وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.
﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا عَلى الكُفْرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ كَذَّبُوهُ بَغْيًا وحَسَدًا، فَعَمُوا وصَمُّوا لِمُجانَبَةِ الحَقِّ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: عَرَّضَهم لِلتَّوْبَةِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، ﷺ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم لِأنَّهم لَمْ يُجْمِعُوا كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في: وحَسِبُوا، عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وحُسْبانُهم سَبَبُهُ اغْتِرارُهم بِإمْهالِ اللَّهِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وقَتَلُوا، أوْ وُقُوعُ كَوْنِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا مِقْدارَ الزَّمانِ الَّذِي عَبَدُوا فِيهِ العِجْلَ، وإمْدادُ اللَّهِ لَهم بِطُولِ الأعْمارِ وسِعَةِ الأرْزاقِ، أوْ وُقُوعُ كَوْنِ الجَنَّةِ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى في أنْفُسِهِمْ، واعْتِقادُهُمُ امْتِناعُ النَّسْخِ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، فَكُلُّ مَن جاءَهم مِن رَسُولٍ كَذَّبُوهُ وقَتَلُوهُ؛ خَمْسَةُ أقْوالٍ. والفِتْنَةُ هُنا: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. فَقِيلَ: في الدُّنْيا بِالقَحْطِ والوَباءِ وهو الطّاعُونُ، أوِ القَتْلِ، أوِ العَداوَةِ، أوْ ضِيقِ الحالِ، أوِ القُمَّلِ، والضَّفادِعِ، والدَّمِ، أوِ التِّيهِ، وقِتالِ الجَبّارِينَ، أوْ مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ؛ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ بِالِافْتِضاحِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، أوْ هو يَوْمُ القِيامَةِ وشِدَّتُهُ، أوِ العَذابُ بِالنّارِ والخُلُودِ؛ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقِيلَ: الفِتْنَةُ ما نالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وسَدَّتْ أنْ وصِلَتُها مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ نُونِ تَكُونَ بِأنِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، وهو عَلى الأصْلِ إذْ حَسِبَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي في أصْلِ الوَضْعِ لِغَيْرِ المُتَيَقَّنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ بِرَفْعِ النُّونِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. نَزَلَ الحُسْبانُ في صُدُورِهِمْ مَنزِلَةَ العِلْمِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ حَسِبَ في المُتَيَقَّنِ قَلِيلًا؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ خَيْرَ تِجارَةٍ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلا
وتَكُونُ هُنا تامَّةً.
﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ قالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم هَذِهِ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الإخْراجِ الأوَّلِ وعَماهم وصَمَمِهِمْ. قِيلَ: وُلُوجُهم في شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُبْصِرُوا الحَقَّ، ولَمْ يَسْمَعُوا داعِيَ اللَّهِ. وقالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم بِبَعْثِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَتْ جَماعَةٌ: بَعْثُ مُحَمَّدٍ، ﷺ . وقِيلَ: الأوَّلُ: في زَمانِ زَكَرِيّا ويَحْيَـى وعِيسى، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِتَوْفِيقِ كَثِيرٍ مِنهم لِلْإيمانِ. والثّانِي: في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، آمَنَ جَماعَةٌ بِهِ، وأقامَ الكَثِيرُ مِنهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأوَّلُ عِبادَةُ العِجْلِ ثُمَّ التَّوْبَةُ عَنْهُ، ثُمَّ الثّانِي بِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ وهي مُحالُّ غَيْرُ مَعْقُولٍ في صِفاتِ اللَّهِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في إنْكارِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ القَفّالُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ وقِيلَ: الأوَّلُ بَعْدَ مُوسى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بِبَعْثِ عِيسى. والثّانِي …