وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.
ثم قال عز وجل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: ﴿حَسِبُوا﴾ بمعنى: ظنوا ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى: ضم النون، والقراءة الثانية: فتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، على قراءة أيش؟ ضم النون، ويكون اسمها ضمير الشأن محذوفًا، وجملة (لا تكون) في محل رفع خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعلا مضارعًا منصوب بـ (أن) المصدرية.
* الشيخ: أقول: فيها قراءتان: ﴿أَلَّا تَكُونُ﴾ بالضم بضم النون، ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بفتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و(تكون) خبرها، جملة (تكون) خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعل مضارع منصوب بـ (أن)، فهنا سلط العامل على ما بعده مع الفصل بـ (لا) النافية.
حينئذٍ يسوغ لنا، أو ينبغي لنا أن نتكلم على (أن): (أن) إذا كان ما قبلها علمًا فإنه يجب الرفع، وإذا كان ما قبلها يفيد الظن جاز الوجهان، وإذا كان ما قبلها ليس علمًا ولا ظنًّا وجب النصب، فمثلا تقول: يعجبني من الطالب ألا يجادل، كيف نقرأ اللام؟
* طالب: (ألا يجادل) بالنصب.
* الشيخ: (ألا يجادل) بالنصب يتعين، إذا صار (ظن) تقول: علمت ألا يكونوا كذا، وتكون (أن) مخففة من الثقيلة، إذا كان (ظن) جاز فيها وجهان.
في الآية الكريمة: ﴿حَسِبُوا﴾ ظنوا، ولذلك جاز الوجهان: النصب والرفع: ﴿حَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ﴾ ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حسبوا ألا يكون من جراء فعلهم هذا -وهو التكذيب والقتل- ألا تكون فتنة؛ أي: ألا يفتنوا بتسليط الأعداء عليهم، فاستمروا في طغيانهم.
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عموا عن الحق فلا يرونه، وصموا عنه فلا يسمعونه.
﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن أراهم شيئًا من العذاب تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم، بل بعضهم انتفى بهذه الفتنة التي تاب الله عليهم بعدها، وبعضهم استمر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ فصار بنو إسرائيل أولًا: عموا وصموا جميعًا، ثم أيش؟ تاب الله عليهم، ثم رجعوا، لكن ليس كلهم رجع ولكن أيش؟ البعض، ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، والذين لم يعموا ولم يصموا قليل.
﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قال بعض العلماء: إن هذا هو ما ذكره الله تعالى في سورة الإسراء ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا بعد التوبة ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء ٤ - ٧].
لكن سياق الآية في الإسراء لا يناسب ما في هذه السورة، فالذي في هذه السورة أنهم قتلوا وكذبوا وظنوا ألا يكون لها أثر، ولكن كان لها أثر، ما هذا الأثر؟ لا ندري، الله أعلم. بعد هذا الأثر ما الذي حصل منهم؟ عموا وصموا كثير منهم في هذه الفتنة، يعني عموا عن الحق وصموا عنه، وليس المراد عميت أعينهم الباصرة وآذانهم السامعة، ثم تاب الله عليهم ووفقهم للهداية ثم عموا وصموا بعد ذلك كثير منهم، وليس بلازم أن نعرف ما أبهم الله في القرآن، ما أبهمه الله في القرآن قد يكون فيه مصلحة والمقصود معرفة القصة من حيث هي.
﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ …