Muslim99Muslim99
← Tafsir library

6. Al-An'aam

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

سُورَةُ الأَنۡعَامِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 101–110 of 165

101

بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌۭ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٌۭ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ

[He is] Originator of the heavens and the earth. How could He have a son when He does not have a companion and He created all things? And He is, of all things, Knowing.

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اخْتَصَّ بِهِ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ ومُتْقَنِ صَنْعَتِهِ وامْتِنانِهِ عَلى عالَمِ الإنْسانِ بِما أوْجَدَ لَهُ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ في قِوامِ حَياتِهِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ آياتٍ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، ولِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ ما عامَلُوا بِهِ مُنْشِئَهم مِنَ العَدَمِ ومُوجِدَ أرْزاقِهِمْ مِن إشْراكِ غَيْرِهِ لَهُ في عِبادَتِهِ، ونِسْبَةِ ما هو مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ مِن وصْفِهِ بِسِماتِ الحُدُوثِ مِنَ البَنِينَ والبَناتِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والعَقارِبِ والسِّباعِ، ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُ المَجُوسِ، قالُوا: لِلْعالَمِ صانِعانِ: إلَهٌ قَدِيمٌ، والثّانِي شَيْطانٌ حادِثٌ مِن فِكْرَةِ الإلَهِ القَدِيمِ، وكَذَلِكَ الحائِطِيَّةُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ مِن أصْحابِ أحْمَدَ بْنِ حائِطٍ زَعَمُوا أنَّ لِلْعالَمِ صانِعَيْنِ: الإلَهُ القَدِيمُ والآخَرُ مُحْدَثٌ خَلَقَهُ اللَّهُ أوَّلًا ثُمَّ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ العالَمِ، وهو الَّذِي يُحاسِبُ الخَلْقَ في الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في (وجَعَلُوا) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ وأهْلُ كِتابٍ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، والنَّصارى قالَتْ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، واليَهُودُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وطَوائِفُ مِنَ العَرَبِ جَعَلُوا لِلَّهِ - تَعالى - بَناتٍ المَلائِكَةَ، وبَنُو مُدْلِجٍ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - صاهَرَ الجِنَّ فَوَلَدَتْ لَهُ المَلائِكَةَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ طائِفَةً يُسَمَّوْنَ الجِنَّ، وإبْلِيسُ مِنهم، وهم خَدَمُ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الطَّوائِفُ كُلُّها أطاعُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ الأوْثانِ واعْتَقَدُوا الإلَهِيَّةَ فِيمَن لَيْسَتْ لَهُ، فَجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ أنْفُسَهم، وما قالَهُ الحَسَنُ مُخالِفٌ لِهَذا الظّاهِرِ، إذْ ظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأوْثانُ، وأنَّهُ جَعَلَتْ طاعَةَ الشَّيْطانِ تَشْرِيكًا لَهُ مَعَ اللَّهِ - تَعالى - إذْ كانَ التَّشْرِيكُ ناشِئًا عَنْ أمْرِهِ وإغْوائِهِ، وكَذا قالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: أرادَ بِالجِنِّ إبْلِيسَ، أمَرَهم فَأطاعُوهُ، وظاهِرُ لَفْظِ الجِنِّ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَبادَرُ إلَيْهِمُ الذِّهْنُ مِن أنَّهم قَسِيمُ الإنْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وأنَّهم لَيْسُوا المَلائِكَةَ لِقَوْلِهِ: (ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١])، فالآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى الَّذِينَ جَعَلُوا الجِنَّ شُرَكاءَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِمْ إيّاهم وأنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وكانَتْ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَسْتَجِيرُ بِجِنِّ الأوْدِيَةِ في أسْفارِها، والجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ (الجِنَّ)، وأعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ مَفْعُولًا أوَّلًا بِجَعَلُوا، (وجَعَلُوا) بِمَعْنى صَيَّرُوا، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِشُرَكاءَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ التَّقْدِيمِ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ اسْتِعْظامُ أنْ يُتَّخَذَ لِلَّهِ شَرِيكٌ مَن كانَ مَلَكًا أوْ جِنِّيًّا أوْ إنْسِيًّا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ عَلى الشُّرَكاءِ. انْتَهى. وأجازَ الحَوْفَيُّ وأبُو البَقاءِ فِيهِ أنْ يَكُونَ …

Al-An'aam 6:101Listen in Qur'an →
102

ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍۢ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ وَكِيلٌۭ

That is Allah, your Lord; there is no deity except Him, the Creator of all things, so worship Him. And He is Disposer of all things.

﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى ما اخْتَصَّ بِهِ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ ومُتْقَنِ صَنْعَتِهِ وامْتِنانِهِ عَلى عالَمِ الإنْسانِ بِما أوْجَدَ لَهُ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ في قِوامِ حَياتِهِ، وبَيَّنَ ذَلِكَ آياتٍ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، ولِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ، ولِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ذَكَرَ ما عامَلُوا بِهِ مُنْشِئَهم مِنَ العَدَمِ ومُوجِدَ أرْزاقِهِمْ مِن إشْراكِ غَيْرِهِ لَهُ في عِبادَتِهِ، ونِسْبَةِ ما هو مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ مِن وصْفِهِ بِسِماتِ الحُدُوثِ مِنَ البَنِينَ والبَناتِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ، وإبْلِيسُ خالِقُ الحَيّاتِ والعَقارِبِ والسِّباعِ، ويَقْرُبُ مِن هَذا قَوْلُ المَجُوسِ، قالُوا: لِلْعالَمِ صانِعانِ: إلَهٌ قَدِيمٌ، والثّانِي شَيْطانٌ حادِثٌ مِن فِكْرَةِ الإلَهِ القَدِيمِ، وكَذَلِكَ الحائِطِيَّةُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ مِن أصْحابِ أحْمَدَ بْنِ حائِطٍ زَعَمُوا أنَّ لِلْعالَمِ صانِعَيْنِ: الإلَهُ القَدِيمُ والآخَرُ مُحْدَثٌ خَلَقَهُ اللَّهُ أوَّلًا ثُمَّ فَوَّضَ إلَيْهِ تَدْبِيرَ العالَمِ، وهو الَّذِي يُحاسِبُ الخَلْقَ في الآخِرَةِ. والضَّمِيرُ في (وجَعَلُوا) عائِدٌ عَلى الكُفّارِ لِأنَّهم مُشْرِكُونَ وأهْلُ كِتابٍ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ، والنَّصارى قالَتْ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، واليَهُودُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وطَوائِفُ مِنَ العَرَبِ جَعَلُوا لِلَّهِ - تَعالى - بَناتٍ المَلائِكَةَ، وبَنُو مُدْلِجٍ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - تَعالى - صاهَرَ الجِنَّ فَوَلَدَتْ لَهُ المَلائِكَةَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ مِنَ المَلائِكَةِ طائِفَةً يُسَمَّوْنَ الجِنَّ، وإبْلِيسُ مِنهم، وهم خَدَمُ الجَنَّةِ. وقالَ الحَسَنُ: هَذِهِ الطَّوائِفُ كُلُّها أطاعُوا الشَّيْطانَ في عِبادَةِ الأوْثانِ واعْتَقَدُوا الإلَهِيَّةَ فِيمَن لَيْسَتْ لَهُ، فَجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ في العِبادَةِ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ أنْفُسَهم، وما قالَهُ الحَسَنُ مُخالِفٌ لِهَذا الظّاهِرِ، إذْ ظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ الشُّرَكاءَ هي الأوْثانُ، وأنَّهُ جَعَلَتْ طاعَةَ الشَّيْطانِ تَشْرِيكًا لَهُ مَعَ اللَّهِ - تَعالى - إذْ كانَ التَّشْرِيكُ ناشِئًا عَنْ أمْرِهِ وإغْوائِهِ، وكَذا قالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: أرادَ بِالجِنِّ إبْلِيسَ، أمَرَهم فَأطاعُوهُ، وظاهِرُ لَفْظِ الجِنِّ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَبادَرُ إلَيْهِمُ الذِّهْنُ مِن أنَّهم قَسِيمُ الإنْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وأنَّهم لَيْسُوا المَلائِكَةَ لِقَوْلِهِ: (ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١])، فالآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى الَّذِينَ جَعَلُوا الجِنَّ شُرَكاءَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِمْ إيّاهم وأنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، وكانَتْ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَسْتَجِيرُ بِجِنِّ الأوْدِيَةِ في أسْفارِها، والجُمْهُورُ عَلى نَصْبِ (الجِنَّ)، وأعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ مَفْعُولًا أوَّلًا بِجَعَلُوا، (وجَعَلُوا) بِمَعْنى صَيَّرُوا، و(شُرَكاءَ) مَفْعُولٌ ثانٍ، ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِشُرَكاءَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ التَّقْدِيمِ ؟ (قُلْتُ): فائِدَتُهُ اسْتِعْظامُ أنْ يُتَّخَذَ لِلَّهِ شَرِيكٌ مَن كانَ مَلَكًا أوْ جِنِّيًّا أوْ إنْسِيًّا أوْ غَيْرَ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ اسْمَ اللَّهِ عَلى الشُّرَكاءِ. انْتَهى. وأجازَ الحَوْفَيُّ وأبُو البَقاءِ فِيهِ أنْ يَكُونَ …

