضُّرُّ هُنا مَنابَ الشَّرِّ، وإنْ كانَ الشَّرُّ أعَمَّ مِنهُ، فَقابَلَ الخَيْرَ، وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ، عُدُولٌ عَنْ قانُونِ التَّكَلُّفِ والصَّنْعَةِ، فَإنَّ بابَ التَّكَلُّفِ في تَرْصِيعِ الكَلامِ، أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ مُوافَقَةً أوْ مُضاهاةً، فَمِن ذَلِكَ ﴿ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، فَجاءَ بِالجُوعِ مَعَ العُرِيِّ، وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَّمَأِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَّذَّةِ ولِمَ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خِلْخالِ

؎ولَمْ أسْبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ

انْتَهى. والجامِعُ في الآيَةِ بَيْنَ الجُوعِ والعُرِيِّ، هو اشْتِراكُهُما في الخُلُوِّ، فالجُوعُ خُلُوُّ الباطِنِ والعُرِيُّ خُلُوُّ الظّاهِرِ، وبَيْنَ الظَّمَأِ والضَّحاءِ اشْتِراكُهُما في الِاحْتِراقِ، فالظَّمَأُ احْتِراقُ الباطِنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ بَرَّدَ الماءُ حَرارَةَ جَوْفِي ؟ والضَّحاءُ احْتِراقُ الظّاهِرِ، والجامِعُ في البَيْتِ الأوَّلِ بَيْنَ الرُّكُوبِ لِلَذَّةِ، وهي الصَّيْدُ، وتَبَطُّنِ الكاعِبِ اشْتِراكُهُما في لَذَّةِ الِاسْتِعْلاءِ والِاقْتِناصِ والقَهْرِ، والظَّفَرِ بِمِثْلِ هَذا الرُّكُوبِ، ألا تَرى إلى تَسْمِيَتِهِمْ هَنَ المَرْأةِ بِالرَّكْبِ هو فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ؟ أيْ مَرْكُوبٍ؛ قالَ الرّاجِزُ:

؎إنَّ لَها لَرَكْبًا إرْزَبّا ∗∗∗ كَأنَّهُ جَبْهَةُ ذُرى حُبّا

وفِي البَيْتِ الثّانِي بَيْنَ سَبَأِ الخَمْرِ، والرُّجُوعِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ اشْتِراكُهُما في البَذْلِ ؟ فَشِراءُ الخَمْرِ فِيهِ بَدَلُ المالِ والرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْهِزامِ فِيهِ بَذْلُ الرُّوحِ، وما أحْسَنَ تَعَقُّلَ امْرِئِ القَيْسِ في بَيْتَيْهِ، حَيْثُ انْتَقَلَ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ لِأنَّ الظَّفَرَ بِجِنْسِ الإنْسانِ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الظَّفَرِ بِغَيْرِ …

Al-An'aam 6:17Listen in Qur'an →
18

وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise, the Acquainted [with all].

﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ إنْ يُصِبْكَ ويَنَلْكَ بِضُرٍّ، وحَقِيقَةُ المَسِّ تَلاقِي جِسْمَيْنِ، ويَظْهَرُ أنَّ الباءَ في (بِضُرٍّ)، وفي (بِخَيْرٍ) لِلْمُتَعَدِّيَةِ، وإنْ كانَ الفِعْلُ مُتَعَدِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: (وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ لِضُرٍّ)، فَقَدْ مَسَّكَ. والتَّعْدِيَةُ بِالباءِ في الفِعْلِ المُتَعَدِّي قَلِيلَةٌ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١]، وقَوْلُ العَرَبِ: صَكَكْتُ أحَدَ الحَجَرَيْنِ بِالآخَرِ، والضُّرُّ بِالضَّمِّ سُوءُ الحالِ في الجِسْمِ وغَيْرِهِ، وبِالفَتْحِ ضِدُّ النَّفْعِ، وفَسَّرَ السُّدِّيُّ الضُّرَّ هُنا، بِالسَّقَمِ، والخَيْرَ بِالعافِيَةِ. وقِيلَ: الضُّرُّ؛ الفَقْرُ، والخَيْرُ الغِنى، والأحْسَنُ العُمُومُ في الضُّرِّ مِنَ المَرَضِ، والفَقْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وفي الخَيْرِ مِنَ الغِنى والصِّحَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «فَقَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، فَلَوْ أنَّ الخَلْقَ كُلَّهم جَمِيعًا أرادُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ» . أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. والَّذِي يُقابِلُ الخَيْرَ، هو الشَّرُّ، ونابَ عَنْهُ هُنا الضُّرُّ، وعَدَلَ عَنِ الشَّرِّ؛ لِأنَّ الشَّرَّ أعَمُّ مِنَ الضُّرِّ، فَأْتِي بِلَفْظِ الضُّرِّ الَّذِي هو أخَصُّ، وبِلَفْظِ الخَيْرِ الَّذِي هو عامٌّ، مُقابِلٌ لِعامٍّ تَغْلِيبًا لِجِهَةِ الرَّحْمَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نابَ الضُّرُّ هُنا مَنابَ الشَّرِّ، وإنْ كانَ الشَّرُّ أعَمَّ مِنهُ، فَقابَلَ الخَيْرَ، وهَذا مِنَ الفَصاحَةِ، عُدُولٌ عَنْ قانُونِ التَّكَلُّفِ والصَّنْعَةِ، فَإنَّ بابَ التَّكَلُّفِ في تَرْصِيعِ الكَلامِ، أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مُقْتَرِنًا بِالَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الِاخْتِصاصِ مُوافَقَةً أوْ مُضاهاةً، فَمِن ذَلِكَ ﴿ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، فَجاءَ بِالجُوعِ مَعَ العُرِيِّ، وبابُهُ أنْ يَكُونَ مَعَ الظَّمَأِ؛ ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَّذَّةِ ولِمَ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خِلْخالِ

؎ولَمْ أسْبَأِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِي كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ

انْتَهى. والجامِعُ في الآيَةِ بَيْنَ الجُوعِ والعُرِيِّ، هو اشْتِراكُهُما في الخُلُوِّ، فالجُوعُ خُلُوُّ الباطِنِ والعُرِيُّ خُلُوُّ الظّاهِرِ، وبَيْنَ الظَّمَأِ والضَّحاءِ اشْتِراكُهُما في الِاحْتِراقِ، فالظَّمَأُ احْتِراقُ الباطِنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ بَرَّدَ الماءُ حَرارَةَ جَوْفِي ؟ والضَّحاءُ احْتِراقُ الظّاهِرِ، والجامِعُ في البَيْتِ الأوَّلِ بَيْنَ الرُّكُوبِ لِلَذَّةِ، وهي الصَّيْدُ، وتَبَطُّنِ الكاعِبِ اشْتِراكُهُما في لَذَّةِ الِاسْتِعْلاءِ والِاقْتِناصِ والقَهْرِ، والظَّفَرِ بِمِثْلِ هَذا الرُّكُوبِ، ألا تَرى إلى تَسْمِيَتِهِمْ هَنَ المَرْأةِ بِالرَّكْبِ هو فَعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ ؟ أيْ مَرْكُوبٍ؛ قالَ الرّاجِزُ:

؎إنَّ لَها لَرَكْبًا إرْزَبّا ∗∗∗ كَأنَّهُ جَبْهَةُ ذُرى حُبّا

وفِي البَيْتِ الثّانِي بَيْنَ سَبَأِ الخَمْرِ، والرُّجُوعِ بَعْدَ الهَزِيمَةِ اشْتِراكُهُما في البَذْلِ ؟ فَشِراءُ الخَمْرِ فِيهِ بَدَلُ المالِ والرُّجُوعُ بَعْدَ الِانْهِزامِ فِيهِ بَذْلُ الرُّوحِ، وما أحْسَنَ تَعَقُّلَ امْرِئِ القَيْسِ في بَيْتَيْهِ، حَيْثُ انْتَقَلَ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ لِأنَّ الظَّفَرَ بِجِنْسِ الإنْسانِ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الظَّفَرِ بِغَيْرِ …

Al-An'aam 6:18Listen in Qur'an →
19

قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةًۭ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌۭ مِّمَّا تُشْرِكُونَ

