Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 31–40 of 120

31

فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًۭا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ

Then Allah sent a crow searching in the ground to show him how to hide the disgrace of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the body of my brother?" And he became of the regretful.

ثم قال الله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.

﴿بَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾: أرسله، والغراب هو الطائر المعروف، ولا يقال: لم اختاره الله عز وجل من بين سائر الطيور؟ لأن مثل هذه المسائل لا يمكن تعليلها، ولا يمكن الإحاطة فيها.

وقوله: ﴿يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ﴾ ذكر المفسرون أن غرابين اقتتلَا فقتل أحدهما الآخر، فبحث القاتل في الأرض، ثم دفن الغراب، ولكن ظاهر الآية خلاف ذلك؛ لأن الله يقول: ﴿بَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾، ولم يقل: غرابين، والظاهر أن الغراب إنما رأى هذا كيف يبحث في الأرض من أجل أن يدفن أخاه، وكأن هذا القاتل لقوة ما وقع في نفسه كأنه ذهل عن هذا الأمر، فبعث الله هذا الغراب يبحث في الأرض أي: يحرثها، حتى يرى هذا القاتل ماذا يصنع في أخيه.

قال: ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾، ﴿يُرِيَهُ﴾ أي: ليجعله يرى بعينه.

﴿كَيْفَ يُوَارِي﴾ كيف يغطي؟

﴿سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ أي: عورته؛ لأن الميت كله عورة، ولهذا أمر النبي ﷺ أن يكفَّن الميت كله لا يخرج منه شيء إلا مَن كان محرمًا من الرجال فإنه يجب أن يُكشف رأسه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ»متفق عليه؛ البخاري (١٢٦٥)، ومسلم (١٢٠٦ / ٩٣) من حديث عبد الله بن عباس..

قال الرجل: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾، ﴿يَا وَيْلَتَا﴾، الويل: هو الثبور والتعب والإعياء، ويقال في كل حال يقع فيها الندم، وأصل ﴿يَا وَيْلَتَا﴾: يا ويلتي، لكن قُلِبَت الياء ألفًا من أجل المد ﴿يَا وَيْلَتَا﴾ مدها عند الصياح، وهنا نادى الويل كأنه يقول: يا ويلتا احضري فإني نادم.

وقوله: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾، الاستفهام هنا للتوبيخ، يعني: كيف أعجز أن أكون مثل هذا الغراب؟! لأن بني آدم أكرم من الحيوانات، وهذا صرح بأنه عجز أن يساوي أو يماثل الغراب، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.

وقوله: ﴿أَعَجَزْتُ﴾ ﴿فَأُوَارِيَ﴾ منصوبة هنا؛ لأنها جواب الاستفهام.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة ٣٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ﴾ إلى آخره.

* في هذه الآية من الفوائد: أن أفعال الحيوان غير الإنسان مخلوقة لله وبإرادته؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا﴾، فهل أفعال البشر مخلوقة لله وبإرادته؟

الجواب: نعم، أفعالنا مخلوقة لله وبإرادة الله عز وجل، هذا ما عليه أهل السنة والجماعة خلافًا للقدرية المعتزلة الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ولكن مع ذلك نقول: إن فعل الإنسان يقع باختياره وإرادته؛ فللإنسان اختيار وإرادة خلافًا لمن؟ خلافًا للجبرية الذين قالوا: إن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار؛ أهل السنة والجماعة وفّقهم الله -عز وجل- للأخذ بالنصوص من جميع الجوانب، والمعتزلة أخذوا بنصوص، والجبرية الجهمية أخذوا بنصوص، فصاروا ينظرون إلى النصوص نظر الأعور الذي ينظر بعين واحدة، أما أهل السنة -والحمد لله، جعلنا الله وإياكم منهم- فإنهم ينظرون إلى النصوص بالعينين جميعًا.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الحيوانات قد تكون مرشدة للبشر، كما …

Al-Maaida 5:31Listen in Qur'an →
32

مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍۢ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًۭا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul or for corruption [done] in the land - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one - it is as if he had saved mankind entirely. And our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

﴿مِنْ﴾ هنا للتعليل.

و﴿أَجْلِ﴾ بمعنى: سبب؛ أي: من سبب ذلك.

﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: كتابة شرعية.

﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق.

﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، والمشار إليه في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ما جرى من قصة ابني آدم، وذلك أن ابن آدم الذي قتل كان هو أول مَن سَنّ القتل في البشرية، وكان عليه بكل نفس تُقتل بغير حق كفل من الوزر، فيكون قتله لهذه النفس كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأن وزر كل نفس مقتولة بغير حق يكون عليه مثلها.

وقوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾، هذا القيد قيد لا بد منه؛ لأن القتل قد يكون بحق، وقد يكون بغير حق، القتل قد يكون قتل نفس بنفس، وذلك القصاص، فإن القصاص قتل بحق، والقصاص ليس على إطلاقه؛ بمعنى أننا نقتل نفسًا بنفس، بل لا بد من شروط، لا بد لثبوت القصاص من شروط؛ منها: أن لا يكون القاتل أعلى من المقتول في الدين والرقّ والملك، هذا شرط لا بد منه، ألا يكون القاتل أعلى من المقتول في هذه الأمور الثلاثة: الدين، والحرية، وإن شئت قل: الرقّ، والملك، فإن كان أعلى منه فإنه لا يُقتص منه، مثاله: كافر قتله مسلم، هذا لا يمكن أن يُقتل؛ لأنه أعلى منه، القاتل أعلى من المقتول، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ»أخرجه البخاري (١١١) من حديث علي بن أبي طالب.، مثال الحرية والرّقّ: أن يقتل شخص حُرّ رقيقَ رجلٍ آخر، هذا أيضًا لا يُقتل، لماذا؟ لأن هذا حُرّ وهذا عبد، فالقاتل أعلى، فلا يُقتل به، الملك مثل: أن يكون للمكاتب عبد مملوك اشترى عبدًا مملوكًا يتجر به، ثم قتله، فهنا كلاهما عبد؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فهل يُقتل هذا المكاتب بهذا الرقيق؟

الجواب: لا؛ لأنه مالكه، كلاهما عبد، لكن هذا مالك، لا بد من قيود.

قوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ والله تبارك وتعالى أطلق الفساد، والمراد بالفساد الفساد الذي تعم مفسدته لا الفساد الخاص، فلو أن شخصًا أحرق دكان آخر، هذا فساد لكنه لا يُقتل بذلك، لكن المراد الفساد العام، مثاله: قُطّاع الطريق الذين يعرضون للناس على الجواد والطرق فيغصبونهم المال مجاهرة بقوة السلاح، هؤلاء لا شك أنهم مفسدون في الأرض، ومن ذلك عند كثير من العلماء شارب الخمر إذا جُلِد، ثم جلد، ثم جلد، ولم ينتهِ فإنه يُقتل، ومن ذلك اللصوص الصائلون، المهم أن الفساد العام هذا يُقتل صاحبه؛ لأنه أفسد في الأرض. ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ كأنما قتل الناس جميعًا وهو لم يقتل إلا واحدًا، و(كأن) هنا للتشبيه، فما وجه الشبه؟ قيل: إن هذا في المستحِلّ لقتل النفس بغير نفس أو فساد في الأرض، والمستحل لقتل نفس محرمة كأنما قتل جميع الناس؛ لأن المراد الجنس، كما قلنا في الذي يكذِّب رسولًا: هو مكذِّب لجميع الرسل، فهذا الذي قتل فلانًا لاستحلاله قتلَه وهو معصوم يكون كالذي قتل الناس جميعًا؛ إذ إنه استحل قتل جنس النفس المعصومة، فيكون كقاتل الناس جميعًا.

وقيل: إن المعنى من قتل نفسًا ممن يكون في قتله فتنة كقتل السلطان وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا قتل السلطان صارت الفتنة، وصار الناس يقتل بعضهم بعضًا، فيكون هذا قتل نفسًا كأنما قتل الناس جميعًا. وقيل: المعنى كأنما قتل الناس جميعًا؛ لأنه إذا قتل نفسًا قُتِل بها، ولو قتل عشرة قُتِل بهم، ولو قتل الناس جميعًا قُتِل بهم، بمعنى أنه لن يخرج عن القتل ولو قتل الناس جميعًا أو قتل بعضهم، فيكون المعنى أن عقوبة القاتل بالقصاص لا فرق فيها بين أن يقتل واحدًا أو يقتل جميع الناس.

الوجه …

Al-Maaida 5:32Listen in Qur'an →
33

إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ

Indeed, the penalty for those who wage war against Allah and His Messenger and strive upon earth [to cause] corruption is none but that they be killed or crucified or that their hands and feet be cut off from opposite sides or that they be exiled from the land. That is for them a disgrace in this world; and for them in the Hereafter is a great punishment,

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: (إنما) أداة حصر، والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه، إذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه.

واعلم أن (إنما) يليها المحصور، يعني لا يليها إلا المحصور، كلما جاءت فإن الذي يليها هو الحّصور، إذا قلت: إنما القائم زيد، حصرت القيام في زيد، إنما زيد شجاع، حصرت زيدًا في الشجاعة لأنها أبرز أخلاقه.

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ﴿يُحَارِبُونَ﴾ فعل يدل على المشاركة؛ لأن (فاعَل) تدل دائمًا على المشاركة، وقد لا تدل عليه، قول القائل: سافر زيد، هذه ما فيها مسافرة، يعني: سفر من جانبين، لكن (قاتل) و(شاتم) و(ضارب) وما أشبهها كلها تدل على المشاركة، فالغالب في هذا الفعل أنه دال على المشاركة، فمعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ أي يتصدون لحرب الله عز وجل، وبماذا؟ هل المعنى أنهم يحملون السلاح على الله؟ كلا، المعنى أنهم يضادون الله في أمره، فيفعلون ما نهى عنه، ويتركون ما أمر به على وجه الاستكبار والعناد، وهذه محاربة، يحاربون الله ويحاربون الرسول، يحاربون الرسول قد نقول: إنه يمكن أن تشمل الحرب بالسلاح والحرب بالرفض لما دعا إليه، لكن بالنسبة لله عز وجل لا تشمل الحرب بالسلاح؛ لأن هذا غير واقع ولا يمكن أن يقع.

﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي يفسدون في الأرض على وجه الإسراع؛ لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾، والسعي بمعنى الإسراع، أي أنهم يسرعون إلى الفساد في الأرض، وذلك بزعزعة الأمن والتسلط على الناس وأخذ الأموال وقتل النفوس، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية نزلت في المحاربين الذين هم قطاع الطريق. قطاع الطريق قوم يعرضون للناس في الصحراء على الطرقات، فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله أو أخذوا ماله وتركوه أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف، لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيرًا في البلاد التي تزعزع أمنها.

ومن ذلك أيضًا، من الإفساد في الأرض: السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد، هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطو على الناس في البنيان أو في الصحراء.

﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ هذه ﴿أَنْ﴾ وما دخلت عليها خبر أيش؟ خبر ﴿جَزَاءُ﴾، أي جزاءهم التقتيل، وهنا قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ بالتشديد، ولم يقل: أن يقتَلوا، كأنه -والله أعلم- إشارة إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضًا؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: المراد ﴿يُقَتَّلُوا﴾ إذا كانوا جماعة كثيرة صار هذا لتعدد أيش؟ المحل، يعني: يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد، إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتله قتلًا ذريعًا ينزجر به غيره، هذه واحدة.

﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ يعني يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون جمعًا بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآية الكريمة الثاني؛ أن يصلب حتى يفتضح بجنايته ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسبًا، لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل.

﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ تقطع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، يكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع ويكون القطع في الرجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرجل لها قدم ولها عقب، العقب الذي يسمى العرقوب، العرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب.

﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الرابع، ﴿يُنْفَوْا مِنَ …

Al-Maaida 5:33Listen in Qur'an →
34

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Except for those who return [repenting] before you apprehend them. And know that Allah is Forgiving and Merciful.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾: (إنما) أداة حصر، والحصر يفيد إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه، إذا قلت: إنما القائم زيد، أثبت القيام لزيد ونفيته عما سواه.

واعلم أن (إنما) يليها المحصور، يعني لا يليها إلا المحصور، كلما جاءت فإن الذي يليها هو الحّصور، إذا قلت: إنما القائم زيد، حصرت القيام في زيد، إنما زيد شجاع، حصرت زيدًا في الشجاعة لأنها أبرز أخلاقه.

﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: ﴿يُحَارِبُونَ﴾ فعل يدل على المشاركة؛ لأن (فاعَل) تدل دائمًا على المشاركة، وقد لا تدل عليه، قول القائل: سافر زيد، هذه ما فيها مسافرة، يعني: سفر من جانبين، لكن (قاتل) و(شاتم) و(ضارب) وما أشبهها كلها تدل على المشاركة، فالغالب في هذا الفعل أنه دال على المشاركة، فمعنى ﴿يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ أي يتصدون لحرب الله عز وجل، وبماذا؟ هل المعنى أنهم يحملون السلاح على الله؟ كلا، المعنى أنهم يضادون الله في أمره، فيفعلون ما نهى عنه، ويتركون ما أمر به على وجه الاستكبار والعناد، وهذه محاربة، يحاربون الله ويحاربون الرسول، يحاربون الرسول قد نقول: إنه يمكن أن تشمل الحرب بالسلاح والحرب بالرفض لما دعا إليه، لكن بالنسبة لله عز وجل لا تشمل الحرب بالسلاح؛ لأن هذا غير واقع ولا يمكن أن يقع.

﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ أي يفسدون في الأرض على وجه الإسراع؛ لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ﴾، والسعي بمعنى الإسراع، أي أنهم يسرعون إلى الفساد في الأرض، وذلك بزعزعة الأمن والتسلط على الناس وأخذ الأموال وقتل النفوس، ولهذا قال العلماء: إن هذه الآية نزلت في المحاربين الذين هم قطاع الطريق. قطاع الطريق قوم يعرضون للناس في الصحراء على الطرقات، فإذا مر بهم أحد قتلوه وأخذوا ماله أو أخذوا ماله وتركوه أو أخافوه وروعوه، المهم أن جناياتهم تختلف، لكنهم يعرضون للناس ويغصبونهم المال وربما يقتلونهم، وهذا يوجد كثيرًا في البلاد التي تزعزع أمنها.

ومن ذلك أيضًا، من الإفساد في الأرض: السطو على البيوت الآمنة وقتل أهلها أو السرقة منها، أو ما أشبه ذلك مما يكون فيه تحزبات واجتماعات وفرق تؤذي الناس، بخلاف السارق الواحد، هذا له حكم خاص، لكن هؤلاء الذين يتحزبون ويكونون فئات وجماعات مروعة تسطو على الناس في البنيان أو في الصحراء.

﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ هذه ﴿أَنْ﴾ وما دخلت عليها خبر أيش؟ خبر ﴿جَزَاءُ﴾، أي جزاءهم التقتيل، وهنا قال: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ بالتشديد، ولم يقل: أن يقتَلوا، كأنه -والله أعلم- إشارة إلى شناعة قتلهم وإلى تعددهم أيضًا؛ لأنه إذا تعدد المحل أو تعدد الفعل صح أن تأتي الصيغة بما يدل على الكثرة، وهنا إذا قلنا: المراد ﴿يُقَتَّلُوا﴾ إذا كانوا جماعة كثيرة صار هذا لتعدد أيش؟ المحل، يعني: يقتل زيد وعمرو وبكر وخالد، إلى آخره، وإذا قلنا: لشناعة القتل معناه أننا نقتله قتلًا ذريعًا ينزجر به غيره، هذه واحدة.

﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ يعني يصلبون، وهل المراد الصلب بعد القتل فيكون جمعًا بين الأمرين؟ أو هو صلب فقط دون قتل؟ ظاهر الآية الكريمة الثاني؛ أن يصلب حتى يفتضح بجنايته ثم بعد ذلك ينظر ولي الأمر فيه بما يراه مناسبًا، لكن المعروف أن الصلب يكون بعد القتل.

﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ تقطع الأيدي والأرجل من خلاف، فسرها العلماء بأن تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، يكون القطع في اليد من مفصل الكف من الذراع ويكون القطع في الرجل من مفصل القدم من العقب؛ لأن الرجل لها قدم ولها عقب، العقب الذي يسمى العرقوب، العرقوب لا يقطع إنما يقطع من مفصل القدم من العرقوب.

﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ هذا الرابع، ﴿يُنْفَوْا مِنَ …

Al-Maaida 5:34Listen in Qur'an →
35

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, fear Allah and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

الشيخ: قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. هذه الآية فيها نداء، وفيها ثلاثة أوامر، وفيها علة وغاية؛ أما النداء ففي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «إذا سمعت الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك »أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).، وذكرنا من قبل أن تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، ثم توجيه النداء إلى المؤمنين يدل على أيش؟ على أن امتثال هذا من الإيمان، وأن مخالفته نقص في الإيمان، وأنه ينبغي إغراء الشخص المخاطب بما يحمله على الامتثال، يعني في الخطاب ينبغي أن تغري الشخص بما يحمله على الامتثال، فتقول مثلًا: يا أيها الكريم، أكرم الضيف، إذا ناديته: يا أيها الكريم فسوف يكون ذلك دافعًا له على إكرام الضيف.

إذن نقول: أولًا تصدير الخطاب بالنداء يدل على أهميته، توجيهه إلى الذين آمنوا فيه فوائد: أولًا: أن الامتثال أيش؟ من مقتضيات الإيمان. وثانيًا: أن المخالفة نقص في الإيمان. وثالثًا: إغراء المخاطب بهذا الوصف على الفعل؛ لأن وصف الإنسان بالشيء الذي يحمله على الفعل والامتثال لا شك أنه يغريه ويزيده نشاطًا.

وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تأتي هكذا مطلقة في كثير من الآيات، فآمنوا بمن؟ نقول: الإيمان فسره النبي عليه الصلاة والسلام أبين تفسير، حيث سأله جبريل عن الإيمان فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عبد الله بن عمر.، وعلى هذا فيكون ﴿آمَنُوا﴾ أي بما يجب الإيمان به، وهي أركان الإيمان الستة.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتخِذُوا وقاية من عذابه، وذلك بفعل الأوامر واجتناب النواهي على علم؛ لأن الإنسان قد يفعل شيئًا مأمورًا به لكن على غير علم، أو يترك شيئًا منهيًّا عنه على غير علم، لكن لا بد من العلم ليكون ذلك من خشية الله؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨].

ولهذا فسر بعض العلماء التقوى بأنها أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله، والنور هو العلم، ولهذا نقول: أجمع ما قيل في تعريفها أنها: امتثال أمر الله واجتناب نواهيه على علم حتى يحصل له الخشية؛ لأنه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ هل نقول: اتقوا الله نفسه؟ أو اتقوا عذاب الله؟

* طالب: كلاهما.

* الشيخ: كلاهما صحيح؛ لأن الله قال: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران ٢٨]، فحذرنا الله تعالى من نفسه عز وجل، وإنما حذرنا منها لأنه قال لنا: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٨]، وهذا خبر أخبرنا به هو عز وجل، وقال لنبيه: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠]، فإذن يحذرنا الله نفسه أن يعاقبنا على مخالفته.

﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ اطلبوا إليه، ﴿الْوَسِيلَةَ﴾ مفعول (ابتغوا)، يعني اطلبوا الوسيلة إليه، والوسيلة هي التقرب إلى الله كما فسرها كثير من المفسرين بأن معناها: ابتغوا القربة إليه، يعني اطلبوا ما يقربكم إليه، فإذا كان الله أمرنا أن نطلب ما يقربنا إليه فالذي يقربنا إليه هو امتثال أمره واجتناب نهيه طلبًا للقرب منه.

﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ وليست الوسيلة ما هو معروف عند المتأخرين بأن يتخذ الإنسان وسائل في دعائه أو نحو ذلك، لا، المراد: ابتغوا التقرب إليه، لكن بعض المنحرفين قال: المراد …

Al-Maaida 5:35Listen in Qur'an →
36

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧) وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٦- ٣٩]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لما بين الله تبارك وتعالى أمر عباده المؤمنين أن يتقوا الله ويبتغوا إليه الوسيلة، ويجاهدوا في سبيله، وبين عاقبة هذا بأنهم فلاح ، بين عاقبة من لم يقم بذلك من الكفار فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾. في الإعراب عندنا ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هذه تحتاج إلى خبر، خبرها جملة الشرط: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ و ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾ تحتاج إلى جواب، جوابها قوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، والجملة من الشرط وجوابه هي خبر (إن) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ﴾، (لو) هذه شرطية، و(لو) الشرطية لا تدخل إلا على جملة فعلية، فأين الجملة الفعلية والذي بعدها (أن) المفتوحة وهي نائبة مناب مصدر؟ يقال في الجواب: إن فعل الشرط محذوف، والتقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض جميعًا إلى آخره. وقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ (ما) اسم موصول يفيد العموم، أي جميع ما في الأرض من معادن وأشجار وبحار وأنهار وحيوان وآدمي وكل شيء في الأرض، ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ إضافة، فبذلوه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة. وقولنا: (فبذلوه) إشارة إلى أن اللام في قوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ متعلقة بهذا المحذوف.

وقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ أي: ليبذلوه فداء عما لهم من العذاب.

﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ أي: ما تقبل الله منهم ذلك؛ لأنهم قد حقت عليهم كلمة الله وحق عليهم العذاب، ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: (أليم) هنا بمعنى (مؤلم)، ففي هذه الآية يخبر الله عز وجل أن الكفار لن ينجوا من عذاب الله مهما بذلوا من الفداء فإنهم لن ينجوا منه وأن عذابهم أليم؛ أي: مؤلم. واقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦] تعرف كيف كان هذا الإيلام.

* ففي الآية فوائد، منها: شدة عذاب الكفار.

* ومنها: أنهم لن يستطيعوا أن يفتدوا بما يمكن أن يملك أن يفتدوا من هذا العذاب.

* ومنها: أن الله سبحانه وتعالى أراد منهم ما هو أيسر من ذلك، وهم في زمن الإمكان، وهذا في أي وقت؟ في الدنيا، ولكنهم أبوا، فيتحسرون في الآخرة أن يجدوا فداء ولن يجدوا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

* ومنها: أن الافتداء بعد حلول العذاب لا ينفع؛ لقوله: ﴿مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨]؛ لأنه قد فات الأوان وحل العذاب وشاهد الإنسان عالم الغيب فلا يقبل منه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب الكفار عذاب مؤلم، والعياذ بالله، وهل هو مهلك؟

الجواب: لا، ليس بمهلك؛ لأنهم لا يموتون ولا يحيون، حتى إنهم يتمنون الموت، ولكن لا يحصل، …

Al-Maaida 5:36Listen in Qur'an →
37

يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌۭ مُّقِيمٌۭ

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

ثم قال عز وجل: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ الإرادة هنا يحتمل أن يكون معناها المحبة؛ لأن الإرادة تأتي بمعنى المحبة كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء ٢٧]، ومعلوم أن هذه الإرادة بمعنى المحبة؛ إذ لو كانت إرادة كونية لتاب الله على جميع الناس، فمعنى ﴿يُرِيدُونَ﴾ يحتمل أن المعنى: يحبون أن يخرجوا من النار، ولكن أنى لهم ذلك، ويحتمل أن المعنى أنهم يُخدَعون، بمعنى أن النار ترفعهم حتى يكونوا قريبين من أبوابها ثم يُردُّون إلى أسفلها والعياذ بالله؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ٢٠] فالآية تحتمل معنيين: المعنى الأول: أنها بمعنى أيش؟ المحبة، أي يحبون ذلك لكن لا يحصل لهم، المعنى الثاني أنهم يرفعهم لهيب النار حتى يصلوا إلى مكان يطمعون فيه أن يخرجوا من النار ويريدون الخروج ولكن يُردون إليها ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، والمعنيان صحيحان، هم يحبون ذلك ويُفعل بهم ما يكون طمعًا في خروجهم ثم يعادون.

قال الله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾، بل هم فيها باقون؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر ٤٨] وإذا كانوا لا يخرجون منها وهم خالدون فيها أبدًا دل هذا ولا بد على أنها هي -أي النار- باقية أبدًا، وهو كذلك، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، وحُكي إجماعه، لكن ذُكر عن طائفة يسيرة جدًّا أن النار تفنى بمن فيها، ولكنه قول ضعيف، بل هو في الحقيقة باطل لمخالفته لصريح القرآن، فإن الله ذكر التأبيد نصًّا صريحًا، في كم موضع؟

* طالب: ما أدري

* الشيخ: ما تدري، ماذا قلت الآن؟

* طالب: أن الله ذكر التأبيد في القرآن في عدة مواضع، والذين قالوا بقول أهل السنة والجماعة قال: إن النار لا تفنى، وهناك طائفة يسيرة أن النار تفنى، وهذا قول باطل مخالف لصريح القرآن.

* طالب آخر: في ثلاثة مواضع.

* الشيخ: في ثلاثة مواضع، الموضع الأول؟

* الطالب: آخر سورة النساء؟

* الشيخ: في سورة النساء، اقرأ الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨- ١٦٩].

والموضع الثاني في سورة الأحزاب، اقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤- ٦٥]. الموضع الثالث؟

* طالب: في سورة الجن.

* الشيخ: في سورة الجن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. أبعد هذا التصريح الواضح الصريح نقول: إنها غير مؤبدة؟

قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ كلمة (ما) هنا هل هي حجازية أو تميمية؟

* طالب: حجازية.

* الشيخ: ويش الدليل؟

* طالب: (...) الشروط متوفرة.

* الشيخ: إي لكن حتى إذا تمت الشروط وتوفرت فالتميميون لا ينصبون خبرها.

* طالب: حجازية.

* الشيخ: لكن ما دليلك؟

* طالب: لأنها عملت عمل ليس.

* الشيخ: ما الدليل أنها عملت عمل ليس؟ ما الدليل؟ الخبر مجرور بالباء ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾.

* طالب: هذا محتمل.

* الشيخ: أيش؟ هذا محتمل.

* طالب: لأن لغة القرآن لغة أهل قريش حجازية.

* الشيخ: صحيح، هو الواقع ما تستدل بهذا على أنها حجازية؛ لأن (الباء) عملت في الخبر عملًا لفظيًّا، لكن نعرف أن لغة القرآن لغة قريش، وهذه طريقة القرآن، قال الله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١]، ولم يقل: ما هذا بشر. فعلى هذا نقول: هذه حجازية، والخلاف بين التميميين والحجازيين ليس في المعنى ولكن في العمل. ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ بل هم باقون فيها، وعلى هذا فالباء هنا …

Al-Maaida 5:37Listen in Qur'an →
38

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they committed as a deterrent [punishment] from Allah. And Allah is Exalted in Might and Wise.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]. السارق هذه اسم مشتق من السرقة، والاسم المشتق المحلى بـ(أل) يقولون: إنه للعموم، ولهذا نقول: (أل) من الأسماء الموصولة، وصلتها الصفة الصريحة ﴿السَّارِقُ﴾. فما معنى السارق؟

السارق قال العلماء في الاصطلاح: هو الذي يأخذ المال على وجه الاختفاء من مالكه أو نائب مالكه، هذا السارق الذي يأخذ المال على وجه الاختفاء من أيش؟ من مالكه أو نائب مالكه.

فقولنا: (الذي يأخذ المال) خرج به من أخذ ما ليس بمال، كما لو أخذ خمرًا فإن هذا ليس بسارق، ليس بسارق اصطلاحا؛ لأن الخمر أيش؟ ليس بمال. وخرج به من أخذ حرًّا، يعني سرق صبيًّا من بيت أهله، فهذا ليس بسارق اصطلاحًا، لماذا؟ لأنه ليس بمال حر، ويدخل فيه لو سرق عبدًا ولو كبيرًا، فإنه يعتبر سارقًا؛ لأن العبد مال مملوك لسيده.

وقولنا: (من مالكه) احترازًا مما لو أخذه من غير مالكه، كما لو كان من غاصب، يعني أن رجلًا غصب مالًا فسرقه سارق، أي سرق هذا المال المغصوب، فإنه لا يعد سارقًا اصطلاحًا، وإن كان يعد سارقًا لغةً لكنه اصطلاحًا ليس بسارق؛ لأنه -أي المال- أخذ من شخص لا حرمة له؛ إذ إنه وضع يده عليه بغير حق.

وقولنا: (أو نائبه) يعني نائب المالك، مثل الوكيل والوصي والناظر وما أشبه ذلك، المهم أنه إذا أخذ المال من نائب المالك فهو سارق، وعلى هذا فالذي يسرق من الدكاكين التي فيها أموال للغير يُحَرِّج عليها صاحب الدكان هل يعتبر سارقًا؟ المال اللي في الدكان ليس لصاحب الدكان، هو يبيع للناس؟ نقول: نعم إنه نائب عن المالك، فإذا قال السارق: أنا لم أسرق هذا المال من مالكه، قلنا: لكنك سرقته من نائب المالك.

(على وجه الاختفاء) احترازًا مما لو أخذه قهرًا؛ فإنه لا يعد سارقًا، بل يعد غاصبًا، وكذلك لو أنه أخذه وهو مار وفي يد شخص ساعة يُحَرِّج عليها مثلًا ينادي عليه في مروره خطفها ومشى، هل هو سارق؟ لا؛ لأن هذا غير مختفٍ، لكنه منتهب أو مختلس.

على وجه الاختفاء؛ احترازًا مما لو أخذه قهرًا فإنه لا يُعَدُّ سارقًا بل يُعَدُّ غاصبًا، وكذلك لو أنه أخذه وهو مارٌّ، وفي يد شخصٍ ساعة يحرِّج عليها مثلًا ينادي عليها، في مروره خَطَفَها ومشى، هل هو سارق؟ لا؛ لأن هذا غير مُخْتفٍ، لكنه منتهِب أو مختلِس.

