Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

(سُورَةُ المائِدَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَةٌ وعِشْرُونَ آيَةً)

﷽

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [المائدة: ٢] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلّا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكم فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] البَهِيمَةُ: كُلُّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: البَهِيمَةُ في كَلامِ العَرَبِ ما أُبْهِمَ مِن جِهَةِ نَقْصِ النُّطْقِ والفَهْمِ. انْتَهى. وما كانَ عَلى فَعِيلٍ أوْ فَعِيلَةٍ وعَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ اسْمًا كانَ أوْ صِفَةً، فَإنَّهُ يَجُوزُ كَسْرُ أوَّلِهِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ عَيْنِهِ وهي لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، تَقُولُ: رِئِيٍّ وبِهِيمَةٍ، وسِعِيدٍ وصِغِيرٍ، وبِحِيرَةٍ وبِخِيلٍ. الصَّيْدُ: مَصْدَرُ صادَ يَصِيدُ ويُصادُ، ويُطْلَقُ عَلى المَصِيدِ. وقالَ داوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الأصْبَهانِيُّ: الصَّيْدُ ما كانَ مُمْتَنِعًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ مالِكٌ وكانَ حَلالًا أكْلُهُ، وكَأنَّهُ فَسَّرَ الصَّيْدَ الشَّرْعِيَّ. القِلادَةُ في الهَدْيِ: ما قُلِّدَ بِهِ مِن نَعْلٍ، أوْ عُرْوَةٍ مُزادَةٍ، أوْ لِحاءِ شَجَرٍ أوْ غَيْرِهِ، وكانَ الحَرَمِيُّ رُبَّما قَلَّدَ رِكابَهُ بِلِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، فَيَعْتَصِمُ بِذَلِكَ مِنَ السُّوءِ.

الآمُّ: القاصِدُ أمَمْتُ الشَّيْءَ قَصَدْتُهُ. جَرَمَهُ عَلى كَذا حَمَلَهُ، قالَهُ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ: جَرَمَهُ كَسَبَهُ، ويُقالُ: فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ؛ أيْ: كاسِبُهم، والجارِمُ الكاسِبُ. وأجْرَمَ فُلانٌ: اكْتَسَبَ الإثْمَ. وقالَ الكِسائِيُّ أيْضًا: جَرَمَ وأجْرَمَ؛ أيْ: كَسَبَ غَيْرَهُ، وجَرَمَ يَجْرِمُ جَرْمًا إذا قَطَعَ. قالَ الرُّمّانِيُّ: وهو الأصْلُ، فَجَرَمَ حَمَلَ عَلى الشَّيْءِ لِقَطْعِهِ مِن غَيْرِهِ، وجَرَمَ كَسَبَ لِانْقِطاعِهِ إلى الكَسْبِ، وجَرَمَ بِمَعْنى حَقَّ؛ لِأنَّ الحَقَّ يُقْطَعُ عَلَيْهِ. قالَ الخَلِيلُ: لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ؛ أيْ: لَقَدْ حَقَّ. الشَّنَآنُ: البُغْضُ، وهو أحَدُ مَصادِرِ شَنِئَ. يُقالُ: شَنِئَ يَشْنَأُ شَنْئًا وشَنَآنًا مُثَلَّثَيِ الشِّينِ فَهَذِهِ سِتَّةٌ: وشَناءً، وشَناءَةً، وشِناءً، وشَنْأةً، ومَشْنَأةً، ومَشْنِئَةً، ومِشْنِئَةً، وشَنانًا، وشِنانًا. فَهَذِهِ سِتَّةَ عَشَرَ مَصْدَرًا وهي أكْثَرُ ما حُفِظَ لِلْفِعْلِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ بِناءٍ كانَ مِنَ المَصادِرِ عَلى فَعَلانٍ، بِفَتْحِ العَيْنِ، لَمْ يَتَعَدَّ فِعْلُهُ إلّا أنْ يَشِذَّ شَيْءٌ كالشَّنَآنِ.

