إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ
Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠]، هذه الآية جمعت بين خبر وطلب، الخبر قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والطلب قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، في هذه الآية يبدأ الله تعالى الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تكرر هذا الخطاب، وبيَّنَّا أن بدء الكلام بالخطاب يدل على أهميته والعناية به، ثم بدؤه بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن العمل به تصديقًا أو امتثالًا من مقتضيات الإيمان، كذلك أيضًا يدل على أن مخالفته أو الشك فيه أو تكذيبه منافٍ للإيمان؛ إما لأصله أو لكماله، وثالثًا: أن في هذا إغراءً للمخاطب، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فاستمع وامتثل.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطلق الله عز وجل الإيمان ولم يذكر ما يؤمن به؛ لأن ذلك معلوم، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه -أي عن الإيمان- فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب..
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا هو الأصل، وقد يراد به تحقيق الحكم في المذكور، ولا يلزم أن ينفى عما سواه؛ كما سيتبين إن شاء الله في التفسير.
﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الخمر قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: إنه المسكر، المسكر هذا هو الخمر، كل ما أسكر فهو خمر، ولا نقول: كل ما أذهب العقل فهو خمر، أو كل ما أذهب الإحساس فهو خمر، بل نقول: الخمر ما غطى العقل على وجه اللذة والطرب؛ لأن الذين يشربون الخمر يجدون راحة ونشوة وطربًا، وعلى هذا فالبنج ليس بخمر؛ لأنه وإن كان يفقد الإحساس لكنه لا يجد الإنسان فيه النشوة والطرب، ومع ذلك لا يستعمل البنج إلا للحاجة والضرورة.
الميسر هو: أخذ المال على وجه المغالبة، وسُمي ميسرًا لتيسر الحصول عليه، مثاله: المراهنة والقمار، مثل أن يقول: سنعمل عملًا سويًّا ونجعل العوض مثلًا عشرة آلاف ريال، فمن غلب أخذ العشرة، ومن غُلب أُخذت منه العشرة. إذن المسألة الآن غرر وجهالة، فيسمى هذا ميسرًا؛ لما فيه من المغامرة والغرر والمخاطرة، وقد كان هذا معروفًا عند العرب وكذلك في أول الإسلام، ولكنه -والحمد لله- حرم.
﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ الأنصاب هي: ما ينصب ليعبد من دون الله، ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ هي ما يُستقسم به، أي يطلب به الإنسان ما قُسم له، وكانوا يستعملون هذا في الجاهلية، يضعون أقداحًا فيها: افعل، ولا تفعل، والقدح الثالث ليس فيه شيء، ثم يخلطونها جميعًا ويقول القائل: خذ منها بدون أن تعلم، تجعل في كيس أو نحوه، ثم يقال: أدخل يدك وأخرج قدحًا، إن خرج (افعل) فعل، وإن خرج (لا تفعل) لم يفعل، إن خرج المهمل أعاد مرة أخرى. هذا العمل كانوا يستعملونه في الجاهلية، وهو مبني على أوهام لا حقيقة له، ولذلك حرمه الله عز وجل.
وقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الرجس: النجس، لكن يكون الرجس نجسًا حسيًّا ويكون معنويًّا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣ ] المراد من الرجس هنا حسي ولَّا معنوي؟ هذا معنوي، وقد يكون حسيًّا، أي نجس نجاسة حسية؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ …