Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠]، هذه الآية جمعت بين خبر وطلب، الخبر قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والطلب قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، في هذه الآية يبدأ الله تعالى الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تكرر هذا الخطاب، وبيَّنَّا أن بدء الكلام بالخطاب يدل على أهميته والعناية به، ثم بدؤه بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن العمل به تصديقًا أو امتثالًا من مقتضيات الإيمان، كذلك أيضًا يدل على أن مخالفته أو الشك فيه أو تكذيبه منافٍ للإيمان؛ إما لأصله أو لكماله، وثالثًا: أن في هذا إغراءً للمخاطب، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فاستمع وامتثل.

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطلق الله عز وجل الإيمان ولم يذكر ما يؤمن به؛ لأن ذلك معلوم، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه -أي عن الإيمان- فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب..

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا هو الأصل، وقد يراد به تحقيق الحكم في المذكور، ولا يلزم أن ينفى عما سواه؛ كما سيتبين إن شاء الله في التفسير.

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الخمر قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: إنه المسكر، المسكر هذا هو الخمر، كل ما أسكر فهو خمر، ولا نقول: كل ما أذهب العقل فهو خمر، أو كل ما أذهب الإحساس فهو خمر، بل نقول: الخمر ما غطى العقل على وجه اللذة والطرب؛ لأن الذين يشربون الخمر يجدون راحة ونشوة وطربًا، وعلى هذا فالبنج ليس بخمر؛ لأنه وإن كان يفقد الإحساس لكنه لا يجد الإنسان فيه النشوة والطرب، ومع ذلك لا يستعمل البنج إلا للحاجة والضرورة.

الميسر هو: أخذ المال على وجه المغالبة، وسُمي ميسرًا لتيسر الحصول عليه، مثاله: المراهنة والقمار، مثل أن يقول: سنعمل عملًا سويًّا ونجعل العوض مثلًا عشرة آلاف ريال، فمن غلب أخذ العشرة، ومن غُلب أُخذت منه العشرة. إذن المسألة الآن غرر وجهالة، فيسمى هذا ميسرًا؛ لما فيه من المغامرة والغرر والمخاطرة، وقد كان هذا معروفًا عند العرب وكذلك في أول الإسلام، ولكنه -والحمد لله- حرم.

﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ الأنصاب هي: ما ينصب ليعبد من دون الله، ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ هي ما يُستقسم به، أي يطلب به الإنسان ما قُسم له، وكانوا يستعملون هذا في الجاهلية، يضعون أقداحًا فيها: افعل، ولا تفعل، والقدح الثالث ليس فيه شيء، ثم يخلطونها جميعًا ويقول القائل: خذ منها بدون أن تعلم، تجعل في كيس أو نحوه، ثم يقال: أدخل يدك وأخرج قدحًا، إن خرج (افعل) فعل، وإن خرج (لا تفعل) لم يفعل، إن خرج المهمل أعاد مرة أخرى. هذا العمل كانوا يستعملونه في الجاهلية، وهو مبني على أوهام لا حقيقة له، ولذلك حرمه الله عز وجل.

وقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الرجس: النجس، لكن يكون الرجس نجسًا حسيًّا ويكون معنويًّا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣ ] المراد من الرجس هنا حسي ولَّا معنوي؟ هذا معنوي، وقد يكون حسيًّا، أي نجس نجاسة حسية؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ …

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة ٩٢]، أطيعوا: فعل أمر من الإطاعة، وهي الانقياد، والمراد بالانقياد هنا فعل الأوامر واجتناب النواهي، وعليه فإذا قال الإنسان: ما المراد بطاعة الله؟ نقول: فعل أوامره واجتناب نواهيه.

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الخطاب لا شك أنه لهذه الأمة، وعلى هذا فتكون (أل) في الرسول للعهد، أي العهود؟ الذهني، يعني أطيعوا الرسول محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أرسله الله عز وجل.

فإن قال قائل: ما هو الدليل على أن الله أرسله؟

نقول: الدليل على أن الله أرسله: ما أيده به من المعجزات التي أعظمها القرآن الكريم، ثم ما يشاهد من الآيات الحسية التي لا يقدر بشر أن يأتي بها، لا الرسول ولا غيره، آيات واضحة على رسالته، وهي أكثر من أن تحصَى.

ومن أراد المزيد من ذلك فعليه بمراجعة آخر كتاب الجواب الصحيح لشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقد عقد فصلًا مفيدًا جدًّا في آيات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومن أراد المزيد أيضًا فعليه بما ذكره الحافظ ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية في آخر سيرة النبي ﷺ، فقد ذكر كثيرًا من الآيات في السماء وفي الأرض، في الإنسان وفي الحيوان، ولا حاجة إلى أن نذكر شيئًا كثيرًا منها، لكنها موجودة والحمد لله.

وينبغي لنا أن نحرص على معرفة هذه الآيات؛ لأن الإنسان بشر، والشيطان حريص، قد يهاجم القلب ويضعف الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، لكن إذا راجع الآيات ازداد بذلك إيمانًا، فعليكم بها.

