Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 51–60 of 120

51

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allah guides not the wrongdoing people.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة ٥١].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الخطاب الآن مصدَّر بالنداء، فلماذا صُدر بالنداء؟ لتنبيه المخاطب؛ لأنك إذا أتيت بالكلام مرسلًا قد يحصل من المخاطب غفلة، لكن إذا ناديته صار في ذلك تنبيه له، فصدر الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية به. ثم وجه هذا النداء إلى الذين آمنوا للإغراء والحث؛ لأنه كلما كان الإنسان مؤمنًا كان أقبل للحق. ووجه الخطاب للمؤمنين إغراء به وحثًّا عليه، كما تقول للرجل: يا أيها الكريم عند بيتك ضيف، ويش المعنى؟ تحثه لكرمه؛ لأنه كريم تحثه على أن يكرم هذا الضيف.

ثانيًا: توجيهه للمؤمنين إشارة إلى أن مقتضى الإيمان العمل بما دل عليه الخطاب، والخطاب الذي في الآية هو النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء.

الفائدة الثالثة: أن مخالفة مقتضى الخطاب منافٍ للإيمان.

وهل هو منافٍ للإيمان أصلًا أو كمالًا؟ هذا على حسب ما يقتضيه السياق، قد يكون منافيًا للإيمان أصلًا وقد يكون منافيًا للإيمان كمالًا، فعندنا الآن أسئلة توجيه نوجهه، أولًا لماذا صدر الخطاب بالنداء؟

* طالب: للتنبيه.

* الشيخ: لتنبيه المخاطب.

* الطالب: حتى يشعر بأهمية النداء..

* الشيخ: نعم، تنبيه المخاطب وبيان أن هذا الخطاب تجب العناية به. ولماذا وجه للمؤمنين؟

* طالب: إغراء بهم حتى يعملوا.

* الشيخ: إغراء لهم.

* الطالب: بهم حتى يعملوا.

* الشيخ: حتى يعملوا؛ لأن هذا يغري الإنسان، إذا قال: أنت مؤمن، المؤمن مثلًا لا يكون كذوبًا، المؤمن لا يكون خائنًا، وما أشبه ذلك. وجه آخر؟

* طالب: لبيان أن مقتضى الإيمان العمل بما جاء.

* الشيخ: أحسنت؛ لبيان أن من مقتضى الإيمان أن يعمل بمدلول هذا الخطاب.

الثالث؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم أن مخالفة مقتضى الخطاب نقص في الإيمان؛ إما في كماله أو في أصله.

﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ اليهود الذين يدعون أنهم أتباع موسى، والنصارى الذين يدعون أنهم أتباع عيسى، وكلهم ليسوا أتباعًا لا لموسى ولا لعيسى بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، هذه أقولها لكم دائمًا: من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل، شاء أم أبى. وأتيت لكم بشاهد؛ وهو قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] مع أن قوم نوح ما أدركوا من الرسل إلا واحدًا، ومع ذلك قال: كذبوا المرسلين؛ لأن من كذب الرسول فقد كذب جنس الرسالة، فيكون هؤلاء الذين كذبوا نوحًا مكذبين إلى آخر الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، إذن اليهود مكذبون بجميع الرسل، كافرون بجميع الرسل، مكذبون لجميع الرسل، وكذلك النصارى.

اليهود سموا بذلك إما نسبة لأبيهم يهودا أو إنهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٥٦] الذين هادوا أي رجعوا.

أما النصارى فقيل: إنه من النصرة؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٥٢]، وإما نسبة إلى البلد المعروفة في فلسطين اسمها الناصرة؛ لأن عيسى كان هناك، فالله أعلم، ويجوز أن يكون من هذا وهذا ولا منافاة.

﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أي تتولون، ولكن ما معنى التولي؟ التولي بمعنى المناصرة والمعاونة، لا فيما يعود إلينا، بل فيما يعود إليهم، مثل أن يحاربوا، من حارب هؤلاء اليهود، يعني إذا حارب اليهود أحدًا حاربه المسلمون، إذا حارب النصارى أحدًا حاربه المسلمون وهكذا، فالولاية هنا بمعنى المناصرة والمعاونة.

بقي وهل يقال منه المحبة؟ المحبة لا شك أنها وسيلة إلى المناصرة؛ لأن من أحب أحدًا ناصره، لكن المحبة الطبيعية …

Al-Maaida 5:51Listen in Qur'an →
52

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ

So you see those in whose hearts is disease hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allah will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

ثم قال عز وجل: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة ٥٢].

﴿تَرَى﴾ الخطاب لمن؟ كل ما جاء، كل ما رأيت مثل هذا الخطاب فهو إما للرسول عليه الصلاة والسلام، وإما له ولمن يصح خطابه وتوجيه الخطاب إليه، أي: فترى أيها الإنسان أو فترى أيها النبي ﴿تَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي يسارعون في موالاتهم ومهادنتهم وموادتهم، ولهذا لم يقل: في موالاتهم، ليفيد أيش؟ العموم، ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أي في كل ما يكون سببًا لقوتهم وعزتهم.