إنسان مثلًا وقف عند الدكَّان وكلَّم صاحب الدكَّان، قال له: عندك السلعة الفلانية؟ قال: نعم، قال: أَرِني إياها، التفت صاحب الدكَّان وأتى بها، فجاء بها، قال: لا، ما أريد هذا، أريد هذاك بطَرَف الدكَّان، فذهب صاحب الدكَّان يأتي بالسلعة وهذا سرق من المال اللي في الدكَّان؛ هل يُعتبر سارقا؟ لا، هذا مختلس؛ لأن التفريط من صاحب المال؛ كيف تذهب تأتي بالسلعة من أقصى الدكَّان وعندك رجل ما تدري عن أمانته؟! فأنت الآن الذي فرَّطت.

إذن السرقة ما هي؟

أخذ المال على وجه الاختفاء من مالكٍ أو نائبِهِ، هذا اصطلاحًا.

أما في اللغة: فهي أخذ المال خُفيةً من المالك أو من غيره.

﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة ٣٨] الأنثى يُقام عليها الحدُّ كما يُقام على السارق، وهنا نجد أن الله سبحانه وتعالى بدأ بالسارق قبل السارقة، وفي باب الزنى ذكر الله الزانيةَ قبل الزاني، والحكمة في ذلك أن السرقة مبناها على القوة والْجَلَد والنشاط، والرجال أخصُّ من النساء في هذا فبدأ بهم، ولذلك نجد السُّرَّاقَ من الرجال أكثر منهم من النساء، أليس كذلك؟

الزانية بالعكس؛ الزنى سِلَع البغايا -والعياذ بالله- فبدأ بالزانية لأنه في النساء أكثر كما هو مُشاهَد.

﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ﴿اقْطَعُوا﴾ الخطاب لمن؟ الخطاب للأُمَّة جميعًا، لكن المقصود بالذات والعين هو الإمام أو نائبه، لكن المسؤولية على الجميع؛ بمعنى: لو تهاون الإمام مثلًا وجب …

Al-Maaida 5:38Listen in Qur'an →
39

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allah will turn to him in forgiveness. Indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

فنقول: الآية الثانية ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ هي فيمن تاب من بعد أيش؟ من بعد إقامة الحدِّ عليه بالقطع، القطع يُكَفِّر ما مضى، لكن إذا كان من نيَّة هذا السارق أنه إذا تسنَّى له السرقة سرق فهل يتوب الله عليه؟ لا؛ لأنه لم يتُبْ إلى الله، ومِثله مَن قُتِل قِصاصًا أيضًا؛ لو كان في قلبه أنه ما تاب من الفعلة التي فعلها وأنه لو تسنَّى له أن يَقتُل أحدًا قتله فإن القِصاص لا يُكَفِّر عنه؛ لأن هذا فيما بينه وبين الله، وهو لم يتُبْ فيما بينه وبين الله.

إذن لو قال قائل: هل الآية تُعارض الحديث في أن الحدود كفَّارة؟

الجواب: لا، الحدود كفَّارة لأيش؟ لما سبق ومضى، وأما ما يبقى في قلبه من إرادة المعصية فإنه لم يتب.

﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ ظُلمًا، ظُلم نفسِه وظُلم غيرِه؛ لأن المعصية إن تعدَّت إلى الغير ففيها ظُلمان: ظلم النفس وظلم الغير، وإن كانت خاصة بالإنسان ففيها ظلم واحد وهو ظلم النفس، وعجبًا للإنسان المسكين أن يُقدِم على المعصية وهو يعلم أنه بذلك ظالم لنفسه، ولو أن أحدًا أراد أن يظلمه لكان أيش؟ يدافع عن نفسه ويمنعه من الظلم، فكيف لا يدافع عن نفسه بنفسه؟! ولكن الهوى يُعمِي ويُصِمُّ. المهم أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ يشمل ظُلم نفسِه وإيه؟ وظُلم غيرِه.

وقوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ أي: أصلح ما فسد بظلمه؛ لأن الظلم يُفسد القلب؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ»أخرجه أبو داود (١٠٥٤) والنسائي (١٣٦٩) من حديث أبي الجعد الضمري.، فالمعاصي تُفسد، فإذا أصلح فإن الله يتوب عليه، والإصلاح بتحقيق التوبة والعمل الصالح.

وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ ﴿يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبل توبته.

واعلم أن لله تبارك وتعالى على عبده توبتين؛ التوبة الأولى: التوفيق للتوبة، والتوبة الثانية: قبولها من التائب.

فمن الأول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨] تاب عليهم قَبْل أن يتوبوا ولَّا بعد؟ قَبْل، بدليل قوله: ﴿لِيَتُوبُوا﴾، هذه التوبة توبة التوفيق؛ أن الله يوفق الإنسان للتوبة فيتوب إلى ربه عز وجل.

وأما قبول التوبة فمثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى ٢٥]، ومثل هذه الآية: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: يقبل توبته.

وهل يصح في هذا ﴿إِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أن تكون بمعنى يوفقه للتوبة؟

* طالب: لا، ما يصح.