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ احذروا: أي من معصية الله ورسوله، يعني احذروا المعصية، معصية الله ورسوله، ولم يأمرنا الله تعالى بشيء إلا لمصلحتنا، ولم ينه عن شيء إلا لمضرتنا.

﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أي أعرضتم عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله؛ فإنكم لن تضروا الله ولا رسول الله، لن تضروا الله ولن تضروا رسول الله، أما كون الإنسان لا يضر الله بمعصيته فأمر ظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] وقال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر ٧] وقال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر. .

كذلك المتولِّي لا يضر النبي ﷺ، لماذا؟ لأن النبي ﷺ قد بلغ وأدى الأمانة، ولا يُلام على معصية غيره، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات ٥٤]، فهم لن يضروا الرسول ﷺ بمعصية الله؛ لأنه بلغ وأدى الأمانة ونصح الأمة، ولهذا قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، (اعلموا) أمر بالعلم، ومعلوم أننا يجب أن نعلم كل ما أخبر الله به عن نفسه وعن غيره، لكن هذا علم خاص ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، وهنا نسأل عن إعراب ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، كيف نعرب ﴿أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؟

* طالب: (أنما) أداة حصر لا محل لها من الإعراب، (على رسولنا) جار ومجرور، (رسول) مجرور بـ (على)، و(نا) مضاف إليه، وشبه الجملة في محل رفع مبتدأ.

* الشيخ: ساعد أخاك.

* طالب آخر: (...) خبر مبتدأ مقدم، و(البلاغ) مبتدأ مؤخر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و(المبين) صفة.

* الشيخ: صفة.

* الطالب: صفة للبلاغ.

* طالب: والجملة المتكونة من حرف الحصر وما بعده في محل نصب سدت مسد مفعولي اعلموا.

* الشيخ: هل يمكن أن يكون هناك وجه آخر في الإعراب وأن نقول: أن الذي على رسولنا البلاغ المبين؟ انظر للكتابة: الكتابة (أن) مقرونة بـ(ما) هذا …

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ [المائدة ٩٣] (ليس) أداة نفي، وهي فعل ماض جامد، والجامد عند النحويين هو الذي لا يتصرف، والجمود قد يكون جمودًا كليًّا، وقد يكون جمودًا جزئيًّا بحيث يمتنع التصريف فيه من وجه دون آخر، وهنا الجمود كلي، لا يمكن أن تتغير (ليس) وهي للنفي.

﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: آمنوا بقلوبهم، وعملوا الصالحات بأبدانهم، وهذا شامل للدين كله؛ لأن الدين كله إيمان وعمل.

وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي عملوا الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات لا يمكن أن تكون بهذا الوصف إلا إذا كانت موافقة للشريعة؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:« «مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»متفق عليه؛ البخاري (٢١٦٨)، ومسلم (١٥٠٤ / ٨) من حديث عائشة. يعني فاسدًا، فالأعمال الصالحة ما وافقت الشريعة، ولا يمكن أن توافق الشريعة إلا إذا وافقت الشريعة في أمور ستة؛ وهي: السبب، والجنس، والقدر، والكيفية، والزمان، والمكان.

يعني لا يمكن أن تكون العبادة شرعية صالحة إلا إذا وافقت الشريعة في هذه الأمور الستة، الأول: السبب، والثاني: الجنس، والثالث: القدر، والرابع: الكيفية، والخامس: الزمان، والسادس: المكان. فإذا خالفت الشريعة في واحد من هذه الستة فليست شرعية ولا مقبولة، هذه شروط الموافقة للشريعة:

أولا: السبب، فلو أحدث الإنسان سببًا يتعبد لله تعالى بمقتضاه وليس شرعيًّا فعمله مردود، ونضرب لهذا مثلًا: لو أن الإنسان إذا تجشأ قال: الحمد لله، والجشاء معروف عندكم ولّا غير معروف؟ معروف، هنا أحدث عبادة لله عز وجل؛ وهي الحمد لسبب؛ وهو الجشاء، فهل جاء في الشريعة أن الجشاء سبب للحمد؟ لا. إذن لا يقبل منه؛ لأنه تعبد لله بما لم يشرعه.

الثاني قلنا: الجنس، من المعلوم أن الأضاحيّ تكون من بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، فلو ضحى الإنسان بفرس لم يقبل منه، لأيش؟ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، لو ضحى بنعامة لم يقبل منه، لو ضحى بحمامة لم يقبل منه؛ لأنه مخالف للشريعة في الجنس، وإن كان الشرع قد أوجب في الحمامة إذا قتلها المحرم شاة، لكن لم يأتِ الشرع بأن يضحي الإنسان بحمامة، وبه نعرف خطأ من قال: إنه تجوز التضحية بالدجاج والديكة؛ لأن النبي ﷺ قال في الرجل يغتسل في بيته ويخرج إلى المسجد يوم الجمعة في الساعة الرابعة: «فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً»متفق عليه؛ البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠ / ١٠) من حديث أبي هريرة.، قالوا: هذا يدل على أن الدجاجة يصح التقرب بها. وجوابنا على هذا أن معناه: تقرب إلى الله بالصدقة بها، لا بذبحها، ولا شك أن الإنسان لو ذبح دجاجة وتصدق بها على الفقراء أنه يجزئه، إذن لا بد من موافقة العمل للشريعة في الجنس.

