Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 61–70 of 120

61

وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allah is most knowing of what they were concealing.

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الخطاب ﴿جَاءُوكُمْ﴾ للنبي ﷺ وأصحابه، والفاعل منافقو اليهود، يأتون النبي ﷺ يقولون: ﴿آمَنَّا﴾، لكن بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم. ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾: ﴿دَخَلُوا بِالْكُفْرِ)﴾ (الباء) هنا قالوا: إنها للملابسة والمصاحبة، يعني متلبسين بالكفر، ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ أي بالكفر متلبسين، فهم عند الدخول وعند الخروج على الكفر، حتى لو قالوا: آمنا، فإن قلوبهم لم تؤمن، منافقون، ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ من قبل، خرجوا بالكفر ويخرجون إذا دخلوا عليكم بالكفر أيضًا، حتى قال بعضهم يناصر بعضًا مع المسلمين: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٢، ٧٣].

﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾: ﴿أَعْلَمُ﴾ منكم ﴿بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي يخفون من الكفر، واسم التفضيل هنا على بابه، وهكذا كلما جاء هذا الوصف بهذه الصيغة فهو على بابه اسم تفضيل، وقد غلط من فسره باسم فاعل حيث قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾، قال: والله عليم أو عالم بما كانوا يكتمون؛ لأنه إذا قال: عليم أو عالم لم يمنع المشاركة، لكن إذا قال: أعلم أيش؟ منع المشاركة، أعلم ما فيه أحد مثله، لكن هم فروا من شيء فوقعوا في شر منه، قالوا: أعلم، إذا قلت: أعلم فإن القاعدة: أن اسم التفضيل يدل على اشتراك المفضل والمفضل عليه في الصفة.

فنقول: نعم لا شك أن الرب عز وجل والمخلوق مشتركان في أصل الصفة، وهي العلم، ولا بد من هذا، إثبات العلم للمخلوق جاء في القرآن: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]، لكن الذي يمتنع أن تجعل علم المخلوق كعلم الخالق، أما أن يشتركا في أصل الصفة فهذا لا بد منه، حتى الحياة، حتى القدرة، حتى السمع، حتى البصر، لا بد من الاشتراك في أصل المعنى، فنقول: أنتم منعتم من أن يكون اسم التفضيل على بابه خوفًا من الاشتراك في أصل المعنى، لكن إذا قلتم: عالم أو عليم سويتم بين الخالق والمخلوق؛ لأن المخلوق يطلق عليه عالم، يطلق عليه عليم، أليس كذلك؟ فلهذا لا يمكن أن تجد إنسانًا خرج عن مدلولات النصوص من الكتاب والسنة إلا وقع في شر مما حذره.

* من فوائد هذه الآية: التحذير من المنافقين؛ لأن الله لم يقص علينا قصصهم أو حالهم إلا لنحذر، لا لنعلم فقط، لنحذر.

* من فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله تبارك وتعالى بما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ فإثبات العلم بما في القلوب ثابت لله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ليس لنا أن نحكم إلا بما ظهر؛ لأن الله لم يخبرنا إلا لنحذر، ولو أننا بقينا على ما يبدو لنا لكان هؤلاء أيش؟ مؤمنين حسب ما يقولون، لكن الله أخبرنا بهذا لنحذر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير المرء من أن يبطن في قلبه ما يخالف لسانه، وهذه مسألة يجب علينا أن نعالج أنفسنا منها، احذر أن تضمر في قلبك ما يخالف ما تنطق به بلسانك أو تفعله بجوارحك، يجب أن تصفي القلب أولًا وتطهر القلب ثم بعد ذلك تبني أعمالك على حسب هذه التصفية.

Al-Maaida 5:61Listen in Qur'an →
62

وَتَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

﴿تَرَى﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن المراد بالرؤية هنا البصرية، ويجوز أن تكون علمية، ويكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا أول و﴿يُسَارِعُونَ﴾ مفعولًا ثانيًا.

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء الذين يأتون إليكم يقولون: إنهم مؤمنون ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يعني يتسابقون إليه أيهم أسرع، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾، الإثم فيما يتعلق بحق الله عز وجل، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي، ومنهم من فسر الإثم بالكذب، والعدوان بالظلم، ولكننا إذا قلنا: الإثم فيما يتعلق بحق الله، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي كان أعم وأشمل.

﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني يسارعون في أكلهم السحت، يتسابقون إليه، وما هو السحت؟ السحت: كل كسب محرم فهو سحت. فيدخل في ذلك الربا، ويدخل في ذلك الرشوة، ويدخل في ذلك الغش، وكل كسب محرم فهو داخل في لفظ السحت.

ووصف بهذا الوصف المنفر لوجهين:

الوجه الأول: أنه لا بركة فيه.

الوجه الثاني: أنه سبب لسحت المال الموجود.

فهو شر في نفسه، شر في غيره، ولذلك إذا دخل الحرام على الإنسان نُزعت البركة من ماله واشتد طلبه للمال، يعني يُبتلى بالشح.

﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (اللام) هذه في جواب القسم، والتقدير: والله لبئس ما كانوا يعملون، (بئس) تعمل عمل (ليس)، أين خبرها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، قلت: تعمل عمل (ليس)، وهي تعمل على أن ما بعدها فاعل والمخصوص محذوف، أي: لبئس ما كانوا يعملون عملهم، يعني أن عملهم مذموم، يصدق عليهم هذا الوصف: ﴿بِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما الذي عملوا؟ مسارعة في الإثم ومسارعة في العدوان، أكل السحت، ونعم هذه الأمور الثلاثة مستحقة للذم.

﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾: ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلّا، فهي أداة تحضيض، ومثلها مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣] أي: هلّا جاءوا، فـ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلّا.

﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ﴾ المربون ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ العلماء الكبار، جمع حَبر أو حِبر، يقال: حَبر و حِبر، وهو في الاشتقاق مع البحر موافق له، فالباء والحاء والراء في البحر وفي الحبر، ولهذا لا يطلق الحبر إلا على العالم واسع العلم، الربانيون إذن مَن؟ المربون، سواء كانوا علماء كبارًا أو غير علماء، والأحبار هم العلماء الكبار.

﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني أن الله عز وجل حض الربانيين والأحبار على نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، فما هو الإثم الذي يقولونه؟ أعظمه وأشده أنهم ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعظم من ذلك أنهم يقولون: إن عزيرًا ابن الله، والمسيح ابن الله، من القائل: عزير ابن الله؟ اليهود، والمسيح ابن الله؟ النصارى، هذا قول الإثم، كذلك يقولون الكذب كما مر علينا أنهم يقولون لعوامهم قولًا يكذبون به الرسول ويستمعون له للكذب.

﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني أكل المال المحرم، سواء بالرشوة أو بالربا أو غير ذلك.

﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقال في إعرابها ما قيل في الجملة قبلها، لكن الفاعل في ﴿يَصْنَعُونَ﴾ هنا ليس عائدًا على ما تعود عليه الواو في ﴿يَعْمَلُونَ﴾ الأولى؛ لأن الواو هنا عائدة إلى الربانيين والأحبار.

قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، والصنع والفعل بينهما خصوص وعموم مطلق؛ لأن الصنع إنما يكون فِعل بترتيب، يكون فِعلًا بترتيب وإعداد للقول أو للفعل، بخلاف الفعل المجرد؛ وذلك أن هؤلاء الربانيين والأحبار يصنعون ما يصنعون من كتمان الحق وعدم الأمر به، …

Al-Maaida 5:62Listen in Qur'an →
63

لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

﴿تَرَى﴾ الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن المراد بالرؤية هنا البصرية، ويجوز أن تكون علمية، ويكون ﴿كَثِيرًا﴾ مفعولًا أول و﴿يُسَارِعُونَ﴾ مفعولًا ثانيًا.

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: من هؤلاء الذين يأتون إليكم يقولون: إنهم مؤمنون ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ﴾ يعني يتسابقون إليه أيهم أسرع، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾، الإثم فيما يتعلق بحق الله عز وجل، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي، ومنهم من فسر الإثم بالكذب، والعدوان بالظلم، ولكننا إذا قلنا: الإثم فيما يتعلق بحق الله، والعدوان فيما يتعلق بحق الآدمي كان أعم وأشمل.

﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني يسارعون في أكلهم السحت، يتسابقون إليه، وما هو السحت؟ السحت: كل كسب محرم فهو سحت. فيدخل في ذلك الربا، ويدخل في ذلك الرشوة، ويدخل في ذلك الغش، وكل كسب محرم فهو داخل في لفظ السحت.

ووصف بهذا الوصف المنفر لوجهين:

الوجه الأول: أنه لا بركة فيه.

الوجه الثاني: أنه سبب لسحت المال الموجود.

فهو شر في نفسه، شر في غيره، ولذلك إذا دخل الحرام على الإنسان نُزعت البركة من ماله واشتد طلبه للمال، يعني يُبتلى بالشح.

﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (اللام) هذه في جواب القسم، والتقدير: والله لبئس ما كانوا يعملون، (بئس) تعمل عمل (ليس)، أين خبرها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، قلت: تعمل عمل (ليس)، وهي تعمل على أن ما بعدها فاعل والمخصوص محذوف، أي: لبئس ما كانوا يعملون عملهم، يعني أن عملهم مذموم، يصدق عليهم هذا الوصف: ﴿بِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ما الذي عملوا؟ مسارعة في الإثم ومسارعة في العدوان، أكل السحت، ونعم هذه الأمور الثلاثة مستحقة للذم.

﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾: ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى: هلّا، فهي أداة تحضيض، ومثلها مثل قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور ١٣] أي: هلّا جاءوا، فـ﴿لَوْلَا﴾ بمعنى هلّا.

﴿يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ﴾ المربون ﴿وَالْأَحْبَارُ﴾ العلماء الكبار، جمع حَبر أو حِبر، يقال: حَبر و حِبر، وهو في الاشتقاق مع البحر موافق له، فالباء والحاء والراء في البحر وفي الحبر، ولهذا لا يطلق الحبر إلا على العالم واسع العلم، الربانيون إذن مَن؟ المربون، سواء كانوا علماء كبارًا أو غير علماء، والأحبار هم العلماء الكبار.

﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يعني أن الله عز وجل حض الربانيين والأحبار على نهي هؤلاء عن قولهم الإثم وأكلهم السحت، فما هو الإثم الذي يقولونه؟ أعظمه وأشده أنهم ينكرون رسالة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأعظم من ذلك أنهم يقولون: إن عزيرًا ابن الله، والمسيح ابن الله، من القائل: عزير ابن الله؟ اليهود، والمسيح ابن الله؟ النصارى، هذا قول الإثم، كذلك يقولون الكذب كما مر علينا أنهم يقولون لعوامهم قولًا يكذبون به الرسول ويستمعون له للكذب.

﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ يعني أكل المال المحرم، سواء بالرشوة أو بالربا أو غير ذلك.

﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقال في إعرابها ما قيل في الجملة قبلها، لكن الفاعل في ﴿يَصْنَعُونَ﴾ هنا ليس عائدًا على ما تعود عليه الواو في ﴿يَعْمَلُونَ﴾ الأولى؛ لأن الواو هنا عائدة إلى الربانيين والأحبار.

قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، والصنع والفعل بينهما خصوص وعموم مطلق؛ لأن الصنع إنما يكون فِعل بترتيب، يكون فِعلًا بترتيب وإعداد للقول أو للفعل، بخلاف الفعل المجرد؛ وذلك أن هؤلاء الربانيين والأحبار يصنعون ما يصنعون من كتمان الحق وعدم الأمر به، …

Al-Maaida 5:63Listen in Qur'an →
64

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًۭا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًۭا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ

And the Jews say, "The hand of Allah is chained." Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allah extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allah does not like corrupters.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، اليهود هم الذين يدعون أنهم أتباع موسى عليه الصلاة والسلام، وسموا بذلك قيل: إنه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي من الهود، وهو الرجوع، وقيل: إنه نسبة إلى أبيهم يهوذا، ولكنها عربت فصارت يهود، وأيًّا كان فالمراد به من ينتسبون إلى موسى عليه الصلاة والسلام.

قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أولًا قالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ ولم يقولوا: (يدا) بالألف؛ لأنهم يريدون أن ينقصوا صفة الله عز وجل في ذاتها وفي تصرفاتها، أما في ذاتها فمعلوم أن ذا اليدين أكمل من ذي اليد الواحدة، وأما في تصرفاتها فقولهم: إنها مغلولة؛ أي: محبوسة عن الإنفاق، وذلك أن اليد إما أن تكون مغلولة مضمومة إلى العنق بحيث لا تنبسط حتى تعطي، وإما أن تكون مبسوطة تعطي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]، ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أي محبوسة عن الإنفاق، كما قالوا أيضًا في وصف آخر: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨١]، فوصفوا الله مرة بالبخل ومرة بالفقر -عليهم لعنة الله إلى يوم القيامة- لأنهم أهل مال وأهل طمع ويريدون أن يغدق الله عليهم المال على حسب ما يريدون، فإذا لم يكن المال على حسب ما يريدون قالوا: هذا بخل من الله أو فقر منه ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.

قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ لأن الجزاء من جنس العمل فغلت أيديهم، وهذا خبر وليس دعاء؛ لأنه صادر من عند الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يخبر ولا يدعو، فأخبر أن أيديهم غُلت، أي: حُبست عن الإنفاق، ولهذا نقول: إن أشد الناس بخلًا هم اليهود من جميع الأمم، ولا يمكن لليهودي أن يبذل دينارًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بدينارين، أو فلسًا إلا وهو يريد أن يعود عليه بفلسين، لا تفكر في غير هذا؛ لأنهم قد غلت أيديهم.

﴿وَلُعِنُوا﴾ أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عنها بسبب هذا القول، ولهذا قال: ﴿بِمَا قَالُوا﴾، والباء هنا واضح جدًّا أنها للسببية، وأما (ما) فيحتمل أن تكون مصدرية ويحتمل أن تكون موصولة، فإن كانت مصدرية فالتقدير: ولعنوا بقولهم، وإن كانت موصولة فالتقدير: ولعنوا بما قالوه، ولو جاء الضمير (قالوه) لتعين أن تكون اسمًا موصولًا لكنه حذف، على كل حال سواء جعلناها مصدرية أم موصولة فإنها تفيد أن هذه العقوبة التي حلت بهم بسبب قولهم.

قال الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾: (بل) هنا للإضراب الإبطالي، أي شيء أبطل؟ قولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ﴾، ولم يقل: يده، لأن له يدين اثنتين سبحانه وتعالى، ﴿مَبْسُوطَتَانِ﴾ يعني غير مقبوضتين فضلًا أن تكونا مغلولتين.

﴿مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: ﴿يُنْفِقُ﴾ يعني يعطي المال ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي على أي كيفية شاء؛ إن شاء بسط وإن شاء قدر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد ٢٦] فقد يعطي وقد يمنع على حسب ما تقتضيه الحكمة، وليس على حسب ما يريده الإنسان، ولهذا قد يريد الإنسان كسبًا كثيرًا بعمل من الأعمال ولكنه يُخذَل، وقد يعمل عملًا يسيرًا لا يظن أنه …

Al-Maaida 5:64Listen in Qur'an →
65

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَٰهُمْ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allah, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ المراد بأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، والكتاب المشار إليه هو التوراة والإنجيل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾.

وقوله: ﴿آمَنُوا﴾ بالقلوب، ﴿وَاتَّقَوْا﴾ بالأفعال، وهذا إذا جمع بين الإيمان والتقوى؛ فالإيمان بالقلب والتقوى بالجوارح، الإيمان سِرٌّ والتقوى علانية، أمَّا إذا أُطلِق أحدهما فإنه يدخل فيه الآخر ضِمنًا.

﴿آمَنُوا﴾ أي: بما يجب الإيمان به، ومنه الإيمان بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل معروفٌ بأوصافه، ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] و[الأنعام: ٢٠]، هل أحدٌ يجهل ابنه؟ لا، وعلَّقه بالأبناء لأن تعلُّق الإنسان بالابن أقوى من تعلُّقه بالبنت، فتكون معرفته للابن أبلغ من معرفته بالبنت، ولأن الابن يسير معه في تجارته، في حراثته، في كل شيء، فهو يخبر ظاهره وباطنه، لكن البنت محلُّها البيت ولا يخبرها تمامًا إلا أمها، فهُمْ يعرفون الرسول كما يعرفون أبناءهم ومع ذلك لم يؤمنوا به، فيكون الإيمان عندهم منتفيًا أو ثابتًا؟ منتفيًا؛ لأنهم ما آمنوا، حتى لو قالوا إنهم مؤمنون بموسى إن كانوا يهودًا أو بعيسى إن كانوا نصارى فهم كاذبون.

وأما ﴿وَاتَّقَوْا﴾ فالمعنى: التقوى: اجتناب ما حرَّم الله والقيام بما أمر، وهذا في العلانية، الجوارح؛ الأقوال والأفعال، والتقوى هي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره، هذه هي التقوى.

﴿لَكَفَّرْنَا﴾ هذه جواب (لو) ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾.

واعلم أن (لو) تقع اللام في جوابها كثيرًا، وقد تُحذف، وقد اجتمع ذلك في آخر سورة الواقعة؛ فقال الله تعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥] وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠]، فأثبت اللام في الأول ولم يثبتها في الثاني، أما إذا كان جوابها (ما) النافية فإنها لا تُقرَن بها إلا نادرًا، وأما ما اشتهر عند الفقهاء وعند كثير من الناس وهو قرنُ اللام بـ(ما) فهذا لغة لكنها قليلة، فالأفصح أن تقول: لو كان كذا ما حصل كذا. ولكن لا بأس أن تقول: لَمَا حصل كذا. إذن الإثبات والنفي بـ(ما) متقابلان؛ الأكثر في الإثبات أيش؟

* طالب: بلا لام.

* الشيخ: لا، الأكثر باللام، والأكثر في النفي بـ(ما) حذف اللام، ومنه قول الشاعر في إثبات اللام:

وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَارَ مَعَ اللَّيَالِي

الشاهد قوله: لَمَا افترقنا، ولكن لا خيار مع الليالي.

وقوله: ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطيئاتهم؛ يعني: معاصيهم، سواء كانت بترك واجبٍ أو بفعل محرَّمٍ؛ لأن الإيمان والتقوى يُكفِّران السيئات.

﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ هذا ثواب الآخرة؛ ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾، فانتفى عنهم ما يكرهون بتكفير السيئات، وحصل ما يحبون بإدخال جنات النعيم.

وقوله: ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ جمع جَنَّة، وجُمِعت لأنها أنواع، وقد ذكر الله في سورة الرحمن كم نوعًا؟

* الطلبة: أربعة.

* الشيخ: أربعة أنواع، والْجَنَّة في الأصل هي البستان الذي كثرت أشجاره حتى صارت تغطي أرضه؛ لأن الأصل في هذه المادة (الجيم والنون) الاستتار والخفاء، ومنه سُمِّي الجِنُّ جِنًّا.

والبستان كثير الأشجار جنة؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف ٣٢] لكن لا ينبغي أن تقول مثل هذا القول عند العامة؛ لأنك لو قلت: إن الأصل في الجنة أنها البستان كثير الأشجار، لكانت تَقِلُّ عظمةُ الجنة في نفوسهم، ولكننا نفسِّر الجنة التي في القرآن بأنها الدار …

Al-Maaida 5:65Listen in Qur'an →
66

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌۭ مُّقْتَصِدَةٌۭ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ

And if only they upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord, they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet. Among them are a moderate community, but many of them - evil is that which they do.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهذا أمرٌ فوق الإيمان والتقوى وهو إقامة التوراة والإنجيل، وذلك بتصديق أخبارهما، وامتثال أمرهما، واجتناب نهيهما.

والتوراة هي الكتاب المنزل على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى. ﴿لَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وهذا يشمل الصنفين من أهل الكتاب؛ يعني اليهود والنصارى، كل منهما يجب عليه إقامة التوراة والإنجيل.

﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن الكريم، وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ يدل على أن هؤلاء ملزَمون بالإيمان بالقرآن وإقامته، ويدل على أن قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ هو القرآن قولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران ٣، ٤]، وأما قول بعض العلماء: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يشمل حتى الكُتُب السابقة. ففيه نظر؛ لأن الكُتُب السابقة نزلت على من قبلهم لكنهم مكلفون بالإيمان بها.

﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ هذا جواب الشرط، جواب الشرط (لو)، وقد سبق البحث في أن (لو) الشرطية تختص بالأفعال، وأن النحويين قدَّروا في مثل هذا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ﴾ قدَّروا فعلًا وهو: ولو ثبت أنهم أقاموا التوراة، أو: ولو حصل أنهم أقاموا التوراة.

وقوله: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ هذه تشمل عدة أشياء:

أولًا: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ وذلك بنزول الأمطار التي تكون سببًا للنبات الذي يأكلونه، والأمطار تنزل من السماء، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يعني نبات الأرض، فيكون الله تعالى ذكر سببَ النبات والنباتَ، وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ٩٦]، هذا وجهٌ ويدخل في الآية.

وقيل: المعنى: ﴿أَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من ثمار الأشجار؛ لأن الأشجار تكون عالية فوق فيأكلون من ثمارها. ﴿مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع ونحوها التي تكون بالأرض ليس لها ساق، فيكون الله تعالى بيَّن أنهم سيبارَك لهم في الأشجار والزروع.

وقيل: المعنى: لأكلوا من كل وجهٍ؛ كما تقول: هذا الرجل في نعمة من هامِهِ إلى إبهامه، والمراد أن النعمة تغمره.

وعلى كل حال فالآية تشمل هذا وهذا، كل هذه الأوجه يصحُّ أن تفسَّر به الآية، وقد سبق لنا قاعدة في هذه المسألة مهمة؛ وهي أن الآية إذا احتملت معنيين فأكثر على السواء ولا منافاة بينهما فإنها تُحمَل عليهما جميعًا، وهكذا الأحاديث أيضًا.

﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ قسمهم الله تعالى إلى قِسمين، ﴿أُمَّةٌ﴾ هنا بمعنى طائفة، وأُمَّة في اللغة العربية لها معانٍ متعددة جاءت في القرآن؛ فتكون بمعنى طائفة كما في هذه الآية، وتكون بمعنى الدِّين مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الزمن كقوله: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الإمام كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠]. ومما جاء بمعنى الدِّين قوله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢] أي: على مِلَّة، وهذه أوضح من تمثيلنا بقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]؛ لأنه يحتمل المعنى: الأُمَّة: جماعة من الناس.

على كل حال الأُمَّةُ جاءت في القرآن على أربعة معانٍ؛ الأول: الطائفة، الثاني: الدِّين، الثالث: الزمن، الرابع: الإمام. …

Al-Maaida 5:66Listen in Qur'an →
67

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allah will protect you from the people. Indeed, Allah does not guide the disbelieving people.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] انتبه للنداء وللوصف الذي وُجِّه إليه النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، قدَّمنا كثيرًا أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على الاهتمام به والعناية به، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ وصفه بالرسالة إشارةً إلى أن هذا الوصف مقتضاه وإن لم يؤمَر بالإبلاغ أن يكون مبلِّغًا لأنه رسول.

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ ويعني به محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فتكون (أل) للعهد الذهني، أمَّا في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] فـ(أل) للعهد الذِّكْري.

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ يعني محمدًا ﷺ.

﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ﴿بَلِّغْ﴾ أي: اجعله بالغًا؛ بمعنى أن تؤدِّيه إلى من أُرسِلْتَ إليه، وهو صلى عليه وسلم أُرسِلَ إلى الجِنِّ والإنسِ منذ بُعِثَ إلى يوم القيامة، وعلى هذا فيكون تبليغه إمَّا مباشرًا كالذين رأوه وسمعوا منه، وإمَّا بواسطة من خَلَفه في أمَّته عِلمًا ودعوةً، وهم العلماء؛ فالرسول بلَّغ البلاغَ المبينَ، عليه الصلاة والسلام.

﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ﴿مَا﴾ اسمٌ موصولٌ، واسم الموصول يفيد العموم؛ أي: جميع ما أُنزِل إليه.

وقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ إشارةٌ إلى أن كونه مربوبًا لله عز وجل يستلزم أن يُبَلِّغ، ثم أيضًا فيه شيءٌ آخر وهو أن ربوبية الله عز وجل لرسوله عليه الصلاة والسلام ربوبية خاصة.

﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ما الذي أُنزِل إليه؟ القرآن، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وتبليغ الرسول عليه الصلاة والسلام يشمل تبليغ اللفظ وتبليغ المعنى، ولذلك تجد بعض الآيات يفسرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا كانت مجملة أو غامضة؛ فهو يفسرها بقوله ويفسرها بفعله عليه الصلاة والسلام.

﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ هذا كلام شديد؛ ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أي: تبلِّغْ كل ما أُنزِل إليك ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ حتى فيما بلَّغته مما كتمته فإنه لا يكون بلاغًا؛ لأن جحد بعض ما أُنزِل كجحد الكل؛ الإيمان لا يتبعض، ما يمكن تؤمن بشيء وتنكر شيئًا، ولهذا قال: ﴿إِنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ أيش تفعل؟ تُبلِّغ ما أُنزِل، كلَّ ما أُنزِل ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ حتى فيما بلَّغْتَ لم تُبلِّغ؛ لأنه لا بد أن تُبلِّغ أيش؟ جميعَ ما أُنزِل، ولهذا بلَّغَ عليه الصلاة والسلام كلَّ ما أُنزِل إليه حتى فيما كان فيه لَوْمٌ عليه عليه الصلاة والسلام؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب ٣٧] هذه فيها لومٌ عظيمٌ، هذه لو قيلت لواحدٍ منا لطار من الغضب، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لا بد أن يبلِّغ كلَّ ما أُنزِل إليه حتى فيما كان فيه اللوم عليه، ولهذا قالت عائشة: «لو كان محمدٌ كاتمًا شيئًا مما أنزل الله عليه لكتم هذه الآية:» ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أخرجه مسلم (١٧٧ / ٢٨٨) من حديث عائشة..

يقول: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أي: رسالة ربك، وأضاف الرسالة إليه سبحانه لأنه المرسِل، وقد تُضاف الرسالة إلى الرسول فيقال: هذه رسالة محمد؛ لأنه مُبَلِّغها، فتُضاف إلى الله باعتباره المرسِل وإلى الرسول باعتباره المبلِّغ.

﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: إن كنتَ قد تُخفي شيئًا خوفًا من الناس فلا تَخَفْ؛ فإن الله يعصمك من …

Al-Maaida 5:67Listen in Qur'an →
68

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَٰنًۭا وَكُفْرًۭا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَٰفِرِينَ

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩) لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٨ - ٧١].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وهم يَدَّعون أنهم على حق، وأنهم المقيمون لشرائع الله، ومع ذلك فبعضهم يقول للبعض: ليس على شيء، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣].

وكل منهم نفى أن يكون صاحبه على شيء إطلاقًا، أما الله سبحانه وتعالى فهو حكم عدل، فأمر نبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لستم على شيء من الدين، وإنما نفى أن يكونوا على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي هم عليه باطل حتى يقيموا التوراة والإنجيل، إذن لستم على شيء من الدين؛ لأن دينهم الذي يدعون أنه حق، هو باطل، والباطل عدم، وليس بشيء.

﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا غائية؛ يعني إلى أن تقيموا التوراة والإنجيل، أي: تأتوا بها قائمة، فاعلين أوامرها، تاركين نواهيها، مُصدِّقين بأخبارها، هذا معنى إقامتها؛ يعني تكون بثلاثة أمور:

أولًا: فعل الأوامر.

والثاني: ترك النواهي.

والثالث: تصديق الأخبار؛ هذا إقامتها.

التوراة بإزاء اليهود، والإنجيل بإزاء النصارى، ومعلوم أن اليهود لو أقاموا التوراة لآمنوا بعيسى، وأن اليهود والنصارى لو أقاموا التوراة والإنجيل لآمنوا بمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني وتقيموا ما أُنزل إليكم من ربكم، ويعني به القرآن؛ لأن التوراة والإنجيل مما أُنزل، وإذا قلنا: إن المراد بما أُنزل إليكم من ربكم التوراة والإنجيل صار فيه شيء من التَّكرار، وإذا دار الأمر في الكلام بين التَّكرار وبين التأسيس؛ فالواجب: حمله على التأسيس والمباينة، فنقول: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني بذلك القرآن.

فإن قال قائل: القرآن نَزَل على أمة محمد؟

قلنا: نعم، على أمة محمد وهم من أمة محمد، لكنهم من أمة الدعوة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَالَّذِى نَفْسي بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة بلفظ: «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». .

قال من هذه الأمة، ويشير إلى أمته عليه الصلاة والسلام، والمراد أمة …

Al-Maaida 5:68Listen in Qur'an →
69

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

Indeed, those who have believed [in Prophet Muhammad] and those [before Him] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allah and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني إيمانًا حقيقيًّا، وليس كما قال بعضهم إيمان نفاق؛ لأنه لا يمكن أن يُعبَّر عن المنافِق بالمؤمن ما دام على نفاقه، انتبهوا لهذا!

لا يمكن أن يُعبَّر عن المنافِق بالمؤمن ما دام على نفاقه، أما قبل أن يُنافِق يمكن أن يكون آمن ثم كفر، كما قال عز وجل في المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون ٣] لكن يُعبَّر عن المنافِق حال نفاقه بأيش؟ بالإسلام، يمكن يعبر عنه بالإسلام، لكن بالإيمان لا يمكن.

ولهذا ضَعُفَ قول مَن قال: إن المراد بـ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: آمنوا بألسنتهم دون قلوبهم، نقول: هذا لا يمكن أن يقع التعبير به في القرآن أبدًا.

لكن الذي حملهم على هذا أنه قال عز وجل: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٢٦] فقال: كيف نقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ يكون هذا تَكرارًا؟

يكون تَكرارًا، لكن يمكن أن نقول: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ اسم مشترك، فيكون باعتبار ﴿الَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة ٦٢] أي: مَن دخل في الإيمان، وباعتبار ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: مَن ثبت على إيمانه؛ لأن الإنسان قد يؤمن، ثم يكفر، نسأل الله العافية، هذا وجه.

الوجه الثاني: أن نقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذه (إن) واسمها، أما خبرها فمحذوف، دل عليه ما بعده، والتقدير: إن الذين آمنوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ، فتكون الواو للاستئناف، أو معطوفة على محل (إن) واسمها، أفهمتم؟ ﴿وَالَّذِينَ﴾ تكون أيش إعرابها؟ مبتدأ.

﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني بذلك اليهود، ومعنى ﴿هَادُوا﴾ رجعوا؛ لأنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: رجعنا إليك وتبنا.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى﴾ ﴿الصَّابِئُونَ﴾ أصل الصابئ هو الذي خالف دين آبائه وأجداده؛ يعني خرج عن دين قومه، فما المراد بهم هنا؟

قيل: إنهم فرقة من اليهود، وعلى هذا فيكون عطفها على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ من باب عطف الخاص على العام.

وقيل: إنهم فرقة من النصارى، وعلى هذا فيكون عطف النصارى عليهم من باب عطف العام على الخاص.

وقيل -وهو الأظهر-: إنهم فرقة مستقلة؛ لأن الله ذكرها على وجه الاستقلال، فالصابئون على دين مخالف لدين اليهود ودين النصارى، ولعلهم أخذوا من هذا الدين، ومن هذا الدين وركبوا دينًا لهم.

﴿وَالصَّابِئُونَ﴾ ﴿الصَّابِئُونَ﴾ الصابئون معطوفة على ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ ولا إشكال في إعرابها على الوجه الذي ذكرناه، وهو أن ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ مبتدأ فيكون عُطِفَت على مبتدأ فترفع.

لكن يَرد علينا أنها ذُكرت في آية أخرى بـ﴿الصَّابِئِينَ﴾، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧].

فيقال: الفرق ظاهر؛ لأن الآية الأخيرة ليس فيها ذكر الإيمان فيما بعد، إنما فيها ذكر عموم الأجناس من كافر ومسلم، فتكون ﴿الصَّابِئِينَ﴾ معطوفة على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على اسم (إن)، والخبر يأتي بعد.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ فهو يفصل بين المؤمنين، وبين اليهود والنصارى، والصابئين والمشركين، فلا تكون نظيرًا لهذه الآية، وإذا لم تكن نَظيرًا لها لم يكن إعرابها كإعرابها.

﴿وَالنَّصَارَى﴾ الذين ناصروا عيسى عليه الصلاة والسلام، قيل: …

Al-Maaida 5:69Listen in Qur'an →
70

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًۭا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًۭا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًۭا يَقْتُلُونَ

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

الشيخ: أحسنت، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات، وهي: القسم المقدر، واللام، و(قد).

والضمير في قوله: ﴿أَخَذْنَا﴾ يعود إلى الله عز وجل، وجاء بهذه الصيغة تعظيمًا لنفسه تبارك وتعالى؛ لأنه أعظم العظماء.

وقوله: ﴿مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الميثاق هو العهد الثقيل، كأنه وثق به المعاهد.

وقد بين الله في هذه السورة ما هو العهد الذي أخذ عليهم، وما هو العهد الذي لهم عند الله، فقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ هذا العهد الذي أخذ عليهم ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ خمس مواد في هذا الميثاق أخذه الله تعالى على بني إسرائيل، وجعل لهم عهدًا على الله، ما هو؟ ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أخذ الله ميثاق بني إسرائيل.

﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ رسلًا منهم من كان من أولي العزم؛ كموسى وعيسى، ومنهم من دون ذلك، أرسل الله إليهم الرسل.

قد قال بعض العلماء: وتحتمل الآية أن العهد الذي أخذ الله على بني إسرائيل هو ما فطر الله الخلق عليه من توحيده تبارك وتعالى، فيكون في قوله: ﴿لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بالتوحيد، ﴿وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ بالرسالة للجمع بين الإيمان بالله والإيمان بالرسل.

﴿أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ولم يبين الله تبارك وتعالى عددهم؛ لأن المهم الجنس وليس العدد، فماذا كان موقفهم من الرسل؟ قال الله تعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾. زعم بعض العلماء أن في الآية حذفًا والتقدير: وأرسلنا إليهم رسلًا فعصوا. الظاهر أنا أخطأنا.

﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾:

(كلما) أداة شرط، وهي مع كونها شرطية تفيد التكرار، انظر إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة ٢٠] تفيد؟

* طالب: (...).

* الشيخ: والشرطية يعني أنهم لا يمشون إلا إذا أضاء لهم، و﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ هنا كلما جاءهم رسول فريقًا كذبوا، بعض المفسرين زعم أن في الآية حذفا والتقدير: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم عصوا فريقًا كذبوا وفريقًا يقتلون. ولكني أرى أنه لا حاجة لهذا التقدير، وإذا لم يكن حاجة للتقدير أيها الإخوة فإن تقديره يكون زيادة لا محل لها. إذن فلا حاجة للتقدير، بل نقول: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا من الرسل وقتلوا فريقًا من الرسل.

فلنعد إلى الآية: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ قلنا: إن (كلما) شرطية تفيد التكرار.

﴿جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى﴾ أي بما لا تريده أنفسهم وتميل إليه، لم يستجيبوا، بل كان رد فعلهم كما يقولون إما قتل وإما التكذيب.

﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ و(فريقا) هنا مفعول مقدم لـ(كذبوا)، وجملة (كذبوا) جواب الشرط، جواب (كلما)، أي: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوا فريقًا، ولم يقل: كذبوه؛ لأن منهم من كذب ونجا من القتل، ومنهم من قتل ولن يقتل إلا بعد أن يكذب.

﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ولم يذكر الله تعالى فريقا ثالثًا، وذلك لقلتهم، وهو الإيمان به، يعني: وفريقًا يؤمنون به لكنه قليل، وكما قلنا لكم فيما سبق: إن القليل لا يعتبر، ولهذا يُهمَل ذِكره دائمًا.

﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا﴾ التكذيب …

Al-Maaida 5:70Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.