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allah is witness between me and you. And this Qur'an was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches. Do you [truly] testify that with Allah there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألَتْ قُرَيْشٌ شاهِدًا عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالُوا: أيُّ دَلِيلٍ يَشْهَدُ بِأنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَقالَ: هَذا القُرْآنُ تَحَدَّيْتُكم بِهِ، فَعَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ، أوْ بِمِثْلِ بَعْضِهِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: قالَ رُؤَساءُ مَكَّةَ: يا مُحَمَّدُ ! ما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ فِيما تَقُولُ في أمْرِ الرِّسالَةِ، ولَقَدْ سَألْنا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْكَ، فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ، فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ، أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقِيلَ: سَألَ المُشْرِكُونَ لَمّا نَزَلَ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ [الأنعام: ١٧] الآيَةَ، فَقالُوا: مَن يَشْهَدُ لَكَ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَلَيْكَ، وأنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ إلّا اللَّهُ ؟ فَقالَ اللَّهُ، وهَذا القُرْآنُ المُعْجِزُ. (وأيُّ) اسْتِفْهامٌ، والكَلامُ عَلى أقْسامِ (أيٍّ)، وعِلَّةِ إعْرابِها مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وشَيْءٌ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وذُكِرَ الخِلافُ في مَدْلُولِهِ الحَقِيقِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّيْءُ أعَمُّ العامِّ؛ لِوُقُوعِهِ عَلى كُلِّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ، فَيَقَعُ عَلى القَدِيمِ والجَوْهَرِ والعَرَضِ والمُحالِ والمُسْتَقِيمِ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ أنْ يُقالَ في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: شَيْءٌ لا كالأشْياءِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: مَعْلُومٌ لا كَسائِرِ المَعْلُوماتِ، ولا يَصِحُّ جِسْمٌ لا كالأجْسامِ، وأرادَ (أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً)، فَوَضَعَ شَيْئًا مَكانَ شَهِيدٍ؛ لِيُبالِغَ في التَّعْمِيمِ انْتَهى.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَتَضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُقالُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، كَما يُقالُ عَلَيْهِ مَوْجُودٌ، ولَكِنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقالَ غَيْرُهُما هُنا شَيْءٌ يَقَعُ عَلى القَدِيمِ والمُحْدَثِ والجَوْهَرِ والعَرَضِ والمَعْدُومِ والمَوْجُودِ، ولَمّا كانَ هَذا مُقْتَضاهُ، جازَ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى ذَلِكَ، وخالَفَ الجَهْمُ، وقالَ: لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ شَيْءٌ، ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى ذاتًا ومَوْجُودًا، وإنَّما لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، فَيَلْزَمُ مِن إطْلاقِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، أنْ يَكُونَ خالِقًا لِنَفْسِهِ، وهو مُحالٌ؛ ولِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] . والِاسْمُ إنَّما يَحْسُنُ لِحُسْنِ مُسَمّاهُ، وهو أنْ يَدُلَّ عَلى صِفَةِ كَمالٍ ونَعْتِ جَلالٍ، ولَفْظُ الشَّيْءِ أعَمُّ الأشْياءِ، فَيَكُونُ حاصِلًا في أخَسِّ الأشْياءِ وأرْذَلِها، فَلا يَدُلُّ عَلى صِفَةِ كَمالٍ ولا نَعْتِ جَلالٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ دَعْوَةُ اللَّهِ بِهِ، لَمّا لَمْ يَكُنْ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، ولِتَناوُلِهِ المَعْدُومِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] فَلا يُفِيدُ إطْلاقُ شَيْءٍ عَلَيْهِ امْتِيازَ ذاتِهِ عَلى سائِرِ الذَّواتِ بِصِفَةٍ مَعْلُومَةٍ، ولا بِخاصَّةٍ مُمَيَّزَةٍ، ولا يُفِيدُ كَوْنُهُ مُطْلَقًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وذاتُ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُ نَفْسِهِ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ تَعالى لا يُسَمّى باسِمِ الشَّيْءِ، ولا يُقالُ الكافُ زائِدَةٌ؛ لِأنَّ جَعْلَ كَلِمَةٍ مِنَ القُرْآنِ عَبَثًا باطِلًا، لا …