الثالث: القدر، لو تعبد الإنسان لله عز وجل بصلاة سادسة جعلها عند ارتفاع الشمس قِيد رمح، وقال: إنه يتقرب إلى الله تعالى بهذه الصلاة لارتفاع الشمس قيد رمح، لا لأنها صلاة ضحى، فهذه عبادة لا تُقبَل، يعني أراد أن يجعلها أيش؟ أراد أن يجعلها صلاة سادسة مع الخمس، فإنها لا تقبل؛ لأنه زاد صلاة لم ينزل الله بها من سلطان، ولو أنه صلى الظهر خمس ركعات لم تقبل؛ لمخالفة الشريعة في القدر.

الرابع: الكيفية، لو تعبد لله تعالى بالوضوء، توضأ وضوءًا كاملًا مشتملًا على الأعضاء كلها، لكنه بدأ بالرجلين ثم الرأس ثم اليدين ثم الوجه، لم تقبل العبادة؛ لأنها مخالفة للشريعة في كيفيتها، وكذلك لو سجد قبل أن يركع لم تقبل الصلاة؛ لأنها مخالفة للشريعة في الكيفية.

الخامس: الزمان، لو أن الإنسان ضحى في عيد الفطر وقال: عيد كعيد، فالقياس أن يُضحَّى في عيد الفطر كما يُضحَّى في عيد الأضحى، لم تُقبَل، لماذا؟ لمخالفة الشريعة في الوقت أو في الزمان.

المكان، لو …

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة ٩٤] أثر عن ابن مسعود رضي الله عنه في مثل هذا التعبير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أثر عنه كلمة ابن مسعود؟

* طالب: قال: إذا سمعت الله يقول ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك، فإما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه.

* الشيخ: قال رضي الله عنه:« إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك -استمع، انتبه- فإما خير تُؤمَر به وإما شر تُنهَى عنه»أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠)..

لننظر الآن ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إلخ [المائدة: ٩٤] الجملة هنا خبرية، ومؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي؟

* طالب: اللام، ونون التوكيد.

* الشيخ: ونون التوكيد ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾.

* الطالب: والقسم.

* الشيخ: والقسم المقدر؛ لأن اللام موطئة للقسم.

ومعنى يبلونكم: يختبرنكم، وبماذا يكون الاختبار؟ قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.

﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الذي تصطادونه وهو محرم عليكم في حال..

قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ أُثِرَ عن ابن مسعود رضي الله عنه في مثل هذا التعبير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أُثِرَ عنه كلمة؛ قال رضي الله عنه:« إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعها سمعك -استمع، انتبه- فإما خير تُؤْمَر به وإما شر تُنْهَى عنه»أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠). .

لننظر الآن ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ إلى آخره، الجملة هنا خبرية ومؤكدة بمؤكدات ثلاثة، وهي؟

* طالب: اللام.

* الشيخ: نعم، اللام.

* الطالب: ونون التوكيد.

* الشيخ: ونون التوكيد ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾.

* الطالب: والقسم.

* الشيخ: القسم المقدَّر؛ لأن اللام موطئة للقسم، ومعنى (يَبْلُوَنَّكُم): يختبرَنَّكم، وبماذا يكون الاختبار؟

قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.

﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الذي تصطادونه وهو مُحَرَّم عليكم في حال الإحرام.

﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي: تصيدونه باليد وتصيدونه بالرماح، وهذا على اختلاف حال الصيد، فما كان زاحفًا صاروا ينالونه بأيديهم، وما كان طائرًا كانوا ينالونه برماحهم؛ لأن الطائر أعلى والطيران أسرع من الزحف، لكن مع ذلك يكون الطير نازلًا وهادئًا في طيرانه؛ لأن الذي يُمْسِكه عز وجل في جَوِّ السماء مَنْ هو؟ الله عز وجل، فهو قادر عز وجل على أن يُهْبِطه إلى قرب الأرض وأن يجعل طيرانه هادئًا.

وقلنا: إن الابتلاء هو الاختبار، لأي شيء؟ قال: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾.

﴿لِيَعْلَمَ﴾ اللام هنا للتعليل، و(يعلم) أي: يُدْرِك عز وجل مَنْ يَخَافُه بالغيب، أي: من يخاف الله.

﴿بِالْغَيْبِ﴾ لها معنيان؛ المعنى الأول: يخافه وهو سبحانه وتعالى غائب عن نظره كقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة..

﴿بِالْغَيْبِ﴾ أيضًا المعنى الثاني: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي حال غيابه عن الناس، مثل أن يكون في ليل أو في ظل شجرة أو من وراء أكَمَة أو في مجرى صيد أو نحو ذلك.

إذن ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ لها معنيان؛ الأول: أنه يخاف ربه مع غيبته تبارك وتعالى عنه؛ إذ إنه لم ير ربه لكنه عرفه بآياته.

والمعنى الثاني: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي بغيبه عن الناس؛ لأن من الناس من يُظْهِر مخافةَ الله ظاهرًا ولكنه باطنًا لا يخاف الله عز وجل، والذي يُمْدَح من يخاف اللَّهَ بالغيب؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك ١٢].

﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ …

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة ٩٥].

لما ذَكَرَ أنه سبحانه وتعالى سيبتليهم ذَكَرَ الحُكْمَ فقال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ و﴿لَا﴾ هنا ناهية، وعلامة كونها ناهية حذفُ النون.

﴿الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (أل) لبيان الحقيقة، فما هو الصيد المحرَّم؟ العلماء -ولا سيما أهل الفقه رحمهم الله- بَيَّنوا ضابطًا لهذا فقالوا: إنه الحيوان البريُّ المأكول، والعبرة بكون أصله بريًّا، المتوحش طبعًا، هو الحيوان البري المأكول المتوحش طبعًا، (الحيوان) هذا جنس، (البريّ) ضده البحري، (المأكول) ضده الحرام، (المتوحش طبعًا) ضده المتأهل وهو الحيوان الإنسي الذي يألف الناس في بيوتهم، هذا هو الصيد، وعلى هذا فحيوان البحر لا يدخل في النهي؛ لأنه ليس مرادًا بهذه الآية وإن كان صيدًا لكنه بحريٌّ.

وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وهذه الآية صريحة فَصَّل الله فيها وبَيَّن، كم ذكرنا من قيد؟

قلنا: البري ضد البحري، المأكول ضد الحرام، المتوحش ضده المتأهل ويُسَمَّى الإنسي، فلو أن المحرم ذبح دجاجة فإنه ليس عليه إثم؛ لأن الدجاج من الإنسي ليس من المتوحش، ولو ذبح خروفًا فلا بأس مع أنه بري مأكول لكنه ليس متوحشًا وإن كان بريًّا ومأكولًا، والعبرة بالأصل، لا عبرة بالوصف الطارئ، الوصف الطارئ لا عبرة به، فلو توحَّش إنسي أو استأنس وحشي فما العبرة؟

* طلبة: بالأصل.

* الشيخ: بالأصل، ولهذا لو أن إنسانًا ربَّى أرنبًا، فهل يجوز إذا أحرم أن يذبحها؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: رباها.

* الطلبة: لا يجوز.

* الشيخ: لماذا؟

* الطلبة: لأن العبرة بالأصل.

* الشيخ: لأن العبرة بأصلها متوحشة في الأصل، والتأهل طارئ عليها، ولو أن دجاجة فرت وتوحشت وصارت تطير مع الطيور فهي حلال ولَّا غير حلال للمحرم؟

* طلبة: حلال.

* الشيخ: حلال؛ لأن أصلها أنها متأهلة، فالعبرة بالأصل، وإنما النهي هنا لئلا يجر طلب الصيد المحرم عن نسكه فينشغل قلبه؛ لأنه لا أشد من لهو الصيد، الإنسان المبتلى باللهو في الصيد لا يَقَرُّ له قرار حتى يتابع الصيد؛ ولهذا نسمع عن أهل الصيد أن الواحد منهم يتعب في الخروج إلى البر لطلب الصيد ويلحقه الظمأ والجوع والشوك وحرارة الأرض وبرودة الشتاء، ولكنه لا يبالي؛ لأن قلبه مشغول، وإذا كان الله قال: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة ١٩٧] لئلا ينشغل الحاج فانشغاله في الصيود أشد لهوًا.

﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الجملة الشرطية ﴿وَمَنْ﴾ اسم شرط، وأسماء الشرط تفيد العموم يعني: أَيُّ إنسان قتله منكم متعمدًا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم؛ وعلى هذا فقوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾ مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فعليه جزاء، و ﴿مِثْلُ﴾ عطف بيان لقوله: جزاء ولا يمكن أن نجعلها نعتًا؛ لأن ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ معرفة؛ حيث أضيفت إلى اسم الموصول.

و﴿جَزَاءٌ﴾ نكرة ولا تنعت النكرة بالمعرفة، لكن نجعلها عطف بيان، وعطف البيان قريب من الصفة لكنه لا يشترط فيه ما يشترط في النعت.

* طالب: شيخ بارك الله فيكم، الحيوانات المتوحشة أو الأهلية هل هي محدودة أم معدودة؟

* الشيخ: هذا عرف، يعني غير معدودة (...).

* طالب: شيخ بعض المناطق، المتوحش عندنا عندهم أهل، كالجواميس، بعض المناطق برية؟

* الشيخ: هي برية لا شك، لكن هل متوحشة؟

* الطالب: إي، مثل (...) مع الأسود ولأنه..