فمن الذين في قلوبهم مرض؟

المرض أنواع، أمراض القلوب أنواع كأمراض الأبدان تمامًا، أمراض الأبدان أنواع أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: أمراض عضوية في عضو خاص، وأمراض عامة، وأمراض حمى، وأمراض رعشة، أنواع كثيرة، أمراض القلوب كذلك متنوعة، لكنها تدور على شيئين: إما شبهة وإما شهوة، كل أمراض القلوب لا تخرج عن هذين الأمرين، شبهة من حيث يلتبس عليه الحق -والعياذ بالله- بالباطل ولا يهتدي للحق، هذا مرض أيش؟ شبهة سببه الجهل، ولذلك يجب على كل إنسان أن يزيل عنه هذا المرض بالتعلم؛ تعلم الشريعة.

والثاني مرض الشهوة: أي مرض إرادة وتشه، بحيث لا يريد الحق مع علمه به، وهذا أخبث من الأول؛ لأن الأول يرجى صلاحه، متى؟ إذا تعلم، لكن هذا لا يرجى صلاحه، إلا أن يشاء الله؛ لأن هذا يعلم الحق ولكنه لم يعمل به، وهذا أشد.

ولكن اعلم أن المرض كما قلت أنواع، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب ٣٢] من هذا؟ مرض شهوة في حب النساء والتلذذ بأصواتهن المحرم استماعها وما أشبه ذلك.

لكن في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة ١٢٤، ١٢٥] أعوذ بالله ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ يعني: شك ونفاق، هؤلاء لا يزدادون بالآيات إلا رجسًا إلى رجسهم. أجارنا الله وإياكم من ذلك ونسأل الله لنا ولكم الثبات.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل يوجد شهوة أعظم من شبهة؟

* الشيخ: نعم.

* الطالب: والبدع يا شيخ مبناها على الشبهات.

* الشيخ: لا، والشهوات أيضًا، ولهذا تحاج المبتدع بالأدلة من الكتاب والسنة، يقال: المراد كذا.

* طالب: عرفنا صورة موالاة الكفار، فما صورة موالاة أهل البدع؟ وهل هذه إلا في وقت الحرب؟

* الشيخ: نعم، مثل موالاة الكفار، من موالاتهم تخفيف بدعهم ومحاولة أن يختلط هؤلاء بهؤلاء، أهل البدع بأهل السنة وأتباع السلف.

* طالب: شيخ، هل استخدام كثير من المسلمين لتاريخ الميلاد بدل التاريخ الهجري يعتبر من الموالاة؟

* الشيخ: نعم، عدول المسلمين الآن من التاريخ الهجري العربي إلى تاريخ اليهود والنصارى لا شك أنه نوع من الموالاة، ولهذا الإمام أحمد كره أن يقول: (آذرماه) نعم، وما أشبه ذلك، والعجب منا نحن العرب، الآن التزامنا للتاريخ الهجري يقتضيه شيئان: الشيء الأول: العروبة، والشيء الثاني: الدين؛ لأنه مبني على مناسبة عظيمة، وهي الهجرة التي بها تكونت الدولة الإسلامية، ولهذا لما اختلفوا في زمن عمر هل يجعلون التاريخ من البعثة أو من ولادة الرسول قال: لا، من الهجرة؛ لأن الهجرة هي التي حصل بها تكوين الدولة الإسلامية، فمن ثم جعلوا التاريخ من الهجرة، ولم يجعلوه من ربيع الأول؛ لأن مناسبة كونه بمحرم أقوى من مناسبة كونه في ربيع الأول؛ لأن الناس ينصرفون من الموسم -موسم الحج- بعد أن أدوا فريضة الحج.

* * *

* طالب: ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا …

Al-Maaida 5:52Listen in Qur'an →
53

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَٰسِرِينَ

And those who believe will say, "Are these the ones who swore by Allah their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] الاستفهام هنا للتعجيب؛ يعني: اعْجَبُوا -أيها الناس- لهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم، ولا شك أن المنافقين يقسمون بالله جهد أيمانهم أنهم مع المؤمنين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة ١٤]، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون ١].

﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ إذن الاستفهام لأيش؟ للتعجيب؛ يعني: اعْجَبْ -أيها الإنسان- مِن هؤلاء الذين يقولون: إننا لمعكم كيف كانت حالهم.

﴿الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (أقسموا به) أي: حلفوا به، والإقسام والحلف واليمين معناها واحد وهو تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّمٍ بصيغة مخصوصة، هذا القسم، تأكيد الشيء بذكر معظم بصورة مخصوصة وهي الواو والباء والتاء، هذه حروف القسم، الواو والباء والتاء، تقول: والله، وتقول: بالله، وتقول: تالله، إذنْ لا بد من أن يكون هناك تأكيد، ولا بد أن يكون المحلوف به مُعَظَّمًا، ولا بد أن تكون بهذه الصيغة.

يوجد أشياء تكون بمعنى اليمين ولكنها ليست يمينًا كالحلف بالطلاق، والحلف بالنذر، والحلف بقول: لعمرك، وما أشبهها هذه ليست يمينًا اصطلاحًا وإن كان معناها معنى اليمين.

﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ إذنْ ﴿أَقْسَمُوا﴾ أي: حلفوا، والإقسام والحلف واليمين معناها تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة.

﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ يعني أبلغ ما يكون من الأيمان، وأبلغ ما يكون من الأيمان إما أن يكون بالصيغة وإما بقرنه بالشهادة وإما بقرنه بالدعاء على الحالف وما أشبه ذلك، فمثلًا إذا قال: أشهد بالله مقسمًا به أن كذا كذا وكذا، هذا مؤكد بالشهادة، وإذا قال: والله إني لفاعل كذا وكذا، هذا مؤكد بالصيغة، هؤلاء يقسمون أقوى وأشد ما يكون من الإقسام.

﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ مع مَنْ؟ مع المؤمنين، يقسمون بذلك إنهم لمعهم لكنهم ليسوا معهم.

وقوله: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ قالوا: إنه يحتمل أن يكون من جملة القول، ويحتمل أن يكون استئنافًا من عند الله، يعني إن قلنا: إنه من جملة القول صار كالتعليل أو كالبيان لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ يعني كأنه قال: وما هم معكم لأنهم حبطت أعمالهم، ولا تحبط إلا بالكفر، والكافر ليس مع المؤمن قطعًا.

وقيل: إنها من عند الله، يعني: إن الله أخبر المؤمنين بأن هؤلاء حبطت أعمالهم حتى وإن تظاهروا بالإسلام فأعمالهم حابطة، وحبوط الشيء بمعنى ذهابه سُدًى لا يُنْتَفَعُ به ولا يُعْتَدُّ به.

﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ (العمل) هنا يشمل القول والفعل والاعتقاد إذا أطلق، وإذا قُرِنَ العمل بالقول صار المراد به عمل الجوارح.

﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ قلنا: إن أصبح هنا بمعنى صار، المعنى أنهم بعملهم هذا صاروا خاسرين فعندهم الندم كما سبق في الآية الأولى وعندهم الخسران -والعياذ بالله- وأنهم لم يربحوا ولن يربحوا أيضًا، مع أن المنافقين يعتقدون أنهم المفلحون وأنهم هم المصلحون وأنهم هم الذين أرادوا الإحسان والتوفيق، ولكنهم في الحقيقة هم المفسدون ولا إحسان ولا توفيق بل هم الخاسرون.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجوز للمرء أن يجري الكلام على سبيل التعجيب فيمن يستحق العجب منه ولا يُعَدُّ ذلك من باب الغيبة؛ لأن الله تعالى ذكر هذا عن المؤمنين ولم ينكره عليهم بل ذكره كالمادح لهم.

* ومنها؛ من فوائد الآية الكريمة: كَذِب المنافقين وأنهم يُرَوِّجُون باطلهم ونفاقهم بالأيمان؛ ولهذا قال بعض الناس: إذا رأيت الذي يكثر الأيمان على ما لا يحتاج إلى كثرة الأيمان فاعلم أنه كاذب؛ لأنه يريد أن يُرَوِّج كَذِبَه بكثرة الأيمان، وإلَّا فالصادق لا يحتاج إلى كثرة الأيمان، …

Al-Maaida 5:53Listen in Qur'an →
54

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍۢ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allah will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, powerful against the disbelievers; they strive in the cause of Allah and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allah; He bestows it upon whom He wills. And Allah is all-Encompassing and Knowing.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة ٥٤]، سبق لنا الكلام على قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما فائدة تصدير الخطاب بالنداء ثم بوصف الإيمان.

وقوله: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾ فيها قراءتان: ﴿يَرْتَدِدْ﴾ بفك الإدغام، و﴿يَرْتَدَّ﴾ بالإدغام، أما على قراءة ﴿يَرْتَدِدْ﴾ فهي مجزومة والجزم ظاهر بـ(مَن) الشرطية، لكن ﴿مَنْ يَرْتَدَّ﴾؟

* طالب: مجزومة.

* الشيخ: لا، مفتوحة يا إخوان!

* طالب: السكون مدغم في حركة الياء.

* الشيخ: نقول: لما أُدْغِمَت الدال في الأخرى حُرِّكَتِ الثانية بالفتح لالتقاء الساكنين.

﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ يعني: عن عمله الذي يدين الله به وهو العبادة.

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ الفاء رابطة للجواب؛ أي: جواب الشرط، لأن هذا أحد المواضع السبعة التي يجب اقترانها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط، والبقية مذكورة في بيت ما هو؟

اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

هذه سبعة مواضع إذا وقعت جوابًا للشرط سواء كان الشرط جازمًا أم غير جازم فلا بد أن تقترن بالفاء ولا تحذف إلا قليلًا ولا سيما عند ضرورة الشعر كما في قول الشاعر:

مَنْ يَفْعَلِ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرُهَا ∗∗∗ .............................

والواجب أن يقال: (فالله)؛ لأنها جملة اسمية.

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قالوا: إن سوف والسين تتفقان في دلالتهما على التأكيد، لكنهما تختلفان بأن (السين) تدل على الفورية، و(سوف) تدل على الإمهال.

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿بِقَوْمٍ﴾ يعني: غير المرتدين، ولم نتكلم على الارتداد ما هو، الارتداد عن الدين ينحصر في شيئين؛ إما الجحود، وإما الاستكبار.

لو قرأت جميع ما ذكره الفقهاء في كتاب المرتد لوجدته لا يخرج عن هذين الأمرين وهما: الجَحْدُ والاستكبار؛ الجَحْد يعني التكذيب في الأخبار، والاستكبار عن الامتثال، كل الردة تعود على هذين الأمرين، وما يذكر من التفاصيل فهذا عبارة عن تشقيق لهذه الجملة وتفريع عليها.

﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وذَكَرَ أوصافًا فَلْنُعَدِّدْهَا: ﴿يُحِبُّهُمْ﴾، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾، ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ سِتَّة أوصاف؛ يعني إن ارتددتم فلن تضروا الله شيئًا ولن تضروا الإسلام شيئًا، بل إن الله سيأتي بقوم هذه صفاتهم.

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فما معنى المحبة؟ المحبة هي المحبة، ولا يمكن أن تُعَرِّفَها بأوضح من لفظها، وهكذا جميع الأشياء الانفعالية لا يمكن أن تَحُدَّهَا بأكثر من لفظها، لو قلت: ما هو الغضب؟ الغضب هو الغضب.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في الكتاب المنسوب إليه وهو روضة المحبين، ذكر للمحبة أسماء كثيرة يعني تعريفاتٍ كثيرة لكنه قال: كلها لا تصح، كلها تفسير لها بلوازمها أو آثارها أو ما أشبه ذلك.

﴿يُحِبُّهُمْ﴾ هو سبحانه وتعالى، ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾ لكن يجب أن نعلم أن محبة الله تخالف محبة الإنسان في أسبابها وآثارها وكيفيتها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أنهم لا يستكبرون على المؤمنين ولا يَتَرَفَّعُون عليهم بل يَتَطَامَنُون لهم، ويَذِلُّون لهم أي: يتواضعون كما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح ٢٩]؛ ولهذا عُدِّيَتْ …

Al-Maaida 5:54Listen in Qur'an →
55

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ

Your ally is none but Allah and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakah, and they bow [in worship].

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة ٥٥].

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ﴾ هذه الصيغة تفيد الحصر؛ لأنها بمنزلة قوله: ما وليُّكم إلا الله ورسوله، يعني فلا تتولوا اليهود والنصارى، ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ونِعْمَ الوَلِيَّانِ رب العالمين وخاتم النبيين عليه الصلاة والسلام.

﴿وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ لأن الذين آمنوا بعضهم أولياء بعض كما قال الله تبارك وتعالى في سورة براءة. اقرأ؟

* طالب: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة ٧١].

* الشيخ: تمام، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وهكذا يجب أن يكون المؤمنون بعضهم أولياء بعض؛ لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وما ظنُّك برجل وليُّه الله ورسوله والمؤمنون لا يستطيع أحد أن يهزمه.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ هذا صفة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهم جمعوا بين الإيمان وهو العقيدة وبين إقامة الصلاة، والثانية: ﴿يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ وهي المال المقدَّر في الأموال الزكوية، يؤتونها مَن؟ يؤتونها أهلَها المستحقين لها، ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ الجملة هذه هل هي جملة حالية؟ يعني أنهم يُؤْتون الزكاة وهم راكعون في الصلاة أو أنها استئنافية؟

* طلبة: استئنافية.

* الشيخ: استئنافية، ثم على القول بأنها استئنافية، هل المراد بها الركوع الذي هو جزء من الصلاة وهو انحناء الظهر تعظيمًا لله عز وجل أو المراد الخضوع لشريعة الله؟

* طلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني ولهذا قال الشاعر:

لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ

(تركع) يعني تخضع، (يومًا والدهر قد رفعه) يعني: لا تنظر للحاضر، انظر للمستقبل فقد يكون يوم من الأيام أنت الآن غني، وهذا فقير ربما يكون يومًا من الأيام يكون هذا غنيًّا وأنت فقير.

إذن الجملة ﴿وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ جملة مستأنفة، وليست جملة حالية والمراد بالركوع هنا الخضوع للشريعة والذل لها.

* في هذه الآية الكريمة: فضل المؤمنين، الفضل الذي لا شيء فوقه؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثلاثة أشياء: الله والرسول والذين آمنوا، فإن قال قائل: ولاية الله عز وجل صالحة لكل زمان ومكان لكن كيف ولاية الرسول؟

فالجواب: أما ما كان في حياته فالولاية واضحة ظاهرة، وأما بعد وفاته فإن تمسُّكنا بسنته من تَوَلِّيه لنا لأننا نُنْصَر بها ونُعانُ بها فكأنه عليه الصلاة والسلام معنا يُناصِرُنا ويُعِينُنا، وأما الذين آمنوا فواضح أن المؤمنين لا يزالون ظاهرين على الحق حتى يأتيَ أمر الله.

