Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin

Ayahs 71–80 of 120

71

وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allah turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allah is Seeing of what they do.

ثم قال عز وجل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: ﴿حَسِبُوا﴾ بمعنى: ظنوا ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فيها قراءتان: القراءة الأولى: ضم النون، والقراءة الثانية: فتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، على قراءة أيش؟ ضم النون، ويكون اسمها ضمير الشأن محذوفًا، وجملة (لا تكون) في محل رفع خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعلا مضارعًا منصوب بـ (أن) المصدرية.

* الشيخ: أقول: فيها قراءتان: ﴿أَلَّا تَكُونُ﴾ بالضم بضم النون، ﴿أَلَّا تَكُونَ﴾ بفتح النون، فعلى قراءة الضم تكون (أن) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، و(تكون) خبرها، جملة (تكون) خبرها، وعلى قراءة النصب تكون (أن) مصدرية و(لا) نافية، و(تكون) فعل مضارع منصوب بـ (أن)، فهنا سلط العامل على ما بعده مع الفصل بـ (لا) النافية.

حينئذٍ يسوغ لنا، أو ينبغي لنا أن نتكلم على (أن): (أن) إذا كان ما قبلها علمًا فإنه يجب الرفع، وإذا كان ما قبلها يفيد الظن جاز الوجهان، وإذا كان ما قبلها ليس علمًا ولا ظنًّا وجب النصب، فمثلا تقول: يعجبني من الطالب ألا يجادل، كيف نقرأ اللام؟

* طالب: (ألا يجادل) بالنصب.

* الشيخ: (ألا يجادل) بالنصب يتعين، إذا صار (ظن) تقول: علمت ألا يكونوا كذا، وتكون (أن) مخففة من الثقيلة، إذا كان (ظن) جاز فيها وجهان.

في الآية الكريمة: ﴿حَسِبُوا﴾ ظنوا، ولذلك جاز الوجهان: النصب والرفع: ﴿حَسِبُوا أَلَّا تَكُونُ فِتْنَةٌ﴾ ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حسبوا ألا يكون من جراء فعلهم هذا -وهو التكذيب والقتل- ألا تكون فتنة؛ أي: ألا يفتنوا بتسليط الأعداء عليهم، فاستمروا في طغيانهم.

﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عموا عن الحق فلا يرونه، وصموا عنه فلا يسمعونه.

﴿ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بعد أن أراهم شيئًا من العذاب تاب الله عليهم، ثم رجعوا لكن لم يرجعوا كلهم، بل بعضهم انتفى بهذه الفتنة التي تاب الله عليهم بعدها، وبعضهم استمر، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ فصار بنو إسرائيل أولًا: عموا وصموا جميعًا، ثم أيش؟ تاب الله عليهم، ثم رجعوا، لكن ليس كلهم رجع ولكن أيش؟ البعض، ﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾، والذين لم يعموا ولم يصموا قليل.

﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ قال بعض العلماء: إن هذا هو ما ذكره الله تعالى في سورة الإسراء ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ هذا بعد التوبة ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء ٤ - ٧].

لكن سياق الآية في الإسراء لا يناسب ما في هذه السورة، فالذي في هذه السورة أنهم قتلوا وكذبوا وظنوا ألا يكون لها أثر، ولكن كان لها أثر، ما هذا الأثر؟ لا ندري، الله أعلم. بعد هذا الأثر ما الذي حصل منهم؟ عموا وصموا كثير منهم في هذه الفتنة، يعني عموا عن الحق وصموا عنه، وليس المراد عميت أعينهم الباصرة وآذانهم السامعة، ثم تاب الله عليهم ووفقهم للهداية ثم عموا وصموا بعد ذلك كثير منهم، وليس بلازم أن نعرف ما أبهم الله في القرآن، ما أبهمه الله في القرآن قد يكون فيه مصلحة والمقصود معرفة القصة من حيث هي.

﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ …

Al-Maaida 5:71Listen in Qur'an →
72

لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍۢ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allah, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allah - Allah has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ هذه مؤكدة بكم؟ بثلاثة مؤكدات: القَسم المقدَّر، واللام، و(قد)، وأكد الله تعالى ذلك جريًا على عادة اللسان العربي في تأكيد ما يستحق التأكيد، وإلا فخبر الله عز وجل حق، ثم إن هذا أيضًا: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ﴾ ليس خبرًا مجردًا، بل هو خبر وحكم، وحتى إذا قلنا: إنه حكم عليهم بالكفر، فهو مؤكد لئلا يعارض معارض فيقول: ليس هذا بكفر.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ من هؤلاء؟ هؤلاء النصارى الذين لم يناصروا عيسى ولم يكونوا من حوارييه.

﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ -نسأل الله العافية- والشبهة التي أحدثها الشيطان لهم أنه خُلق بلا أب، والعجب أنهم يقولون: إن الله هو المسيح بن مريم ثم يقولون: إن عيسى بن مريم ولد بغي، فيقذفونه من وجه، يقذفون أمه من وجه، وينزهون أمه ويعلونها من وجه آخر حسب زعمهم.

﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ كلمة: (هو) ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد، من يعرفها؟

* طالب: تأكيد..

* الشيخ: التأكيد.

* الطالب: والحصر..

* الشيخ: والحصر.

* الطالب: والفصل بين الخبر والصفة.

* الشيخ: والفصل بين الخبر والصفة، الفصل يعني التمييز بين كون ما بعده خبرًا أو صفة.

هنا ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ (هو) ضمير فصل يفيد أن هؤلاء أكدوا أن الله هو المسيح، ويفيد حصر الله عز وجل بالمسيح، وأنه لا يتعدى، ويفيد أيش؟ أن المسيح خبر وليس بصفة.

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ المسيح وصف لرجل من أولياء الله، ورجل من أعداء الله. الرجل الذي من أولياء الله عيسى بن مريم، والرجل اللي من أعداء الله الدجال، وقد سماه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسيحًا، حيث أمرنا أن نستعيذ بالله من فتنة المسيح الدجالمتفق عليه؛ البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩ / ١٢٩) من عائشة.، وأما تكايس بعضهم -يعني: بطلب الكيس- وقوله: إن الدجال يسمى المسيخ بالخاء فهذا باطل؛ لأن أعلم الناس به سماه المسيح، ولا مانع من أن يوصف هذا بالمسيح وهذا بالمسيح، لكن يختلف الممسوح، عيسى بن مريم كان لا يمسح ذا عاهة أيش؟ إلا برئ، يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، والمسيح الدجال ممسوح العين، أعور العين، خبيث المنظر، ففرق بين هذا وهذا، وكلاهما مسيح مشتق من المسح.

وقوله: ﴿مَرْيَمَ﴾ هي ابنة عمران، ونُسب عليه الصلاة والسلام إلى أمه لأنه ليس له أب، وإنما أمر الله جبريل أن ينفخ في فرج مريم روحًا فنفخ فيها روحًا، وهو عيسى عليه الصلاة والسلام.

﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، قوله: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ﴾ في إعرابها وجهان: الوجه الأول أنها حال، وبناء على هذا الوجه يتعين تقدير (قد)، ويكون المعنى: لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم وقد قال المسيح: يا بني إسرائيل، يعني كذبهم، والوجه الثاني: أن الواو للعاطفة، ويكون قوله: ﴿قَالَ﴾ معطوفًا على ﴿كَفَرَ﴾، فتكون هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ لأنها معطوفة على جملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات، ويكون المعنى: لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم ولقد قال المسيح بن مريم: يا بني إسرائيل، اعبدوا الله ربي وربكم. والتقدير الأول أبلغ؛ لأن المسيح الذي وُصف بأنه الله رَدَّ على هؤلاء الذين وصفوه، كفروا وقد قال لهم وبيّن لهم أنه عليه الصلاة والسلام عبدٌ فقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾.

* طالب: بارك الله فيكم، الكثير من الصفات التي ذكرها الله عز وجل في بني إسرائيل موجودة في بني إسرائيل الذين يعاصروننا الآن؛ من التعنت والعناد وما إلى ذلك، لكن بعض الصفات -يا شيخ- التي ذكرها الله عز وجل يعني بني إسرائيل …

Al-Maaida 5:72Listen in Qur'an →
73

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

They have certainly disbelieved who say, "Allah is the third of three." And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ هؤلاء طائفة أخرى من النصارى، النصارى الذي تحدث عنهم الآية الأولى ماذا قالوا؟ قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ يعني أن المسيح والله رب العالمين واحد، هؤلاء غيرهم، قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ثالث ثلاثة، من هؤلاء الثلاثة؟ ذكرهم الله تعالى في هذه السورة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة ١١٦]، إذا كانا إلهين من دون الله والله صاروا ثلاثة، إذن ثالث ثلاثة هم: الله، والمسيح، وأمه، هؤلاء هم الثلاثة، فسر ذلك القرآن، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، وأما ما قيل: إنه الابن والأب وروح القدس، ففيه نظر، يعني لا نفسر بالقرآن، وإن كان قد يكون منهم أو من المتأخرين منهم من يقول: إن هؤلاء هم الثلاثة ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾.

قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ الوقوف على ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍْ﴾ متعين؛ لأنه لو وصل لفهم المخاطب أن قوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ من قول هؤلاء الكفار.

﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ هذه بمعنى (لا إله إلا الله)، لكن تختلف عنها في الإعراب، مثلًا نقول: (ما) نافية، ويكمل الإعراب العربي منكم.

* طالب: وما من إله إلا الله..

* الشيخ: (ما) نافية.

* الطالب: (ما) نافية، و(من) حرف جر زائدة.

* الشيخ: ليش زائدة؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: يعني: زائد إعرابًا مفيد معنًى.

* الطالب: (إله) مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحرف الجر الزائد، و(إلا) أداة الاستثناء، و(إله) خبر.

* الشيخ: نقول: أداة استثناء ولّا نقول: أداة حصر؟

* الطالب: تفيد الحصر.

* الشيخ: نعم أداة حصر.

* الطالب: أداة حصر، و(إله) خبر مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، و(واحد) صفة.

* الشيخ: بارك الله فيك.

أبطل الله هذا القول؛ قولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ بقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وهذا خبر من أصدق المخبرين، خبر مؤكد بماذا؟ بحرف الجر الزائد وبالحصر.

﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ولا يمكن أن يكون أكثر من إله؛ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢]، أليس الله قال هكذا؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: وكذلك أيضًا بيّن في آية أخرى في قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا﴾ يعني لو كان كذلك ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ وانفرد بمخلوقاته ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون ٩١]، يعني إذا انفرد كل إله بما خلق، وكل إله يريد أن تكون الألوهية له؛ لا بد أن يقع بينهم قتال، وإذا وقع بينهم قتال علا بعضهم على بعض، أحيانًا يعلو هذا وأحيانًا يعلوا هذا، ومن المعلوم أن العالي هو المستحق أن يكون إلهًا وحده، وأن المعلو عليه لا يستحق أن يكون إلهًا. وانظر الآن لو خرجتم لسفر وأمّرتم زيدًا وعمرًا، كلاهما أمير، ويش يكون؟

* طالب: فوضى.

* طالب آخر: واضطراب.

* الشيخ: فوضى واضطراب، ولا يمكن أبدًا أن تكون الآلهة متعددة، لو تعددت لفسدت الدنيا كلها، ولهذا قال: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ مؤكد، أكد ذلك -الوحدانية- بقوله: ﴿وَاحِدٌ﴾، من هو؟ الله عز وجل.

﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ﴾ هذه فيها إشكال في الإعراب.

* طالب: شيخ بارك الله فيك، قلنا في أصحاب الأعراف: إنهم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فيحبسون في مكان بين الجنة والنار، هل معنى هذا يا شيخ أن من زادت له سيئاته واحدة …

Al-Maaida 5:73Listen in Qur'an →
74

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

So will they not repent to Allah and seek His forgiveness? And Allah is Forgiving and Merciful.

ثم قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الاستفهام هنا ليس استفهام استخبار أو استعلام لأن الله يعلم، لكن قيل: إنه للعَرْض، وقيل: إنه للتوبيخ، فمن العلماء من قال: إن الاستفهام للتوبيخ؛ أي أن الله يوبخهم على عدم التوبة والاستغفار، ومنهم من قال: إن الله يعرض عليهم فهو عرض، كما تقول للشخص: ألا تزورنا؟ والأليق بكرم الله عز وجل وجوده أن تكون للعرض أي أن الله عرض عليهم التوبة، فحينئذ نقول: الاستفهام للعرض.

طيب، في الإعراب ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾ معروف أن الهمزة لها الصدارة، وهنا جاءت الفاء العاطفة فكيف يستقيم الكلام؟ يعني إذا جاءت الفاء العاطفة فهذا يعني أن الجملة التي بعدها أيش؟ معطوفة على ما قبلها، وهذا فيه إشكال بأن الاستفهام له الصدارة، فاختلف النحويون في هذا؛ منهم من قال: إن همزة الاستفهام داخلة على جملة، والفاء عاطفة على تلك الجملة التي هي مدخول الهمزة، وحينئذ يكون الاستفهام له الصدارة، بماذا نقدر هذه الجملة؟ يقول: باعتبار السياق، انظر المناسب للسياق وقدِّرْه، وكل سياق له ما يناسبه، فمثلًا: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ﴾ كيف نقدِّر؟ أستكبروا فلا يتوبون إلى الله على القول بأنها، أيش؟ للتوبيخ، لكن على القول بأنها للعرض؟ نعم (...) هذه كلها تدل على التوبيخ لكن العرض يُقَدَّر فعل يدل على جود الله وكرمه مثلًا: أغفلوا عن كرم الله وجوده فلا يتوبون.

وقال بعض المعرِبين؛ بعض النحويين: إن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن الأصل أن الفاء مقدمة على الهمزة، والتقدير: فألا يتوبون، وتكون الهمزة هنا في صدر جملتهم المعطوفة على ما سبق، وهذا لا شك أنه أهون على الإنسان من جهة التقدير؛ لأنه قد يصعب على الإنسان أن يقدر جملة مناسبة للسياق، فإذا قلنا: الهمزة للاستفهام ومحلها بعد الفاء، والفاء مزحلقة عن مكانها سهل الأمر.

قوله: ﴿يَتُوبُونَ﴾ أي: يرجعون؛ لأن تاب وثاب وأناب وما أشبهها كلها معانيها متقاربة، فـ﴿يَتُوبُونَ﴾ إلى الله أي: يرجعون إلى الله من معصيته إلى طاعته، من الشرك إلى التوحيد، من التعطيل إلى الإثبات وهلُمَّ جرًّا.

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ يسألونه المغفرة، فما هي المغفرة؟ أحسن ما قيل فيها: إنها: ستر الذنب والتجاوز عنه، هذه المغفرة؛ لأنها مشتقة من المِغْفَر وهو الذي يوضع على الرأس لاتقاء السهام عند القتال، و المِغْفَر فيه ستر ووقاية، ولا ينبغي أن نقول: إن المغفرة ستر الذنب فقط، بل نقول: هو ستر مع عفو ووقاية من العذاب، ويؤيد هذا الاشتقاق أنه مشتق من المغفر، وربما يؤيده ما ثبت في الحديث الصحيح: «أن الله عز وجل يخلو بعبده المؤمن فَيُقَرِّرُه بذنوبه، فإذا أقر بها، قال الله له: إني قد سَتَرْتُهَا عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم»متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.. ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الجملة معطوفة على ما سبق لكنها تفيد أنه عز وجل أَهْلٌ لأن يُسْتَغْفَر، وأنه إذا استُغفر غفَر فإنه غفور رحيم، ودائمًا يُقْرِن الله تعالى بين هذين الاسمين الكريمين؛ لأن بالأول يَزول المرهوب وتُغفَر الذنوب، وبالثاني يَحْصُل المطلوب؛ لأن الرحمة جلب الخير والإحسان.

* في هذه الآية الكريمة: الحث على التوبة إلى الله عز وجل، وتوبيخ من لم يتب، والتوبة كما قلنا: هي الرجوع من معصية الله إلى طاعته، والمعصية لها أنواع، ذكَر العلماء رحمهم الله أن التوبة لها شروط وهي خمسة: الإخلاص، الندم، الإقلاع، العزم على ألا يعود، أن تكون في وقت تُقْبَل فيه التوبة، خمسة شروط: الإخلاص، بمعنى ألا يكون الحامل للإنسان على التوبة مراءاة الناس أو الحصول على شرف أو جاه أو ما أشبه ذلك وإنما يحمله على التوبة مخافةُ الله عز وجل ورجاءُ ما عنده.

ثانيًا: الندم على ما فُعِلَ من المعصية.

فإن …

Al-Maaida 5:74Listen in Qur'an →
75

مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food. Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة ٧٥ - ٧٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ في الإعراب ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ من المعروف أن القرآن بلسان قريش؛ لأن لسان قريش أفصح لسان العرب، وأن (ما) عندهم تعمل عمل (ليس) كقوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف ٣١] لكنها هنا لم تعمل لانتقاض النفي ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ﴾ وإذا انتقض النفي أهملت ولم تعمل عمل (ليس).

فإذا قلت: ما محمد قائمًا، فهذا صحيح، ما محمد إلا قائم؟ صحيح، ما محمد إلا قائمًا؟ غلط؛ لأنه إذا انتقض النفي وجب إهمالها.

يقول عز وجل: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ المسيح بن مريم هو ابن مريم بنت عمران وسمي مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا بَرِئ بإذن الله، وأما المسيح الدجال فإنه يسمى مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين أعور، وقيل: لأنه يمسح الأرض بالسير عليها؛ لأنه يسير فيها كالسحاب استدبرته الريح.

﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ يعني وليس إلهًا كما زعم هؤلاء، بل هو رسول مرسل من قِبَل الله عز وجل وهو الله تبارك وتعالى.

﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: مضت من قبله الرسل فليس ببدع من البشر؛ لأن الرسل سبقوا فهو مثلهم.

﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ يعني: أمه من الصدِّيقات أي الصادقة في القول والعقيدة، المصدقة لمن قامت الأدلة على صدقه؛ لأن الصدِّيق هو الصادق المصدِّق؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] هذا هو الصديق، فأمه رضي الله عنها صِدِّيقَة وهي من النساء الكُمَّل التي قال فيها النبي ﷺ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا أَرْبَعٌ»متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري. وذكر منهن مريم بنت عمران.

﴿كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ ﴿كَانَا﴾ الضمير يعود على المسيح وأمه.

﴿يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ فهما محتاجان للغذاء مفتقران إليه فلا يصح أن يكونا إلهين؛ لأن الإله مستغن عن غيره كما قال الله تعالى في وصف نفسه: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام ١٤].

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ ﴿انْظُرْ﴾ أيها المخاطب، وأول مَن يدخل في هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

﴿كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ﴾ يعني: ﴿انْظُرْ﴾ كيفيته؛ ولهذا نقول: إن ﴿كَيْفَ﴾ هنا مفعول ﴿انْظُرْ﴾ وليست اسم استفهام، بل هي مفعول ﴿انْظُرْ﴾ أي: انظر كيفية تبيين الآيات لهم.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ﴾ أي: نوضح ﴿لَهُمُ﴾ أي: لبني إسرائيل الذين ادَّعوا أن عيسى وأمه إلهان.

كَيْفَ نُبَيِّنُ …

Al-Maaida 5:75Listen in Qur'an →
76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ

Say, "Do you worship besides Allah that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allah who is the Hearing, the Knowing?"

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة ٧٦] ﴿قُلْ﴾ أي: يا محمد، أو قل: أيها المخاطب المُوَحِّد لمن؟ لكل من يَعبد من دون الله أحدًا، قل له: ﴿أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾.

وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مِن سواه.

﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ يعني: لا يملك أن يَدفع الضُّر عنكم ولا أن يجلب لكم النفع، وقيل: المعنى ما لا يملك لكم ضرًّا لو عصيتموه ولا نفعًا لو أطعتموه، فعلى التفسير الأول يكون في الآية حذف، ما هو الحذف؟ ما لا يملك لكم دفع الضُّر، والقاعدة أنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام شيء محذوف أو لا يكون فما الأصل؟

* طالب: عدم الحذف.

* الشيخ: عدم الحذف، وعلى هذا فيكون ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ يعني لو؟

* طالب: عصيتموه.

* الشيخ: عصيتموه وخالفتموه، ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ لو أطعتموه.

﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يعني: كيف تعبدون ما لا يملك لكم ضرًا ولا نفعًا وتَدَعون من هو السميع العليم وهو الله عز وجل، السميع لما تقولون، العليم بما تعملون من قول وفعل.

* في هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: الإنكار على عابدي الأوثان؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَتَعْبُدُونَ﴾ للإنكار.

* ومن فوائدها: أن الأصنام لا تملك نفعًا ولا ضرًّا، وهذا مُسلَّم به.

* وينبني على هذه الفائدة: ضلال أولئك الذين يعبدون الأصنام، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥] لا يسمعونها ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ [الأحقاف ٦] فهم لا ينفعونهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل يعادونهم.

فإن قال قائل: إنه قد يَدْعُو الإنسان الصنم في كشف ضُرٍّ فيُكْشَف الضُّر أو في جلب نفع فيأتي النفع والقرآن صريح بأن جميع الأصنام لا تنفع ولا تضر؟

فالجواب: أن هذا من الابتلاء وأنه يحصل عند دعائها لا بدعائها؛ لأننا نؤمن يقينًا بأنها لا يمكن أن تستجيب إلى يوم القيامة لو دُعيت إلى يوم القيامة ما استجابت، لكن قد يَفْتِن الله العباد بحصول الشيء أيش؟

* الطلبة: عنده.

* الشيخ: عند الدعاء لا بالدعاء، يكون الله عز وجل قد قدَّر حصول هذا الشيء في هذا الوقت المعين الذي كان فيه الدعاء وليس بالدعاء، نعلم بهذا يقينًا؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥].

وفي هذا الذي قررناه الحذر أي أن يحذر الإنسان من تسهيل أسباب المعصية له فإن الإنسان قد يُبْتَلَى وتُسَهَّل له أسباب المعصية فيقع فيها إلا من شاء الله؛ ولهذا كان مَنْ تيسرت له أسباب المعصية، ولكنه تركها لله كان أعظمَ أجرًا ممن لم تتيسر له.

انظر إلى الشاب الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، فهذا المدعو رجل دعته امرأة وهو شاب به الشهوة ليس عندهما أحد ولا يطلع عليهما أحد؛ لأنه لم يذكر مانعًا إلا أنه يخاف الله، وهذا يدل على أن جميع الأمور متيسرة له، لكن لما ترك هذا لله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، اللهم اجعلنا من هؤلاء.

المهم أنه لو لَبَّس علينا أولئك القوم الذين يعبدون من دون الله ويدعونهم بحصول المقصود فالجواب؟ أن هذا لم يحصل بالدعاء قطعًا وإنما حصل عند الدعاء.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الضرر والنفع من الله عز وجل؛ لأنه أَعْقَب نفيَ الضرر والنفع لهذه الأصنام بقوله: ﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وهو كذلك؛ قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ …

Al-Maaida 5:76Listen in Qur'an →
77

قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓا۟ أَهْوَآءَ قَوْمٍۢ قَدْ ضَلُّوا۟ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا۟ كَثِيرًۭا وَضَلُّوا۟ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: قل يا محمد.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ أي: يا أصحاب الكتاب، والمراد بهم اليهود والنصارى، وبالكتاب التوراة والإنجيل، المراد الجنس، و(أل) هنا للعهد أي: الكتاب (...) الذي يعرفه المخاطب.

﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي: في عبادتكم، والغلوُّ مجاوزة الحد، وذلك حيث قالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وتشدد اليهود في أشياء لم تكن مكتوبة عليهم، وإن كان اليهود قد شُدِّد عليهم كما قال الله عز وجل: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء ١٦٠].

المهم أن المراد ﴿لَا تَغْلُوا﴾ أي: لا تجاوزوا الحد.

﴿فِي دِينِكُمْ﴾ في عبادتكم.

وقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي غلوًّا غير الحق، والوصف هنا ليس للقيد؛ لأن الغلو كله ليس بحق لكنه بيان للواقع، ويُسَمِّي العلماء مثل هذا القيد الذي لبيان الواقع يسمونه: صفة كاشفة.

وقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ الحق ما وافق الشرع، والباطل ما خالف الشرع.

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ﴾ (الأهواء) جمع هوًى، والمراد بالهوى هنا ما خالف شريعة الله؛ لأن الأعمال إما هوى وإما هدى؛ فما وافق الشرع فهو هدى وما خالفه فهو هوى.

وقوله: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ يشير إلى علمائهم ورهبانهم الذين حرَّفوا دين الله فضلوا وأضلوا، والله سبحانه وتعالى يقول: اتبعوا ما أنزل إليكم ولا تتبعوا أهواء هؤلاء القوم الذين ضلوا من قبل.

﴿وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ يعني ما (...) ضالين بأنفسهم كانوا أئمة في الضلال فأضلوا كثيرًا، كثيرا ممن؟ كثيرًا من الناس، فصاروا -والعياذ بالله- ضالين بأنفسهم مُضِلِّين لغيرهم عكس الصالحين المصلحين أو المهتدين الهادين.

﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ هذا عطف للتوضيح والإيضاح؛ لأنه قال: ﴿ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ عن أيش؟ يُبَيِّنُه بقوله ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ أي: عن مستقيم السبيل، السواء يطلق على معان كثيرة؛ منها: الاستقامة، المعنى: عن السبيل المستقيم، فهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها.