* الشيخ: لا، لا الجاموس ما هو متوحش.

* الطالب: لو وُجِد، يا شيخ فعلًا؟

* الشيخ: متوحشة؟

* طالب: نعم، متوحشة.

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩٦) جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٩٦ - ٩٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾، لما بيَّن الله سبحانه وتعالى في الآيات الماضية حكم صيد البر للمحرم ذكر حكم صيد البحر فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾، والمحِل هو الله عز وجل؛ لأنه الذي بيده التحليل والتحريم والإيجاب.

وقوله: ﴿لَكُمْ﴾ الخطاب للمقيمين في البلاد بدليل قوله: ﴿وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ أي: السائرين؛ أي: المسافرين يتزودونه بأمتعتهم.

وقوله تعالى: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ﴿صَيْدُ﴾ بمعنى (مصيد)، وهو ما أخذ حيًّا، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما يطعم بدون صيد، وهو ما يلفظه البحر من السمك والحوت، فيكون على هذا كل ما في البحر حلال، كما سيأتي إن شاء الله في الفوائد.

وقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ ﴿مَتَاعًا﴾ مفعول من أجله؛ أي: من أجل أن تتمتعوا به، وقد بيَّن الله تعالى في آيات أخرى أنه سخر البحر لنأكل منه لحمًا طريًّا، وكما هو مشاهد الآن أن لحم البحر من أطيب اللحوم.

وقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ﴿حُرِّمَ﴾ المحرِّم هو الله عز وجل، وقوله: ﴿صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ هل المراد بصيد البر مصيدُه؛ أي: ما صيد، أو المراد أن تصيدوه؟

* طالب: الثاني.

* الشيخ: الثاني هو المراد؛ لأن المصيد فيه تفصيل على ما سبق؛ يعني: حرِّم عليكم أن تصيدوا صيد البر، هذا المعنى يحتاج إلى تقدير، والتقدير: صيدكم صيد البر؛ لأن البر لا يُصاد، فلا بد من تقدير.

أما إذا قلنا: إن الصيد بمعنى المصيد، فإنه لا حاجة إلى التقدير، ويكون معنى ﴿صَيْدُ الْبَرِّ﴾ يعني: ما صيد فيه، وقد مر علينا أن الصيد المحرَّم كل أيش؟ حيوان بري حلال متوحش.

وقوله: ﴿مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أي: حالة كونكم محرمين حتى تحلوا.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أعمُّ ما قيل في تفسير التقوى أنها: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

﴿الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الذي) صفة للاسم الكريم (الله)، و﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ صلة الموصول، وقُدِّم الجار والمجرور على عامله لإفادة الحصر ولتناسب رؤوس الآيات، ففي ذلك فائدة معنوية وفائدة لفظية؛ الفائدة المعنوية: الحصر، والفائدة اللفظية: مناسبة رؤوس الآيات.

ومعنى ﴿تُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون إليه، وذلك يوم القيامة، فإن الناس يحشرون إلى الله تبارك وتعالى كما جاء ذلك في السنة مبينًا.

* في هذه الآية فوائد؛ منها: حِلُّ صيد البحر للمحلين والمحرمين، ويؤخذ من قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.

* ومن فوائدها: أنه لو وجد ماء فيه سمك داخل حدود الحرم فإنه يكون حلالًا؛ لعموم قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾، ثم قال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وهذا هو القول الراجح.

وقال بعض أهل العلم: بل هو حرام وفيه الجزاء؛ لأنه في مكان آمن.

وقال آخرون: هو حرام لكن لا جزاء فيه، ولكن ظاهر الآية الكريمة أنه حلال.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن جميع حيوان …

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

ثم قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ﴾ [المائدة ٩٧] هذه أربعة أشياء جعلها الله تعالى قيامًا للناس، أولًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ هذا الجعل هل هو جعل شرعي، أو جعل كوني، أو هما جميعًا؟ الظاهر الثالث: أن الله جعل ذلك كونًا وشرعًا.

وقوله: ﴿الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الكعبة في الأصل هو البناء المربع، لكن قوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ خرج به كل مربع سوى الكعبة المشرفة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وصفًا مخرجًا لغيره وليس بيانًا أو بدلًا، بل هو وصف مخرج لغيره من الكعبات، وقوله: ﴿الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ أي: ذو الحرمة، وحرمة مكة أمر معروف.

وقوله: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿قِيَمًا لِلنَّاسِ﴾ ، ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ أي: تقوم به مصالح دينهم ومصالح دنياهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء ٥] أي: تقوم بها مصالح الدين والدنيا، إذن الكعبة جعلها الله تعالى قيامًا للناس تقوم بها مصالح دينهم ودنياهم، أما مصالح الدين فظاهر؛ حج وعمرة بما فيهما من الأنساك، وأما مصالح الدنيا فقد قال الله تعالى مشيرًا إليها: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج ٢٨]، ثم إن هذه الكعبة يجبى إليها ثمرات كل شيء رزقًا من عند الله عز وجل.