* من فوائد هذه الآية: فضيلة مَنْ تَوَلَّى الله ورسوله والذين آمنوا.

* ومن فوائدها: فضيلة الصلاة؛ لأن الصلاة دائمًا في المقدمة، ولا شك أن الصلاة أفضل العبادات بعد التوحيد والشهادة بالرسالة؛ ولهذا فُرِضَت من الله عز وجل إلى الرسول بدون واسطة، وفرضت على الرسول في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضت على الرسول في أشرف ليلة كانت له، وفرضت على الرسول خمسين صلاة؛ لأن كونها خمسين صلاة يدل على أن الله يحبها، لأن خمسين صلاة تستوعب أكثر الوقت ولكن الله بمنِّه وكرمه جعلها خمسًا، لكن كأنها خمسون هي خمس بالفعل وخمسون في الميزان.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة أيضًا: أن مرتبة الزكاة في دين الإسلام بعد مرتبة الصلاة، وهكذا في الآيات الكريمة وفي الأحاديث النبوية، تأتي الزكاة بعد الصلاة.

فإن قال قائل: الزكاة والصيام، الصيام …

Al-Maaida 5:55Listen in Qur'an →
56

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَٰلِبُونَ

And whoever is an ally of Allah and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allah - they will be the predominant.

Explained together with ayah 55

Al-Maaida 5:56Listen in Qur'an →
57

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allah, if you should [truly] be believers.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

في الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان:

الأولى: (هُزُو) بالواو بضم الزاي لا غير ﴿هُزُوًا﴾، ولا يصلح أن تقول: (هُزْوًا)، بل لا بد أن تضم الزاي فتقول: ﴿هُزُوًا﴾.

وبالهمز قراءتان: ﴿هُزُؤًا﴾ و ﴿هُزْءًا﴾ ، فالجميع ثلاث قراءات.

والكلمة الثانية: ﴿وْالْكُفَّارَ﴾، فيها قراءتان: ﴿وَالْكُفَّارِ﴾ ﴿وْالْكُفَّارَ﴾.

فعلى قراءة الجر تكون معطوفة على أيش؟ على ﴿الَّذِينَ﴾ الثانية ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، يعني: ومن الكفار.

وعلى الأولى معطوفة على ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى، يعني: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم، ولا تتخذوا الكفار، أفهمتم الآن؟

قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، تأمَّل الآن كم مرت علينا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في صفحة واحدة، مما يدل على الاهتمام التام فيما ذُكِر في هذه الآيات، حيث كرَّر الله عز وجل النداء للمؤمنين.

﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، وذكر أصنافهم.

﴿تَتَّخِذُوا﴾ بمعنى: تُصَيِّروا، وهي تنصب مفعولين؛ المفعول الأول ﴿الَّذِينَ﴾، والمفعول الثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، يعني: لا تتخذوهم أولياء، وهي نظير الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾.

وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ أي: صيَّروه، والدين بمعنى العمل هنا.

وقد جاء لفظ (الدِّين) في القرآن الكريم يراد به الجزاء، ويراد به العمل الذي يجازَى عليه.

مثال الأول: قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤]، يعني: يوم الجزاء.

ومثاله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧- ١٨].

ويأتي بمعنى العمل كثيرًا، مثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، ومثل هذه الآية، أي العمل الذي تدينون الله به، وترجون عِوَضه من الله، ومنه الدَّين في المعاملات، الاشتقاق واحد، الدَّين في المعاملات دفع شيء لانتظار عوضه.

يقول: ﴿هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، يعني جعلوه محل استهزاء يسخرون به بألسنتهم، واعتقدوا بقلوبهم أنه لعب، واللعب هو الذي ليس له هدف، وليس له فائدة، وقالوا: ويش معنى الإنسان يأتي مثلًا يأتي المسجد يتحرك قائمًا وقاعدًا وساجدًا، وما أشبه ذلك، قالوا: هذا لعب، ليس هذا بدين، ويسخرون به.

وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني بهم اليهود والنصارى.

وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ بيان للواقع، وليس تقييدًا؛ لأنه لم يؤتَ أحد الكتاب معنا، ولا بعدنا، وإنما كل الذين أوتوا الكتاب كانوا قبلنا، ولكن المراد بهم هنا كما هي طريقة القرآن: اليهود والنصارى.

وقوله: ﴿وَالْكُفَّارَ﴾، قلنا: فيها قراءتان، يعني: ولا تتخذوا الكفار أولياء سواء اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا، هذا على قراءة؟

* طلبة: النصب.

* الشيخ: اثبتوا، النصب.

على قراءة الجر، يعني: لا تتخذوا الكفار الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا.

وكل من القراءتين مفيدة جدًّا، فهنا نقول: إذا جعلناها بالجر تفيد أن الكفار سوى الكتابيين ممن اتخذوا ديننا أيش؟ هزوًا ولعبًا.

وعلى قراءة النصب تفيد أن نتجنب الكفار، ولا نتولاهم مطلقًا.

لكن فيها إشارة -على قراءة الجر- إلى أن الكفار غير الكتابيين يتخذون ديننا هزوًا ولعبًا، فيجتمع فيهم السخرية منا، واعتقاد أن ديننا لعب، والكفر.

﴿أَوْلِيَاءَ﴾، جمع (وَلِيّ) أي: منصور، تناصرونهم، وتعينونهم، وتتقربون إليهم، وما أشبه ذلك مما يقتضي أن يكونوا أولياء لنا لا أعداء.

ثم قال: …

Al-Maaida 5:57Listen in Qur'an →
58

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًۭا وَلَعِبًۭا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْقِلُونَ

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ مبيِّنًا حال هؤلاء الذين أوتوا الكتاب، وكذلك الكفار.

﴿إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: دعوتم الناس إليها بالصفة المعروفة، ولما قَدِم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة، وصار للأمة دولة إسلامية، ومجتمع كبير، تشاوروا فيما بينهم كيف يجمعون الناس إلى الصلاة؟

فمنهم من اقترح أن توقَد نيران إذا دخل الوقت يُعلَم بها دخول الوقت، ورُفِض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من عادة المجوس، ولأن هذه النيران في النهار لا تفيد شيئًا.

اقتُرِحَ ناقوس، فرُفِض هذا الاقتراح؛ لأن هذا من علامة صلاة النصارى.

اقتُرِح بوق يُنْفَخ، ويكون له صوت، رُدَّ هذا الاقتراح، لماذا؟ لأنه من شعار دين اليهود.

ويَسَّرَ الله عز وجل أن أحد الصحابة وهو عبد الله بن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه «رأى في المنام رجلًا معه ناقوس، أو بوق، فقال له: أتبيع هذا؟ قال: لأي شيء؟ قال: لأُعْلِن به للصلاة. فقال: ألا أدلك على خير من هذا؟ ثم أسْمَعَه الأذان، أسمعه الأذان كله، فلما أصبح غَدَا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأخبره، فقال: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ»، وأقرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأمر عبد الله بن زيد أن يُلقِيَه إلى بلال، وعلَّلَ ذلك فقال: «إِنَّهُ كَانَ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»أخرجه أبو داود (٤٩٩)، وابن ماجه (٧٠٦) من حديث عبد الله بن زيد..

ولم يقل: أَلْقِهِ، ويسكت؛ لأنه لو سكت لكان في قلب عبد الله بن زيد شيء؛ إذ إنه هو الذي رآه، فكان أولى الناس بالقيام به، لكن من عادة الرسول عليه الصلاة والسلام أنه يبين حكمة الشيء حتى يطمئن القلب، فبَيَّن أنه أندى صوتًا منه، فنادى به.

ونعم النداء! تعظيم لله عز وجل، شهادة له بالتوحيد، شهادة للرسول بالرسالة، دعوة للصلاح، دعوة للفلاح، ختام بالتعظيم، والتوحيد، أي دعوة أحسن من هذا؟ لا شيء، دعوة عظيمة، ولهذا يقول مجيب المؤذن: «اللهم رب هذه الدعوة التامة» أخرجه البخاري (614) من حديث جابر بن عبد الله .

حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعلها من شعار البلاد الإسلامية، «فكان إذا نزل بقوم انتظر، فإذا أَذَّنُوا ترك قتالهم» أخرجه البخاري (2943) من حديث أنس بن مالك ؛ لأن الأذان من شعائر الإسلام الظاهرة التي لا يجوز للمسلمين أن يدعوها، ولا يجوز لغير المسلمين أن يهجم على بلد يؤذَّن فيه، وربما يكون هذا هو علامة كون الدار دار إسلام -أن يُعْلَى فيها الأذان- لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع الأذان كفَّ عنهم، وعلم أن بلادهم بلاد إسلام، ويكون هذا هو الفيصل في معنى دار الإسلام.

الآن ﴿إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ بماذا؟ بالأذان.

وقوله: ﴿إِلَى الصَّلَاةِ﴾ كلمة عامة تشمل: الجمعة، والفرائض الخمس، وهل نقول: وغيرها؟

الجواب: لا، لا نقول: وغيرها، إذن هو عام أريد به الخاص، وهو ليس العام الذي خُصِّص؛ لأن العام الذي خُصِّص أريد عمومه أولًا، ثم ورد عليه التخصيص ثانيًا، والعام المراد به الخاص لم يُرَد عمومه أصلًا، أفهمتم؟ وعلى هذا فنقول: الصلاة هنا عام أريد به الخاص.

الاستسقاء لا يؤذَّن له مع أنه يُجتَمع له، العيدان لا يؤذن لهما مع أنه يُجتَمع لهما، الكسوف لا يؤذن له مع أنه يُجتَمع له، قيام الليل في رمضان لا يؤذن له مع أنه يُجتَمع له.

لكن الكسوف اختص بدعوة خاصة حتى لا يلحق بالفرائض التي تتكرر كل يوم، وذلك بأن يقال: الصلاة جامعة؛ لأنه يأتي بغتة والناس غافلون.

إذن ﴿إِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ ست صلوات، صح؟ الصلوات الخمس، والجمعة.

﴿اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، أي: جعلوا يسخرون ويستهزئون.

و﴿هُزُوًا﴾ نسيت أن أنبه أن فيها ثلاث قراءات: ﴿هُزُوًا﴾ بضم الزاي إذا كانت بالواو، ﴿هُزْءًا﴾ بسكون الزاي والهمز، ﴿هُزُؤًا﴾ بضم الزاي والهمز، وسبق معنا الفرق بين الهزو …

Al-Maaida 5:58Listen in Qur'an →
59

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَٰسِقُونَ

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allah and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، الخطاب هنا للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني: قل لهم، ناظِرهم، جادِلهم.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾، والمراد: اليهود والنصارى.

﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾ (هل) هنا استفهامية، والمراد بها أيش؟ النفي؛ لأننا ذكرنا أنه إذا جاء الاستثناء بعد الاستفهام فهو دليل على أن الاستفهام للنفي.

﴿هَلْ تَنْقِمُونَ﴾، أي: ما تنقمون منا إلا كذا، وهو نظير قوله تعالى لأصحاب الأخدود: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج ٨].

﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾، بماذا تعيبوننا، بأي شيء إلا بهذا، وهل هذا عيب؟ لا، الإيمان بالله وبما أنزل إلينا وما أنزل من قبل هو عيب؟ لا، ليس بعيب، فكأنه قال: أنتم لا تعيبون علينا شيئًا هو عيب، بل تعيبون علينا شيئًا هو كمال، وهو الإيمان بالله، وما أنزل إلينا، ومثل هذا الأسلوب يسميه علماء البلاغة: تأكيد المدح بما يشبه الذم.

ولا بأس أن نقول: تأكيد المدح بما يشبه الذم له صورتان:

الصورة الأولى: نفي وإثبات، تُنْفَى صفة الذم، ويؤتى بعدها بصفة مدح مُثبَتَة، أفهمتم؟

* طالب: مثاله يا شيخ؟

* الشيخ: ارجع، هذا المثال اللي معنا، الآية، لكن هي أولًا تُنْفَى صفة العيب، ويؤتى بعدها بإثبات صفة كمال، فهذا يسمى تأكيد المدح بما يشبه الذم، اسمع إلى قول الشاعر:

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ نَزِيلَهُمْ ∗∗∗ يُعَابُ بِنِسْيَانِ الْأَحِبَّةِوَالْوَطَنْ

ولا عيب فيهم غير أن نزيلهم الذي ينزل عليهم، يعاب بنسيان الأحبة والوطن، يعني أن فيهم تسلية عن الأحبة والوطن، هذا عيب ولّا مدح؟

طلبة: مدح.

* الشيخ: لكن أول ما تسمع: ولا عيب فيهم غير أن، تترقب الذم، وكذلك قول الشاعر:

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ∗∗∗ بِهِنَّ فُــــــــــــــــــــــــــــــلُولٌ مِنْقِرَاعِ الْكَتَائِبِ

الأول: يمدحهم بالكرم، والثاني: بالشجاعة، هذا ما فيهم عيوب، لكن ينزل عليهم ضيف ينسى كل شيء؛ لإكرامهم الضيف، واحتفائهم به.

وكذلك الآخر: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم، يعني: ليس فيهم أي جُبْن، وليس فيهم عيب، إلا أن سيوفهم قد تثَلَّمت من قرع الكتائب؛ لشجاعتهم، هذا نوع وصورة من صور تأكيد المدح بما يشبه الذم.

ثانيًا: أن يُؤتَى بصفة مدح، ويستثنى بعدها صفة ذم، فهمتم؟ يؤتى بصفة مدح ثم يؤتى بعدها بصفة ذم بأداة استثناء، تقول: هذا الرجل عالم إلا أنه شجاع، ويش يكون هذا، مدح ولّا ذم؟ عالم إلا أنه ويش بتتوقع؟ صفة ذم، فإذا به يقال: إلا أنه شجاع، هذا أيضًا من تأكيد المدح بما يشبه الذم.

لننظر الآية: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾، هذا مدح، إذن الخطاب لهؤلاء نقول لهم: إنكم لا تنقمون منا شيئًا إلا هذا، وهذا ليس مما يقتضي أن تنقموا منا.

﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وهو القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو التوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم، والزبور، وغير ذلك، نحن نؤمن بكل كتاب أنزله الله على كل رسول، هل هذا يُنْقَم من الإنسان؟ لا، ما يمكن يُنْقَم.