* الشيخ: لا؛ لقوله: ﴿فَمَنْ تَابَ﴾ فهو الآن قد وُفِّق، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ أي: من هذا الظلم الذي تاب منه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

قوله: ﴿مَنْ تَابَ﴾ ﴿وَأَصْلَحَ﴾ نحن قلنا: أصلح ما فسد بظلمه، وذلك بتدارك الواجب إن أمكن تداركه، وبالإقلاع عن المحرَّم فلا يستمر عليه، هذا هو الإصلاح ولا بد منه.

﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة هنا جملة مؤكدة، بأيش؟ بـ(إن)؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ من أجل طمأنينة العبد التائب بأن توبته لن تذهب سُدى.

وقوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذان اسمان كريمان من أسماء الله مقترنان كثيرًا في القرآن؛ لأن بالأول زوال المكروه، وبالثاني حصول أيش؟ المحبوب؛ فالأول ﴿غَفُورٌ﴾ يعني للذنوب، والثاني ﴿رَحِيمٌ﴾ يعني أنه يوصل الخير إلى عباده بمقتضى رحمته سبحانه وتعالى.

الغفور هنا اسم فاعل أو صفة مشبَّهة أو صيغة مبالغة؟

نقول: الظاهر -والله أعلم- أنها صيغة مبالغة وليست اسم فاعل؛ اسم الفاعل مثل قوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر ٣]، لكن هذه صيغة مبالغة، وجاءت بصيغة المبالغة لكثرة غفران الله تعالى لعباده ولكثرة من غفر لهم، فما أكثرَ ما يغفر الله لنا ذنوبًا لما شرع لنا من …

Al-Maaida 5:39Listen in Qur'an →
40

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

Do you not know that to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allah is over all things competent.

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة ٤٠] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ الخطاب لكل من يصح توجه الخطاب إليه، كل من يصح توجه الخطاب إليه فإنه داخل في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾؛ لأنا نرى أن خطاب المفرد في القرآن الكريم يشمل كل من يتأتى خطابه أو نقول: كل من يصح توجيه الخطاب إليه،إلا إذا دل الدليل على أنه خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام فيكون خاصًّا به، فمثلًا ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] مَن؟

* الطلبة: خاص.

* الشيخ: هذا خاص، لكن إذا جاء من غير أن يكون هناك دليل على أنه خاص بالرسول فإن القرآن يخاطب كل الناس، فإنه يحمل على أيش؟ أنه موجه إلى كل من يصح توجه الخطاب إليه.

وقد ذكرنا فيما سبق الخلاف في هذا هل هو موجه إلى الرسول أولًا ثم لغيره ثانيًا، أو لغيره أولًا ثم لغيره تأسيًا، أو لكل من يصح منه الخطاب، وهذا هو الأولى.

ألم تعلم أيها المخاطب أن الله له ملك السماوات والأرض، وأتى بهذه الآية في مكانها اللائق؛ لأن ما سبق كله في إقامة حدود، فلعل النفس تقول: لماذا هذه الشدة؟ لماذا هذه الغلظة؟ فقال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والاستفهام هنا لأيش؟ للتقرير، ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إذا كان له ملك السماوات والأرض فإنه يحكم بما شاء ويفعل ما شاء؛ ولهذا قال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ في هذه الآية قُدِّم التعذيب على المغفرة، في آية أخرى؟

* الطلبة: المغفرة.

* الشيخ: قدم المغفرة على التعذيب، والمناسبة واضحة، يعني هنا الكلام على أيش؟ على الحدود والعقوبات، فناسب أن يقدم التعذيب على المغفرة.

وقوله عز وجل: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا تظن أن الله إذا قال: يفعل ما يشاء، يحكم ما يشاء، يحكم ما يريد، لا تظن أن الأمر على غير حكمة، بل يعذب من يشاء إذا اقتضت الحكمة تعذيبه، ويغفر لمن يشاء إذا اقتضت الحكمة أن يغفر الله له؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير ٢٨]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].

وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختم بهذه الآية، ومن قدرته عز وجل أن أمر بعقوبة الجناة على الوجه المذكور.

القدرة هي فعل الشيء بدون عجز، فالله تبارك وتعالى يفعل ما يشاء بدون عجز، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، فهو سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، القوة ويش ضدها؟

* طلبة: الضعف.

* الشيخ: الضعف، نعم.

قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم ٥٤]، لكن القدرة ضدها العجز، ما الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة، والقوة تكون من ذي الإرادة وغيرها، فالإنسان يقال: قادر، ويقال: قوي، الجدار يقال: قوي ولا يقال: قادر؛ لأن القدرة لا تكون إلا من ذي إرادة.

﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ * في هذه الآية الكريمة من الفوائد:

* أولًا: تقرير عموم ملك الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

* ومن فوائدها: أن الملك العام للسماوات والأرض خاص بالله، دليله تقديم الخبر في قوله: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، قال علماء البلاغة: وتقديم ما حقه التأخير أيش؟ يفيد الحصر والاختصاص.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ملك السماوات والأرض لله لا يشاركه فيه أحد، قال الله تعالى: …

Al-Maaida 5:40Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.