* في هذه الآية الكريمة: أمرُ النبي ﷺ أمرًا خاصًّا أن يقول هذا القول، وقد بَيَّنَا في غير موضع أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مأمور أن يبلغ القرآن كله، لكن أحيانًا يُوَجَّه إليه الخطاب بتبليغ شيء معين لماذا؟ للاعتناء به.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل الكتاب عندهم غلو، وهو واضح، فالنصارى يقولون: إن عيسى ابن الله، واليهود يقولون: إن عزيرًا ابن الله، وهم أيضًا يَتَّبِعُون أحبارهم ورهبانهم ويتخذونهم أربابًا (...).

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه إذا نُهِيَ أهل الكتاب عن الغلو -والغلو في ذاته مفسدة- فكذلك يُنْهَى غيرُهم؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ من الغلوِّ في الدين ومن الغلوِّ في نفسه «فكان عليه الصلاة والسلام ينهى عن الغلو في الدين، فنهى الذين قالوا: إنا نصوم ولا نفطر، ونقوم ولا ننام، ولا نتزوج النساء، ولا نأكل اللحم»متفق عليه؛ البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١ / ٥) من حديث أنس.، «وأخذ حصيات في حجة الوداع وجعل يقلبها في يده ويقول: «بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ فَارْمُوا، وَإِيَّاكُمْ والْغُلُوِّ فِي الدِّينِ»أخرجه النسائي (٣٠٥٧) وابن ماجه (٣٠٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.، وسَمَّى الذين أرادوا المواصلة في الصوم سَمَّاهم الْمُتَعَمِّقِينَ تحذيرًا لفعلهم،« ودعا على المُتَنَطِّعِين في دينهم ثلاث مرات فقال: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون»أخرجه مسلم (٢٦٧٠ / ٧) من حديث عبد الله بن مسعود. والغالب أن الغالي الغالب أنه ينحرف نسأل الله العافية؛ لأن الغلو خلاف الفطرة فيكون الغلو هذا ظاهريًّا فقط ويكون …

Al-Maaida 5:77Listen in Qur'an →
78

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

ثم قال عز وجل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة ٧٨].

﴿لُعِنَ﴾ مبني للمجهول، أو إن شئت فقل: مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا هو الأدق، الأدق أن يقال: مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأنك لو قلت: مبني للمجهول لأشكل علينا قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فإن هنا الفاعل غير مذكور، لكنه معلوم ولَّا غير معلوم؟

* الطلبة: معلوم.

* الشيخ: معلوم.

إذن التعبير بقولنا: فعل ماض -في الغالب- مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، أولى من مبني للمجهول، فمَن الذي لعنهم؟

* طالب: الله.

* الشيخ: إذا كان هنا مبني لما لم يسم فاعله فمن الذي لَعَن؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأن كل مَنْ لعنه الله فإن أولياء الله يلعنونه، بل إن الناس حتى غير أولياء الله يلعنونه كما قال عز وجل في أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨].

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والذين كفروا هم الذين لم يثبتوا على الدين الذي كُلِّفوا به، فمثلًا بنو إسرائيل قبل بَعْثَة عيسى دينهم هو دين موسى فإذا خالفوه فقد كفروا، والنصارى بعد بعثة عيسى وقبل بعثة محمد ﷺ دينهم النصرانية فمن خالفها فهو كافر.

قال: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يعني: أن داود عليه الصلاة والسلام وعيسى بن مريم دعوا عليهم باللعنة فقالا: اللهم العنهم.

وقوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ داود من أنبياء الله لا شك، لكنه أعطيَ النبوة وشيئًا من الملك ولكن الملك الأتم لابنه سليمان.

﴿دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه اللعن الذي دل عليه الفعل ﴿لُعِنَ﴾، وهنا عاد الضمير على ما اشتُق منه الفعل أي ذلك اللعن بما عصوا.

وقوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ الباء هنا للسببية و(ما) مصدرية أي: بعصيانهم، والمعصية خلاف الطاعة، والطاعة: موافقة الآمر باجتناب ما نهى عنه وفعل ما أَمر به.

﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوفة على: ﴿عَصَوْا﴾ أي: على صلة الموصول أي: بعصيانهم واعتدائهم، اعتدائهم على مَن؟ اعتدوا على الخالق عز وجل فقالوا في حقه ما لا يليق به واعتدوا أيضًا على المخلوق فقتل بعضهم بعضًا.

وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ لو قال قائل: أليس الاعتداء من المعصية؟ فالجواب: بلى، هو من المعصية، لكن قد يخص بعض الأفراد بالذكر لأهميته والعناية به أو لكونه أشد وأقبح، ثم بيّن ذلك العدوان والمعصية قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا؛ لأن المفاعلة تدل على الاشتراط من الجانبين، والنهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، هذا هو النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، وعلى هذا فلو أمر العبد سيده بأمر أو نهاه عن شيء لم يكن آمرًا ولا ناهياً؛ لأنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، اللهم إلا أن يَدَّعِي العبد أنه أعلى من سيده فهذه دعوى يعني قد يتخيل أنه أعلى من سيده فيوجّه إليه الأمر والنهي.

وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ﴾ المنكر هو ما أنكره الشرع من تفريط في واجب أو انتهاك لمحرم، هذا هو المنكر، وهل المرجع فيها إلى العُرف أو إلى الشرع؟ إلى الشرع؛ لأن الناس قد ينكرون ما ليس بمنكر وقد يقرون ما هو منكر، فالمرجع إذن إلى الشريعة لا إلى عُرْف الناس.

وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كيف يقول: ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ لأن المفعول لا يتوجه إليه النهي إذ إنه تَمَّ وفُعل، لكن الآية أي عن الاستمرار في منكر فعلوه؛ لأن المنكر الذي فُعل لا يمكن أن يَرِد عليه النهي، إذا قام الإنسان هل أقول: لا تقم؟ لا، إن قلت: لا تقم فالمعنى لا تستمر في …

Al-Maaida 5:78Listen in Qur'an →
79

كَانُوا۟ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍۢ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

ثم قال عز وجل: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة ٧٨].

﴿لُعِنَ﴾ مبني للمجهول، أو إن شئت فقل: مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهذا هو الأدق، الأدق أن يقال: مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله؛ لأنك لو قلت: مبني للمجهول لأشكل علينا قول الله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فإن هنا الفاعل غير مذكور، لكنه معلوم ولَّا غير معلوم؟

* الطلبة: معلوم.

* الشيخ: معلوم.

إذن التعبير بقولنا: فعل ماض -في الغالب- مَبْنِيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، أولى من مبني للمجهول، فمَن الذي لعنهم؟

* طالب: الله.

* الشيخ: إذا كان هنا مبني لما لم يسم فاعله فمن الذي لَعَن؟

* الطلبة: الله.

* الشيخ: الله والملائكة والناس أجمعين؛ لأن كل مَنْ لعنه الله فإن أولياء الله يلعنونه، بل إن الناس حتى غير أولياء الله يلعنونه كما قال عز وجل في أهل النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف ٣٨].

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ والذين كفروا هم الذين لم يثبتوا على الدين الذي كُلِّفوا به، فمثلًا بنو إسرائيل قبل بَعْثَة عيسى دينهم هو دين موسى فإذا خالفوه فقد كفروا، والنصارى بعد بعثة عيسى وقبل بعثة محمد ﷺ دينهم النصرانية فمن خالفها فهو كافر.

قال: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يعني: أن داود عليه الصلاة والسلام وعيسى بن مريم دعوا عليهم باللعنة فقالا: اللهم العنهم.

وقوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ داود من أنبياء الله لا شك، لكنه أعطيَ النبوة وشيئًا من الملك ولكن الملك الأتم لابنه سليمان.

﴿دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ﴾ المشار إليه اللعن الذي دل عليه الفعل ﴿لُعِنَ﴾، وهنا عاد الضمير على ما اشتُق منه الفعل أي ذلك اللعن بما عصوا.

وقوله: ﴿بِمَا عَصَوْا﴾ الباء هنا للسببية و(ما) مصدرية أي: بعصيانهم، والمعصية خلاف الطاعة، والطاعة: موافقة الآمر باجتناب ما نهى عنه وفعل ما أَمر به.

﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ قوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ معطوفة على: ﴿عَصَوْا﴾ أي: على صلة الموصول أي: بعصيانهم واعتدائهم، اعتدائهم على مَن؟ اعتدوا على الخالق عز وجل فقالوا في حقه ما لا يليق به واعتدوا أيضًا على المخلوق فقتل بعضهم بعضًا.

وقوله: ﴿وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ لو قال قائل: أليس الاعتداء من المعصية؟ فالجواب: بلى، هو من المعصية، لكن قد يخص بعض الأفراد بالذكر لأهميته والعناية به أو لكونه أشد وأقبح، ثم بيّن ذلك العدوان والمعصية قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ﴾ أي: لا ينهى بعضهم بعضًا؛ لأن المفاعلة تدل على الاشتراط من الجانبين، والنهي هو طلب الكف على وجه الاستعلاء، هذا هو النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، وعلى هذا فلو أمر العبد سيده بأمر أو نهاه عن شيء لم يكن آمرًا ولا ناهياً؛ لأنه طلب الكف على وجه الاستعلاء، اللهم إلا أن يَدَّعِي العبد أنه أعلى من سيده فهذه دعوى يعني قد يتخيل أنه أعلى من سيده فيوجّه إليه الأمر والنهي.

وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ﴾ المنكر هو ما أنكره الشرع من تفريط في واجب أو انتهاك لمحرم، هذا هو المنكر، وهل المرجع فيها إلى العُرف أو إلى الشرع؟ إلى الشرع؛ لأن الناس قد ينكرون ما ليس بمنكر وقد يقرون ما هو منكر، فالمرجع إذن إلى الشريعة لا إلى عُرْف الناس.