المُعاوَنَةُ: المُساعَدَةُ. …

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

﴿ولا القَلائِدَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، ومُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: القَلائِدُ هي ما كانُوا يَتَقَلَّدُونَ بِهِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ لِيَأْمَنُوا بِهِ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْ فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وعَنْ أخْذِ القَلائِدِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُخْتَلى خَلاها ولا يُعَضَدُ شَجَرُها» . وقالَ الجُمْهُورُ: القَلائِدُ ما كانُوا يَتَقَلَّدُونَهُ مِنَ السَّمَرِ إذا خَرَجُوا إلى الحَجِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلامَةَ حَجَّةٍ. وقِيلَ: أوْ ما يُقَلَّدُهُ الحَرَمِيُّ إذا خَرَجَ لِحاجَةٍ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ حَرَمِيٌّ، فَنَهى تَعالى عَنِ اسْتِحْلالِ مَن يُحْرِمُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القَلائِدَ: هي الهَدْيُ المُقَلَّدُ، وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ هَدْيًا ما لَمْ يُقَلَّدْ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا الهَدْيَ الَّذِي لَمْ يُقَلَّدْ ولا المُقَلَّدُ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحامُلٌ عَلى ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ مِن كَلامِهِ أنَّ الهَدْيَ إنَّما يُقالُ لِما لَمْ يُقَلَّدْ. وإنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى نَهى عَنِ الهَدْيِ جُمْلَةً، ثُمَّ ذَكَرَ المُقَلَّدَ مِنهُ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في التَّنْبِيهِ عَلى الحُرْمَةِ في المُقَلَّدِ. وقِيلَ: أرادَ القَلائِدَ نَفْسَها فَنَهى عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَلائِدِ الهَدْيِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ؛ أيْ: لا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا عَنْ أنْ تَحِلُّوها كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] نَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواقِعَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: تَأْوِيلُهُ أنَّهُ نَهى عَنِ اسْتِحْلالِ حُرْمَةِ المُقَلَّدِ هَدْيًا كانَ أوْ إنْسانًا، واجْتَزَأ بِذِكْرِ القَلائِدِ عَنْ ذِكْرِ المُقَلَّدِ إذْ كانَ مَفْهُومًا عِنْدَ المُخاطَبِ.

﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ: ولا آمِّي، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ إلى البَيْتِ؛ أيْ: ولا تُحِلُّوا قَوْمًا قاصِدِينَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وهُمُ الحُجّاجُ والعُمّارُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإحْلالُ هَذِهِ؛ أيْ: يُتَهاوَنُ بِحُرْمَةِ الشَّعائِرِ، وأنْ يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ وأنْ يُحْدِثُوا في أشْهُرِ الحَجِّ ما يَصُدُّونَ بِهِ النّاسَ عَنِ الحَجِّ، وأنْ يَتَعَرَّضَ لِلْهَدْيِ بِالغَصْبِ أوْ بِالمَنعِ مِن بُلُوغِ مَحِلِّهِ.

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَبْتَغُونَ بِالياءِ، فَيَكُونُ صِفَةً لَـ آمِّينَ. وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الفَضْلَ بِالثَّوابِ، وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ. وقِيلَ: الفَضْلُ التِّجارَةُ والأرْباحُ فِيها. وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الأمْوالِ والأوْلادِ، يَبْتَغُونَ رَجاءَ الزِّيادَةِ في هَذا. وأمّا الرِّضْوانُ فَإنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَهُ وإنْ كانُوا لا يَنالُونَهُ، وابْتِغاءُ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِهِ. وقِيلَ: هو تَوْزِيعٌ عَلى المُشْرِكِينَ، فَمِنهم مَن كانَ يَبْتَغِي التِّجارَةَ إذْ لا يَعْتَقِدُ مَعادًا، ومِنهم مَن يَبْتَغِي الرِّضْوانَ بِالحَجِّ إذْ كانَ مِنهم مَن يَعْتَقِدُ الجَزاءَ بَعْدَ المَوْتِ وأنَّهُ يُبْعَثُ، وإنْ كانَ لا يَحْصُلُ لَهُ رِضْوانُ اللَّهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ بِناءً عَلى ظَنِّهِ. وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ، فابْتِغاءُ الفَضْلِ مِنهُما، وابْتِغاءُ الرِّضْوانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: هو أنْ يُصْلِحَ مَعايِشَهم في الدُّنْيا، ولا يُعَجِّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: الفَضْلُ والرِّضْوانُ في الآيَةِ في مَعْنًى واحِدٍ، وهو رِضا اللَّهِ تَعالى وفَضْلُهُ …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

