Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ حِينَ شَرِبَ طائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ فَتَفاخَرُوا، فَقالَ سَعْدٌ: المُهاجِرُونَ خَيْرٌ، فَرَماهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَفَزَرَ أنْفَهُ، وقِيلَ: بِسَبَبِ قَوْلِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، وقِيلَ: بِسَبَبِ قِصَّةِ حَمْزَةَ وعَلِيٍّ حِينَ عَقَرَ شارِفَ عَلِيٍّ. وقالَ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي، وهي قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: كانَ أمْرُ الخَمْرِ ونُزُولُ الآياتِ بِتَدْرِيجٍ فَنَزَلَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] . وقِيلَ: بِسَبَبِ قِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ وكانَ مُنْتَشِيًا في صَلاةِ المَغْرِبِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَتْ ثُمَّ عَرَضَ ما عَرَضَ بِسَبَبِ شُرْبِها مِنَ الأُمُورِ المُؤَدِّيَةِ إلى تَحْرِيمِها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ ثَمِلُوا وعَرْبَدُوا، فَلَمّا صَحَوْا جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ يَرى أثَرًا بِوَجْهِهِ وبِجَسَدِهِ فَيَقُولُ: هَذا فِعْلُ فُلانٍ، فَحَدَثَتْ بَيْنَهم ضَغائِنُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِأكْلِ ما رَزَقَهم حَلالًا طَيِّبًا، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ لَهم مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، وكانَ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ عِنْدَهُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وكانُوا يَقُولُونَ: الخَمْرُ تَطْرُدُ الهُمُومَ، وتُنَشِّطُ النَّفْسَ، وتُشَجِّعُ الجَبانَ، وتَبْعَثُ عَلى المَكارِمِ، والمَيْسِرُ يَحْصُلُ بِهِ تَنْمِيَةُ المالِ، ولَذَّةُ الغَلَبَةِ. بَيَّنَ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ يُقارِنُها مَفاسِدُ عَظِيمَةٌ فَفي الخَمْرِ إذْهابُ العَقْلِ، وإتْلافُ المالِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ بَعْضُ حُكَماءِ الجاهِلِيَّةِ إتْلافَ المالِ بِها، وجَعَلَ تَرْكَ ذَلِكَ مَدْحًا فَقالَ:

؎أخِي ثِقَةٍ لا تُتْلِفُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ

وتَنْشَأُ عَنْها مَفاسِدُ أُخَرُ مِن قَتْلِ النَّفْسِ، وشِدَّةِ البَغْضاءِ وارْتِكابِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَلاكَ هَذِهِ كُلِّها العَقْلُ، فَإذا ذَهَبَ العَقْلُ أتَتْ هَذِهِ المَفاسِدُ. والمَيْسِرُ فِيهِ أخْذُ المالِ بِالباطِلِ، وهَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والَّذِي مُنِعُوا مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هي شَهَواتٌ وعاداتٌ، فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ، وإنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُها بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ لَذَّةٌ، وغَلَبَةٌ، وأمّا الأنْصابُ فَإنْ كانَتِ الحِجارَةُ الَّتِي يَذْبَحُونَ عِنْدَها ويَنْحَرُونَ؛ فَحُكِمَ عَلَيْها بِالرِّجْسِ؛ دَفْعًا لِما عَسى أنْ يَبْقى في قَلْبِ ضَعِيفِ الإيمانِ مِن تَعْظِيمِها، وإنْ كانَتِ الأنْصابُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ فَقُرِنَتِ الثَّلاثَةُ بِها مُبالَغَةً في أنَّهُ يَجِبُ اجْتِنابُها كَما يَجِبُ اجْتِنابُ الأصْنامِ، وأمّا الأزْلامُ الَّتِي كانَ الأكْثَرُونَ يَتَّخِذُونَها في أحَدِها (لا) وفي الآخَرِ (نَعَمْ) والآخَرِ (غُفْلٌ)، وكانُوا يُعَظِّمُونَها، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ، وكانَ فِيها أحْكامٌ لَهم. ومِن هَذا القَبِيلِ الزَّجْرُ بِالطَّيْرِ وبِالوَحْشِ، وبِأخْذِ الفَأْلِ في الكُتُبِ ونَحْوِهِ مِمّا يَصْنَعُهُ النّاسُ اليَوْمَ. وقَدِ …

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قِصَّةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ حِينَ شَرِبَ طائِفَةٌ مِنَ الأنْصارِ والمُهاجِرِينَ فَتَفاخَرُوا، فَقالَ سَعْدٌ: المُهاجِرُونَ خَيْرٌ، فَرَماهُ أنْصارِيٌّ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَفَزَرَ أنْفَهُ، وقِيلَ: بِسَبَبِ قَوْلِ عُمَرَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، وقِيلَ: بِسَبَبِ قِصَّةِ حَمْزَةَ وعَلِيٍّ حِينَ عَقَرَ شارِفَ عَلِيٍّ. وقالَ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي، وهي قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ، وقِيلَ: كانَ أمْرُ الخَمْرِ ونُزُولُ الآياتِ بِتَدْرِيجٍ فَنَزَلَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] . وقِيلَ: بِسَبَبِ قِراءَةِ بَعْضِ الصَّحابَةِ وكانَ مُنْتَشِيًا في صَلاةِ المَغْرِبِ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَتْ ثُمَّ عَرَضَ ما عَرَضَ بِسَبَبِ شُرْبِها مِنَ الأُمُورِ المُؤَدِّيَةِ إلى تَحْرِيمِها حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ ثَمِلُوا وعَرْبَدُوا، فَلَمّا صَحَوْا جَعَلَ كُلُّ واحِدٍ يَرى أثَرًا بِوَجْهِهِ وبِجَسَدِهِ فَيَقُولُ: هَذا فِعْلُ فُلانٍ، فَحَدَثَتْ بَيْنَهم ضَغائِنُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا أمَرَ تَعالى بِأكْلِ ما رَزَقَهم حَلالًا طَيِّبًا، ونَهاهم عَنْ تَحْرِيمِ ما أحَلَّهُ لَهم مِمّا لا إثْمَ فِيهِ، وكانَ المُسْتَطابُ المُسْتَلَذُّ عِنْدَهُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وكانُوا يَقُولُونَ: الخَمْرُ تَطْرُدُ الهُمُومَ، وتُنَشِّطُ النَّفْسَ، وتُشَجِّعُ الجَبانَ، وتَبْعَثُ عَلى المَكارِمِ، والمَيْسِرُ يَحْصُلُ بِهِ تَنْمِيَةُ المالِ، ولَذَّةُ الغَلَبَةِ. بَيَّنَ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ والمَيْسِرِ؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّذَّةَ يُقارِنُها مَفاسِدُ عَظِيمَةٌ فَفي الخَمْرِ إذْهابُ العَقْلِ، وإتْلافُ المالِ؛ ولِذَلِكَ ذَمَّ بَعْضُ حُكَماءِ الجاهِلِيَّةِ إتْلافَ المالِ بِها، وجَعَلَ تَرْكَ ذَلِكَ مَدْحًا فَقالَ:

؎أخِي ثِقَةٍ لا تُتْلِفُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ

وتَنْشَأُ عَنْها مَفاسِدُ أُخَرُ مِن قَتْلِ النَّفْسِ، وشِدَّةِ البَغْضاءِ وارْتِكابِ المَعاصِي؛ لِأنَّ مَلاكَ هَذِهِ كُلِّها العَقْلُ، فَإذا ذَهَبَ العَقْلُ أتَتْ هَذِهِ المَفاسِدُ. والمَيْسِرُ فِيهِ أخْذُ المالِ بِالباطِلِ، وهَذا الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ. والَّذِي مُنِعُوا مِنهُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ هي شَهَواتٌ وعاداتٌ، فَأمّا الخَمْرُ فَكانَتْ لَمْ تُحَرَّمْ بَعْدُ، وإنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُها بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ لَذَّةٌ، وغَلَبَةٌ، وأمّا الأنْصابُ فَإنْ كانَتِ الحِجارَةُ الَّتِي يَذْبَحُونَ عِنْدَها ويَنْحَرُونَ؛ فَحُكِمَ عَلَيْها بِالرِّجْسِ؛ دَفْعًا لِما عَسى أنْ يَبْقى في قَلْبِ ضَعِيفِ الإيمانِ مِن تَعْظِيمِها، وإنْ كانَتِ الأنْصابُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ فَقُرِنَتِ الثَّلاثَةُ بِها مُبالَغَةً في أنَّهُ يَجِبُ اجْتِنابُها كَما يَجِبُ اجْتِنابُ الأصْنامِ، وأمّا الأزْلامُ الَّتِي كانَ الأكْثَرُونَ يَتَّخِذُونَها في أحَدِها (لا) وفي الآخَرِ (نَعَمْ) والآخَرِ (غُفْلٌ)، وكانُوا يُعَظِّمُونَها، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ الكُهّانِ، ومِنها ما يَكُونُ عِنْدَ قُرَيْشٍ في الكَعْبَةِ، وكانَ فِيها أحْكامٌ لَهم. ومِن هَذا القَبِيلِ الزَّجْرُ بِالطَّيْرِ وبِالوَحْشِ، وبِأخْذِ الفَأْلِ في الكُتُبِ ونَحْوِهِ مِمّا يَصْنَعُهُ النّاسُ اليَوْمَ. وقَدِ …

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ وأنَسٌ: «لَمّا نَزَلْ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ قَوْمٌ: كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها ويَأْكُلُ المَيْسِرَ ؟ فَنَزَلَتْ» فَأعْلَمَ تَعالى أنَّ الذَّمَّ والجُناحَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ المَعاصِي، والَّذِينَ ماتُوا قَبْلَ التَّحْرِيمِ لَيْسُوا بِعاصِينَ. والظّاهِرُ مِن سَبَبِ النُّزُولِ؛ أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ. وقِيلَ: هي عامَّةٌ، والمَعْنى أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى المُؤْمِنِ فِيما طَعِمَ مِنَ المُسْتَلَذّاتِ إذا ما اتَّقى ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنها. وقَضِيَّةُ مَن شَرِبَها قَبْلَ التَّحْرِيمِ مِن صُوَرِ العُمُومِ، وهَذِهِ الآيَةُ شَبِيهَةٌ بِآيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ حِينَ سَألُوا عَمَّنْ ماتَ عَلى القِبْلَةِ الأُولى، فَنَزَلَتْ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، و﴿فِيما طَعِمُوا﴾ قِيلَ: مِنَ الخَمْرِ. والطَّعْمُ حَقِيقَةٌ في المَأْكُولاتِ، مَجازٌ في المَشْرُوبِ، وفي اليَوْمِ قِيلَ: مِمّا أكَلُوهُ مِنَ القِمارِ فَيَكُونُ فِيهِ حَقِيقَةً، وقِيلَ: مِنهُما وعَنى بِالطَّعْمِ الذَّوْقَ، وهو قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُما، وكُرِّرَتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ في هَذِهِ الصِّفاتِ، ولا يُنافِي التَّأْكِيدُ العَطْفَ بِثُمَّ، فَهو نَظِيرُ قَوْلِهِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] وذَهَبَ قَوْمٌ إلى تَبايُنِ هَذِهِ الجُمَلِ بِحَسَبِ ما قَدَّرُوا مِن مُتَعَلِّقاتِ الأفْعالِ، فالمَعْنى إذا ما اتَّقَوُا الشِّرْكَ والكَبائِرَ وآمَنُوا الإيمانَ الكامِلَ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا ثَبَتُوا ودامُوا عَلى الحالَةِ المَذْكُورَةِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا انْتَهَوْا في التَّقْوى إلى امْتِثالِ ما لَيْسَ بِفَرْضٍ مِنَ النَّوافِلِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الإحْسانُ. وإلى قَرِيبٍ مِن هَذا ذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ إذا ما اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وآمَنُوا وثَبَتُوا عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ وازْدادُوا ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا﴾ ثَبَتُوا عَلى التَّقْوى والإيمانِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ ثَبَتُوا عَلى اتِّقاءِ المَعاصِي وأحْسَنُوا أعْمالَهم، وأحْسَنُوا إلى النّاسِ واسَوْهم بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ الطَّيِّباتِ انْتَهى. وقِيلَ: الرُّتْبَةُ الأُولى لِماضِي الزَّمانِ، والثّانِيَةُ لِلْحالِ، والثّالِثَةُ لِلِاسْتِقْبالِ، وقِيلَ: الِاتِّقاءُ الأوَّلُ؛ هو في الشِّرْكِ والتِزامُ الشَّرْعِ، والثّانِي في الكَبائِرِ، والثّالِثُ في الصَّغائِرِ، وقِيلَ: غَيْرُ هَذا مِمّا لا إشْعارَ لِلَّفْظِ بِهِ. ومَعْنى الآيَةِ ثَناءٌ عَلى أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وحَمْدٌ لَهم في الإيمانِ والتَّقْوى والإحْسانِ، إذْ كانَتِ الخَمْرُ غَيْرَ مُحَرَّمَةٍ إذْ ذاكَ، فالإثْمُ مَرْفُوعٌ عَمَّنِ التَبَسَ بِالمُباحِ إذا كانَ مُؤْمِنًا مُتَّقِيًا مُحْسِنًا، وإنْ كانَ يَئُولُ ذَلِكَ المُباحُ إلى التَّحْرِيمِ، فَتَحْرِيمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَضُرُّ المُؤْمِنَ المُتَّقِي المُحْسِنَ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الإحْسانِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ، فَسَرَّهُ في حَدِيثِ سُؤالِ جِبْرِيلَ، فَيَجِبُ أنْ لا يُتَعَدّى تَفْسِيرُهُ.