وقوله: ﴿عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كيف يقول: ﴿لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ لأن المفعول لا يتوجه إليه النهي إذ إنه تَمَّ وفُعل، لكن الآية أي عن الاستمرار في منكر فعلوه؛ لأن المنكر الذي فُعل لا يمكن أن يَرِد عليه النهي، إذا قام الإنسان هل أقول: لا تقم؟ لا، إن قلت: لا تقم فالمعنى لا تستمر في …

Al-Maaida 5:79Listen in Qur'an →
80

تَرَىٰ كَثِيرًۭا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِى ٱلْعَذَابِ هُمْ خَٰلِدُونَ

You see many of them becoming allies of those who disbelieved. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allah has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٨٠] ﴿تَرَى﴾ يحتمل أن تكون رؤية عِلْمِيَّة ويحتمل أن تكون رؤية بصرية؛ لأن تولي الكافرين يُشاهَد بالعين ويُعْلَم بالقلب.

ثم، هل الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن كان في زمنه أو لكل إنسان؟

الظاهر للعموم، وهكذا ينبغي أن نسلك طريق العموم في جميع الخطابات القرآنية؛ لأن القرآن نزل للأمة إلى قيام الساعة إلا إذا منع منه مانع فيجب أن نقتصر على ما دل عليه.

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ﴾ أي: مِنْ هؤلاء الذين لعنوا من بني إسرائيل.

﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: يتخذونهم أولياء، يوالونهم بالنصرة والمعونة والمساعدة، ومن هؤلاء اليهود حينما ساعدوا قريشًا عام غزوة الأحزاب، عام غزوة الأحزاب فإنهم تولوا الذين كفروا وساعدوهم وعاونوهم.

﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقيل: إن المراد بـ(الذين كفروا) هم الذين كفروا بقلوبهم وآمنوا بألسنتهم وهم المنافقون؛ لأن المنافقين مع اليهود في المدينة على خطٍّ واحد يَتَوَلَّونهم ويساعدونهم ويمكرون بالنبي عليه الصلاة والسلام كما يمكر المنافقون.

ولو قيل: إن الآية عامة لكان أولى بناء على القاعدة التي تقررت أنه إذا كانت الآية أو الحديث يدل على معنيين على السواء ولا ينافي أحدهما الآخر، فالواجب حمله على المعنيين توسيعًا للمعاني الشرعية وتبرئةً للذمة؛ لأننا لو اقتصرنا على أحد المعنيين والله ورسوله أراد المعنيين لتعلُّق ذلك (...).

﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ﴿كَفَرُوا﴾ هل المراد كفروا ظاهرًا وباطنًا أو كفروا باطنًا وآمنوا ظاهرًا أو الأمران؟

* طلبة: الأمران.

* الشيخ: الأمران جميعًا.

﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: لبئس الذي قدمت لهم أنفسهم سَخَطُ الله عليهم، يعني أن سَخَطَ الله عليهم بئس ما قدموه لأنفسهم، وإنما قدموا سَخَط الله لأنفسهم؛ لأنهم فعلوا ما يوجب سُخْطه فكأنهم قدموا لأنفسهم سخط الله عليهم.

﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ والسُّخْط والغضب معناهما متقارب، وهما وصفان ثابتان لله عز وجل على وجه الحقيقة، وهما غير الانتقام وغير إرادة الانتقام بل هما شيء سابق لإرادة الانتقام وسابق للانتقام.

بالنسبة لنا (السَخَط) حال تعتري الإنسان عند وجود ما يثيره من قول أو فعل؛ وتجد الإنسان ينفعل ويختل تفكيرُه حتى إنه يفعل ما لا تُحْمَد عقباه.

والسخط يكون فيه انتقام من الساخط، وقد يعفو الله عز وجل عن المسخوط عليه إذا اقتضت رحمته وحكمته ذلك.

﴿أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ قوله: ﴿فِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ فيها نوع من التوكيد؛ وذلك بوجود الضمير، وإلا لو قيل: لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب خالدون، لاستقام الكلام لكن للتوكيد جاءت كلمة (هم).

و(الخالد) هو الماكث مُكْثًا طويلًا، هذا في الأصل وقد يراد به المكث الدائم حسب الأدلة والسياق.

* في هذه الآية فوائد؛ منها: أنَّ بني إسرائيل قد يَتَوَّلْون الكفار ممن كفرُهم صريح أو خَفِيّ فهم يوالون الكفار والمنافقين -والعياذ بالله- على رسول الله ﷺ، وإن كان بعضهم مع بعض، قد لا يكون بعضهم إلى الآخر حبيبًا مستحقًّا للولاية لكن لأنهم ضِدُّ ثالثٍ.

* ومن فوائد هذه الآية: التحذير من موالاة الكافرين، وموالاة الكافرين أنواع كثيرة؛ منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما هو دون ذلك؛ فالتولِّي التامُّ كفر؛ بمعنى أن يكون معهم على الخطأ والصواب، وعلى المسلم وغير المسلم، وعلى دين الإسلام وغيره، هذا لا شك أنه كفر؛ والتولِّي في بعض الأمور كالمعاقدة معهم في أمور اقتصادية مثلًا أو تجارية أو عمل حرث أو زراعة، هذا لا يؤدي إلى الكفر؛ لأنه قد يعامله وقلبه مُنْكِر له مبغض له، بخلاف الذي يقول: إنه معهم على …

Al-Maaida 5:80Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn 'Uthaymin by Muhammad ibn Salih al-'Uthaymin. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.