Al-An'aam 6:19Listen in Qur'an →
20

ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

Those to whom We have given the Scripture recognize it as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ الجُمْلَةِ الأُولى في البَقَرَةِ، وشَرْحُ الثّانِيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَرِيبٍ. وقالُوا هُنا الضَّمِيرُ في (يَعْرِفُونَهُ) عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ. والجُمْهُورُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، أوْ عَلى التَّوْحِيدِ، وذَلِكَ لِقُرْبِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنعام: ١٩] . وفِيهِ اسْتِشْهادٌ عَلى كَفَرَةِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ بِأهْلِ الكِتابِ، أوْ عَلى القُرْآنِ، قالَهُ فِرْقَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ﴾ [الأنعام: ١٩] . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ مِنَ التَّوْحِيدِ والرَّسُولِ والقُرْآنِ، كَأنَّهُ ذَكَرَ أشْياءَ، ثُمَّ قالَ أهْلُ الكِتابِ (يَعْرِفُونَهُ) أيْ يَعْرِفُونَ ما قُلْنا وما قَصَصْنا. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى كِتابِهِمْ؛ أيْ: يَعْرِفُونَ كِتابَهم، وفِيهِ ذِكْرُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الدِّينِ والرَّسُولِ، فالمَعْنى يَعْرِفُونَ الإسْلامَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. و﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ هُنا لَفْظُهُ عامٌّ، ويُرادُ بِهِ الخاصُّ، فَإنَّ هَذا لا يَعْرِفُهُ، ولا يَقْرَبُهُ إلّا مَن آمَنُ مِنهم، أوْ مَن أنْصَفَ. والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، ووُحِّدَ رَدًّا إلى الجِنْسِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا القُرْآنُ. والضَّمِيرُ في (يَعْرِفُونَهُ) عائِدٌ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ ما مُلَخَّصُهُ: إنْ كانَ المَكْتُوبُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ خُرُوجَ نَبِيٍّ في آخِرِ الزَّمانِ فَقَطْ، فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ هو مُحَمَّدًا ﷺ، أوْ مُعَيَّنًا زَمانُهُ ومَكانُهُ ونَسَبُهُ وحِلْيَتُهُ وشَكْلُهُ، فَيَكُونُونَ إذْ ذاكَ عالِمِينَ بِهِ بِالضَّرُورَةِ، ولا يَجُوزُ الكَذِبُ عَلى الجَمْعِ العَظِيمِ. ولِأنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ كِتابَهم لَمْ يَشْتَمِلْ عَلى هَذِهِ التَّفاصِيلِ التّامَّةِ، وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ ؟ وأجابَ بِأنَّهم كانُوا أهْلًا لِلنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وكانُوا شاهَدُوا ظُهُورَ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِ الرَّسُولِ، فَعَرَفُوا بِالمُعْجِزاتِ كَوْنَهُ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فالمَقْصُودُ تَشْبِيهُ مَعْرِفَتِهِ بِمَعْرِفَةِ أبْنائِهِمْ بِهَذا القَدْرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ انْتَهى. ولا يَلْزَمُ ذَلِكَ التَّقْسِيمُ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَعْرِفُونَهُ بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إنَّما ذَكَرَ (يَعْرِفُونَهُ) فَجازَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ مُسْنَدَةً إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن أخْبارِ أنْبِيائِهِمْ ونُصُوصِهِمْ، فالتَّفاصِيلُ عِنْدَهم مِن ذَلِكَ، لا مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَيَكُونُ مَعْرِفَتُهم إيّاهُ مُفَصَّلَةً واضِحَةً بِالأخْبارِ لا بِالنَّظَرِ في المُعْجِزاتِ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ وأيْضًا فَلا نُسَلِّمُ لَهُ حَصْرَ التَّقْسِيمِ فِيما ذَكَرَهُ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ قِسْمًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ يَدُلّانِ عَلى خُرُوجِ نَبِيٍّ في آخِرِ الزَّمانِ وعَلى بَعْضِ أوْصافِهِ، لا عَلى جَمِيعِ الأوْصافِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِن تَعْيِينِ زَمانٍ ومَكانٍ ونَسَبٍ وحِلْيَةٍ وشَكْلٍ، ويَدُلُّ عَلى هَذا القِسْمِ حَدِيثُ عُمَرَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقَوْلُهُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ بِمَكَّةَ إنَّكم تَعْرِفُونَهُ، كَما تَعْرِفُونَ …

Al-An'aam 6:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.