﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ أيْ: إثْمٌ وحَرَجٌ.
﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: تَناوَلُوا أكْلًا، أوْ شُرْبًا، فَإنَّ اسْتِعْمالَهُ في الشُّرْبِ أيْضًا مُسْتَفِيضٌ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ .
قِيلَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، قالَ رِجالٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم في الجَنَّةِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ ؟
وَفِي رِوايَةٍ أُخْرى؛ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا، وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ، وفَعَلُوا القِمارَ ؟ فَنَزَلَتْ.
وَلَيْسَتْ كَلِمَةُ " ما " في " ما طَعِمُوا " عِبارَةً عَنِ المُباحاتِ خاصَّةً، وإلّا لَزِمَ تَقْيِيدُ إباحَتِها بِاتِّقاءِ ما عَداها مِنَ المُحَرَّماتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَلى عُمُومِها، مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، وإنَّما تَخَصَّصَتْ بِذَلِكَ القَيْدِ الطّارِئِ عَلَيْها، والمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما تَناوَلُوهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ كائِنًا ما كانَ، إذا اتَّقَوْا أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الجُناحِ في كُلِّ ما طَعِمُوهُ، بَلْ في بَعْضِهِ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ؛ إذِ اللّازِمُ مِنهُ تَقْيِيدُ إباحَةِ الكُلِّ، بِأنْ لا يَكُونَ فِيهِ مُحَرَّمٌ لا تُقَيَّدُ إباحَةُ بَعْضِهِ بِاتِّقاءِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، كَما هو اللّازِمُ مِنَ الأوَّلِ.
﴿وَآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ أيْ: واسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوْا داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُباحًا فِيما سَبَقَ.
﴿وَآمَنُوا﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيمِهِ وتَقْدِيمِ الِاتِّقاءِ عَلَيْهِ؛ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ الحادِثِ الَّذِي هو المُؤْمِنُ بِهِ، أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ.
﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ المَشْرُوطَ بِالِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لا إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ قَبْلَهُ لِانْتِساخِ إباحَةِ بَعْضِهِ حِينَئِذٍ.
﴿وَأحْسَنُوا﴾؛ أيْ: عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ الجَمِيلَةَ المُنْتَظِمَةَ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، ولَيْسَ تَخْصِيصُ هَذِهِ المَرّاتِ بِالذِّكْرِ لِتَخْصِيصِ الحُكْمِ بِها، بَلْ لِبَيانِ التَّعَدُّدِ والتَّكَرُّرِ بالِغًا ما بَلَغَ، والمَعْنى: أنَّهم إذا اتَّقَوُا المُحَرَّماتِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وكانُوا في طاعَةِ اللَّهِ ومُراعاةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، بِحَيْثُ كُلَّما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ المُباحاتِ اتَّقَوْهُ، ثَمَّ وثَمَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما طَعِمُوهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عِنْدَ طَعْمِهِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما عَدا اتِّقاءَ المُحَرَّماتِ …