Al-An'aam 6:102Listen in Qur'an →
103

لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ

Vision perceives Him not, but He perceives [all] vision; and He is the Subtle, the Acquainted.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:103Listen in Qur'an →
104

قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍۢ

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:104Listen in Qur'an →
105

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ

And thus do We diversify the verses so the disbelievers will say, "You have studied," and so We may make the Qur'an clear for a people who know.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:105Listen in Qur'an →
106

ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ

Follow, [O Muhammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allah.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:106Listen in Qur'an →
107

وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍۢ

But if Allah had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:107Listen in Qur'an →
108

وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And do not insult those they invoke other than Allah, lest they insult Allah in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:108Listen in Qur'an →
109

وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌۭ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ

And they swear by Allah their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with Allah." And what will make you perceive that even if a sign came, they would not believe.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:109Listen in Qur'an →
110

وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فاعْبُدُوهُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢] أيْ: (ذَلِكُمُ) المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الأوْصافِ السّابِقَةِ مِن كَوْنِهِ بَدِيعًا لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولَدًا خالِقَ المَوْجُوداتِ عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ هو اللَّهُ، بَدَأ بِالِاسْمِ العَلَمِ ثُمَّ قالَ: (رَبُّكم): أيْ مالِكُكم والنّاظِرُ في مَصالِحِكم، ثُمَّ حَصَرَ الأُلُوهِيَّةَ فِيهِ، ثُمَّ كَرَّرَ وصْفَ خَلْقِهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢] ثُمَّ أمَرَ بِعِبادَتِهِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَجْمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ كانَ جَدِيرًا بِالعِبادَةِ وأنْ يُفْرَدَ بِها فَلا يُتَّخَذَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ مَعَ تِلْكَ الصِّفاتِ السّابِقَةِ الَّتِي مِنها خَلْقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو المالِكُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأرْزاقِ والآجالِ رَقِيبٌ عَلى الأعْمالِ.

﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ الإدْراكُ قِيلَ: مَعْناهُ الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ هُنا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ وابْنُ المُسَيِّبِ والزَّجّاجُ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: لا تُحِيطُ بِهِ الأبْصارُ، وقالَ الزَّجّاجُ: لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ، والإدْراكُ يَتَضَمَّنُ الإحاطَةَ بِالشَّيْءِ والوُصُولَ إلى أعْماقِهِ وحَوْزَهُ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، أوْ كَنّى بِالأبْصارِ عَنِ الأشْخاصِ لِأنَّ بِها تُدْرِكُ الأشْخاصُ الأشْياءَ، وكانَ المَعْنى: لا تُدْرِكُهُ الخَلْقُ وهو يُدْرِكُهم، أوْ يَكُونُ المَعْنى إبْصارَ القَلْبِ أيْ لا تُدْرِكُهُ عُلُومُ الخَلْقِ وهو يُدْرِكُ عُلُومَهم وذَواتَهم؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحاطٍ بِهِ، وهو عَلى هَذا مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، ولا تُنافِي الرُّؤْيَةُ انْتِفاءَ الإدْراكِ، وقِيلَ: الإدْراكُ هُنا الرُّؤْيَةُ، وهي مُخْتَلَفٌ فِيها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فالمُعْتَزِلَةُ يُحِيلُونَها، وأهْلُ السُّنَّةِ يُجَوِّزُونَها عَقْلًا ويَقُولُونَ: هي واقِعَةٌ سَمْعًا، وهَذِهِ مَسْألَةٌ يُبْحَثُ عَنْها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ، وفِيهِ ذِكْرُ دَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ مُسْتَوْفاةٌ، وقَدْ رَأيْتُ فِيها لِأبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ، وهو مِن عُقَلاءِ الإمامِيَّةِ، سِفْرًا كَبِيرًا يَنْصُرُ فِيهِ مَقالَةَ أصْحابِهِ نُفاةِ الرُّؤْيَةِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ نُفاةُ الرُّؤْيَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِمَذْهَبِهِمْ، وأُجِيبُوا بِأنَّ الإدْراكَ غَيْرُ الرُّؤْيَةِ، وعَلى تَسْلِيمٍ أنَّ الإدْراكَ هو الرُّؤْيَةُ فالأبْصارُ مَخْصُوصَةٌ أيْ: أبْصارُ الكُفّارِ الَّذِينَ سَبَقَ ذِكْرَهم أوْ لا تُدْرِكُهُ في الدُّنْيا، قالَ الماتُرِيدِيُّ: والبَصَرُ هو الجَوْهَرُ اللَّطِيفُ الَّذِي رَكَّبَهُ اللَّهُ - تَعالى - في حاسَّةِ النَّظَرِ، بِهِ تُدْرَكُ المُبْصَراتُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإدْراكَ لا يُرادُ بِهِ هُنا مُجَرَّدُ الرُّؤْيَةِ، إذْ لَوْ كانَ مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعالى بِذَلِكَ اخْتِصاصٌ ولا تَمَدُّحٌ؛ لِأنّا نَحْنُ نَرى الأبْصارَ فَدَلَّ عَلى أنَّ مَعْنى الإدْراكِ الإحاطَةُ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، فَهو تَعالى لا تُحِيطُ بِحَقِيقَتِهِ الأبْصارُ وهو مُحِيطٌ بِحَقِيقَتِها، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الأبْصارَ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ ولا تُدْرِكُهُ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ أنْ يَكُونَ مُبْصِرًا في ذاتِهِ؛ لِأنَّ الأبْصارَ إنَّما تَتَعَلَّقُ بِما كانَ في جِهَةٍ أصْلًا أوْ تابِعًا كالأجْسامِ والهَيْئاتِ، ﴿وهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، وهو لِلُطْفِ إدْراكِهِ لِلْمُدْرَكاتِ يُدْرِكُ تِلْكَ الجَواهِرَ اللَّطِيفَةَ الَّتِي لا يُدْرِكُها مُدْرِكٌ.

﴿وهو اللَّطِيفُ …

Al-An'aam 6:110Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.