﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَّغْوُ في اليَمِينِ: السّاقِطُ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وهو عِنْدَنا أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَيْسَ كَما يَظُنُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قِيلَ: كانُوا حَلَفُوا عَلى تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلى ظَنِّ أنَّهُ قُرْبَةٌ، فَلَمّا نَزَلَ النَّهْيُ قالُوا: كَيْفَ بِأيْمانِنا ؟ فَنَزَلَتْ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ما يَبْدُو مِنَ المَرْءِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها. و" في أيْمانِكم " صِلَةُ " يُؤاخِذُكم "، أوِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ حالٌ مِنهُ.
﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾؛ أيْ: بِتَعْقِيدِكُمُ الأيْمانَ وتَوْثِيقِها عَلَيْهِ بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ، والمَعْنى: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُوهُ إذا حَنَثْتُمْ، أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ: ( عاقَدْتُمْ ) بِمَعْنى: عَقَدْتُمْ.
﴿فَكَفّارَتُهُ﴾؛ أيْ: فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ، وهي الفِعْلَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكَفِّرَ الخَطِيئَةَ وتَسْتُرَها، واسْتُدِلَّ بِظاهِرِهِ عَلى جَوازِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحِنْثِ، وعِنْدَنا لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: " «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» " .
﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أقْصَدِهِ في النَّوْعِ، أوِ المِقْدارِ، وهو نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنْ تُطْعِمُوا عَشَرَةَ مَساكِينَ طَعامًا كائِنًا مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن إطْعامِ.
وَ" أهْلُونَ " جَمْعُ أهْلٍ، كَأرْضُونَ جَمْعُ أرْضٍ، وقُرِئَ: ( أهالِيكم ) بِسُكُونِ الياءِ، عَلى لُغَةِ مَن يُسْكِنُها في الحالاتِ الثَّلاثِ كالألِفِ، وهَذا أيْضًا جَمْعُ أهْلٍ، كالأراضِي في جَمْعِ أرْضٍ، واللَّيالِي في جَمْعِ لَيْلٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أهْلاةٍ.
﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " إطْعامُ "، أوْ عَلى مَحَلِّ " مِن أوْسَطِ "، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن إطْعامِ. وهو ثَوْبٌ يُغَطِّي العَوْرَةَ، وقِيلَ: ثَوْبٌ جامِعٌ قَمِيصٌ، أوْ رِداءٌ، أوْ إزارٌ. وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ، كَقِدْوَةٍ في قُدْوَةٍ، وإسْوَةٍ في أُسْوَةٍ، وقُرِئَ: ( أوْ كَأُسْوَتِهِمْ ) عَلى أنَّ الكافَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ، تَقْدِيرُهُ: أوْ إطْعامُهم كَأُسْوَتِهِمْ، بِمَعْنى: أوْ كَمَثَلِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم إسْرافًا وتَقْتِيرًا تُواسُونَ بَيْنَهم، وبَيْنَهم إنْ لَمْ تُطْعِمُوهُمُ الأوْسَطَ.
﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أيْ:، أوْ إعْتاقُ إنْسانٍ كَيْفَما كانَ، وشَرَطَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ الإيمانَ، قِياسًا عَلى كَفّارَةِ القَتْلِ، ومَعْنى " ﴿أوْ﴾ ": إيجابُ إحْدى الخِصالِ مُطْلَقًا، وخِيارُ التَّعْيِينِ لِلْمُكَلَّفِ.
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
﴿فَصِيامُ﴾؛ أيْ: فَكَفّارَتُهُ صِيامُ.
﴿ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ والتَّتابُعُ شَرْطٌ عِنْدَنا لِقِراءَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَرى الشَّواذَّ حُجَّةً.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أيِ: الَّذِي ذُكِرَ.
﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾؛ أيْ: وحَنَثْتُمْ.
﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ بِأنْ تَضِنُّوا بِها ولا تَبْذُلُوها، كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾ " . …