بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ
[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion and He created all things? And He is, of all things, Knowing.
﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اخْتَصَّ بِهِ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ ومُتْقَنِ صَنْعَتِهِ وامْتِنانِهِ عَلى عالَمِ الإنْسانِ بِما أوْجَدَ لَهُ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ في قِوامِ حَياتِهِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ آياتٍ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، ولِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ ما عامَلُوا بِهِ مُنْشِئَهم مِنَ العَدَمِ ومُوجِدَ أرْزاقِهِمْ مِن إشْراكِ غَيْرِهِ لَهُ في عِبادَتِهِ، ونِسْبَةِ ما هو مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ مِن وصْفِهِ بِسِماتِ الحُدُوثِ مِنَ البَنِينَ والبَناتِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والعَقارِبِ والسِّباعِ، ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُ المَجُوسِ، قالُوا: لِلْعالَمِ صانِعانِ: إلَهٌ قَدِيمٌ، والثّانِي شَيْطانٌ حادِثٌ مِن فِكْرَةِ الإلَهِ القَدِيمِ، وكَذَلِكَ الحائِطِيَّةُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ مِن أصْحابِ أحْمَدَ بْنِ حائِطٍ زَعَمُوا أنَّ لِلْعالَمِ صانِعَيْنِ: الإلَهُ القَدِيمُ والآخَرُ مُحْدَثٌ خَلَقَهُ اللَّهُ أوَّلًا ثُمَّ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ العالَمِ، وهو الَّذِي يُحاسِبُ الخَلْقَ في الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في (وجَعَلُوا) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ وأهْلُ كِتابٍ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، والنَّصارى قالَتْ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، واليَهُودُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وطَوائِفُ مِنَ العَرَبِ جَعَلُوا لِلَّهِ - تَعالى - بَناتٍ المَلائِكَةَ، وبَنُو مُدْلِجٍ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - صاهَرَ الجِنَّ فَوَلَدَتْ لَهُ المَلائِكَةَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ طائِفَةً يُسَمَّوْنَ الجِنَّ، وإبْلِيسُ مِنهم، وهم خَدَمُ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الطَّوائِفُ كُلُّها أطاعُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ الأوْثانِ واعْتَقَدُوا الإلَهِيَّةَ فِيمَن لَيْسَتْ لَهُ، فَجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ أنْفُسَهم، وما قالَهُ الحَسَنُ مُخالِفٌ لِهَذا الظّاهِرِ، إذْ ظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأوْثانُ، وأنَّهُ جَعَلَتْ طاعَةَ الشَّيْطانِ تَشْرِيكًا لَهُ مَعَ اللَّهِ - تَعالى - إذْ كانَ التَّشْرِيكُ ناشِئًا عَنْ أمْرِهِ وإغْوائِهِ، وكَذا قالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: أرادَ بِالجِنِّ إبْلِيسَ، أمَرَهم فَأطاعُوهُ، وظاهِرُ لَفْظِ الجِنِّ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَبادَرُ إلَيْهِمُ الذِّهْنُ مِن أنَّهم قَسِيمُ الإنْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وأنَّهم لَيْسُوا المَلائِكَةَ لِقَوْلِهِ: (ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١])، فالآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى الَّذِينَ جَعَلُوا الجِنَّ شُرَكاءَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِمْ إيّاهم وأنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وكانَتْ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَسْتَجِيرُ بِجِنِّ الأوْدِيَةِ في أسْفارِها، والجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ (الجِنَّ)، وأعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ مَفْعُولًا أوَّلًا بِجَعَلُوا، (وجَعَلُوا) بِمَعْنى صَيَّرُوا، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِشُرَكاءَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ التَّقْدِيمِ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ اسْتِعْظامُ أنْ يُتَّخَذَ لِلَّهِ شَرِيكٌ مَن كانَ مَلَكًا أوْ جِنِّيًّا أوْ إنْسِيًّا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ عَلى الشُّرَكاءِ. انْتَهى. وأجازَ الحَوْفَيُّ وأبُو البَقاءِ فِيهِ أنْ يَكُونَ …