Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati

Ayahs 71–80 of 120

71

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.

﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا عَلى الكُفْرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ كَذَّبُوهُ بَغْيًا وحَسَدًا، فَعَمُوا وصَمُّوا لِمُجانَبَةِ الحَقِّ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: عَرَّضَهم لِلتَّوْبَةِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، ﷺ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم لِأنَّهم لَمْ يُجْمِعُوا كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في: وحَسِبُوا، عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وحُسْبانُهم سَبَبُهُ اغْتِرارُهم بِإمْهالِ اللَّهِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وقَتَلُوا، أوْ وُقُوعُ كَوْنِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا مِقْدارَ الزَّمانِ الَّذِي عَبَدُوا فِيهِ العِجْلَ، وإمْدادُ اللَّهِ لَهم بِطُولِ الأعْمارِ وسِعَةِ الأرْزاقِ، أوْ وُقُوعُ كَوْنِ الجَنَّةِ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى في أنْفُسِهِمْ، واعْتِقادُهُمُ امْتِناعُ النَّسْخِ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، فَكُلُّ مَن جاءَهم مِن رَسُولٍ كَذَّبُوهُ وقَتَلُوهُ؛ خَمْسَةُ أقْوالٍ. والفِتْنَةُ هُنا: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. فَقِيلَ: في الدُّنْيا بِالقَحْطِ والوَباءِ وهو الطّاعُونُ، أوِ القَتْلِ، أوِ العَداوَةِ، أوْ ضِيقِ الحالِ، أوِ القُمَّلِ، والضَّفادِعِ، والدَّمِ، أوِ التِّيهِ، وقِتالِ الجَبّارِينَ، أوْ مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ؛ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ بِالِافْتِضاحِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، أوْ هو يَوْمُ القِيامَةِ وشِدَّتُهُ، أوِ العَذابُ بِالنّارِ والخُلُودِ؛ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقِيلَ: الفِتْنَةُ ما نالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وسَدَّتْ أنْ وصِلَتُها مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ نُونِ تَكُونَ بِأنِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، وهو عَلى الأصْلِ إذْ حَسِبَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي في أصْلِ الوَضْعِ لِغَيْرِ المُتَيَقَّنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ بِرَفْعِ النُّونِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. نَزَلَ الحُسْبانُ في صُدُورِهِمْ مَنزِلَةَ العِلْمِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ حَسِبَ في المُتَيَقَّنِ قَلِيلًا؛ قالَ الشّاعِرُ:

؎حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ خَيْرَ تِجارَةٍ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلا

وتَكُونُ هُنا تامَّةً.

﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ قالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم هَذِهِ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الإخْراجِ الأوَّلِ وعَماهم وصَمَمِهِمْ. قِيلَ: وُلُوجُهم في شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُبْصِرُوا الحَقَّ، ولَمْ يَسْمَعُوا داعِيَ اللَّهِ. وقالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم بِبَعْثِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَتْ جَماعَةٌ: بَعْثُ مُحَمَّدٍ، ﷺ . وقِيلَ: الأوَّلُ: في زَمانِ زَكَرِيّا ويَحْيَـى وعِيسى، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِتَوْفِيقِ كَثِيرٍ مِنهم لِلْإيمانِ. والثّانِي: في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، آمَنَ جَماعَةٌ بِهِ، وأقامَ الكَثِيرُ مِنهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأوَّلُ عِبادَةُ العِجْلِ ثُمَّ التَّوْبَةُ عَنْهُ، ثُمَّ الثّانِي بِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ وهي مُحالُّ غَيْرُ مَعْقُولٍ في صِفاتِ اللَّهِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في إنْكارِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ القَفّالُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ وقِيلَ: الأوَّلُ بَعْدَ مُوسى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بِبَعْثِ عِيسى. والثّانِي …

Al-Maaida 5:71Listen in Qur'an →
72

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وقائِلُو ذَلِكَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى تَجَلّى في شَخْصِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ رَدَّ اللَّهُ تَعالى مَقالَتَهم بِقَوْلِ مَن يَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ وهُ وعِيسى، أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ، وأمَرَهم بِإخْلاصِ العِبادَةِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعِبادَةِ وهو الرُّبُوبِيَّةُ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في فَسادِ دَعْواهم، وهو أنَّ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ ويَرْفَعُونَ قَدْرَهُ عَمّا لَيْسَ لَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى عَنْهُ هو مَذْكُورٌ في إنْجِيلِهِمْ يَقْرَءُونَهُ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ، وهو قَوْلُ المَسِيحِ: يا مَعْشَرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ. وفي رِوايَةٍ: يا مَعْشَرَ الشُّعُوبِ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم.

﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ، فَهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ. وفِيهِ أعْظَمُ رَدْعٍ مِنهُ عَنْ عِبادَتِهِ، إذْ أخْبَرَ أنَّهُ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مَنَعَهُ اللَّهُ دارَ مَن أفْرَدَهُ بِالعِبادَةِ، وجَعَلَ مَأْواهُ النّارَ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] . وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَأْنَفٌ، أخْبَرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ النّارَ عَلى مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» ) .

﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ عِيسى، أخْبَرَهم أنَّهُ مَن تَجاوَزَ ووَضَعَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ فَلا ناصِرَ لَهُ، ولا مُساعِدَ فِيما افْتَرى وتَقَوَّلَ، وفي ذَلِكَ رَدْعٌ لَهم عَمّا انْتَحَلُوهُ في حَقِّهِمْ مِن دَعْوى أنَّهُ إلَهٌ، وأنَّهُ ظُلْمٌ إذا جَعَلُوا ما هو مُسْتَحِيلٌ في العَقْلِ واجِبًا وُقُوعُهُ، أوْ فَلا ناصِرَ لَهُ ولا مُنَجِّيَ مِن عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أخْبَرَ أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنِ الحَقِّ في أمْرِ عِيسى وتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ، فَلا ناصِرَ لَهم عَلى ذَلِكَ.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المَلْكِيَّةُ مِنَ النَّصارى القائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أحَدُ ألِهَةٍ ثَلاثَةٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعِيسى وأُمَّهُ آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣]، ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وحَكى المُتَكَلِّمُونَ عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ قُدُسٍ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ تَتَناوَلُ: القُرْصَ، والشُّعاعَ، والحَرارَةَ؛ وعَنَوْا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ. وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ …

Al-Maaida 5:72Listen in Qur'an →
73

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وقائِلُو ذَلِكَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى تَجَلّى في شَخْصِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ رَدَّ اللَّهُ تَعالى مَقالَتَهم بِقَوْلِ مَن يَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ وهُ وعِيسى، أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ، وأمَرَهم بِإخْلاصِ العِبادَةِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعِبادَةِ وهو الرُّبُوبِيَّةُ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في فَسادِ دَعْواهم، وهو أنَّ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ ويَرْفَعُونَ قَدْرَهُ عَمّا لَيْسَ لَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى عَنْهُ هو مَذْكُورٌ في إنْجِيلِهِمْ يَقْرَءُونَهُ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ، وهو قَوْلُ المَسِيحِ: يا مَعْشَرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ. وفي رِوايَةٍ: يا مَعْشَرَ الشُّعُوبِ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم.

﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ، فَهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ. وفِيهِ أعْظَمُ رَدْعٍ مِنهُ عَنْ عِبادَتِهِ، إذْ أخْبَرَ أنَّهُ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مَنَعَهُ اللَّهُ دارَ مَن أفْرَدَهُ بِالعِبادَةِ، وجَعَلَ مَأْواهُ النّارَ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] . وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَأْنَفٌ، أخْبَرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ النّارَ عَلى مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» ) .

﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ عِيسى، أخْبَرَهم أنَّهُ مَن تَجاوَزَ ووَضَعَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ فَلا ناصِرَ لَهُ، ولا مُساعِدَ فِيما افْتَرى وتَقَوَّلَ، وفي ذَلِكَ رَدْعٌ لَهم عَمّا انْتَحَلُوهُ في حَقِّهِمْ مِن دَعْوى أنَّهُ إلَهٌ، وأنَّهُ ظُلْمٌ إذا جَعَلُوا ما هو مُسْتَحِيلٌ في العَقْلِ واجِبًا وُقُوعُهُ، أوْ فَلا ناصِرَ لَهُ ولا مُنَجِّيَ مِن عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أخْبَرَ أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنِ الحَقِّ في أمْرِ عِيسى وتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ، فَلا ناصِرَ لَهم عَلى ذَلِكَ.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المَلْكِيَّةُ مِنَ النَّصارى القائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أحَدُ ألِهَةٍ ثَلاثَةٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعِيسى وأُمَّهُ آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣]، ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وحَكى المُتَكَلِّمُونَ عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ قُدُسٍ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ تَتَناوَلُ: القُرْصَ، والشُّعاعَ، والحَرارَةَ؛ وعَنَوْا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ. وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ …

Al-Maaida 5:73Listen in Qur'an →
74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.

﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ هَذا لُطْفٌ بِهِمْ واسْتِدْعاءٌ إلى التَّنَصُّلِ مِن تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ بَعْدَ أنْ كَرَّرَ عَلَيْهِمُ الشَّهادَةَ بِالكُفْرِ. والفاءُ في أفَلا لِلْعَطْفِ، حَجَزَتْ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَألا، وعَلى طَرِيقَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَكُونُ قَدْ عَطَفَتْ فِعْلًا عَلى فِعْلٍ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ: أيَثْبُتُونَ عَلى الكُفْرِ فَلا يَتُوبُونَ، والمَعْنى عَلى التَّعَجُّبِ مِنِ انْتِفاءِ تَوْبَتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِغْفارِهِمْ، وهم أجْدَرُ النّاسِ بِذَلِكَ، لِأنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ الكُفْرِ، وأفْضَحُ في سُوءِ الِاعْتِقادِ، فَتَعَجَّبَ مِن كَوْنِهِمْ لا يَتُوبُونَ مِن هَذا الجُرْمِ العَظِيمِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الأمْرُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] . قالَ: إنَّما كانَ بِمَعْنى الأمْرِ، لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الصِّيغَةِ طَلَبُ التَّوْبَةِ والحَثُّ عَلَيْها، فَمَعْناهُ: تُوبُوا إلى اللَّهِ واسْتَغْفِرُوهُ مِن ذَنْبِكُمُ القَوْلَيْنِ المُسْتَحِيلَيْنِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَفَقَ جَلَّ وعَلا بِهِمْ بِتَحْضِيضِهِ إيّاهم عَلى التَّوْبَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ. انْتَهى. وما ذَكَرُوهُ مِنَ الحَثِّ والتَّحْضِيضِ عَلى التَّوْبَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، لِأنَّ ”أفَلا“ غَيْرُ مَدْلُولِ ”ألا“ الَّتِي لِلْحَضِّ والحَثِّ.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَبَّهَ تَعالى عَلى هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما يَحْصُلُ قَبُولُ التَّوْبَةِ والغُفْرانِ لِلْحَوْبَةِ؛ والمَعْنى: كَيْفَ لا تُوجَدُ التَّوْبَةُ مِن هَذا الذَّنَبِ وطَلَبُ المَغْفِرَةِ، والمَسْئُولُ مِنهُ ذَلِكَ مُتَّصِفٌ بِالغُفْرانِ التّامِّ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ لِهَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ ؟ .

Al-Maaida 5:74Listen in Qur'an →
75

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ لَمّا رَدَّ عَلى النَّصارى قَوْلَهُمُ الأوَّلَ بِقَوْلِ المَسِيحِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] والثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] أثْبَتَ لَهُ الرِّسالَةَ بِصُورَةِ الحَصْرِ؛ أيْ: ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ شَيْءٌ مِمّا تَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِهِ إلَهًا وكَوْنِهِ أحَدَ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ، بَلْ هو رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا وتَقَدَّمُوا، جاءَ بِآياتٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما جاءُوا، فَإنْ أحْيا المَوْتى وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ عَلى يَدِهِ، فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى، وفَلَقَ البَحْرَ وطَمَسَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى. وفي قَوْلِهِ: إلّا رَسُولٌ؛ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ حَيْثُ ادَّعَوْا كَذِبَهُ في دَعْوى الرِّسالَةِ، وحَيْثُ ادَّعَوْا أنَّهُ لَيْسَ لِرِشْدَةٍ. وقَرَأ حَطّانُ: مِن قَبْلِهِ رُسُلٌ بِالتَّنْكِيرِ.

﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ هَذا البِناءُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، إذْ بِناءُ هَذا التَّرْكِيبِ مِنهُ سِكِّيتٌ وسِكِّيرٌ، وشِرِّيبٌ وطِبِّيخٌ، مِن سَكَتَ وسَكِرَ، وشَرِبَ وطَبَخَ. ولا يَعْمَلُ ما كانَ مَبْنِيًّا مِنَ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي كَما يَعْمَلُ فَعُولٌ وفَعّالٌ ومِفْعالٌ، فَلا يُقالُ: زَيْدٌ شِرِّيبٌ الماءَ، كَما تَقُولُ: ضَرّابٌ زَيْدًا؛ والمَعْنى: الإخْبارُ عَنْها بِكَثْرَةِ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وبِهِ سُمِّيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ أنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ. وهَذا القَوْلُ خِلافُ الظّاهِرِ مِن هَذا البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: وما أمُّهُ إلّا كَبَعْضِ النِّساءِ المُصَدِّقاتِ لِلْأنْبِياءِ المُؤْمِناتِ بِهِمْ، فَما مَنزِلَتُهُما إلّا مَنزِلَةُ بَشَرَيْنِ: أحَدُهُما نَبِيٌّ، والآخَرُ صَحابِيٌّ، فَمِن أيْنَ اشْتَبَهَ عَلَيْكم أمْرُهُما حَتّى وصَفْتُمُوهُما بِما لَمْ يُوصَفْ بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ وصَحابَتِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهُ لا تَمَيُّزَ ولا تَفاوُتَ بَيْنَهُما وبَيْنَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. انْتَهى. وفِيهِ تَحْمِيلُ لَفْظِ القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ، مِن ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ؛ لَيْسَ فِيهِ إلّا الإخْبارُ عَنْها بِصِفَةِ كَثْرَةِ الصِّدْقِ، وجَعَلَهُ هو مِن بابِ الحَصْرِ فَقالَ: وما أمُّهُ إلّا كَبَعْضِ النِّساءِ المُصَدِّقاتِ إلى آخِرِهِ، وهَكَذا عادَتُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: صَدَّقَتْ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا أتاها كَما حَكى تَعالى عَنْها: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] . وقِيلَ: صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها، وبِما أخْبَرَ بِهِ ولَدُها. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُبالَغَتِها في صِدْقِ حالِها مَعَ اللَّهِ، وصِدْقِها في بَراءَتِها مِمّا رَمَتْها بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ: وصْفُها بِصِدِّيقَةٍ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها نَبِيَّةٌ، إذْ هي رُتْبَةٌ لا تَسْتَلْزِمُ النُّبُوَّةَ. قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ومِن ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَلْزَمُ مِن تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ بَشَرًا نُبُوَّتُهُ فَقَدْ كَلَّمَتِ المَلائِكَةُ قَوْمًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ لِحَدِيثِ الثَّلاثَةِ: الأقْرَعِ، والأعْمى، …

Al-Maaida 5:75Listen in Qur'an →
76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

Say, "Do you worship besides Allah that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allah who is the Hearing, the Knowing?"

﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى بِدَلِيلِ النَّقْلِ والعَقْلِ انْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى، وكانَ قَدْ تَوَعَّدَهم ثُمَّ اسْتَدْعاهم لِلتَّوْبَةِ وطَلَبِ الغُفْرانِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم مِن وجْهٍ آخَرَ وهو عَجْزُهُ وعَدَمُ اقْتِدارِهِ عَلى دَفْعِ ضَرَرٍ وجَلْبِ نَفْعٍ، وأنَّ مَن كانَ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ حَرِيٌّ أنْ لا يَدْفَعَ عَنْكم. والخِطابُ لِلنَّصارى، نَهاهم عَنْ عِبادَةِ عِيسى وغَيْرِهِ، وأنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُساوِيهِمْ في العَجْزِ وعَدَمِ القُدْرَةِ؛ والمَعْنى: ما لا يَمْلِكُ لَكم إيصالَ خَيْرٍ ولا نَفْعٍ. قِيلَ: وعَبَّرَ بِما تَنْبِيهًا عَلى أوَّلِ أحْوالِهِ، إذْ مَرَّتْ عَلَيْهِ أزْمانُ حالَةِ الحَمْلِ لا يُوصَفُ بِالعَقْلِ فِيها، ومَن هَذِهِ صِفَتُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، أوْ لِأنَّها مُبْهَمَةٌ؛ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ. وما: مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِمَّنْ يَعْقِلُ، وما لا يَعْقِلُ. وعَبَّرَ ”بِما“ تَغْلِيبًا لِغَيْرِ العاقِلِ، إذْ أكْثَرُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ هو ما لا يَعْقِلُ كالأصْنامِ والأوْثانِ، أوْ أُرِيدَ النَّوْعُ؛ أيِ: النَّوْعُ الَّذِي لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] أيِ: النَّوْعَ الطَّيِّبَ، ولَمّا كانَ إشْراكُهم بِاللَّهِ تَضَمَّنَ القَوْلَ والِاعْتِقادَ جاءَ الخَتْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِكم، العَلِيمُ بِاعْتِقادِكم وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُكم. وفي الإخْبارِ عَنْهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ عَلى ما يَقُولُونَهُ ويَعْتَقِدُونَهُ، وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ عَبَدُوا مِن دُونِهِ مَن هو مُتَّصِفٌ بِالعَجْزِ عَنْ دَفْعِ ضَرَرٍ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ. قِيلَ: ومَن مَرَّتْ عَلَيْهِ مُدَدٌ لا يَسْمَعُ فِيها ولا يَعْلَمُ، وتَرَكُوا القادِرَ عَلى الإطْلاقِ السَّمِيعَ لِلْأصْواتِ العَلِيمَ بِالنِّيّاتِ.

Al-Maaida 5:76Listen in Qur'an →
77

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ ظاهِرُهُ نِداءُ أهْلِ الكِتابِ الحاضِرِينَ زَمانَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ويَتَناوَلُ مَن جاءَ بَعْدَهم. ولَمّا سَبَقَ القَوْلُ في أباطِيلِ اليَهُودِ وأباطِيلِ النَّصارى، جُمِعَ الفَرِيقانِ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ في الدِّينِ. وانْتَصَبَ غَيْرَ الحَقِّ وهو الغُلُوُّ الباطِلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدِّينِ هُنا ما هم عَلَيْهِ، بَلِ المُرادُ الدِّينُ الحَقُّ، الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى وعِيسى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغُلُوُّ في الدِّينِ غُلُوّانِ: غُلُوٌّ حَقٌّ، وهو أنْ يَفْحَصَ عَنْ حَقائِقِهِ ويُفَتِّشَ عَنْ أباعِدِ مَعانِيهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ حُجَجِهِ كَما يَفْعَلُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، وغُلُوٌّ باطِلٌ وهو أنْ يُجاوِزَ الحَقَّ ويَتَعَدّاهُ بِالإعْراضِ عَنِ الأدِلَّةِ واتِّباعِ الشُّبَهِ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ. انْتَهى. وأهْلُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ هم أئِمَّةُ المُعْتَزِلَةِ، وأهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ عِنْدَهُ هم أهْلُ السُّنَّةِ، ومَن عَدا المُعْتَزِلَةَ. ومَن غُلُوِّ اليَهُودِ إنْكارُ نُبُوَّةِ عِيسى، وادِّعاؤُهم فِيهِ أنَّهُ اللَّهُ. ومِن غُلُوِّ النَّصارى ما تَقَدَّمَ مِنِ اعْتِقادِ بَعْضِهِمْ فِيهِ أنَّهُ اللَّهُ، وبَعْضِهِمْ أنَّهُ أحَدُ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ. وانْتِصابُ ”غَيْرَ“ هُنا عَلى الصِّفَةِ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِثْناءٌ، ويُقَدِّرُهُ: لَكِنَّ الحَقَّ فاتَّبِعُوهُ.

﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ هَؤُلاءِ القَوْمُ هم أسْلافُ اليَهُودِ والنَّصارى ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وأضَلُّوا غَيْرَهم كَثِيرًا، ثُمَّ عَيَّنَ ما ضَلُّوا عَنْهُ وهو السَّبِيلُ السَّوِيُّ الَّذِي هو وسَطٌ في الدِّينِ وهو خَيْرُها فَلا إفْراطَ ولا تَفْرِيطَ، بَلْ هو سَواءٌ مُعْتَدِلٌ خِيارٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّصارى، وهو ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: قَدْ ضَلُّوا مَن قَبْلُ: هم أئِمَّتُهم في النَّصْرانِيَّةِ كانُوا عَلى الضَّلالِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ، ﷺ، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم عَلى التَّثْلِيثِ، وضَلُّوا لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ حِينَ كَذَّبُوهُ وحَسَدُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِلنَّصارى الَّذِينَ غَلَوْا في عِيسى والقَوْمِ الَّذِينَ نَهى النَّصارى عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، والَّذِي دَعا إلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ النَّصارى في غُلُوِّهِمْ لَيْسُوا عَلى هَوى بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ هم في الضِّدِّ بِالأقْوالِ، وإنَّما اجْتَمَعُوا في اتِّباعِ مَوْضِعِ الهَوى. فالآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَلُومُهُ عَلى عِوَجٍ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ طَرِيقَةُ فُلانٍ؛ تُمَثِّلُهُ بِآخَرَ قَدِ اعْوَجَّ نَوْعًا مِنَ الِاعْوِجاجِ وإنِ اخْتَلَفَتْ نَوازِلُهُ. ووَصَفَ تَعالى اليَهُودَ بِأنَّهم ضَلُّوا قَدِيمًا، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِن أتْباعِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ بِتَكْرارِ قَوْلِهِ: وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَّصارى لا تَتَّبِعُوا أهْواءَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ الَّذِينَ ضَلُّوا مِن قَبْلُ؛ أيْ: ضَلَّ أسْلافُهم وهم قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ المُنافِقِينَ، وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ الآنَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ. انْتَهى. ولا حاجَةَ لِإخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مِن أنَّهُ نِداءٌ لِأهْلِ الكِتابِ …