وقوله: ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ أي: وجعل الشهر الحرام قيامًا للناس، وهل المراد به الجنس أو شهر واحد؟ المراد الجنس، فيشمل الأشهر الأربعة وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، وإنما جعل الله الأشهر الحرم قيامًا للناس؛ لأنهم يأمنون فيها؛ حيث إن القتال فيها محرم، حتى في الجاهلية لا يمكن أن يكون قتال في هذه الأشهر الأربعة: ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، رجب، أما الثلاثة الأولى فلأنها أشهر الحج؛ يعني: الأشهر التي يسافر الناس فيها إلى مكة ويرجعون منها، يسافرون في ذي القعدة ويرجعون في المحرم، ومن المعلوم أن المحرم ليس من أشهر الحج لكن بدله أيش؟ شوال، لكنه من حرمات الحج؛ إذ إن الناس يسافرون في شهر ذي القعدة للحج ويرجعون في شهر محرم؛ ولهذا كانوا في الجاهلية لا يمكن أن يعتدي أحد على أحد في هذه الأشهر أبدًا، حتى لو وجد قاتل أبيه لم يقتله.

رجب هذا أيضًا شهر معظم في الجاهلية كالأشهر الثلاثة لا يمكن القتال فيه، فيأمن الناس في هذه الأشهر وتقوم مصالحهم، يسافرون ويؤوبون إلى بلادهم لا أحد يتعرض لهم.

هذا الثالث أو الرابع؟ الثالث: الهدي جعله الله تعالى قيامًا للناس في دينهم ودنياهم؛ أما في دينهم فبالثواب الذي ينالونه من الله عز وجل، وأما في دنياهم فالبيع والشراء، والأكل، والانتفاع بالجلود، وما أشبه ذلك، فالهدي إذن قيام للناس.

وأما قوله: ﴿وَالْقَلَائِدَ﴾ ففيها قولان؛ القول الأول: أنهم كانوا في الجاهلية إذا حج الإنسان أو اعتمر صنع قلادة من لحاء الشجر؛ من الثمر أو غيره قلادة يتقلد بها ليعلم أنه حاج فيحترم، شوف عجائب! عادات غريبة، إذا حج أو اعتمر صنع قلادة يتقلدها، إذا رآه أحد قال: هذا حاج أو معتمر.

القول الثاني: أن المراد بالقلائد ما يقلد الهدي؛ لأن الهدي يقلد في رقبته بما يشعر أنه هدي وهو: آذان القِرَب، النعال الخلقة البالية تعلق في أعناق الهدي إشارة إلى أنه هدي فيحترم، حتى قال بعضهم: إن الرجل في الجاهلية يأكل العصب من الجوع ولا يمكن أن يذبح أو ينحر هذا الهدي؛ لأن عليه علامة وهي القلائد.

القلائد تكون في الغنم، وتكون في الإبل، وتكون في البقر، وتزيد الإبل بالإشعار وهو شق سنامها حتى يسيل الدم، فيعرف الناس أن هذه من الهدي، هذه كلها جعلها الله تعالى قيامًا للناس.

فلننظر إلى الإعراب ﴿جَعَلَ اللَّهُ …

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

ثم قال عز وجل لما ذكر عموم علمه بعد هذه الأحكام العظيمة قال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ﴿اعْلَمُوا﴾ أي: علمًا يحصل به الامتثال، ﴿اعْلَمُوا﴾، فيجب علينا أن نعلم؛ لأن الله أمرنا بذلك، ﴿أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: المؤاخذة بالذنب، وسميت المؤاخذة بالذنب عقابًا؛ لأنها تعقبه، و﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قوي، كمًّا وكيفًا، أو كيفًا فقط؟

* طلبة: الأول.

* الشيخ: تأملوا.

* طلبة: كمًّا.

* طلبة آخرون: الأول.

* الشيخ: كمًّا لا يمكن؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، لكن كيفًا صحيح، ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي: قوي العقاب إذا عاقب المذنب.

﴿وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: واعلموا أيضًا أنه مع شدة عقابه غفور عن الذنوب، رحيم بعباده جل وعلا لا يكلفهم ما يشق عليهم، وإذا أخلُّوا به فهو يرحمهم عز وجل بالعفو.

قارن بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر ٤٩، ٥٠] تجد بينهما فرقًا؛ الفرق أن الآية ﴿نَبِّئْ﴾ أمر من الله للرسول أن ينبئ الخلق، وقدِّم الوصف بالمغفرة والرحمة على العذاب الأليم؛ لأن المقصود الإخبار عن صفة الله عز وجل، فقدِّم الجانب الذي فيه اللطف والإحسان، وهذه ذكرت عقيب أحكام عظيمة قد يُخِل بها المرء، فقدِّم فيها جانب أيش؟ جانب التهديد.

﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

* في هذه الآية الكريمة: وجوب العلم عن يقين؛ لقوله: ﴿اعْلَمُوا﴾.