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وأقامَ بِالتَّنْعِيمِ، فَكانَ الوَحْشُ والطَّيْرُ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ وهم مُحْرِمُونَ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم أحْرَمَ، وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَإذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ أحْوالُهم واشْتَبَهَتِ الأحْكامُ، وقِيلَ: قَتَلَ أبُو اليُسْرِ حِمارَ وحْشٍ بِرُمْحِهِ، فَقِيلَ: قَتَلْتَ الصَّيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ هو أنَّهم لَمّا أمَرَهم أنْ لا يُحَرِّمُوا الطَّيِّباتِ، وأخْرَجَ مِن ذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وهُما حَرامانِ دائِمًا، أخْرَجَ بَعْدَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ ما حُرِّمَ في حالٍ دُونَ حالٍ، وهو الصَّيْدُ. وكانَ الصَّيْدُ مِمّا تَعِيشُ بِهِ العَرَبُ، وتَتَلَذَّذُ بِاقْتِناصِهِ، ولَهم فِيهِ الأشْعارُ والأوْصافُ الحَسَنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) عامٌّ لِلْمُحِلِّ والمُحْرِمِ، لَكِنْ لا يَتَحَقَّقُ الِابْتِلاءُ إلّا مَعَ الإحْرامِ أوِ الحُرُمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلْمُحْرِمِينَ. وقالَ مالِكٌ هو لِلْمُحِلِّينَ، والمَعْنى لَيَخْتَبِرَنَّكُمُ اللَّهُ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِهِ مَعَ الإحْرامِ أوِ الحَرَمِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يَقْتَضِي تَقْلِيلًا، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِابْتِلاءِ العَظِيمِ، كالِابْتِلاءِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ، بَلْ هو تَشْبِيهٌ بِما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ السَّمَكِ، وأنَّهم كانُوا لا يَصْبِرُونَ عِنْدَ هَذا الِابْتِلاءِ فَكَيْفَ يَصْبِرُونَ عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ ؟ ومِن في ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ في حالِ الحُرْمَةِ، إذْ قَدْ يَزُولُ الإحْرامُ ويُفارِقُ الحَرَمَ، فَصَيْدُ بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ بَعْضُ الصَّيْدِ عَلى العُمُومِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مِن صَيْدِ البَرِّ دُونَ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا كَما تَقُولُ قالَ لَأمْتَحِنَنَّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] والمُرادُ بِالصَّيْدِ المَأْكُولُ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ يَنْطَلِقُ عَلى المَأْكُولِ وغَيْرِ المَأْكُولِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎صَيْدُ المُلُوكِ أرانِبُ وثَعالِبُ وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأبْطالُ

وقالَ زُهَيْرٌ:

؎لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما ∗∗∗ كَذَّبَ اللَّيْثُ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا

ولِهَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ إذا قَتَلَ المُحْرِمُ لَيْثًا أوْ ذِئْبًا ضارِيًا أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ، فَعَلَيْهِ الجَزاءُ بِقَتْلِهِ.

﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ أيْ بَعْضٌ مِنهُ يُتَناوَلُ بِالأيْدِي؛ لِقُرْبِ غِشْيانِهِ حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنهُ اليَدُ، وبَعْضٌ بِالرِّماحِ لِبُعْدِهِ وتَفَرُّقِهِ، فَلا يُوَصَلُ إلَيْهِ إلّا بِالرُّمْحِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْدِيكم فِراخُ الطَّيْرِ وصِغارُ الوَحْشِ. وقالَ مُجاهِدٌ الأيْدِي: الفِراخُ والبَيْضُ، وما لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَفِرَّ والرِّماحُ تَنالُ كِبارَ الصَّيْدِ. قِيلَ: وما قالَهُ مُجاهِدٌ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُتَوَحِّشِ المُمْتَنِعِ دُونَ ما لا يَمْتَنِعُ انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى البَيْضِ صَيْدٌ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ خَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ تَصَرُّفًا في الِاصْطِيادِ، وفِيها تَدَخُّلُ الجَوارِحِ والحِبالاتِ وما عُمِلَ …

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وأقامَ بِالتَّنْعِيمِ، فَكانَ الوَحْشُ والطَّيْرُ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ وهم مُحْرِمُونَ، وقِيلَ: كانَ بَعْضُهم أحْرَمَ، وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَإذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ أحْوالُهم واشْتَبَهَتِ الأحْكامُ، وقِيلَ: قَتَلَ أبُو اليُسْرِ حِمارَ وحْشٍ بِرُمْحِهِ، فَقِيلَ: قَتَلْتَ الصَّيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ فَنَزَلَتْ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها؛ هو أنَّهم لَمّا أمَرَهم أنْ لا يُحَرِّمُوا الطَّيِّباتِ، وأخْرَجَ مِن ذَلِكَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ، وهُما حَرامانِ دائِمًا، أخْرَجَ بَعْدَهُ مِنَ الطَّيِّباتِ ما حُرِّمَ في حالٍ دُونَ حالٍ، وهو الصَّيْدُ. وكانَ الصَّيْدُ مِمّا تَعِيشُ بِهِ العَرَبُ، وتَتَلَذَّذُ بِاقْتِناصِهِ، ولَهم فِيهِ الأشْعارُ والأوْصافُ الحَسَنَةُ. والظّاهِرُ أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) عامٌّ لِلْمُحِلِّ والمُحْرِمِ، لَكِنْ لا يَتَحَقَّقُ الِابْتِلاءُ إلّا مَعَ الإحْرامِ أوِ الحُرُمِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو لِلْمُحْرِمِينَ. وقالَ مالِكٌ هو لِلْمُحِلِّينَ، والمَعْنى لَيَخْتَبِرَنَّكُمُ اللَّهُ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِهِ مَعَ الإحْرامِ أوِ الحَرَمِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ يَقْتَضِي تَقْلِيلًا، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ الِابْتِلاءِ العَظِيمِ، كالِابْتِلاءِ بِالأنْفُسِ والأمْوالِ، بَلْ هو تَشْبِيهٌ بِما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ السَّمَكِ، وأنَّهم كانُوا لا يَصْبِرُونَ عِنْدَ هَذا الِابْتِلاءِ فَكَيْفَ يَصْبِرُونَ عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ ؟ ومِن في ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ في حالِ الحُرْمَةِ، إذْ قَدْ يَزُولُ الإحْرامُ ويُفارِقُ الحَرَمَ، فَصَيْدُ بَعْضِ هَذِهِ الأحْوالِ بَعْضُ الصَّيْدِ عَلى العُمُومِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مِن صَيْدِ البَرِّ دُونَ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا كَما تَقُولُ قالَ لَأمْتَحِنَنَّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ، وكَما قالَ تَعالى: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] والمُرادُ بِالصَّيْدِ المَأْكُولُ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ يَنْطَلِقُ عَلى المَأْكُولِ وغَيْرِ المَأْكُولِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎صَيْدُ المُلُوكِ أرانِبُ وثَعالِبُ وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأبْطالُ

وقالَ زُهَيْرٌ:

؎لَيْثٌ بِعَثَّرَ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما ∗∗∗ كَذَّبَ اللَّيْثُ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا

ولِهَذا قالَ أبُو حَنِيفَةَ إذا قَتَلَ المُحْرِمُ لَيْثًا أوْ ذِئْبًا ضارِيًا أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ، فَعَلَيْهِ الجَزاءُ بِقَتْلِهِ.

﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ أيْ بَعْضٌ مِنهُ يُتَناوَلُ بِالأيْدِي؛ لِقُرْبِ غِشْيانِهِ حَتّى تَتَمَكَّنَ مِنهُ اليَدُ، وبَعْضٌ بِالرِّماحِ لِبُعْدِهِ وتَفَرُّقِهِ، فَلا يُوَصَلُ إلَيْهِ إلّا بِالرُّمْحِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْدِيكم فِراخُ الطَّيْرِ وصِغارُ الوَحْشِ. وقالَ مُجاهِدٌ الأيْدِي: الفِراخُ والبَيْضُ، وما لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَفِرَّ والرِّماحُ تَنالُ كِبارَ الصَّيْدِ. قِيلَ: وما قالَهُ مُجاهِدٌ غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُتَوَحِّشِ المُمْتَنِعِ دُونَ ما لا يَمْتَنِعُ انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ لا يُطْلَقُ عَلى البَيْضِ صَيْدٌ، ولا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِما يَئُولُ إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ خَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ تَصَرُّفًا في الِاصْطِيادِ، وفِيها تَدَخُّلُ الجَوارِحِ والحِبالاتِ وما عُمِلَ …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في بَنِي مُدْلِجٍ، وكانُوا يَنْزِلُونَ في أسْيافِ البَحْرِ، سَألُوا عَمّا نَضَب عَنْهُ الماءُ مِنَ السَّمَكِ، فَنَزَلَتْ. والبَحْرُ هُنا الماءُ الكَثِيرُ الواسِعُ، وسَواءٌ في ذَلِكَ النَّهْرُ والوادِي والبِرْكَةُ والعَيْنُ، لا يَخْتَلِفُ الحُكْمُ في ذَلِكَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالبَحْرِ هُنا البَحْرُ الكَبِيرُ، وعَلَيْهِ يَدُلُّ سَبَبُ النُّزُولِ، وما عَداهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ. وأمّا طَعامُهُ فَرُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُ ما قَذَفَهُ البَحْرُ، وطَفا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم وهَذا يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ ﷺ، «الحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ والنَّخَعِيُّ وابْنُ المُسَيَّبِ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: صَيْدُهُ طَرِيُّهُ، وطَعامُهُ المَمْلُوحُ مِنهُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِي صارَ مالِحًا قَدْ كانَ طَرِيًّا وصَيْدًا في أوَّلِ الأمْرِ، فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ. وقالَ قَوْمٌ: طَعامُهُ المِلْحُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ ونَحْوِهِ، وقالَ الحَسَنُ: طَعامُهُ صَوْبَ ساحِلِهِ، وقِيلَ: طَعامُهُ كُلُّ ما سَقاهُ الماءُ فَأنْبَتَ لِأنَّهُ نَبَتَ مِن ماءِ البَحْرِ وقِيلَ: صَيْدُ البَحْرِ ما صِيدَ لِأكْلٍ وغَيْرِهِ كالصَّدَفِ لِأجْلِ اللُّؤْلُؤِ وبَعْضِ الحَيَواناتِ لِأجْلِ عِظامِها وأسْنانِها وطَعامُهُ المَأْكُولُ مِنهُ خاصَّةً عَطْفُ خاصٍّ عَلى عامٍّ وعَدَمُ تَقْيِيدِ الحِلِّ يَدُلُّ عَلى التَّحْلِيلِ لِلْمُحْرِمِ والحَلالِ والصَّيْدُ المَصِيدُ، وأُضِيفَ إلى المَقَرِّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ يَحِلُّ أكْلُ كُلِّ ما صِيدَ مِن أنْواعِ مَخْلُوقاتِهِ حَتّى الَّذِي يُسَمّى خِنْزِيرَ الماءِ وكَلْبَ الماءِ وحَيَّةَ الماءِ والسَّرَطانَ والضُّفْدَعَ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى ومالِكٍ والأوْزاعِيِّ. وقالَ اللَّيْثُ: لا يُؤْكَلُ خِنْزِيرُ الماءِ ولا إنْسانُ الماءِ، وتُؤْكَلُ مَيْتَتُهُ وكَلْبُهُ وفَرَسُهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ فِيما رَوى عَنْهُ أبُو إسْحاقَ الفَزارِيُّ: لا يُؤْكَلُ مِن حَيَوانِ الماءِ إلّا السَّمَكُ ولا يُؤْكَلُ طافِيهِ ولا الضُّفْدَعُ ولا كَلْبُهُ ولا خِنْزِيرُهُ، وقالَ: هَذِهِ مِنَ الخَبائِثِ. قالَ الرّازِيُّ: ما صِيدَ مِنَ البَحْرِ حِيتانٌ وجَمِيعُ أنْواعِها حَلالٌ، وضَفادِعُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَرامٌ، واخْتَلَفُوا فِيما سِوى هَذَيْنِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: صَيْدُ البَحْرِ مَصِيداتُ البَحْرِ مِمّا يُؤْكَلُ، ومِمّا لا يُؤْكَلُ، وطَعامُهُ وما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ. والمَعْنى أُحِلَّ لَكُمُ الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ وأُحِلَّ لَكم أكْلُ المَأْكُولِ مِنهُ، وهو السَّمَكُ وحْدَهُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ. وعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى جَمِيعُ ما يُصادُ مِنهُ، عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ حَيَوانِ البَحْرِ، وأنْ تُطْعِمُوهُ انْتَهى. وتَفْسِيرُ (وطَعامُهُ) بِقَوْلِهِ وأنْ تُطْعِمُوهُ، خِلافُ الظّاهِرِ، ويَكُونُ عَلى قَوْلِ ابْنِ أبِي لَيْلى الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى صَيْدِ البَحْرِ. والظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى البَحْرِ، وأنَّهُ يُرادُ بِهِ المَطْعُومُ لا الإطْعامُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ظاهِرُ لَفْظِ (وطَعامُهُ) وقِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَرْثِ. وطُعْمُهُ بِضَمِّ الطّاءِ وسُكُونِ العَيْنِ وانْتَصَبَ (مَتاعًا) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى المَصْدَرِ، والمَعْنى مَتَّعَكم …

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ .

مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَعْظِيمَ الإحْرامِ بِالنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الوَحْشِ فِيهِ بِحَيْثُ شَرَّعَ بِقَتْلِهِ ما شَرَّعَ. وذَكَرَ تَعْظِيمَ الكَعْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ جَعَلَ الكَعْبَةَ قِيامًا لِلنّاسِ؛ أيْ رَكَّزَ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمَها بِحَيْثُ لا يَقَعُ فِيها أذى أحَدٍ، وصارَتْ وازِعَةً لَهم مِنَ الأذى، وهم في الجاهِلِيَّةِ الجَهْلاءِ لا يَرْجُونَ جَنَّةً ولا يَخافُونَ نارًا إذْ لَمْ يَكُنْ لَهم مَلِكٌ يَمْنَعُهم مِن أذى بَعْضِهِمْ، فَقامَتْ لَهم حُرْمَةُ الكَعْبَةِ مَقامَ حُرْمَةِ المَلِكِ، هَذا مَعَ تَنافُسِهِمْ وتَحاسُدِهِمْ ومُعاداتِهِمْ وأخْذِهِمْ بِالثَّأْرِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ الثَّلاثَةَ المَذْكُورَةَ بَعْدَ الكَعْبَةِ قِيامًا لِلنّاسِ، فَكانُوا لا يُهَيِّجُونَ أحَدًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، ولا مَن ساقَ الهَدْيَ؛ لِأنَّهُ لا يُعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَجِئْ لِحَرْبٍ، ولا مَن خَرَجَ يُرِيدُ البَيْتَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَتَقَلَّدَ مِن لُحِيِّ الشَّجَرِ، ولا مَن قَضى نُسُكَهُ، فَتَقَلَّدَ مِن شَجَرِ الحَرَمِ. ولَمّا بَعَثَتْ قُرَيْشٌ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى المُؤْمِنِينَ الحِلْسَ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذا رَجُلٌ يُعَظِّمُ الحُرْمَةَ فَألْقُوهُ بِالبُدْنِ مُشْعِرَةً» فَلَمّا رَآها الحِلْسُ عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وقالَ ما يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّ هَؤُلاءِ، ورَجَعَ عَنْ رِسالَةِ قُرَيْشٍ، وجَعَلَ هُنا بِمَعْنى صَيَّرَ. وقِيلَ: جَعَلَ بِمَعْنى بَيَّنَ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا عَلى تَفْسِيرِ المَعْنى، إذْ لَمْ يُنْقَلْ (جَعَلَ) مُرادِفَةً لِهَذا المَعْنى، لَكِنَّهُ مِن حَيْثُ التَّصْيِيرُ، يَلْزَمُ مِنهُ التَّبْيِينُ، والحُكْمُ. ولَمّا كانَ لَفْظُ الكَعْبَةِ قَدْ أطْلَقَهُ بَعْضُ العَرَبِ عَلى غَيْرِ البَيْتِ الحَرامِ، كالبَيْتِ الَّذِي كانَ في خَثْعَمَ، يُسَمّى كَعْبَةَ اليَمانِيَةِ، بَيَّنَ تَعالى أنَّ المُرادَ هُنا بِالكَعْبَةِ البَيْتُ الحَرامُ، وهو بَدَلٌ مِنَ الكَعْبَةِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: البَيْتُ الحَرامُ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ، لا عَلى جِهَةِ التَّوْضِيحِ، كَما تَجِيءُ الصِّفَةُ كَذَلِكَ انْتَهى، ولَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّهم ذَكَرُوا في شَرْطِ عَطْفِ البَيانِ الجُمُودَ، فَإذا كانَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ جامِدًا، لَمْ يَكُنْ فِيهِ إشْعارٌ بِمَدْحٍ، إذْ لَيْسَ مُشْتَقًّا، وإنَّما يُشْعِرُ بِالمَدْحِ المُشْتَقِّ إلّا أنْ يُقالَ أنَّهُ لَمّا وصَفَ عَطْفَ البَيانِ بِقَوْلِهِ (الحَرامَ)، اقْتَضى المَجْمُوعُ المَدْحَ، فَيُمْكِنُ ذَلِكَ. والقِيامُ مَصْدَرٌ كالصِّيامِ، ويُقالُ هَذا قِيامٌ لَهُ، وقِوامٌ لَهُ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا في قِيامٍ إلى أنَّهُ لَيْسَ مَصْدَرًا، بَلْ هو اسْمٌ كالسِّواكِ، فَلِذَلِكَ صَحَّتِ الواوُ. قالَ: قِوامُ دُنْيا وقِيامُ دِينٍ. إذا لَحِقَتْ تاءُ التَّأْنِيثِ لَزِمَتِ التّاءُ. قالُوا القِيامَةُ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ فَقِيلَ بِاتِّساعِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، إذْ جَعَلَها تَعالى مَقْصُودَةً مِن جَمِيعِ الآفاقِ. وكانَتْ مَكَّةُ لا زَرْعَ ولا ضَرْعَ، وقِيلَ: بِامْتِناعِ الإغارَةِ في الحَرَمِ، وقِيلَ: بِسَبَبِ صَيْرُورَتِهِمْ أهْلَ اللَّهِ، فَكُلُّ أحَدٍ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: بِما يُقامُ فِيها مِنَ المَناسِكِ، وفِعْلِ العِباداتِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: يَأْمَنُ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها، …

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ إذْ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ شَدِيدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ.

﴿وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وهَذا تَوْجِيهٌ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِمَن حافَظَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، أوْ تابَ عَنْ مَعاصِيهِ.

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ كَلَّفَ رَسُولَهُ بِالتَّبْلِيغِ وهو تَوْصِيلُ الأحْكامِ إلى أُمَّتِهِ، وهَذا فِيهِ تَشْدِيدٌ عَلى إيجابِ القِيامِ بِما أمَرَ بِهِ تَعالى، وأنَّ الرَّسُولَ قَدْ فَرَغَ مِمّا وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ، وقامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطّاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم في التَّفْرِيطِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي إخْبارٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقالَ هي أنَّهُ مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، بَلْ هَذِهِ حالُ مَن آمَنَ بِهَذا، وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ فَإنَّهُ عَصَمَ مِنَ الرَّسُولِ مالَهُ ودَمَهُ، فَلَيْسَ عَلى الرَّسُولِ في جِهَتِهِ أكْثَرُ مِنَ التَّبْلِيغِ انْتَهى. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ الخِلافَ فِيها أهِيَ مُحْكَمَةٌ، أمْ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والرَّسُولُ هَنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمَ جِنْسٍ، والمَعْنى ما عَلى كُلِّ مَن أُرْسِلَ إلّا البَلاغُ، والبَلاغُ والبُلُوغُ مَصْدَرانِ لِبَلَغَ، وإذا كانَ مَصْدَرًا لِبَلَغَ، فَبَلاغُ الشَّرائِعِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَبْلِيغِ مَن أُرْسِلَ بِها، فَعَبَّرَ بِاللّازِمِ عَنِ المَلْزُومِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا لِبَلَّغَ المُشَدَّدِ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، فَمَعْنى البَلاغِ: التَّبْلِيغُ.

﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ جُمْلَةٌ فِيها تَهْدِيدٌ إذْ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى حالِ العَبْدِ ظاهِرًا وباطِنًا، فَهو مُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ ثَوابًا أوْ عِقابًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى ألْزَمَ رَسُولَهُ التَّبْلِيغَ لِلشَّرِيعَةِ، وألْزَمَكم أنْتُمْ تَبْلِيغَها، فَهو العالِمُ بِما تُبْدُونَ مِنها وما تَكْتُمُونَهُ، فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ، وكانَ ذَلِكَ خِطابًا لِأُمَّتِهِ إذا كانَ الإبْداءُ والكَتْمُ يُمْكِنُ صُدُورُهُما مِنهم، بِخِلافِ الرَّسُولِ فَإنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ أنْ يَكْتُمَ شَيْئًا مِن شَرائِعِ اللَّهِ تَعالى.

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ . رَوى جابِرٌ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ الخَمْرَ كانَتْ تِجارَتِي، فَهَلْ يَنْفَعُنِي ذَلِكَ المالُ إذا عَمِلْتُهُ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ» . ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا حَذَّرَ عَنِ المَعْصِيَةِ، ورَغَّبَ في التَّوْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [المائدة: ٩٨] الآيَةَ. وأتْبَعَهُ في التَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] ثُمَّ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩] أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ، والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ. فَقالَ هَلْ يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ، الآيَةَ، أوْ يُقالُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ عِقابَهُ شَدِيدٌ لِمَن عَصى وأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِمَن أطاعَ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي، وإنْ كانَ مِنَ العُصاةِ والكُفّارِ كَثْرَةٌ، فَلا يَمْنَعُهُ كَثْرَتُهم مِن عِقابِهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ عامّانِ، فَيَنْدَرِجُ تَحْتَهُما حَلالُ المالِ وحَرامُهُ، وصالِحُ العَمَلِ وفاسِدُهُ، وجَيِّدُ النّاسِ ورَدِيئُهم، وصَحِيحُ العَقائِدِ وفاسِدُها، والخَبِيثُ مِن هَذا كُلِّهِ لا يَصْلُحُ ولا يُحَبُّ ولا يَحْسُنُ لَهُ عاقِبَةٌ، والطَّيِّبُ ولَوْ قَلَّ نافِعٌ جَيِّدُ العاقِبَةِ. ويُنْظَرُ إلى هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ﴾ [الأعراف: ٥٨] الآيَةَ. والخَبِيثُ فاسِدُ الباطِنِ في الأشْياءِ حَتّى يُظَنَّ بِها الصَّلاحُ، والطَّيِّبُ خِلافُ ذَلِكَ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ هُنا الخَبِيثَ والطَّيِّبَ بِبَعْضِ ما يَقْتَضِيهِ عُمُومُ اللَّفْظِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو الحَلالُ والحَرامُ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو المُؤْمِنُ والكافِرُ. وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ قَوْلًا: أنَّهُ المُطِيعُ والعاصِي. وقَوْلًا آخَرَ: أنَّهُ الجَيِّدُ والرَّدِيءُ، وقِيلَ: الطَّيِّبُ المَعْرِفَةُ والطّاعَةُ والخَبِيثُ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، والأحْسَنُ حَمْلُ هَذِهِ الأقْوالِ عَلى أنَّها تَمْثِيلٌ لِلطَّيِّبِ، والخَبِيثِ لا قَصْرُ اللَّفْظِ عَلَيْها، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ، ووَجْهُ كافِ الخِطابِ في قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ﴾ أنَّ المَعْنى، ولَوْ أعْجَبَكَ أيُّها السّامِعُ، أوْ أيُّها المُخاطَبُ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ بِقَوْلِهِ، ويَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، والأوْلى القَوْلُ الأوَّلُ، أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لَهُ في الظّاهِرِ، والمُرادُ غَيْرُهُ.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ في إيثارِ الطَّيِّبِ وإنْ قَلَّ عَلى الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن حَقِّ هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُكْفَحَ بِها المُجْبِرَةُ إذا افْتَخَرُوا بِالكَثْرَةِ؛ قالَ شاعِرُهم:

؎وكاثِرْ بِسَعْدٍ إنَّ سَعْدًا كَثِيرَةٌ ولا تَرْجُ مِن سَعْدٍ وفاءً ولا نَصْرا

وقالَ آخَرُ

؎لا يَدْهَمَنَّكَ مِن دَهْمائِهِمْ عَدَدٌ ∗∗∗ فَإنَّ جُلَّهم بَلْ كُلَّهم بَقَرُ

وهُوَ عَلى عادَتِهِ مِن تَسْمِيَةِ أهْلِ السُّنَّةِ مُجْبَرَةً وذَمِّهِمْ، وخَصَّ تَعالى الخِطابَ والنِّداءَ بِأُولِي …

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.