Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 81–90 of 120

81

وَلَوْ كَانُوا۟ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِىِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ

And if they had believed in Allah and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة ٨١].

﴿لَوْ كَانُوا﴾ الضمير يعود على اليهود الذين تَحَدَّث الله عنهم أولًا.

﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: حق الإيمان، والإيمان مع الكفر بالرسل لا يسمى إيمانًا حتى لو قال: أؤمن بالله، وأن الله تعالى سبحانه حَيٌّ، عليم، قادر، مدبر للأشياء فإن ذلك لا يعد إيمانًا مع الكفر.

وقوله: ﴿النَّبِيِّ﴾ (أل) هنا للعهد الذهني وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ أي: القرآن، والمُنْزِل له هو الله تبارك وتعالى.

﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ هذا جواب (لو) ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: ما اتخذوا مَنْ؟ ما اتخذوا الذين كفروا أولياء؛ وكما ترون لم يقترن جواب (لو) باللام؛ لأنه نَفْيٌ و(اللام) للتوكيد والإثبات ولا يتناسب هذا وهذا؛ ولذلك كان الأكثر في جواب (لو) الشرطية إذا كان مثبتًا أن يقترن باللام وإذا كان منفيًّا أن يتجرد من اللام، فإذا قلت: لو زرتني أكرمتك، صح، لو زرتني لأكرمتك، صح، وأيهما الأكثر؟

* طلبة: الثاني.

* الشيخ: لأكرمتك، الثاني؛ وقد اجتمع النوعان في سورة الواقعة، فقال الله تبارك وتعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة ٦٥] ﴿لَجَعَلْنَاهُ﴾؛ وقال في الماء: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة ٧٠] فحذف اللام؛ أما إذا كان جواب (لو) منفيًّا بـ(ما) فإن الأكثر تجرده من اللام ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف ٢٠] ولم تكن: لما عبدناهم، ووجه ذلك أنه لا يتناسب التوكيد باللام مع الاقتران بـ(ما)، لكن مع ذلك تأتي في اللغة العربية كما في قول الشاعر:

وَلَوْ نُعْطَى الْخِيَارَ لَمَا افْتَرَقْنَا ∗∗∗ وَلَكِنْ لَا خِيَـــــــــارَ مَعَاللَّيَالِي

المعنى لو كان الأمر بأيدينا ما افترقنا ولكن تَأَبْى الليالي إلا أن نفترق.

في هذه الآية ﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ جريًا على أيش؟ على الأكثر.

﴿مَا اتَّخَذُوهُمْ﴾ أي: ما صيروهم أولياء؛ ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: خارجون عن طاعة الله، والمراد بالفسق هنا الفسق الأكبر المخرج عن الملة.

* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن اتخاذ الكافرين أولياء مناف للإيمان بالله ورسوله وكتابه؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: أن (النبي) يُطْلَق على (الرسول)؛ في هذه السورة (الرسول) و(النبي) وكلاهما للرسول محمد ﷺ؛ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة ٦٧] وهنا يقول: ﴿وَالنَّبِيِّ﴾ وفي القرآن الكريم أكثر ما ذكر الرسل بوصف النبوة، اقرأ إن شئت سورة مريم، واقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣].

* ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن مُنْزَل على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ هذا الإنزال مُعْتَنًى به أكمل عناية؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٢] تأمل قول رب العالمين ليتبين لك عظمة هذا القرآن وأن العالمين مُلْزَمون بقبوله؛ لأنه نازل من ربهم، ثم تأمل قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء ١٩٣] الروح جبريل؛ لأنه موكل بالوحي الذي به حياة القلوب، أمين مؤتمن لا يمكن أن يزيد فيه ولا ينقص ولا يتقدم ولا يتأخر عليه الصلاة والسلام.

أين وعاء هذا المنزل؟ ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٤]، والشيء إذا حَلَّ في القلب لا بد أن يؤثر على البدن؛ لقول النبي ﷺ: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا …

Al-Maaida 5:81Listen in Qur'an →
82

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allah; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا.

على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.

والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.

إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.

إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.

﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ …

Al-Maaida 5:82Listen in Qur'an →
83

وَإِذَا سَمِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا۟ مِنَ ٱلْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا.