Al-Maaida 5:77Listen in Qur'an →
78

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لُعِنُوا بِكُلِّ لِسانٍ. لُعِنُوا عَلى عَهْدِ مُوسى في التَّوْراةِ، وعَلى عَهْدِ داوُدَ في الزَّبُورِ، وعَلى عَهْدِ عِيسى في الإنْجِيلِ، وعَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ في القُرْآنِ. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ: أنَّهُ اقْتَرَنَ بِلَعْنَتِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ، وذَلِكَ أنَّ داوُدَ مَرَّ عَلى نَفَرٍ وهم في بَيْتٍ فَقالَ: مَن في البَيْتِ ؟ قالُوا: خَنازِيرُ، عَلى مَعْنى الِاحْتِجابِ، قالَ: اللَّهُمَّ خَنازِيرَ، فَكانُوا خَنازِيرَ. ثُمَّ دَعا عِيسى عَلى مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ ولَعَنَهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لُعِنَ عَلى لِسانِ داوُدَ أصْحابُ السَّبْتِ، وعَلى لِسانِ عِيسى الَّذِينَ كَفَرُوا بِالمائِدَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولَمّا كَفَرَ أصْحابُ عِيسى بَعْدَ المائِدَةِ قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ؛ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ. وقالَ الأصَمُّ وغَيْرُهُ: بَشَّرَ داوُدُ وعِيسى بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ولَعَنا مَن كَذَّبَهُ. وقِيلَ: دَعَوْا عَلى مَن عَصاهُما ولَعَناهُ. ورُوِيَ أنَّ داوُدَ قالَ: اللَّهُمَّ لِيَلْبِسُوا اللَّعْنَةَ مِثْلَ الرِّداءِ ومِثْلَ مِنطَقَةِ الحِقْوَيْنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهم آيَةً ومِثالًا لِخَلْقِكَ؛ والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ الإخْبارُ عَنْ أسْلافِ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّهم مَلْعُونُونَ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو اللّاعِنُ لَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونا هُما اللّاعِنانِ لَهم. ولَمّا كانُوا يَتَبَجَّحُونَ بِأسْلافِهِمْ وأنَّهم أوْلادُ الأنْبِياءِ، أُخْبِرُوا أنَّ الكُفّارَ مِنهم مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ. واللَّعْنَةُ هي الطَّرْدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى اقْتِرانِ اللَّعْنَةِ بِمَسْخٍ. والأفْصَحُ أنَّهُ إذا فُرِّقَ مُنْضَمّا الجُزْئَيْنِ اخْتِيرَ الإفْرادُ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى لَفْظِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ جاءَ ”عَلى لِسانِ“ مُفْرَدًا ولَمْ يَأْتِ عَلى لِسانَيْ داوُدَ وعِيسى، ولا عَلى ألْسِنَةِ داوُدَ وعِيسى. فَلَوْ كانَ المُنْضَمّانِ غَيْرَ مُتَفَرِّقَيْنِ اخْتِيرَ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى الإفْرادِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] والمُرادُ بِاللِّسانِ هُنا الجارِحَةُ لا اللُّغَةُ؛ أيِ: النّاطِقُ بِلَعْنَتِهِمْ هو داوُدُ وعِيسى.

﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ كانَ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ، وذُكِرَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وإلّا فَقَدْ فُهِمَ سَبَبُ اللَّعْنَةِ بِإسْنادِها إلى مَن تَعَلَّقَ بِهِ الوَصْفُ الدّالُّ عَلى العِلِّيَّةِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا. كَما تَقُولُ: رُجِمَ الزّانِي، فَيُعْلَمُ أنَّ سَبَبَهُ الزِّنا. كَذَلِكَ اللَّعْنُ سَبَبُهُ الكُفْرُ، ولَكِنْ أُكِدَّ بِذِكْرِهِ ثانِيَةً في قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا.

﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عَصَوْا، فَيَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ؛ أيْ: وبِكَوْنِهِمْ يَعْتَدُونَ، يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ في العِصْيانِ والكُفْرِ، ويَنْتَهُونَ إلى أقْصى غاياتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ كانَ …

Al-Maaida 5:78Listen in Qur'an →
79

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لُعِنُوا بِكُلِّ لِسانٍ. لُعِنُوا عَلى عَهْدِ مُوسى في التَّوْراةِ، وعَلى عَهْدِ داوُدَ في الزَّبُورِ، وعَلى عَهْدِ عِيسى في الإنْجِيلِ، وعَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ في القُرْآنِ. ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ: أنَّهُ اقْتَرَنَ بِلَعْنَتِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ، وذَلِكَ أنَّ داوُدَ مَرَّ عَلى نَفَرٍ وهم في بَيْتٍ فَقالَ: مَن في البَيْتِ ؟ قالُوا: خَنازِيرُ، عَلى مَعْنى الِاحْتِجابِ، قالَ: اللَّهُمَّ خَنازِيرَ، فَكانُوا خَنازِيرَ. ثُمَّ دَعا عِيسى عَلى مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ ولَعَنَهم. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لُعِنَ عَلى لِسانِ داوُدَ أصْحابُ السَّبْتِ، وعَلى لِسانِ عِيسى الَّذِينَ كَفَرُوا بِالمائِدَةِ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قالَ داوُدُ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً. ولَمّا كَفَرَ أصْحابُ عِيسى بَعْدَ المائِدَةِ قالَ عِيسى: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ؛ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ. وقالَ الأصَمُّ وغَيْرُهُ: بَشَّرَ داوُدُ وعِيسى بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ولَعَنا مَن كَذَّبَهُ. وقِيلَ: دَعَوْا عَلى مَن عَصاهُما ولَعَناهُ. ورُوِيَ أنَّ داوُدَ قالَ: اللَّهُمَّ لِيَلْبِسُوا اللَّعْنَةَ مِثْلَ الرِّداءِ ومِثْلَ مِنطَقَةِ الحِقْوَيْنِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهم آيَةً ومِثالًا لِخَلْقِكَ؛ والظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ الإخْبارُ عَنْ أسْلافِ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّهم مَلْعُونُونَ. وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو اللّاعِنُ لَهم عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونا هُما اللّاعِنانِ لَهم. ولَمّا كانُوا يَتَبَجَّحُونَ بِأسْلافِهِمْ وأنَّهم أوْلادُ الأنْبِياءِ، أُخْبِرُوا أنَّ الكُفّارَ مِنهم مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ. واللَّعْنَةُ هي الطَّرْدُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ولا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى اقْتِرانِ اللَّعْنَةِ بِمَسْخٍ. والأفْصَحُ أنَّهُ إذا فُرِّقَ مُنْضَمّا الجُزْئَيْنِ اخْتِيرَ الإفْرادُ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى لَفْظِ الجَمْعِ، فَكَذَلِكَ جاءَ ”عَلى لِسانِ“ مُفْرَدًا ولَمْ يَأْتِ عَلى لِسانَيْ داوُدَ وعِيسى، ولا عَلى ألْسِنَةِ داوُدَ وعِيسى. فَلَوْ كانَ المُنْضَمّانِ غَيْرَ مُتَفَرِّقَيْنِ اخْتِيرَ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ وعَلى الإفْرادِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] والمُرادُ بِاللِّسانِ هُنا الجارِحَةُ لا اللُّغَةُ؛ أيِ: النّاطِقُ بِلَعْنَتِهِمْ هو داوُدُ وعِيسى.

﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا﴾ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ كانَ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ، وذُكِرَ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وإلّا فَقَدْ فُهِمَ سَبَبُ اللَّعْنَةِ بِإسْنادِها إلى مَن تَعَلَّقَ بِهِ الوَصْفُ الدّالُّ عَلى العِلِّيَّةِ، وهو الَّذِينَ كَفَرُوا. كَما تَقُولُ: رُجِمَ الزّانِي، فَيُعْلَمُ أنَّ سَبَبَهُ الزِّنا. كَذَلِكَ اللَّعْنُ سَبَبُهُ الكُفْرُ، ولَكِنْ أُكِدَّ بِذِكْرِهِ ثانِيَةً في قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا.

﴿وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى عَصَوْا، فَيَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ؛ أيْ: وبِكَوْنِهِمْ يَعْتَدُونَ، يَتَجاوَزُونَ الحَدَّ في العِصْيانِ والكُفْرِ، ويَنْتَهُونَ إلى أقْصى غاياتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنَ اللَّهِ بِأنَّهُ كانَ …

Al-Maaida 5:79Listen in Qur'an →
80

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ

You see many of them becoming allies of those who disbelieved. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allah has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في: مِنهم، عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ مُقاتِلٌ: كَثِيرًا مِنهم هو مَن كانَ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ، ﷺ، يَتَوَلَّوْنَ الكُفّارَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والمُرادُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ الَّذِينَ اسْتَجْلَبُوا المُشْرِكِينَ عَلى الرَّسُولِ، وعَلى هَذا يَكُونُ (تَرى) بَصَرِيَّةً، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، فَيَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ أسْلافُهم؛ أيْ: تَرى الآنَ إذْ أخْبَرْناكَ. وقِيلَ: كَثِيرًا مِنهم: مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: هو كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِن ذِكْرِ بَنِي إسْرائِيلَ عُنِيَ بِهِ المُنافِقُونَ تَوَلَّوُا اليَهُودَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ.

﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إعْرابِ ما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ، أنَّهُ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ كَأنَّهُ قِيلَ: لَبِئْسَ زادُهم إلى الآخِرَةِ سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا الإعْرابُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الفَرّاءِ والفارِسِيِّ في أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ في بِئْسَ ضَمِيرًا، وجَعَلَ ”ما“ تَمْيِيزًا بِمَعْنى شَيْئًا، وقَدَّمَتْ صِفَةُ التَّمْيِيزِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فَلا يَسْتَوِي ذَلِكَ، لِأنَّ ”ما“ عِنْدَهُ اسْمٌ تامٌّ مَعْرِفَةٌ بِمَعْنى الشَّيْءِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ صِفَةٌ لِلْمَخْصُوصِ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ الشَّيْءُ قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم، فَيَكُونُ عَلى هَذا ”أنْ سَخِطَ اللَّهُ“ في مَوْضِعِ رَفْعِ بَدَلٍ مِن ”ما“ . انْتَهى. ولا يَصِحُّ هَذا سَواءٌ كانَتْ مَوْصُولَةً، أمْ تامَّةً، لِأنَّ البَدَلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المُبْدَلِ مِنهُ، وأنْ سَخِطَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِـ ”بِئْسَ“، لِأنَّ فاعِلَ نِعْمَ وبِئْسَ لا يَكُونُ أنْ والفِعْلَ. وقِيلَ: أنْ سَخِطَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ في قَدَّمَتْ؛ أيْ: قَدَّمَتْهُ كَما تَقُولُ: الَّذِي ضَرَبْتَ زَيْدًا أخُوكَ تُرِيدُ ضَرَبْتَهُ زَيْدًا. وقِيلَ: عَلى إسْقاطِ اللّامِ؛ أيْ: لِأنْ سَخِطَ.

وفِي العَذابِ هم خَـالِدُونِ لَمّا ذَكَرَ ما قَدَّمُوا إلى الآخِرَةِ زادًا، وذَمَّهُ بِأبْلَغِ الذَّمِّ، ذَكَرَ ما صارُوا إلَيْهِ وهو العَذابُ وأنَّهم خالِدُونَ فِيهِ، وأنَّهُ ثَمَرَةُ سُخْطِ اللَّهِ، كَما أنَّ السُّخْطَ ثَمَرَةُ العِصْيانِ. ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ إنْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَرى كَثِيرًا مِنهم - أسْلافَهم؛ فالنَّبِيُّ داوُدُ وعِيسى، أوْ مُعاصِرِي الرَّسُولِ؛ فالنَّبِيُّ هو مُحَمَّدٌ، ﷺ، والَّذِينَ كَفَرُوا عَبَدَةُ الأوْثانِ. والمَعْنى: لَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ إيمانًا خالِصًا غَيْرَ نِفاقٍ، إذْ مُوالاةُ الكُفّارِ دَلِيلٌ عَلى النِّفاقِ. والظّاهِرُ في ضَمِيرِ كانُوا وضَمِيرِ الفاعِلِ في ما اتَّخَذُوهم أنَّهُ يَعُودُ عَلى كَثِيرًا مِنهم، وفي ضَمِيرِ المَفْعُولِ أنَّهُ يَعُودُ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا. وقالَ القَفّالُ وجْهًا آخَرَ وهو: أنْ يَكُونَ المَعْنى ولَوْ كانَ هَؤُلاءِ المُتَوَلُّونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وبِمُحَمَّدٍ، ﷺ، ما اتَّخَذَهم هَؤُلاءِ اليَهُودُ أوْلِياءَ. والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الحَدِيثَ إنَّما هو عَنْ قَوْلِهِ ”﴿كَثِيرًا مِنهُمْ﴾“ فَعَوْدُ الضَّمائِرِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ أوْلى مِنِ اخْتِلافِها. وجاءَ جَوابُ …

Al-Maaida 5:80Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Bahr al-Muhit by Abu Hayyan al-Gharnati. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.