لكن هؤلاء نَنْقِم منهم أنهم لم يؤمنوا بما أُنْزِل إلينا، بل نقول: لم يؤمنوا بما أُنْزِل إليهم أيضًا، أهل الكتاب الآن لا يؤمنون بما أُنْزِل إلينا، وحقيقة أنهم لا يؤمنون بما أُنْزِل إليهم؛ لأنهم لو آمنوا بما أُنْزِل إليهم لآمنوا بما أُنْزِل إلينا؛ إذ إن ما أُنْزِل إلينا مُصدِّق لما أُنْزِل إليهم، لكن هم لا، يكذِّبون هذا وهذا.

قال: ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾، ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا …

Al-Maaida 5:59Listen in Qur'an →
60

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّۢ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ شَرٌّۭ مَّكَانًۭا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that as penalty from Allah? [It is that of] those whom Allah has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of Taghut. Those are worse in position and further astray from the sound way."

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ﴾ يعني: يا محمد، ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ يا أهل الكتاب، أي: أخبركم بالأمر العظيم؛ لأن النبأ إنما يُراد به الشيء الهام العظيم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص ٦٧]، وقال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١-٢]، بخلاف الخبر، الخبر قد يكون في أمور تافهة، لكن النبأ لا يكون إلا في أمور هامة، ولعل ذلك -والله أعلم- لأن أحد اشتقاقاته من النَّبْوة، والنَّبْوة بمعنى الارتفاع.

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾، المشار إليه صلاة المسلمين، التي اتخذها هؤلاء هزوًا ولعبًا، وقالوا: ما هذا العمل؟ ما هذا اللعب؟ يستهزئون، ومعلوم أن الاستهزاء بالعمل يستلزم الاستهزاء بالعامل.

فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، ﴿مَثُوبَةً﴾ أي: عاقبة، وهي منصوبة على التمييز؛ لأنها مفسِّرة لما انبهم من التفضيل في قوله: ﴿بِشَرٍّ﴾؛ لأن أصل الشر (أشر) اسم تفضيل، والاسم المنصوب بعد اسم التفضيل المفسِّر له يسمى عندهم تمييزًا، مثل أن تقول: محمد أكثر منك علمًا، فـ (علمًا) هنا تمييز؛ لأنه مفسِّر للمبهَم من اسم التفضيل.

إذن ﴿مَثُوبَةً﴾ نعربها على أنها أيش؟ على أنها تمييز، والمثوبة بمعنى: العاقبة؛ لأنها من (ثاب، يثوب) إذا رجع، فهي بمعنى العاقبة والمآل.

﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ وهذا هو المهم، المهم المنزلة عند الله عز وجل، لا عند الخلق، إذا كانت منزلتك عالية عند الله وخير فهذا هو المهم، وهذا هو المطلوب.

واعلم أنه متى كنت في منزلة عالية عند الله فسوف تكون في منزلة عالية عند الخلق، والعكس بالعكس، ولهذا جاء في الحديث: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللهُ مَؤُونَةَ النَّاسِ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»أخرجه الترمذي (٢٤١٤)، وابن حبان (٢٧٦) من حديث عائشة، واللفظ له..

﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، (من) هذه اسم موصول، وهي خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هو من لعنه الله، هذا شر المثوبة عند الله من حصلت عليه هذه النكبات العظيمة.

﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمته، وهم اليهود والنصارى، لعنهم الله، قال الله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة ٧٨]، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى»متفق عليه؛ البخاري (٤٣٦)، ومسلم (٥٣١ / ٢٢) من حديث عائشة، وابن عباس.، فهم ملعونون، مطرودون من رحمة الله كما لُعِنَ إبليس، لكن هم يُرْجَى أن يؤمنوا، أما إبليس فلن يؤمن، هذا هو الفرق، وإلا هم ملعونون مطرودون عن رحمة الله عز وجل.

الثاني: ﴿وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٦٠] والغضب -غضب الرب عز وجل- أشد من لعنته؛ لأن الطرد والإبعاد عن الرحمة قد يصحبه غضب، وقد لا يصحبه، يكون المقصود حرمان هذا الإنسان من الجنة وإن لم يكن غضب، فالغضب أشد، ويدل على أن الغضب أشد قوله تبارك وتعالى في آيات اللعان، اللعان سببه؟

* طالب: اللعان سببه أن يرمي الرجل زوجته بالزنا.

* الشيخ: أحسنت، سببه أن الرجل يرمي زوجته بالزنا، وأنتم تعلمون أنه لا يمكن لأحد أن يرمي زوجته بزنا إلا وهو صادق؛ لأن هذا يُدَنِّس فراشه، ومن ثَمَّ صارت الشهادات قائمة مقام الشهود، غير الزوج لو رمى امرأته بالزنا، قلنا: إما أن تقيم أربعة شهود، وإلا حَدٌّ في ظهرك، الزوج ما يحتاج نقول له كذلك، نقول: لاعِن، إذا لم تقر الزوجة فلاعن، يُؤتَى بالرجل ويقول: اشهد أربع مرات أن الزوجة هذه قد زنت، فيقول، يشهد، في الخامسة …

Al-Maaida 5:60Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.