على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.

والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.

إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.

إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.

﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ …

Al-Maaida 5:83Listen in Qur'an →
84

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلصَّٰلِحِينَ

And why should we not believe in Allah and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا.

على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.

والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.

إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.

إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.

﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ …

Al-Maaida 5:84Listen in Qur'an →
85

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُوا۟ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلْمُحْسِنِينَ

So Allah rewarded them for what they said with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة ٨٢ - ٨٦]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ وأظننا فسرنا هذا.

على كل حال، قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ هذه الجملة مؤكدة بمؤكدات ثلاثة: القسم المقدر الذي دلت عليه اللام في قوله: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾؛ ولهذا يسمي النحاة هذه اللام موطئة للقسم، وباللام، وبالنون ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ والخطاب فيها إما للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيكون الحديث عن اليهود والنصارى والمشركين في هذه الآية الذين كانوا في عهد مَن؟ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإما أن يكون الخطاب لكل من يتوجه إليه الخطاب فتكون هذه الأوصاف عامة في هؤلاء إلى يوم القيامة، فالآية محتملة، ومع ذلك حتى لو قلنا بالعموم فليست تَعُمُّ كل يهوديٍّ بعينه وكل نصراني بعينه وكل مشرك بعينه، لكن هذا الحكم على سبيل العموم.

والأحكام تأتي دائمًا على سبيل العموم كما تقول: الرجال خير من النساء، يعني هذا الجنس خير من هذا الجنس، ويوجد في النساء مَن هو خير من كثير من الرجال ويوجد في الرجال مَن هو شر من كثير من النساء.

إذن الخطاب يحتمل أن يكون لِمَن؟ للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى هذا فيختصُّ الحكم لهؤلاء الذين بعد الرسول ﷺ، ويحتمل العموم ويكون المراد الجنس ما هو كل فرد، لا الجنس.

﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ يحتمل في ﴿أَشَدَّ﴾ أن تكون مفعولًا ثانيًا مقدمًا ويحتمل أن تكون هي المفعول الأول، فعلى الأول يكون التقدير: لتجدن اليهود والذين أشركوا أشد الناس عداوة للذين آمنوا، هذا إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا أول، وإذا جعلناها ثانيًا: صارت مقدمة، انتبه ﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يحتمل أن تكون ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول ويكون المراد الإخبار عن أشد الناس عداوة، ويحتمل أن يكون أشد مفعولًا ثانيًا، ويكون المراد الإخبار عن هاتين الطائفتين اليهود والنصارى بأنهم أشد الناس عداوة، فأيهما أعظم؟ أن نجعل ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول و﴿الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المفعول الثاني؟ أو العكس؟ الأول أشد، يعني لو سألت عن أشد الناس عداوة لوجدتهم مَن؟ اليهود والذين أشركوا.

إذن نقول: ﴿أَشَدَّ﴾ هي المفعول الأول وهي في محل مبتدأ؛ لأن (وجد) تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، فحينئذ يكون معناه الإخبار عن أشد الناس عداوة، إذا جعلنا ﴿أَشَدَّ﴾ مفعولًا ثانيًا مقدمًا صار المعنى الإخبار عن اليهود والذين أشركوا أنهم أشد الناس عداوة، لكن المعنى الأول أشد وأعظم.

﴿أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾ والعداوة ضد الولاية، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ …

Al-Maaida 5:85Listen in Qur'an →
86

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

* من فوائدها: أن الكفر والتكذيب بآيات الله من أسباب دخول النار والخلود فيها؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

* ومن فوائدها: بيان هذا القرآن الكريم، وأنه مثاني تُثَنَّى فيه المعاني والأحوال، حتى لا يَمَلَّ القارئ، وحتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان الواعظ للناس أن لا تكون موعظته بالترغيب دائمًا، أو بالترهيب دائمًا؛ لأنه إن أدام الترغيب أوقعهم في الأمن من مكر الله، وإن أدام الترهيب أوقعهم في القنوط من رحمة الله، فالواعظ في الحقيقة كالطبيب، إن أعطى جرعة زائدة هلك المريض، وإن نقص لم يبرأ المريض، لا بد أن يكون الإنسان يراعي الأحوال، لا يقتصر على الترغيب دائمًا، ولا على الترهيب دائمًا، وإذا قلنا بهذه القاعدة تبيَّن لنا أن من الناس مَن الأَوْلَى بحقه الترغيب، ومن الناس مَن الأَوْلَى بحقه الترهيب، إذا رأيت شخصًا مقبلًا على طاعة الله حريصًا عليها، فهنا ماذا نقول؟ الأَوْلَى الترغيب، حتى نَحُثَّه على الطاعة وتقدمها، ونؤمله القبول، وإذا رأيت أحدًا بالعكس متهاونًا بالطاعة، مُصِرًّا على المعصية، فهنا جانب الترهيب أولى، ومع ذلك نأمره بالتوبة ونُرَغِّبُه في قبولها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذا الاسم للنار، وهو الجحيم، ولها أسماء متعددة، وأسماؤها تعتبر أوصافًا لها، فجهنم، والنار، والحريق، وما أشبه ذلك، هذه كلها أسماء تعتبر أوصافًا.

Al-Maaida 5:86Listen in Qur'an →
87

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allah has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allah does not like transgressors.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، فيما يتعلق بالنسخ، بعض العلماء يقول: إن اصطلاح المتقدمين من الصحابة وبعض التابعين للنسخ أوسع من اصطلاح المتأخِّرين.

* الشيخ: صحيح، بعض السلف يطلق التخصيص على النسخ، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، أجاز بعض السلف أن يجمع الإنسان بين الأختين في ملك اليمين، يعني يطأهما، وقال: الآية عامة، لكن عبَّر بعض السلف قال: هذه الآية نسختها آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء ٢٣]، فقال: نسختها، ويريد بذلك التخصيص، وله وجه؛ لأن التخصيص نَسْخٌ للعموم، فله وجه.

* الطالب: سورة البقرة، آخر آية هل هي نسخ أو بالتخصيص ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]؟

* الشيخ: لا، الظاهر -والله أعلم- إطلاق النسخ عليها من باب التخصيص، أو التبيين أيضًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤] هذا من الأمور العملية والقلبية، أما مجرد الفكر فقد تجاوز الله عنه.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل نسخ القرآن بالسنة، هل السنة نسخت الـ..؟

* الشيخ: فيه مثال وهو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ أي: الفاحشة، ﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٦]، والحديث الذي صحَّحه كثير من الأئمة: «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس.، فهذا الحديث ينسخ قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾، الحديث ينسخ الآية، هذا نسخ القرآن بالسنة، والمثال عزيز جدًّا، يعني قليل جدًّا جدًّا.

كما أن القرآن يخصِّص السنة، مثل اشتراط النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية أن مَن جاء من المشركين مسلمًا فإنه يُرَدُّ عليهمأخرجه البخاري (٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة.، وهذا عام للرجال والنساء، فقال الله عز وجل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا من الأمور العزيزة النادرة؛ أن يكون القرآن يخصِّص عموم السنة.

* طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، ﴿أَشَدَّ﴾ هذا إذا جعلناه مفعول أول أبلغ من لو جعلناه مفعولًا ثانيًا، أحسن الله إليك، ما فهمت وجه إنه أبلغ.

* الشيخ: تفهم إن شاء الله هذا في وقت آخر؛ لأنه تكلمنا عليها كثيرًا.

* طالب: أسأل الله أن يحسن إليك، كما لا يخفى أن الخوف والرجاء من العبادات القلبية، فكيف يستطيع الإنسان يحقق الخوف والرجاء ويعرف أنه يمشي بين هذين؟

* الشيخ: وهذا ليس انفعالًا في الواقع، وإذا قُدِّر انفعالًا فإننا نقول: الإنسان إذا مُنِّيَ بشيء يحبه أيرجوه أو لا؟ يرجوه، وإذا خُوِّف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله إنسان، يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذا عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.

* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا وقرروا وعملوا به يا شيخ، والحقيقة تقصر عقولنا عنهم فهمًا وعملًا، كيف (...) يا شيخ؟

* الشيخ: مثل أيش؟

* الطالب: مثل كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه في آية الرجم، بعض الناس يطالب يقول: الدليل، ما فيه دليل، بعض من الناس الحين، آية الرجم؟

* الشيخ: سبحان الله! …

Al-Maaida 5:87Listen in Qur'an →
88

وَكُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤْمِنُونَ

And eat of what Allah has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allah, in whom you are believers.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.

* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، فيما يتعلق بالنسخ، بعض العلماء يقول: إن اصطلاح المتقدمين من الصحابة وبعض التابعين للنسخ أوسع من اصطلاح المتأخِّرين.

* الشيخ: صحيح، بعض السلف يطلق التخصيص على النسخ، مثل قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، أجاز بعض السلف أن يجمع الإنسان بين الأختين في ملك اليمين، يعني يطأهما، وقال: الآية عامة، لكن عبَّر بعض السلف قال: هذه الآية نسختها آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء ٢٣]، فقال: نسختها، ويريد بذلك التخصيص، وله وجه؛ لأن التخصيص نَسْخٌ للعموم، فله وجه.

* الطالب: سورة البقرة، آخر آية هل هي نسخ أو بالتخصيص ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦]؟

* الشيخ: لا، الظاهر -والله أعلم- إطلاق النسخ عليها من باب التخصيص، أو التبيين أيضًا؛ لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤] هذا من الأمور العملية والقلبية، أما مجرد الفكر فقد تجاوز الله عنه.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، هل نسخ القرآن بالسنة، هل السنة نسخت الـ..؟

* الشيخ: فيه مثال وهو قول الله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا﴾ أي: الفاحشة، ﴿مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٦]، والحديث الذي صحَّحه كثير من الأئمة: «مَنْ رَأَيْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس.، فهذا الحديث ينسخ قوله تعالى: ﴿فَآذُوهُمَا﴾، الحديث ينسخ الآية، هذا نسخ القرآن بالسنة، والمثال عزيز جدًّا، يعني قليل جدًّا جدًّا.

كما أن القرآن يخصِّص السنة، مثل اشتراط النبي عليه الصلاة والسلام في صلح الحديبية أن مَن جاء من المشركين مسلمًا فإنه يُرَدُّ عليهمأخرجه البخاري (٢٧٣٢) من حديث المسور بن مخرمة.، وهذا عام للرجال والنساء، فقال الله عز وجل: ﴿إِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة ١٠]، وهذا من الأمور العزيزة النادرة؛ أن يكون القرآن يخصِّص عموم السنة.

* طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً﴾، ﴿أَشَدَّ﴾ هذا إذا جعلناه مفعول أول أبلغ من لو جعلناه مفعولًا ثانيًا، أحسن الله إليك، ما فهمت وجه إنه أبلغ.

* الشيخ: تفهم إن شاء الله هذا في وقت آخر؛ لأنه تكلمنا عليها كثيرًا.

* طالب: أسأل الله أن يحسن إليك، كما لا يخفى أن الخوف والرجاء من العبادات القلبية، فكيف يستطيع الإنسان يحقق الخوف والرجاء ويعرف أنه يمشي بين هذين؟

* الشيخ: وهذا ليس انفعالًا في الواقع، وإذا قُدِّر انفعالًا فإننا نقول: الإنسان إذا مُنِّيَ بشيء يحبه أيرجوه أو لا؟ يرجوه، وإذا خُوِّف يخاف، لو أن رجلًا كريمًا قال: من عمل هذا فله كذا وكذا، فعمله إنسان، يرجو أو يخاف؟ يرجو، كذلك بالعكس لو أن رجلًا ظالمًا قال: من فعل كذا عاقبته بكذا، فالإنسان يخاف، وإن كان انفعالًا، لكن لا بد أن يتأثر الإنسان بما يكون أمامه من طمع أو خوف.

* طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا ثبت أن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم فهموا وقرروا وعملوا به يا شيخ، والحقيقة تقصر عقولنا عنهم فهمًا وعملًا، كيف (...) يا شيخ؟

* الشيخ: مثل أيش؟

* الطالب: مثل كلام عمر رضي الله عنه وأرضاه في آية الرجم، بعض الناس يطالب يقول: الدليل، ما فيه دليل، بعض من الناس الحين، آية الرجم؟

* الشيخ: سبحان الله! …

Al-Maaida 5:88Listen in Qur'an →
89

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍۢ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيْمَٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَٰنَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

Allah will not impose blame upon you for what is meaningless in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths. Thus does Allah make clear to you His verses that you may be grateful.