﴿ولا القَلائِدَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، ومُطَرِّفُ بْنُ الشِّخِّيرِ: القَلائِدُ هي ما كانُوا يَتَقَلَّدُونَ بِهِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ لِيَأْمَنُوا بِهِ، فَنُهِيَ المُؤْمِنُونَ عَنْ فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وعَنْ أخْذِ القَلائِدِ مِن شَجَرِ الحَرَمِ. وفي الحَدِيثِ: «لا يُخْتَلى خَلاها ولا يُعَضَدُ شَجَرُها» . وقالَ الجُمْهُورُ: القَلائِدُ ما كانُوا يَتَقَلَّدُونَهُ مِنَ السَّمَرِ إذا خَرَجُوا إلى الحَجِّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلامَةَ حَجَّةٍ. وقِيلَ: أوْ ما يُقَلَّدُهُ الحَرَمِيُّ إذا خَرَجَ لِحاجَةٍ، لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ حَرَمِيٌّ، فَنَهى تَعالى عَنِ اسْتِحْلالِ مَن يُحْرِمُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ القَلائِدَ: هي الهَدْيُ المُقَلَّدُ، وأنَّهُ إنَّما سُمِّيَ هَدْيًا ما لَمْ يُقَلَّدْ، فَكَأنَّهُ قالَ: ولا الهَدْيَ الَّذِي لَمْ يُقَلَّدْ ولا المُقَلَّدُ مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا تَحامُلٌ عَلى ألْفاظِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ مِن كَلامِهِ أنَّ الهَدْيَ إنَّما يُقالُ لِما لَمْ يُقَلَّدْ. وإنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى نَهى عَنِ الهَدْيِ جُمْلَةً، ثُمَّ ذَكَرَ المُقَلَّدَ مِنهُ تَأْكِيدًا ومُبالَغَةً في التَّنْبِيهِ عَلى الحُرْمَةِ في المُقَلَّدِ. وقِيلَ: أرادَ القَلائِدَ نَفْسَها فَنَهى عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَلائِدِ الهَدْيِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ؛ أيْ: لا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا عَنْ أنْ تَحِلُّوها كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] نَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواقِعَها. وقالَ الطَّبَرِيُّ: تَأْوِيلُهُ أنَّهُ نَهى عَنِ اسْتِحْلالِ حُرْمَةِ المُقَلَّدِ هَدْيًا كانَ أوْ إنْسانًا، واجْتَزَأ بِذِكْرِ القَلائِدِ عَنْ ذِكْرِ المُقَلَّدِ إذْ كانَ مَفْهُومًا عِنْدَ المُخاطَبِ.

﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وأصْحابُهُ: ولا آمِّي، بِحَذْفِ النُّونِ لِلْإضافَةِ إلى البَيْتِ؛ أيْ: ولا تُحِلُّوا قَوْمًا قاصِدِينَ المَسْجِدَ الحَرامَ، وهُمُ الحُجّاجُ والعُمّارُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإحْلالُ هَذِهِ؛ أيْ: يُتَهاوَنُ بِحُرْمَةِ الشَّعائِرِ، وأنْ يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ وأنْ يُحْدِثُوا في أشْهُرِ الحَجِّ ما يَصُدُّونَ بِهِ النّاسَ عَنِ الحَجِّ، وأنْ يَتَعَرَّضَ لِلْهَدْيِ بِالغَصْبِ أوْ بِالمَنعِ مِن بُلُوغِ مَحِلِّهِ.

﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ يَبْتَغُونَ بِالياءِ، فَيَكُونُ صِفَةً لَـ آمِّينَ. وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الفَضْلَ بِالثَّوابِ، وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ. وقِيلَ: الفَضْلُ التِّجارَةُ والأرْباحُ فِيها. وقِيلَ: الزِّيادَةُ في الأمْوالِ والأوْلادِ، يَبْتَغُونَ رَجاءَ الزِّيادَةِ في هَذا. وأمّا الرِّضْوانُ فَإنَّهم كانُوا يَقْصِدُونَهُ وإنْ كانُوا لا يَنالُونَهُ، وابْتِغاءُ الشَّيْءِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِهِ. وقِيلَ: هو تَوْزِيعٌ عَلى المُشْرِكِينَ، فَمِنهم مَن كانَ يَبْتَغِي التِّجارَةَ إذْ لا يَعْتَقِدُ مَعادًا، ومِنهم مَن يَبْتَغِي الرِّضْوانَ بِالحَجِّ إذْ كانَ مِنهم مَن يَعْتَقِدُ الجَزاءَ بَعْدَ المَوْتِ وأنَّهُ يُبْعَثُ، وإنْ كانَ لا يَحْصُلُ لَهُ رِضْوانُ اللَّهِ، فَأخْبَرَ بِذَلِكَ بِناءً عَلى ظَنِّهِ. وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ، فابْتِغاءُ الفَضْلِ مِنهُما، وابْتِغاءُ الرِّضْوانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ قَتادَةُ: هو أنْ يُصْلِحَ مَعايِشَهم في الدُّنْيا، ولا يُعَجِّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: الفَضْلُ والرِّضْوانُ في الآيَةِ في مَعْنًى واحِدٍ، وهو رِضا اللَّهِ تَعالى وفَضْلُهُ …

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] الجَوارِحُ: الكَواسِبُ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ، كالكَلْبِ والفَهِدِ والنَّمِرِ والعُقابِ والصَّقْرِ والبازِ والشّاهِينِ؛ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَجْرَحُ ما تَصِيدُ غالِبًا، أوْ لِأنَّها تَكْتَسِبُ، يُقالُ: امْرَأةٌ لا جارِحَ لَها؛ أيْ: لا كاسِبَ. ومِنهُ: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ: ما كَسَبْتُمْ. ويُقالُ: جَرَحَ واجْتَرَحَ بِمَعْنى اكْتَسَبَ. المُكَلِّبُ، بِالتَّشْدِيدِ: مُعَلِّمُ الكِلابِ ومُضَرِّيها عَلى الصَّيْدِ، وبِالتَّخْفِيفِ صاحِبُ كِلابٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: رَجُلٌ مُكَلِّبٌ ومُكَلَّبٌ وكَلّابٌ: صاحِبُ كِلابٍ. الغُسْلُ في اللُّغَةِ: إيصالُ الماءِ إلى المَغْسُولِ مَعَ إمْرارِ شَيْءٍ عَلَيْهِ كاليَدِ ونَحْوِها قالَهُ بَعْضُهم، وقالَ آخَرُونَ: هو إمْرارُ الماءِ عَلى المَوْضِعِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ:

؎فَيَـا حُسْنَهَـا إذْ يَغْسِـلُ الـدَّمْعُ كُحْلَهَـا

. المِرْفَقُ: المِفْصَلُ بَيْنَ المِعْصَمِ والعَضُدِ، وفَتْحُ المِيمِ وكَسْرُ الفاءِ أشْهَرُ. الرِّجْلُ: مَعْرُوفَةٌ، وجُمِعَتْ عَلى أفْعُلٍ في القِلَّةِ والكَثْرَةِ. والكَعْبُ: هو العَظْمُ النّاتِئُ في وجْهِ القَدَمِ حَيْثُ يَجْتَمِعُ شِراكُ النَّعْلِ. الحَرَجُ: الضِّيقُ، والحَرَجُ النّاقَةُ الضّامِرُ، والحَرَجُ النَّعْشُ.

﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ سَبَبُ نُزُولِها فِيما قالَ عِكْرِمَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: سُؤالُ عاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ وسَعِيدِ بْنِ خَيْثَمَةَ وعُوَيْمِرِ بْنِ ساعِدَةَ: ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الكِلابِ وكانَ إذْ ذاكَ أمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِها فَقُتِلَتْ حَتّى بَلَغَتِ العَواصِمَ لِقَوْلِ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ» وفي صَحِيحِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمِ بِسَنَدِهِ إلى أبِي رافِعٍ. قالَ: ”«أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، بِقَتْلِ الكِلابِ“، فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما أُحِلَّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾، الآياتِ» . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ في عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ وزَيْدِ الخَيْلِ قالا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَصِيدُ بِالكِلابِ والبُزاةِ، وإنَّ كِلابَ آلِ دِرْعٍ وآلَ أبِي حُورِيَّةَ لَتَأْخُذُ البَقَرَ …

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ فائِدَةُ إعادَةِ ذِكْرِ إحْلالِ الطَّيِّباتِ التَّنْبِيهُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا، ومِنها إحْلالُ الطَّيِّباتِ كَما نَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] عَلى إتْمامِ النِّعْمَةِ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ. ومَن زَعَمَ أنَّ اليَوْمَ واحِدٌ قالَ: كَرَّرَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ تَأْكِيدًا، والظّاهِرُ أنَّها أوْقاتٌ مُخْتَلِفَةٌ. وقَدْ قِيلَ في الثَّلاثَةِ: إنَّها أوْقاتٌ أُرِيدَ بِها مُجَرَّدُ الوَقْتِ، لا وقْتٌ مُعَيَّنٌ. والظّاهِرُ أنَّ الطَّيِّباتِ هُنا هي الطَّيِّباتُ المَذْكُورَةُ قَبْلُ.

﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ طَعامُهم هُنا هي الذَّبائِحُ، كَذا قالَ مُعْظَمُ أهْلِ التَّفْسِيرِ. قالُوا: لِأنَّ ما كانَ مِن نَوْعِ البُرِّ والخُبْزِ والفاكِهَةِ وما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى ذَكاةٍ لا يُخْتَلَفُ في حِلِّها بِاخْتِلافِ حالِ أحَدٍ، لِأنَّها لا تُحَرَّمُ بِوَجْهٍ سَواءٌ كانَ المُباشِرُ لَها كِتابِيًّا، أوْ مَجُوسِيًّا، أمْ غَيْرَ ذَلِكَ. وأنَّها لا يَبْقى لِتَخْصِيصِها بِأهْلِ الكِتابِ فائِدَةٌ، ولِأنَّ ما قَبْلَ هَذا في بَيانِ الصَّيْدِ والذَّبائِحِ فَحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الذَّبائِحِ أوْلى. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: وطَعامُ، جَمِيعُ مَطاعِمِهِمْ. ويُعْزى إلى قَوْمٍ ومِنهم بَعْضُ أئِمَّةِ الزَّيْدِيَّةِ، حَمْلُ الطَّعامِ هُنا عَلى ما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الذَّكاةِ كالخُبْزِ والفاكِهَةِ، وبِهِ قالَتِ الإمامِيَّةُ. قالَ الشَّرِيفُ المُرْتَضى: نِكاحُ الكِتابِيَّةِ حَرامٌ، وذَبائِحُهم وطَعامُهم وطَعامُ مَن يُقْطَعُ بِكُفْرِهِ، وإذا حَمَلْنا الطَّعامَ عَلى ما قالَهُ الجُمْهُورُ مِنَ الذَّبائِحِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيما هو حَرامٌ عَلَيْهِمْ، أيَحِلُّ لَنا أمْ يَحْرُمُ ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ تَذْكِيَةَ الذِّمِّيِّ مُؤَثِّرَةٌ في كُلِّ الذَّبِيحَةِ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنها وما حَلَّ، فَيَجُوزُ لَنا أكْلُهُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ لا تَعْمَلُ الذَّكاةُ فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ، فَلا يَحِلُّ لَنا أكْلُهُ كالشُّحُومِ المَحْضَةِ، وهَذا هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾، وهَذا المُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ لَيْسَ مِن طَعامِهِمْ. وهَذا الخِلافُ مَوْجُودٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ.

والظّاهِرُ حِلُّ طَعامِهِمْ سَواءٌ سَمَّوْا عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ، أمِ اسْمَ غَيْرِهِ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، والقاسِمُ بْنُ بَحْصَرَةَ، والشَّعْبِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومَكْحُولٌ، واللَّيْثُ، وذَهَبَ إلى أنَّ الكِتابِيَّ إذا لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلى الذَّبِيحَةِ وذَكَرَ غَيْرَ اللَّهِ لَمْ تُؤْكَلْ وبِهِ قالَ أبُو الدَّرْداءِ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ. وبِهِ قالَ: أبُو حَنِيفَةَ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ، وزُفَرُ، ومالِكٌ. وكَرِهَ النَّخَعِيُّ والثَّوْرِيُّ أكْلَ ما ذُبِحَ وأُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ”﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾“ أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِبَنِي إسْرائِيلَ والنَّصارى الَّذِينَ نَزَلَ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، دُونَ مَن دَخَلَ في دِينِهِمْ مِنَ العَرَبِ أوِ العَجَمِ، فَلا تَحِلُّ ذَبائِحُهم لَنا، كَنَصارى بَنِي تَغْلِبَ وغَيْرِهِمْ. وقَدْ نَهى عَنْ ذَبائِحِهِمْ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ: لَمْ يَتَمَسَّكُوا مِنَ النَّصْرانِيَّةِ إلّا بِشُرْبِ الخَمْرِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ، ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، وعَطاءٌ، وابْنُ شِهابٍ، والحَكَمُ، وقَتادَةُ، وحَمّادٌ، ومالِكٌ، …

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها حِينَ فَقَدَتِ العِقْدَ بِسَبَبِ فَقْدِ الماءِ ومَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ، وكانَ الوُضُوءُ مُتَعَذِّرًا عِنْدَهم، وإنَّما جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِطْرادِ مِنهُ إلى التَّيَمُّمِ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ المُرَيْسِيعِ وهي غَزْوَةُ بَنِي المُصْطَلَقِ، وفِيها كانَ هُبُوبُ الرِّيحِ، وقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولٍ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨]، وحَدِيثُ الإفْكِ. وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ الفَغْوِ وهو مِنَ الصَّحابَةِ: إنَّها نَزَلَتْ رُخْصَةً لِلرَّسُولِ لِأنَّهُ كانَ لا يَعْمَلُ عَمَلًا إلّا عَلى وُضُوءٍ، ولا يُكَلِّمُ أحَدًا ولا يَرُدُّ سَلامًا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ الوُضُوءَ إنَّما هو عِنْدَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ فَقَطْ دُونَ سائِرِ الأعْمالِ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا افْتَتَحَ بِالأمْرِ بِإيفاءِ العُهُودِ، وذَكَرَ تَحْلِيلًا وتَحْرِيمًا في المَطْعَمِ والمَنكَحِ واسْتَقْصى ذَلِكَ، وكانَ المَطْعَمُ آكَدَ مِنَ المَنكَحِ وقَدَّمَهُ عَلَيْهِ، وكانَ النَّوْعانِ مِن لَذّاتِ الدُّنْيا الجِسْمِيَّةِ ومُهِمّاتِها لِلْإنْسانِ وهي مُعامَلاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ بَيْنَ النّاسِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، اسْتَطْرَدَ مِنها إلى المُعامَلاتِ الأُخْرَوِيَّةِ الَّتِي هي بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى، ولَمّا كانَ أفْضَلَ الطّاعاتِ بَعْدَ الإيمانِ الصَّلاةُ، والصَّلاةُ لا تُمْكِنُ إلّا بِالطَّهارَةِ، بَدَأ بِالطَّهارَةِ وشَرائِطِ الوُضُوءِ، وذَكَرَ البَدَلَ عَنْهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الماءِ. ولَمّا كانَتْ مُحاوَلَةُ الصَّلاةِ في الأغْلَبِ إنَّما هي بِقِيامٍ، جاءَتِ العِبارَةُ: إذا قُمْتُمْ؛ أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى فِعْلِ الصَّلاةِ. وعَبَّرَ عَنْ إرادَةِ القِيامِ بِالقِيامِ، إذِ القِيامُ مُتَسَبِّبٌ عَنِ الإرادَةِ، كَما عَبَّرُوا عَنِ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ بِالفِعْلِ في قَوْلِهِمْ: الأعْمى لا يُبْصِرُ؛ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى الإبْصارِ، وقَوْلُهُ: ﴿نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] أيْ: قادِرِينَ عَلى الإعادَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] أيْ: إذا أرَدْتَ قِراءَةَ القُرْآنِ لَمّا كانَ الفِعْلُ مُتَسَبِّبًا عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ أُقِيمَ المُسَبَّبُ مَقامَ السَّبَبِ.

وقِيلَ مَعْنى ﴿قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾: قَصَدْتُمُوها، لِأنَّ مَن تَوَجَّهَ إلى شَيْءٍ وقامَ إلَيْهِ كانَ قاصِدًا لَهُ، فَعَبَّرَ عَنِ القَصْدِ لَهُ بِالقِيامِ إلَيْهِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الوُضُوءَ واجِبٌ عَلى كُلِّ مَن قامَ إلى الصَّلاةِ مُتَطَهِّرًا كانَ أوْ مُحْدِثًا. وقالَ بِهِ جَماعَةٌ مِنهم داوُدُ. ورُوِيَ فِعْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ. وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الخُلَفاءُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ: إلى أنَّهُ لا بُدَّ في الآيَةِ مِن مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ: إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ مُحْدِثِينَ، لِأنَّهُ لا يَجِبُ الوُضُوءُ إلّا عَلى المُحْدِثِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ مُقابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ وكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ الحَدَثَ الأصْغَرَ فاغْسِلُوا هَذِهِ الأعْضاءَ، وامْسَحُوا هَذَيْنِ العُضْوَيْنِ، وإنْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ الحَدَثَ الأكْبَرَ فاغْسِلُوا جَمِيعَ الجَسَدِ. وقالَ قَوْمٌ، مِنهُمُ السُّدِّيُّ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إذا قُمْتُمْ مِنَ المَضاجِعِ يَعْنُونَ النَّوْمَ. …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والنِّعْمَةُ هُنا الإسْلامُ، وما صارُوا إلَيْهِ مِنِ اجْتِماعِ الكَلِمَةِ والعِزَّةِ. والمِيثاقُ: هو ما أخَذَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِمْ في بَيْعَةِ العَقَبَةِ وبَيْعَةِ الرِّضْوانِ وكُلِّ مَوْطِنٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وجَماعَةٌ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو ما أُخِذَ عَلى النَّسَمِ حِينَ اسْتُخْرِجُوا مِن ظَهْرِ آدَمَ. وقِيلَ: هو المِيثاقُ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ حِينَ بايَعَهم عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في حالِ اليُسْرِ والعُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرَهِ. وقِيلَ: المِيثاقُ هو الدَّلائِلُ الَّتِي نَصَبَها لِأعْيُنِهِمْ ورَكَّبَها في عُقُولِهِمْ، والمُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرَها في أيّامِهِمْ حَتّى سَمِعُوا وأطاعُوا. وقِيلَ: المِيثاقُ إقْرارُ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِما ائْتُمِرَ بِهِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ قالُوا: آمَنّا بِالتَّوْراةِ وبِكُلِّ ما فِيها، ومِن جُمْلَتِهِ البِشارَةُ بِالرَّسُولِ، ﷺ، فَلَزِمَهُمُ الإقْرارُ بِهِ. ولا يَتَأتّى هَذا القَوْلُ إلّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْيَهُودِ، وفِيهِ بُعْدٌ. والقَوْلانِ بَعْدَهُ يَكُونُ المِيثاقُ فِيهِما مَجازٌ، والأجْوَدُ حَمْلُهُ عَلى مِيثاقِ البَيْعَةِ، إذْ هو حَقِيقَةٌ فِيهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ .

﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: واتَّقُوا اللَّهَ ولا تَتَناسَوْا نِعْمَتَهُ، ولا تَنْقُضُوا مِيثاقَهُ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ شِبْهِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في النِّساءِ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الأُولى في النِّساءِ، إلّا أنَّ هُناكَ بُدِئَ بِالقِسْطِ، وهُنا أُخِّرَ. وهَذا مِنَ التَّوَسُّعِ في الكَلامِ والتَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ. ويَلْزَمُ مَن كانَ قائِمًا لِلَّهِ أنْ يَكُونَ شاهِدًا بِالقِسْطِ، ومَن كانَ قائِمًا بِالقِسْطِ أنْ يَكُونَ قائِمًا لِلَّهِ، إلّا أنَّ الَّتِي في النِّساءِ جاءَتْ في مَعْرِضِ الِاعْتِرافِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَبُدِئَ فِيها بِالقِسْطِ الَّذِي هو العَدْلُ والسَّواءِ مِن غَيْرِ مُحاباةِ نَفْسٍ ولا والِدٍ ولا قَرابَةٍ، وهُنا جاءَتْ في مَعْرِضِ تَرْكِ العَداواتِ والإحَنِ، فَبُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ تَعالى أوَّلًا لِأنَّهُ أرْدَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أرْدَفَ بِالشَّهادَةِ بِالعَدْلِ، فالَّتِي في مَعْرِضِ المَحَبَّةِ والمُحاباةِ بُدِئَ فِيهِ بِما هو آكَدُ وهو القِسْطُ، وفي مَعْرِضِ العَداوَةِ والشَّنَآنِ بُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ، فَناسَبَ كُلَّ مَعْرِضٍ بِما جِيءَ بِهِ إلَيْهِ. وأيْضًا فَتَقَدَّمَ هُناكَ حَدِيثُ النُّشُوزِ والإعْراضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا﴾ [النساء: ١٢٨] فَناسَبَ ذِكْرَ تَقْدِيمِ القِسْطِ، وهُنا تَأخَّرَ ذِكْرُ العَداوَةِ فَناسَبَ أنْ يُجاوِرَها ذِكْرُ القِسْطِ، وتَعْدِيَةُ يَجْرِمَنَّكم بِـ (عَلى) إلّا أنْ يُضَمَّنَ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِها، وهو خِلافُ الأصْلِ.

﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيْ: العَدْلُ، نَهاهم أوَّلًا أنْ تَحْمِلَهُمُ الضَّغائِنُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا تَأْكِيدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَذَكَرَ لَهم وجْهَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾، أيْ: أدْخَلُ في مُناسَبَتِها، أوْ أقْرَبُ لِكَوْنِهِ لُطْفًا فِيها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى مُراعاةِ حَقِّ المُؤْمِنِينَ في العَدْلِ، إذْ كانَ تَعالى قَدْ أمَرَ بِالعَدْلِ مَعَ الكافِرِينَ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا كانَ الشَّنَآنُ مَحَلُّهُ القَلْبُ وهو الحامِلُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ أمَرَ بِالتَّقْوى، وأتى بِصِفَةِ (خَبِيرٌ) ومَعْناها: عَلِيمٌ، ولَكِنَّها تَخْتَصُّ بِما لَطُفَ إدْراكُهُ، فَناسَبَ هَذِهِ الصِّفَةَ أنْ يُنَبَّهَ بِها عَلى الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ.

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أوامِرَ ونَواهِيَ، ذَكَرَ وعْدَ مَنِ اتَّبَعَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ نَواهِيَهُ؛ و(وعَدَ) تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ والثّانِي مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: الجَنَّةَ؛ وقَدْ صَرَّحَ بِها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ لَهم مَغْفِرَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ تَفْسِيرَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ لِأنَّ الجَنَّةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الغُفْرانِ وحُصُولِ الأجْرِ، وإذا كانَتِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والكَلامُ قَبْلَها تامٌّ؛ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ”﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾“ بَيانًا لِلْوَعْدِ؛ قالَ: كَأنَّهُ قالَ قَدَّمَ لَهم وعْدًا فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ وعْدُهُ، فَقالَ: لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ؛ أوْ يَكُونُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ وعَدَهم وقالَ: لَهم مَغْفِرَةٌ؛ أوْ عَلى إجْراءِ (وعَدَ) مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ أوْ يَجْعَلُ (وعَدَ) واقِعًا عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي مَغْفِرَةٌ كَما وقَعَ (تَرَكْنا) عَلى …

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أنْ لا تَعْدِلُوا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الأُولى في النِّساءِ، إلّا أنَّ هُناكَ بُدِئَ بِالقِسْطِ، وهُنا أُخِّرَ. وهَذا مِنَ التَّوَسُّعِ في الكَلامِ والتَّفَنُّنِ في الفَصاحَةِ. ويَلْزَمُ مَن كانَ قائِمًا لِلَّهِ أنْ يَكُونَ شاهِدًا بِالقِسْطِ، ومَن كانَ قائِمًا بِالقِسْطِ أنْ يَكُونَ قائِمًا لِلَّهِ، إلّا أنَّ الَّتِي في النِّساءِ جاءَتْ في مَعْرِضِ الِاعْتِرافِ عَلى نَفْسِهِ وعَلى الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَبُدِئَ فِيها بِالقِسْطِ الَّذِي هو العَدْلُ والسَّواءِ مِن غَيْرِ مُحاباةِ نَفْسٍ ولا والِدٍ ولا قَرابَةٍ، وهُنا جاءَتْ في مَعْرِضِ تَرْكِ العَداواتِ والإحَنِ، فَبُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ تَعالى أوَّلًا لِأنَّهُ أرْدَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أرْدَفَ بِالشَّهادَةِ بِالعَدْلِ، فالَّتِي في مَعْرِضِ المَحَبَّةِ والمُحاباةِ بُدِئَ فِيهِ بِما هو آكَدُ وهو القِسْطُ، وفي مَعْرِضِ العَداوَةِ والشَّنَآنِ بُدِئَ فِيها بِالقِيامِ لِلَّهِ، فَناسَبَ كُلَّ مَعْرِضٍ بِما جِيءَ بِهِ إلَيْهِ. وأيْضًا فَتَقَدَّمَ هُناكَ حَدِيثُ النُّشُوزِ والإعْراضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا﴾ [النساء: ١٢٨] فَناسَبَ ذِكْرَ تَقْدِيمِ القِسْطِ، وهُنا تَأخَّرَ ذِكْرُ العَداوَةِ فَناسَبَ أنْ يُجاوِرَها ذِكْرُ القِسْطِ، وتَعْدِيَةُ يَجْرِمَنَّكم بِـ (عَلى) إلّا أنْ يُضَمَّنَ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِها، وهو خِلافُ الأصْلِ.

﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيْ: العَدْلُ، نَهاهم أوَّلًا أنْ تَحْمِلَهُمُ الضَّغائِنُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ ثُمَّ أمَرَهم ثانِيًا تَأْكِيدًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَذَكَرَ لَهم وجْهَ الأمْرِ بِالعَدْلِ وهو قَوْلُهُ: ﴿هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾، أيْ: أدْخَلُ في مُناسَبَتِها، أوْ أقْرَبُ لِكَوْنِهِ لُطْفًا فِيها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى مُراعاةِ حَقِّ المُؤْمِنِينَ في العَدْلِ، إذْ كانَ تَعالى قَدْ أمَرَ بِالعَدْلِ مَعَ الكافِرِينَ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لَمّا كانَ الشَّنَآنُ مَحَلُّهُ القَلْبُ وهو الحامِلُ عَلى تَرْكِ العَدْلِ أمَرَ بِالتَّقْوى، وأتى بِصِفَةِ (خَبِيرٌ) ومَعْناها: عَلِيمٌ، ولَكِنَّها تَخْتَصُّ بِما لَطُفَ إدْراكُهُ، فَناسَبَ هَذِهِ الصِّفَةَ أنْ يُنَبَّهَ بِها عَلى الصِّفَةِ القَلْبِيَّةِ.

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أوامِرَ ونَواهِيَ، ذَكَرَ وعْدَ مَنِ اتَّبَعَ أوامِرَهُ واجْتَنَبَ نَواهِيَهُ؛ و(وعَدَ) تَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ والثّانِي مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: الجَنَّةَ؛ وقَدْ صَرَّحَ بِها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ لَهم مَغْفِرَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ المَحْذُوفِ تَفْسِيرَ السَّبَبِ لِلْمُسَبَّبِ لِأنَّ الجَنَّةَ مُتَرَتِّبَةٌ عَلى الغُفْرانِ وحُصُولِ الأجْرِ، وإذا كانَتِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والكَلامُ قَبْلَها تامٌّ؛ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ ”﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾“ بَيانًا لِلْوَعْدِ؛ قالَ: كَأنَّهُ قالَ قَدَّمَ لَهم وعْدًا فَقِيلَ: أيُّ شَيْءٍ وعْدُهُ، فَقالَ: لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ؛ أوْ يَكُونُ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ وعَدَهم وقالَ: لَهم مَغْفِرَةٌ؛ أوْ عَلى إجْراءِ (وعَدَ) مَجْرى (قالَ) لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ أوْ يَجْعَلُ (وعَدَ) واقِعًا عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي هي مَغْفِرَةٌ كَما وقَعَ (تَرَكْنا) عَلى …

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِـآيَـاتِنا أُولَـئِكَ أصْحَـابُ الجَحِيمِ﴾ لَمّا ذَكَرَ ما لِمَن آمَنَ، ذَكَرَ ما لِمَن كَفَرَ. وفي المُؤْمِنِينَ جاءَتِ الجُمْلَةُ فِعْلِيَّةً مُتَضَمِّنَةً الوَعْدَ بِالماضِي الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى الوُقُوعِ، فَأنْفُسُهم مُتَشَوِّقَةٌ لِما وُعِدُوا بِهِ، مُتَشَوِّقَةٌ إلَيْهِ مُبْتَهِجَةٌ طُولَ الحَياةِ بِهَذا الوَعْدِ الصّادِقِ. وفي الكافِرِينَ جاءَتِ الجُمْلَةُ اسْمِيَّةً دالَّةً عَلى ثُبُوتِ هَذا الحُكْمِ لَهم، وأنَّهم أصْحابُ النّارِ، فَهم دائِمُونَ في عَذابٍ، إذْ حَتَّمَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ، ولَمْ يَأْتِ بِصُورَةِ الوَعِيدِ، فَكانَ يَكُونُ الرَّجاءُ لَهم في ذَلِكَ.

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.