* ومن فوائدها: أن الله تعالى شديد العقاب لمن خالف أمره، سواء بفعل ما حرَّم أو بترك ما أوجب.

فإن قال قائل: ظاهر هذه الآية: أن الله سيعاقب من خالف أمره على كل حال؟

فالجواب: أنك إذا قرأت آخرها تبين لك أنه في مقابل ذلك هو غفور رحيم، ثم اقرنها بالآية أخرى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقاب، وهو مؤاخذة المذنب بما يستحقه من العقوبة.

* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين الكريمين وهما (الغفور والرحيم)، الغفور؛ أي: ذو المغفرة، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦]، والرحيم يعني ذا الرحمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]، فنثبت هذين الاسمين لله عز وجل، ونثبت ما دلا عليه من الصفة؛ وهي المغفرة في (غفور)، والرحمة في (رحيم).

وهل يثبت الأثر؛ يعني: الحكم المترتب على هذه الصفة؟

الجواب: نعم، يغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء.

ما الذي يترتب على هذين الاسمين والإيمان بهما؟ يترتب على ذلك أن يتعرض الإنسان لمغفرة الله عز وجل بفعل الأسباب التي توجبه، ويتعرض لأيش؟ للرحمة بفعل الأسباب التي تحصل بها الرحمة، عكس ما يظن بعض العوام، بعض العوام إذا نهيته عن معصية قال: الله غفور رحيم، فيظن أن هذا من باب تهوين المخالفة على العبد، وليس كذلك، بل هذا حثٌّ للعبد أن يفعل ما به المغفرة والرحمة.

* من فوائد هذه الآية: الجمع بين أسماء الله تبارك وتعالى التي ينتج من الجمع بينها وصف زائد على الوصف الذي تفيده بدون اجتماع.

فمثلًا: إذا قلنا: إنه غفور رحيم، صار المعنى: أنه غفور للذنوب، ورحيم لحصول المطلوب في الطاعات؛ ولهذا كان المعصية الواحدة بواحدة، والطاعات الواحدة بعشر، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾.

﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ (ما) نافية، و﴿عَلَى الرَّسُولِ﴾ خبر مقدم، و﴿الْبَلَاغُ﴾ مبتدأ مؤخر.

وقوله: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ (أل) هنا للعهد، أي العهود؟

* طالب: ذهني.

* الشيخ: ذهني، إذن (أل) للعهد الذهني.

فمن المعهود ذهنًا بأنه رسول بالنسبة لهذه الأمة؟ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام.

و﴿الرَّسُولِ﴾ بمعنى المرسَل، وقوله: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ أي: بلاغ الرسالة، وأما هداية الخلق فليست على الرسول عليه الصلاة والسلام، عليه أن يبلغ، وإذا بلغ انتهت وظيفته؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾ أي: ما تظهرون، ﴿وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ أي: تخفون؛ يعني المعنى: أن أعمالكم ليست إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وليس مسؤولًا عنها، وإنما الذي يحاسبكم عليها هو الله الذي يعلم ما تبدون وما تكتمون.

* طالب: اتقاء المعاصي في الأشهر الحرم هل لها.. يعني الذنب أعظم؟

* الشيخ: هذا ينبني على قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة ٣٦]، هل الضمير في (هن) يعود على الأشهر الحرم أو يعود على ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾؟ وفيها خلاف، لكن لا شك أن الذنوب في الأشهر الحرم أعظم؛ لأن الضمير سواء قلنا: عائد على الجميع أو عليهن يدل على تأكيد النهي عن الظلم في هذه الأشهر الأربعة، وللعلماء قاعدة في هذه المسألة يقولون: إنها تضاعف الحسنات والسيئات في كل زمان ومكان فاضل.

* طالب: بالنسبة للكفار يا شيخ وأهل المعاصي يكونون في الدنيا بعافية والأموال وسعة في الرزق، ولكن في الآخرة يا شيخنا ما (...)؟

* الشيخ: في الآخرة يقول الله عز وجل في الحديث القدسي للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.، وهم ليسوا من أهلها فلا رحمة، حتى إن الله عز وجل يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن تعذيبهم رحمة بالمؤمنين أن يروا أعداءهم وهم يعذبون في النار، إي نعم.

* طالب: بعض الناس -يا شيخ- يستدلون على أهل المعاصي بالأرزاق والصحة والعافية يقولون: لو أن الله سخط عليهم ما أعطاهم الأموال هذه ولا (...)؟

* الشيخ: وبعض العوام بالعكس، أنا أسمع من العوام مثلًا يقول: عطاه ما يدل على رضاه، وهو كذلك، والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ١٨٢]، وهذا استدراج من الله تبارك وتعالى، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام «أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ»أخرجه أحمد في المسند (٣٦٧٢)، والحاكم في المستدرك (٩٤) من حديث عبد الله بن مسعود.، جعلنا الله وإياكم منهم.

* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المراد بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]؛ أي: آلهة تصرف وتدبر شؤون الكون أو آلهة تعبد فقط؟

* الشيخ: لا، الأول، أو قال: آلهة حق؛ لأن الآلهة التي تعبد من دون الله وإن سموها آلهة فهي كما قال الله عز وجل عنها: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم ٢٣] مجرد أسماء على غير مسمى.

* طالب: حفظك الله، في درس الأمس سأل أحد الأخوة أثناء الأذان عن الحيوانات التي تعيش في البر وفي البحر عيشة كاملة لا حركة المذبوح؛ التماسيح، الضفادع، السلاحف، ما أدري يا شيخ هل هذه يغلب جانب البر فيعتبر أنها محرمة؟

* الشيخ: لا؛ لأن التي تعيش كحركة المذبوح، كثير من السمك الكبار ما تموت على طول، تبقى لساعات، لكنها تكون مضطربة ومغمى عليها وتموت بعدين.

* الطالب: لكن التي تعيش عيشة كاملة تبيض في البر وتعيش في …

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾ قل يا محمد: لا يستوي، وتصدير الحكم بـ(قل) يدل على العناية به؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان مأمورًا أن يقول جميع القرآن، أن يقوله للناس ويبلغه، لكن إذا نصَّ على شيء معين دل هذا على أخصيته، فهو كالتخصيص بعد أيش؟ بعد التعميم، فيفيد العناية.

﴿قُلْ﴾ أي: قل يا محمد لكل من يصح خطابه ويدرك خطابك ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾، صدق الله، لا يستوي الخبيث والطيِّب من الأشخاص والأعمال والأعيان، لا يمكن أن يستوي هذا وهذا، صح؟ لا يستوي، هل تستوي الصلاة لله والسجود للصنم؟ لا تستوي، هذا من الأعمال.

من الأعيان: هل يستوي الشراب الطيب المستخلص من ثمرات طيبة والخمر؟ لا يستوي.

بالنسبة للأشخاص: هل يستوي المؤمن الطيب والكافر الخبيث؟ لا، وهلم جرًّا.

إذن الخبيث والطيب من كل شيء؛ من الأشخاص، والأعيان، والأقوال، والأفعال، من كل شيء، هل يستوي ذكر الله والغيبة؟ لا، إذن هذا عام ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾.

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ قوله: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ﴾ الخطاب هنا ليس للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرسول لا يعجبه كثرة الخبيث، لكن ولو أعجبك أيها المخاطب؛ أي: قل للإنسان: لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك أيها المخاطب ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾، وليس الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأننا نعلم علم اليقين أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعجبه كثرة الخبيث.

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي: أعجبك؛ أي: بلغ منك موضع الإعجاب.

وهذا إذا طبقته على بني آدم فأيهما أكثر: الخبيث أو الطيب؟

* طلبة: الخبيث (...).

* الشيخ: الخبيث؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: الخبيث من بني آدم أكثر؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: صحيح، الخبيث من بني آدم أكثر لو أعجبك، كذلك لو أعجبك كثرة الخبيث بقوته وإنتاجه لا يهمنك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢١] لا يهمنك.

الخبيث باطل، والله عز وجل يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء ١٨]، شوف كلمات قوية ﴿نَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يعني نرمي بشدة، ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يصيب دماغه ولا يُفلت ولا يبقى لحظة عين، ولهذا قال: ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾، والفاء للترتيب والتعقيب، و(إذا) فجائية تدل على مفاجأة الزهوق، وأنه يكاد أن يكون الزهوق قبل أن يُدمغ، ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾، ولكن لاحظوا يا إخوانا أن السيف بضاربه، يعني الحق لا بد أن يكون الحامل للحق قويًّا في ذات الله، لا يهمه أحد في ذات الله، وحينئذٍ يندحر الباطل ويقوم الحق.

﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [المائدة ١٠٠] الفاء للتفريع، أي فبناء على ذلك وعلى كثرة الخبيث اتقوا الله، لا يعجبنكم كثرة الخبيث، وبتقوى الله يحصل المطلوب ويزول المرهوب.

وقوله: ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ شوف النداء كيف يداخل القلب ﴿يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: يا أولي العقول، أي: يا أصحاب العقول، والمراد بالعقول: ذوات الرشد وحسن التصرف، وليس عقل الإدراك قد يكون عند الكافر من عقل الإدراك أكثر مما عند المؤمن، لكن عقل الرشد منفي عن الكافر مطلقًا (...) عقل الرشد لأنه لو كان عنده عقل الرشد.

* طالب: ما كفر.

* طالب آخر: لآمن.

* الشيخ: لآمن ولم يكفر، لكن ليس عنده عقل الرشد، إذن يا أصحاب العقول أي العقول؟

* طلبة: الراشدة.

* الشيخ: الراشدة التي تعرف ما ينفعها فتقوم به وما يضرها فتجتنبه.

و﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: لتفلحوا، فـ(لعل) هنا للتعليل، أين المعلل؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا هذا..

* طالب: (...).

* الشيخ: …

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.