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ﴾ أي: لا يعاقبكم ولا يحاسبكم.

﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ اللغو ما لم يقصد؛ بدليل قوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.

وقد ذكرنا أن من طرق التفسير أن تُقابل الكلمة إذا كانت خفية بشيء واضح فيتبين معناها بما قُوبل بها، وذكرنا على هذا مثالًا، وهو قوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١] فإن (ثباتًا) لا يُفهم معناها بسرعة، لكن إذا قارنتها بالمقابل ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تبيّن أن معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: فرادى متفرّقين، هنا قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾.

إذن اللغو هو الذي لا يُقصد بأن يجري على اللسان بدون قصد، وهذا يقع كثيرًا، يقول لك صاحبك: أتريد أن نذهب إلى فلان؟ تقول: لا والله، لا أريد الذهاب إليه، أو يقول: اذهب فسلّم على فلان، تقول: لا والله لا أذهب، على سبيل اللغو لا القسم، فهذا على اسمه لغو، لا يترتب عليه حكم؛ ولأن هذا أيضًا من الأشياء التي قد يشق تجنبها.

وقوله: ﴿فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ جمع (يمين) وهو الحلف.

﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ أي: بالذي عقدتم، وفي هذه الكلمة ثلاث قراءات: ﴿عَاقَدْتُمُ﴾ و﴿عَقَدْتُمُ﴾ ، والمعنى واحد أي: بما نويتم عقده من الأيمان.

﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ فكفارته إذا حلفتم أو إذا حلفتم وحنثتم؟

الثاني؛ يعني أن في الآية شيئًا محذوفًا، فكفارته إن حنثتم فيه أي: التي تُكفّره، ولا يقع فيه مؤاخذة إطعام عشرة مساكين، وأطلق الله الإطعام فيُرجع في ذلك إلى العرف؛ لأن لدينا قاعدة؛ وهي: أن ما جاء مطلقًا في الكتاب والسنة فإنه يُحمل على العرف؛ على عرف الناس.

﴿عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ جمع (مسكين)، وهو الذي لا يجد كفايته، وسمي مسكينًا؛ لأن الفقر أسكنه؛ لأن العادة أن الغني يكون نشيطًا، له شخصية، يقابل الناس، ويتكلم معهم، ويأخذ منهم ويرد، والغالب على الفقير العكس، فلذلك سُمّي الفقير مسكينًا.

﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ أي: لا من أجوده ولا من أردئه، من الوسط.

وقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ معطوف على ﴿إِطْعَامُ﴾.

﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ والكسوة ما يكسو به الإنسان بدنه، وتختلف الكسوة باختلاف الأزمان والبلدان والأحوال، ولذلك ترون في مواسم الحج والعمرة اختلافًا كبيرًا في كسوة الناس، فيُرجع في هذا إلى العرف، ففي بلادنا هذه الكسوة عبارة عن قميص وسروال وغطرة وطاقية، هذه الكسوة، وإن نقص شيء من ذلك فالكسوة ناقصة، وقوله: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ولم يقيد من أوسط ما تكسون فيؤخذ بما يُعد كسوة.

﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أي: عتقها، وسمي العتق تحريرًا؛ لأن الرقيق يتحرر به من الملك؛ ملك سيده الذي يفرض عليه أن يكون عبدًا مطيعًا، وفي الآية الترقي من الأسهل إلى الأشد؛ لأنك لو نظرت لوجدت في الغالب أن الإطعام أسهل من الكسوة، وأن الكسوة أسهل من العتق.

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي: فمن لم يجد الإطعام، أو الكسوة، أو العتق، أو وجد لكن لم يجد من يطعمهم، أو يكسوهم، أو يعتقهم؛ بأن يكون المجتمع غنيًّا، كلهم أغنياء، لا يجد فيهم فقيرًا ولم يوجد أرقاء يمكن إعتاقهم، فإنه يعدل إلى الرابع من أصناف الكفارة، وهو صيام ثلاثة أيام مطلقه لم يقيدها الله عز وجل بالتتابع، والصيام إذا أُطلق فهو مُطلق لا يشترط فيه التتابع، ودليل ذلك أن الله إذا أراد سبحانه وتعالى أن يكون الصوم متتابعًا قيده كما في آية الظهار: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة ٤]، وكما في آية القتل: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء ٩٢]، وإذا أُطلق فإنه لا يجب فيه التتابع، لكن قد ورد في قراءة عبد الله بن مسعود اشتراط التتابع، فقرأ رضي الله عنه : (فصيام …

Al-Maaida 5:89Listen in Qur'an →
90

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَٰمُ رِجْسٌۭ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allah], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid it that you may be successful.

ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠]، هذه الآية جمعت بين خبر وطلب، الخبر قوله: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، والطلب قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، في هذه الآية يبدأ الله تعالى الخطاب بـ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تكرر هذا الخطاب، وبيَّنَّا أن بدء الكلام بالخطاب يدل على أهميته والعناية به، ثم بدؤه بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يدل على أن العمل به تصديقًا أو امتثالًا من مقتضيات الإيمان، كذلك أيضًا يدل على أن مخالفته أو الشك فيه أو تكذيبه منافٍ للإيمان؛ إما لأصله أو لكماله، وثالثًا: أن في هذا إغراءً للمخاطب، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فاستمع وامتثل.

وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أطلق الله عز وجل الإيمان ولم يذكر ما يؤمن به؛ لأن ذلك معلوم، وقد سأل جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه -أي عن الإيمان- فقال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»أخرجه البخاري (٤٧٧٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب..

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ (إنما) أداة حصر، والحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، هذا هو الأصل، وقد يراد به تحقيق الحكم في المذكور، ولا يلزم أن ينفى عما سواه؛ كما سيتبين إن شاء الله في التفسير.

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ﴾ الخمر قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: إنه المسكر، المسكر هذا هو الخمر، كل ما أسكر فهو خمر، ولا نقول: كل ما أذهب العقل فهو خمر، أو كل ما أذهب الإحساس فهو خمر، بل نقول: الخمر ما غطى العقل على وجه اللذة والطرب؛ لأن الذين يشربون الخمر يجدون راحة ونشوة وطربًا، وعلى هذا فالبنج ليس بخمر؛ لأنه وإن كان يفقد الإحساس لكنه لا يجد الإنسان فيه النشوة والطرب، ومع ذلك لا يستعمل البنج إلا للحاجة والضرورة.

الميسر هو: أخذ المال على وجه المغالبة، وسُمي ميسرًا لتيسر الحصول عليه، مثاله: المراهنة والقمار، مثل أن يقول: سنعمل عملًا سويًّا ونجعل العوض مثلًا عشرة آلاف ريال، فمن غلب أخذ العشرة، ومن غُلب أُخذت منه العشرة. إذن المسألة الآن غرر وجهالة، فيسمى هذا ميسرًا؛ لما فيه من المغامرة والغرر والمخاطرة، وقد كان هذا معروفًا عند العرب وكذلك في أول الإسلام، ولكنه -والحمد لله- حرم.

﴿وَالْأَنْصَابُ﴾ الأنصاب هي: ما ينصب ليعبد من دون الله، ﴿وَالْأَزْلَامُ﴾ هي ما يُستقسم به، أي يطلب به الإنسان ما قُسم له، وكانوا يستعملون هذا في الجاهلية، يضعون أقداحًا فيها: افعل، ولا تفعل، والقدح الثالث ليس فيه شيء، ثم يخلطونها جميعًا ويقول القائل: خذ منها بدون أن تعلم، تجعل في كيس أو نحوه، ثم يقال: أدخل يدك وأخرج قدحًا، إن خرج (افعل) فعل، وإن خرج (لا تفعل) لم يفعل، إن خرج المهمل أعاد مرة أخرى. هذا العمل كانوا يستعملونه في الجاهلية، وهو مبني على أوهام لا حقيقة له، ولذلك حرمه الله عز وجل.

وقوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الرجس: النجس، لكن يكون الرجس نجسًا حسيًّا ويكون معنويًّا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣]، وقال: ﴿اجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج ٣ ] المراد من الرجس هنا حسي ولَّا معنوي؟ هذا معنوي، وقد يكون حسيًّا، أي نجس نجاسة حسية؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ …

Al-Maaida 5:90Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.